رد: متى كان الاختلاف رحمة ؟
06-05-2007, 10:59 PM
{{ شبهاتٌ وجوابها }}
ـ
ذلك ما كنت كتبته منذ عشر سنوات في مقدمة هذا الكتاب ، وقد ظهر لنا في هذه البرهة أن له تأثير طيب في صفوف الشباب المؤمن؛ لإرشادهم إلى وجوب العودة في دينهم وعبادتهم إلى المنبع الصافي من الإسلام: الكتاب والسنة ، فقد ازداد فيهم- والحمد لله- العاملون بالسنة والمتعبدون بها ، حتى صاروا معروفين بذلك؛ غير أني لمست من بعضهم توقفاً عن الاندفاع إلى العمل بها ، لا شكّاً في وجوب ذلك بعد ما سقنا من الآيات والأخبار عن الأئمة في الأمر بالرجوع إليها؛ ولكن لشبهات يسمعونها من بعض المشايخ المقلدين؛ لذا رأيت أن أتعرض لذكرها والرد عليها ، لعل ذلك البعض يندفع بعد ذلك إلى العمل بالسنة مع العاملين بها ، فيكون من الفرقة الناجية بإذن الله تعالى .
1- قال بعضهم: لا شك أن الرجوع إلى هدي نبينا صلى الله عليه وسلم في شؤون ديننا أمر واجب ، لا سيما فيما كان منها عبادة محضة لا مجال للرأي والاجتهاد فيها ؛ لأنها توقيفية؛ كالصلاة مثلاً ، ولكننا لا نكاد نسمع أحداً من المشايخ المقلدين يأمر بذلك ، بل نجدهم يُقرّون الاختلاف ، ويزعمون أنها توسعة على الأمة ، ويحتجون على ذلك بحديث- طالما كرروه في مثل هذه المناسبة رادين به على أنصار السنة-: ( اختلاف أمتي رحمة ) ، فيبدو لنا أن هذا الحديث يخالف المنهج الذي تدعو إليه ، وألفت كتابك هذا وغيره عليه ، فما قولك في هذا الحديث ؟
ـ
والجواب من وجهين:
الأول: أن الحديث لا يصح ، بل هو باطل لا أصل له؛ قال العلامة السبكي:
( لم أقف له على سند صحيح ، ولا ضعيف ، ولا موضوع ) .
قلت: وإنما روي بلفظ:
( . . . اختلاف أصحابي لكم رحمة ) .
و ( أصحابي كالنجوم؛ فبأيهم اقتديتم اهتديتم ) .
وكلاهما لا يصح: الأول واه جدّاً ، والآخر موضوع ، وقد حققت القول في ذلك كله في ( سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ) ( رقم 58 و 59 و 61 ) .
الثاني: أن الحديث مع ضعفه مخالف للقرآن الكريم ، فإن الآيات الواردة فيه- في النهي عن الاختلاف في الدين ، والأمر بالاتفاق فيه- أشهر من أن تذكر ، ولكن لا بأس من أن نسوق بعضها على سبيل المثال ، قال تعالى: ?ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم? [ الأنفال 46 ] . وقال: ?ولا تكونوا من المشركين من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون? [ الروم 31- 32 ] . وقال: ?ولا يزالون مختلفين . إلا من رحم ربّك? [ هود 118- 119 ] ، فإذا كان من رحم ربك لا يختلفون ، وإنما يختلف أهل الباطل ، فكيف يعقل أن يكون الاختلاف رحمة ؟ !
ـ
فثبت أن هذا الحديث لا يصح ، لا سنداً ولا متناً ( 1 ) ، وحينئذ يتبين بوضوح أنه لا يجوز اتخاذه شبهة للتوقف عن العمل بالكتاب والسنة الذي أمر به الأئمة .
2- وقال آخرون: إذا كان الاختلاف في الدين منهيّاً عنه؛ فماذا تقولون في اختلاف الصحابة والأئمة من بعدهم ؟ وهل ثمة فرق بين اختلافهم واختلاف غيرهم من المتأخرين ؟ .
فالجواب: نعم؛ هناك فرق كبير بين الاختلافين ، ويظهر ذلك في شيئين:
الأول: سببه .
والآخر: أثره .
فأما اختلاف الصحابة؛ فإنما كان عن ضرورة واختلاف طبيعي منهم في الفهم؛ لا اختياراً منهم للخلاف ، يضاف إلى ذلك أمور أخرى كانت في زمنهم ، استلزمت اختلافهم ثم زالت من بعدهم ( 2 ) ، ومثل هذا الاختلاف لا يمكن الخلاص منه كليّاً ، ولا يلحق أهله الذم الوارد في الآيات السابقة وما في معناها؛ لعدم تحقق شرط المؤاخذة ، وهو القصد أو الإصرار عليه .
