قراءة نقديّة في رواية المنعطف السّابع لــ جمال باشا
18-08-2025, 02:45 PM
قراءة نقديّة في رواية المنعطف السّابع
لــ جمال باشا
الحلقة الأولى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ
هذه الرواية أذهلتني بفرادتها وخصوصيّتها.. كان أسلوبها مختلفا جدا عمّا اعتدته من روايات، واحترت في بداية الأمر كيف أصنّفها من حيث النمط السّردي، هل هي رواية كلاسيكية أم رواية سردية واقعية؟ هل هي رمزية حديثة ؟ أم هي تمزج بين هذا وذاك..؟ !
الأمر مربك عندما نقرأ صفحاتها الأولى حقيقة، بدءا بالعنوان وانتهاء بالأفكار الجديدة والجريئة التي طرحها الكاتب في نهاية الرواية وتفتح مجالا واسعا ومثيرا للنّقاش، كان العنوان يثير أكثر من سؤال، ويولّد في ذهن القارئ أكثر من علامة تعجّب.. !! (المنعطف السّابع).. ! هل هو منعطف سباق..؟ أم منعطف حياة؟ منعطف وجود؟ منعطف تحوّل حاسم..؟ أم هو كلّ ذلك في وقت واحد..؟ !!
ألفيتني أتحاور مع نفسي بعد كلّ صفحة أقلّبها.. وأردّد في صدري : أهذا تأريخ لواقع عاشته الجزائر في سنواتها الأخيرة (الحاسمة)؟ أم هذا استشراف لمستقبل واعد يبشر بغد أفضل (دولة البشائر)..؟ !
المنعطف السابع.. عنوان مثير ومزلزل يجعلك تستجمع كل قواك الفكرية لتدرك أبعاده بشكل كامل وواضح، وهو مع ذلك يبقى مفتوحا على عدّة تأويلات محتملة.. !
هذه هي الرواية الأولى للكاتب جمال باشا، ولكنّها لم تكن كتابه الأوّل، سبقتها عدّة كتب أخرى تحمل كلّها روح القصّة والسّرد المشوّق والأسلوب الأدبي الباهر، وعينات الواقع المؤلم والخادش، والمثير، والمقلق في كلّ الأحوال، وأنت تقرأ لهذا القلم تشعر أنّك تقرأ لكاتب مغرق في فعل الكتابة، يعيش في عمق المجتمع ويتفاعل بأحداثه إلى درجة الشعور بالثورة والتمرّد أحيانا، ولكنّها ثورة هادئة وتمرّد محسوب الخطوات محسومها، لا يريد الكاتب هدم فكرة قبل أن يحفر حولها ويصل إلى الجذور، ثم يسعى إلى اقتلاعها في هدوء ورصانة يُغبط عليها، ثم هو لا يكتفي بذلك بل يضع مكانها بذور فكرة أخرى (طيبة)، تؤتي ثمرها بعد حين بإذن ربّها.
رواية (المنعطف السّابع) هي رواية الجزائر في محطّات حاسمة من تاريخها، عايشها الكاتب وتفاعل مع أحداثها وآلمه ما تعرّضت له من مآس ونكبات، ولنقل بصريح العبارة ما آلمه من سياسات (الأرض المحروقة) الممنهجة التي تأتي على الأخضر واليابس، الكاتب يتحدّث عن دولة وشعب (البشائر)، التي مرّت بسبعة منعطفات كبيرة وخطيرة في حياتها، وهذا المنعطف الأخير هو المنعطف المفصلي، المنعطف الحاسم الذي ينتظر أن تتغير معه حالة دولة (البشائر)، التي هي على وزن (الجزائر)، وإن لم يسمها الكاتب في روايته بشكل صريح لحاجة في نفس يعقوب، لكن كلّ البصمات السّردية تدلّ عليها بشكل قويّ..!
مهدّ الكاتب لروايته بجملة من العتبات الفنيّة الجميلة التي ترشد القارئ بشكل ما إلى محتوى الرواية والهدف منها، فهي رواية تحمل بالدّرجة الأولى، ويأتي الفنّ والمتعة الفنيّة في المقام الثاني، رغم أنّ الكاتب استطاع أن يحدث توازنا معقولا بين الاثنين، وسنفصّل في ذلك حين تعرّضنا للبناء الفنّي في الرواية.
وقد تحدّثنا عن العتبة الأولى المتمثلة في العنوان، والذي هو المنفذ الرّئيسي لأحداثها، ورغم أنّ العنوان لا يوحي بالكثير عن تفاصيل الرواية قبل الولوج إلى أحداثها، لكنّه يعطيك انطباعا قويّا على أنّ الأمر جلل، والرواية تنطوي على أحداث عظيمة وكبرى سيخوض فيها قلم الكاتب بعمق، وكلمة منعطف تحوي في طياتها معنى التحوّل الكبير والتغيير الجذري، الذي يقلب الحياة بشكل كامل، قد يكون إيجابيا وقد يكون سلبيا، إلا أنّ كلمة منعطف في الغالب تستخدم في التحوّل الإيجابي والفاعل في الحياة.، كما أنّ كلمة السابع توحي أيضا أنّ هذا المنعطف سبقته محاولات أخرى للتغيير أو الثورة، والتطلع إلى حياة جديدة، وهي كلّها في نهاية المطاف رافد مهم لهذا التحوّل والتغيير الكبير في (المنعطف السابع).
