سلسلة الردود الصحافية
29-11-2008, 12:16 PM
لا تغفلوا الأسباب الشرعية
بقلم: علي بن فهد أبابطين
عضو هيئة التدريس بالكلية التقنية ببريدة
تعقيباً على ما ينشر حول غلاء أسعاء السلع، ونفوق الأعداد الكثيرة من بهيمة الأنعام في عدد مدن وقرى المملكة، ومن ذلك ما نشرته «الجزيرة» يوم السبت 9-10 من نفوق عشرات الإبل في الخرج، أقول لقد كثر حديث الناس اليوم في المجالس ووسائل الإعلام وغيرها عن هذين الأمرين، وأطال بعض المحللين والاقتصاديين وغيرهم من عامة الناس في تقصي أسبابهما الحسية، وربما بالغ بعضهم فتكلف أسباباً متوهمة، فأغفله ذلك عن السبب الشرعي الذي يجب أن يبذل الجهد ويستفرغ ما في الوسع في تقصيه وإمعان النظر فيه لدرئه واجتنابه، لأنه هو السبب الحقيقي في كل مصيبة تحل بالبلاد أو العباد، وما عداه من الأسباب الحسية فهو في الواقع مسبب لا سبب، وإن كان يجب معالجة كلا السببين، الشرعي والحسي.
إلا أن إمعان النظر في السبب الشرعي أهم وآكد لاجتثاث المصيبة من جذورها، لئلا تنشأ فتعود -أو غيرها- مرة أخرى، ولهذا نجد عند كسوف الشمس أو القمر أن الله يأمرنا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد في الأسباب الشرعية، فيقول عليه الصلاة والسلام (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف بهما عباده، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى ينكشف ما بكم)، فالاجتهاد في الدعاء والصلاة نصبه الله سبباً شرعياً ليكشف به هذه المصيبة.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الجمع بين الأسباب الحسية والشرعية للمصائب:
لا تنافي بينهما، لأنها -أي المصائب- عقوبات لها أسباب طبيعية يقدرها الله حتى تكون هي المسببات، وأما السبب الشرعي فهو ما كسبته الأيدي من الذنوب، فيوقع الله هذه النذر لتخويف العباد ليستقيموا على دين الله.
لقد تواترت نصوص الكتاب والسنة في بيان أسباب المصائب التي تقع في الأرض، وهي ما يكسبه العباد من الذنوب والمعاصي، ولو يؤاخذ الله عباده بكل ما كسبوه لما ترك على ظهر الأرض دابة، ولكن من رحمته ولطفه أنه يرسل إليهم الآيات والنذر ليذيقهم بعض ما عملوا لعلهم يرجعون، قال الله سبحانه وتعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا} وقال تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالفساد نقصان البركة وتلف الأموال بأعمال العباد كي يتوبوا، وقال ابن كثير في تفسيره: أي يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختباراً لهم ومجازاة على صنيعهم لعلهم يرجعون عن المعاصي.
ويقول الله سبحانه وتعالى {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}
قال الحافظ ابن كثير: أي مهما أصابكم أيها الناس من المصائب، فإنما هي من سينات تقدمت لكم.
وقال الشيخ السعدي: يخبر تعالى أن ما أصاب العباد من مصيبة في أبدانهم وأموالهم وأولادهم، وفيما يحبون ويكون عزيزاً عليهم، إلا بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات.
وفي وقعة أحد لما انهزم المسلمون مع كثرتهم، عجب بعضهم، فقالوا (أنى هذا) أي كيف انهزمنا مع كثرتنا، فأخبرهم الله سبحانه بقوله {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} أي: إن ما جرى عليكم من الهزيمة والقتل كان بسبب أنفسكم، فعودوا باللوم عليها، قال ابن كثير: أي بسبب عصيانكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا مكانكم، فعصيتم: يعني بذلك الرماة.
فالمقصود من سياق هذه النصوص بيان شؤون المعصية وسوء عاقبتها على الفرد والجماعة، قال ابن القيم رحمه الله في الجواب الكافي: فمما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصي تضر ولا بد، وهل من الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي.
فالمتعيّن على ناصحي الأمة وعقلائها التفطن لهذا السبب، مع إعمال النظر في الأسباب الطبيعية الأخرى لدرء كل بلية ومصيبة تقع.
إن حاجة الأمة إلى عودتها إلى مصادرها الأصلية، الكتاب والسنة، وتبصيرها بعيوبها وأخطائها أعظم بكثير من حاجتها إلى الطعام والشراب، لأنها بذلك تغذي روحها وتحفظ أمنها واستقرارها ورغد عيشها، قال الله سبحانه {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضَِ} وقال سبحانه عن أهل الكتاب {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}.
أسأل الله سبحانه أن يبصرنا بذنوبنا ويوفقنا للتوبة منها، كما أسأله سبحانه أن يوفق ولاة أمرنا لكل خير وينصر بهم دينه ويعلي كلمته، وأن يدفع عنا وعن بلادنا المصائب والمحن.
-------
المصدر: (صحيفة الجزيرة) الخميس 14 شوال 1428 العدد
12809
يتبع ..
من مواضيعي
0 سلسلة الرد على شبهات دعاة التحزب والانتخابات
0 هنا نجمع كل ما يتعلق بشرح حديث الافتراق((..وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة))
0 جمع كتب وصوتيات في بيان المنهج السلفي ورد التهم حوله
0 الحجج الدقيقة في الرد على من اتهم السلفيين باحتكار الحقيقة!
0 صد العدوان ورد البهتان على من قال : أنتم علماء سلطان
0 خبر عاجل: استشهاد الأخ الجزائري اسماعيل من مدينة واد سوف في دماج
0 هنا نجمع كل ما يتعلق بشرح حديث الافتراق((..وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة))
0 جمع كتب وصوتيات في بيان المنهج السلفي ورد التهم حوله
0 الحجج الدقيقة في الرد على من اتهم السلفيين باحتكار الحقيقة!
0 صد العدوان ورد البهتان على من قال : أنتم علماء سلطان
0 خبر عاجل: استشهاد الأخ الجزائري اسماعيل من مدينة واد سوف في دماج







