أبيــــــض و أســــــود
24-04-2016, 06:47 PM
.gif)
.gif)
أبيض أسودتطلع بإمعان إلى هذا السطح الزجاجي الصقيل...خلفه تقبع في إصرار صورة مهترئة بالأبيض و الأسود.
لقد تحملت تعاقب الأيام بضراوة و لم تفقد من ملامحها و بريقها إلا النزر القليل...هذه الصورة أصيلة مثل نخيل بغداد السامق. لا يحفل بتصرم الأزمان و تغير المواسم...
احتضن الكهل تلك الصورة و لثم زجاجها الأسيل بشفتين مرتعشتين.
و بث فيها مودته و وجعه و حنينه إلى أيام الشباب المتسربة.
تك تك تك تك كانت قطرات المطر في هذه اللحظة تعزف نشيدها اللذيذ خارج البيت و تنزلق على زجاج النوافذ الملونة... أنامل الرجل لا تزال تتلمس الإطار الخشبي للصورة العتيقة و تحوطها بالعناية و الرفق و الحنان.
نفر من الشباب في أتم الأناقة و الوسامة يتوسطون تلك الصورة و الابتسام يضيء سحناتهم البريئة...أحدهم هناك في الخلف، ناحل الجسم و قصير القامة يبدو أنه كان يصارع من أجل أن يظهر في الصورة جليا و بارزا مثل بقية الرفاق.
ملامحه توشك أن تنطق قائلة " أنا موجود هنا في
الخلف"...شيء ما كان معلقا في يده اليمنى...انه رفيق دربه و أحب شيء في الوجود إلى قلبه... كمان رائع من الخشب الايطالي الأصيل...
هنا أفرج الكهل بين شفتيه عن ابتسامة عريضة أضاءت ما تبقى من وسامة في ملامحه. و أزاحت عن جبينه المضيء ما تراكم من غبار السنين المتعاقبة.
انزلقت أصابع سي رشيد الطويلة على زجاج الصورة البارد...تلمس وجوه أولائك الرفاق ..لقد خطفت يد المنايا أغلبهم.
و بسبابته اليمنى راح يتلمس في فخر بالغ وجه ذلك الشاب القصير...هتف بصوت عطوف - يا ليت أيام الشباب تعود و لو يوما واحدا-
وضع أخيرا سبابته الحانية على سر سعادته و عشق حياته و منبع أمجاده . فوق ذلك الكمان... و كأنما يريد أن يجدد العهد مع تلك الآلة الحبيبة إلى قلبه مثلما يجدد العشاق لحظات الغرام المنصرمة...
تزاحم في ذهن سي رشيد على الفور شريط من الذكريات اللذيذة. تحديدا يوم إن التحق بالفرقة الموسيقية للبلدة...
لن ينس أول حفلة شارك فيها. انطلق ذلك الحفل الخالد بكل عزم و طموح و حبور.لقد كان احتفالا بعيد العمال ...
جاء دوره ليعزف على الكمان .أجل ذلك الكمان نفسه الظاهر على الصورة...استرسل في العزف و ظفر في لحظات بإعجاب الجمهور و تصفيقه. كانت تلك بداياته الأولى...و دون سابق إنذار حدث ما لم يكن في الحسبان. طنننننننننننننننننن انقطع أحد أوتار الكمان .ثم الثاني و الثالث و ضجت القاعة بضحك هستيري و اجتاحت صاحبنا عاصفة من الخجل و تمنى يومها لو أن أمه لم تلده قط...
لم يكن من السهل على سي رشيد أن يشق طريق المجد بسهولة وسط كوكبة من الموسيقيين اللامعين ...لكن مع انسلاخ الأيام أصبح الرجل عازفا لامعا و موسيقيا مرموقا يتهافت الصحفيون للظفر بحديث صحفي معه....
طق طق طق أحدهم قرع الباب. دخلت ابنته الغرفة تحمل طبق القهوة المعتاد في هذا الوقت من المساء. بادرها الوالد في رقة بالغة لا تصدر إلا عن فنان موهوب – حنان إلي بالكمان لو سمحت -
هرعت الفتاة في خفة الفراشة إلى المكتب ... التقطت الآلة الموسيقية و ناولتها للكهل قائلة – أوه يا أبتي يبدو أن موجة البرد التي ألمت بك قد ولت إلى غير رجعة. أنا أتحرق شوقا إلى عزفك الآسر -
في الخارج و فوق أوراق الشجر كان المطر يهطل في تؤدة و يرسل رائحته الرطبة إلى أرجاء هذا البيت الوسيع...
ضبط الفنان أوتار الكمان و أرسل الألحان من بين أصابعه الطويلة لتعانق الآذان الظمآنة...
و توالت النوتات الموسيقية العذبة لتسبح في فضاءات البيت بكل أريحية...رائحة المطر أضفت على هذا الاحتفال البهيج مسحة رومانسية . و سبح خيال الفتاة إلى ضفاف ذكرياتها الجميلة. لكن سنة من النوم تسبح بالفتاة بعيدا إلى حيث الموسيقى و الربيع و الشمس و الحب...
استفاقت فجأة على عزف بعيد جدا. كأنه قادم من مغارة سحيقة جدا... هي تعرف هذا العزف الجميل كما تعرف نفسها...انه عزف والدها سي رشيد. لكن الكهل ليس في هذه الغرفة.- أين هو إذن؟- تساءلت بخوف متلاحق ...
ارتاعت الفتاة و استبد بها القلق. نطت من مجلسها و ألقت ببصرها خارج النافذة ..." رباااااااااااااااااااااااه " أرسلتها دون أن تشعر و أطلقت ساقيها للريح صوب فناء المنزل.
هناك تحت هطول جنوني للمطر كان سي رشيد يحضن الصورة إلى جسمه المحموم في حين كانت أصابعه الهزيلة تداعب دون توقف أوتار الكمان...كان المطر يغمر شعره و وجهه. لقد كان جسمه و ملابسه مبلولان مثل عصفور لا حول له و لا قوة...
حزنت حنان لهذا المشهد و أدخلت والدها إلى سريره بعد لأي...
لبث الفنان شهرا كاملا في سريره يكافح سطوة الحمى و ما لبث أن تماثل للشفاء .بعد أيام أرسلت حنان ذلك الكمان الرائع إلى بائع تحف مقابل ثمن بخس و الألم يعتصر قلبها...... مضت شهور و كتبت أحدى الصحف أن أحدهم عثر على قطعة زمرد عظيمة في جوف كمان ايطالي عتيق.
.gif)
.gif)
.gif)
.gif)
.gif)
.gif)








