ســـــــــــــاعة سويسرية
25-04-2016, 06:04 PM
ساعة سويسريـــــــــة
ثبت المنظار على عينه اليمنى بحركة تنم عن خبرة راسخة ...حاجبه الكثيف و المترع بالزغب الأبيض أوشك أن يبتلع المنظار...
تأمل مليا محرك الساعة و نبش في جوفها طويلا ثم أخذ يقلبها في كل الاتجاهات ...لكن العقربين الكبير و الصغير متسمران دائما في مكانهما لا حركة فيهما و لا حياة...أرسل تأففا طويلا جدا. تبرم كثيرا من هذه الساعة العتيقة مثل ساعة " بيغبن " وسط لندن.
بعثر أدوات العمل فوق طاولته الخشبية العتيقة...رتب كل شيء على الطاولة كما يرتب الضابط النشيط صفوف العسكر و يراقب أسلحتهم و هندامهم و حتى أحذيتهم الضخمة...
أرسل الساعاتي بصره نحو الأفق كأنما يفتش عن إبرة مفقودة هناك...أشعل سيجارة كان أطفأها للتو.
انه مقتصد جدا في التهام السجاير...فقد يتلذذ بسيجارة واحدة عدة مرات في اليوم ...انه مولع بصنف "المالبورو" الأمريكي بل انه يعشق كل منتوج يأتي من بلاد العم "سام"...
جذب نفسا عميقا و أرسل سحابة رهيبة من الدخان من دهاليز أنفه. أحسست بالتقزز لذلك المشهد المقرف .
(ساعتك سويسرية أصلية. منذ متى تملكها؟) سألني في شرود
(إنها هدية يا سيدي من طرف أحد الأصدقاء القدامى)
أجبته في شرود أيضا ...
ثبت الرجل المنظار مرة أخرى و راح يفحص أحشاء الساعة بيد نشيطة و عين ثاقبة و خبيرة...أطفأ السيجارة بحركة غاضبة و همس دون أن يرفع رأسه نحوي.
( العقربان لا يريدان أن يستيقظا من نومهما بعد) ارتسمت مسحة من التوتر فوق جبينه الأسمر...أردف بهدوء هذه المرة
( في بداياتي الأولى رمى إلي الوالد ساعة يد لكي أصلحها . كان يدربني على امتهان هذه الحرفة. في تلك اللحظة لم أفلح في إعادة الحياة إلى الساعة. و النتيجة أن أبي حرمني من العشاء و النوم عقابا لي على ذلك الفشل )..
تدخل رفيقه الذي كان يجلس بجواره قائلا
( لولا حرمانك من ذلك العشاء لما أصبحت اليوم ساعاتي مشهور)
قاطعه الساعاتي غاضبا و هو يوقد سيجارة أخرى
( لكنني أفشل هذه المرة أيضا. و ما أشبه اليوم بالبارحة)...و سرعان ما ترك الطاولة و ما فيها و اختفى و تركني في حيرة من أمري.
لكن رفيقه ابتسم و بدد مخاوفي و قال بلهجة الواثق ( سوف تعود الحياة إلى ساعتك قريبا كن مطمئنا يا فتى )
انقضت دقائق كأنها دهور طويلة. في المقهى المجاور أفرغت فنجانين من القهوة وسط أمعائي انتظارا لذلك الرجل ذي المزاج المتقلب...
و أخيرا أقبل الساعاتي مترنحا في مشيته...وكأنه قام من السرير للتو . كان يتمايل مثل نخلة تعبث بها العاصفة مرة يمينا و مرة شمالا...
جعل يهذي بأغنية قديمة جدا من أغاني ليلى مراد بصوت هو أقرب إلى عواء كلب...
غمزني رفيقه و هو يهتف بصوت خفيض ( إن صاحبك قد أتحف بطنه بقدح مثلجة من البيرة )...
ضربت أخماسا بأسداس و أنا أردد ( إذا أقول وداعا لساعتي المسكينة....و على الله العوض )
استلقى الرجل على مقعده المهتريء و قد لعبت البيرة بعقله مثلما تلعب الغانية اللعوب بشيخ وقور...تجشأ بصوت سمعه كل رواد المقهى المقابل...
دس أنامله في صندوق متخم بقطع الغيار و محركات قديمة و بقايا ساعات غير صالحة و براغي كبيرة و صغيرة. في هذه اللحظات كانت أعصابي تغلي فوق نار هادئة...
ثبت المنظار أخيرا على عينه مرة أخرى و فحص الساعة و هو لا يكاد يستجمع توازنه المفقود...استغرق الساعاتي زمنا في الفحص و التنقيب. حتى تطرق إلي اليأس...
أمسك مسمارا رفيعا و راح ينبش شيئا ما في بقايا المحرك...عالج العقربين ثم أغلق غطاء الساعة و قربها من أذني اليمنى و قد أرتسم الانتصار فوق ملامحه المرهقة...
(تك تك تك تك تك تك تك تك )
اضطرب العقربان أخيرا و عادت الحياة إلى ساعتي....لم أصدق ما رأيت و ما سمعت...لبست الساعة و نقدت الرجل ثمن عرقه و أنا أهتف واثقا ( لله في خلقه شؤون )...