ورغم أنني لست من المتحمسين كثيرا لقراءة الأغلفة، لأنّها في كثير من الأحيان لا تعبّر بشكل دقيق وموضوعي عمّا أراده الكاتب من كتابه، وغالبا ما تتدخل يد الناشر والمصمّم في فرض رؤية خاصة ووجهة نظر ذاتية تختلف كثيرا عما أراده المؤلف نفسه، إلّا أنّه يغض البصر عن ذلك لأسباب كثيرة، ليس هنا مجال التفصيل فيها، لكن لعلمي أنّ مؤلّف رواية (المنعطف السابع) انفرد بشكل كامل بتصميم غلاف كتابه وإعداده للطبع بوجهة نظر خالصة للمؤلف، فإنّني الآن يمكن أن أتحدّث قليلا عن الغلاف وعلاقته بالعنوان ومتن الرواية في وقت واحد، مطمئنا إلى أنّ الغلاف هو واجهة للمتن معبّرة عنه ربّما تسبق العنوان نفسه الذي يعتبر عتبة الكتاب الأولى.
يبدو شكل الغلاف وقد غلب عليه اللون الأصفر مع بياض قوي في الوسط كأنّه أشعة شمس ساطعة في الظهيرة، ويبدو الكاتب نفسه (جمال باشا) بصورته الحقيقية يقف مثل بهلوان يحمل عصا التوازن، فوق مكعب تشكل على أحد وجهيه ثلاث نقاط وعلى الوجه الثاني أربع نقاط، وبالجمع تتضح دلالتهما، ثم نلاحظ أنّ هناك مجموعة من الأرقام تحيط بهذا المكعب، وهي الأرقام من 1 إلى 7 توزعت بشكل عشوائي فيما يبدو، وبقراءة بسيطة للمشهد الفنّي الذي جسّده الكاتب بنفسه، بدا وكأنّه عاش أحداث لعبة الحياة هذه، التي تشكلّها عدّة عوامل منها (الزّهر) أو الحظ ممثلا في حجر (لعبة الحظ)، ومنها الإنسان الذي يقف على حظوظه في لعبة الحياة (إنما الحياة الدّنيا لعب ولهو وزينة)، محاولا الحفاظ على توازنه، ورسم مسار حياته كما يتمنى ويريد..! وقد يتجلّى كلّ ذلك في أحداث الرّواية فيما بعد..!
العتبة الثالثة تمثلت في (الإهداء) وهو إهداء مختلف أيضا عن كلّ إهداء تقليدي معتاد، إذ يقدّمه الكاتب "إلى كل الذين يغيرون آراءهم بمجرد أن يعلموا علم اليقين بالبرهان والدليل بأن الرأي المخالف لهم بدا أكثر صوابا وأكثر حكمة؛ وبمرور الزمن أضحى أكثر موضوعية وفعالية نتيجة التغيرات الطبيعية وغير الطبيعية التي تطرأ حتما على حياتنا اليومية الفردية والجماعية"
يريد الكاتب من خلال هذا الإهداء وضع القارئ في السياق العام للرواية، والذي قد يطرح جدلا من خلال بعض الأفكار التي يختلف معها أو يرفضها، لمجرّد أنّه لم يدرج عليها أو يألفها، ويصعب تقبّلها، ويؤكد له أنّ تغيير الأفكار والآراء خاضع للأدلة والحجج وليس للألفة والتعوّد، وهذه في حدّ ذاتها رسالة قيّمة تسعى الرواية إلى حفرها عميقا في نفس المتلقي (القارئ).
من مواضيعي
0 قراءة نقديّة في رواية المنعطف السّابع لــ جمال باشا
0 قراءة نقديّة في رواية المنعطف السّابع لــ جمال باشا
0 مع رواية (الشوك والقرنفل) لـــــ يحيى السِّنوار
0 مع رواية (الشوك والقرنفل) لـــــ يحيى السِّنوار
0 مع رواية (الشوك والقرنفل) لـــــ يحيى السِّنوار
0 مع رواية (الشوك والقرنفل) لـــــ يحيى السِّنوار
0 قراءة نقديّة في رواية المنعطف السّابع لــ جمال باشا
0 مع رواية (الشوك والقرنفل) لـــــ يحيى السِّنوار
0 مع رواية (الشوك والقرنفل) لـــــ يحيى السِّنوار
0 مع رواية (الشوك والقرنفل) لـــــ يحيى السِّنوار
0 مع رواية (الشوك والقرنفل) لـــــ يحيى السِّنوار