وأما الاختلاف القائم بين المقلدة؛ فلا عذر لهم فيه غالباً ، فإن بعضهم قد تتبين له الحجة من الكتاب والسنة ، وأنها تؤيد المذهب الآخر الذي لا يتمذهب به عادة ، فيدعها لا لشيء إلا لأنها خلاف مذهبه ، فكأن المذهب
ـ
عنده هو الأصل ، أو هو الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، والمذهب الآخر هو دين آخر منسوخ!
وآخرون منهم على النقيض من ذلك ، فإنهم يرون هذه المذاهب - على ما بينها من اختلاف واسع- كشرائع متعددة؛ كما صرح بذلك بعض متأخريهم ( 1 ) : لا حرج على المسلم أن يأخذ من أيها ما شاء ، ويدع ما شاء ، إذ الكل شرع! وقد يحتج هؤلاء وهؤلاء على بقائهم في الاختلاف بذلك الحديث الباطل: ( اختلاف أمتي رحمة ) ، وكثيراً ما سمعناهم يستدلون به على ذلك !
ويعلل بعضهم هذا الحديث ويوجهونه بقولهم: إن الاختلاف إنما كان رحمة؛ لأن فيه توسعة على الأمة! ومع أن هذا التعليل مخالف لصريح الآيات المتقدمة ، وفحوى كلمات الأئمة السابقة؛ فقد جاء النص عن بعضهم برده .
قال ابن القاسم:
( سمعت مالكاً وليثاً يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس كما قال ناس: ( فيه توسعة ) ؛ ليس كذلك ، إنما هو خطأ وصواب ) ( 2 ) .
وقال أشهب:
( سئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه ثقة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أتراه من ذلك في سعة ؟
فقال: لا والله حتى يصيب الحق ، ما الحق إلا واحد ، قولان مختلفان يكونان صواباً جميعاً ؟ ! ما الحق والصواب إلا واحد ) ( 3 ) .
ـ
وقال المزني صاحب الإمام الشافعي:
( وقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خطأ بعضهم بعضاً ، ونظر بعضهم في أقاويل بعض وتعقبها ، ولو كان قولهم كله صواباً عندهم ، لما فعلوا ذلك ، وغضب عمر بن الخطاب ، من اختلاف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد؛ إذ قال أُبيّ: إن الصلاة في الثواب الواحد حسن جميل . وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك والثياب قليلة . فخرج عمر مغضباً ، فقال: اختلف رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن ينظر إليه ويؤخذ عنه! وقد صدق أبيّ ، ولم يأل ابن مسعود ، ولكني لا أسمع أحداً يختلف فيه بعد ما مقامي هذا إلا فعلت به كذا وكذا ) ( 1 ) . ) .
وقال الإمام المزني أيضاً:
( يقال لمن جوز الاختلاف وزعم أن العالمين إذا اجتهدا في الحادثة ، فقال أحدهما: حلال ، والآخر: حرام؛ أن كل واحد منهما في اجتهاده مصيب الحق: أبأصل قلت هذا أم بقياس ؟ فإن قال: بأصل؛ قيل له: كيف يكون أصلاً والكتاب ينفي الاختلاف ؟ ! وإن قلت: بقياس؛ قيل: كيف تكون الأصول تنفي الخلاف ، ويجوز لك أن تقيس عليها جواز الخلاف ؟ هذا ما لا يجوّزه عاقل ، فضلاً عن عالم ) ( 2 )
فإن قال قائل: يخالف ما ذكرته عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد ما جاء في كتاب ( المدخل الفقهي ) للأستاذ الزرقا ( 1/89 ) :
( ولقد همّ أبو جعفر المنصور ثم الرشيد من بعده أن يختارا مذهب
ـ
الإمام مالك وكتابه ( الموطأ ) قانوناً قضائيّاً للدولة العباسية ، فنهاهما مالك عن ذلك وقال:
( إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع ، وتفرقوا في البلدان ، وكل مصيب ) .
وأقول: إن هذه القصة معروفة مشهورة عن الإمام مالك رحمه الله ، لكن قوله في آخرها: ( وكل مصيب ) ما لا أعلم له أصلاً في شيء من الروايات والمصادر التي وقفت عليها ( 1 ) ، اللهم! إلا رواية واحدة أخرجها أبو نُعيم في ( الحلية ) ( 6/332 ) بإسناد فيه المقدام بن داود ، وهو ممن أوردهم الذهبي في ( الضعفاء ) ، ومع ذلك فإن لفظها: ( وكل عند نفسه مصيب ) ، فقوله: ( عند نفسه ) يدل على أن رواية ( المدخل ) مدخولة ، وكيف لا تكون كذلك وهي مخالفة لما رواه الثقات عن الإمام مالك أن الحق واحد لا يتعدد كما سبق بيانه ؟ ! وعلى هذا كل الأئمّة من الصحابة والتابعين والأئمّة الأربعة المجتهدين وغيرهم .
قال ابن عبد البر ( 2/88 ) :
( ولو كان الصواب في وجهين متدافعين؛ ما خطأ السلف بعضهم بعضاً في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم ، والنظر يأبى أن يكون الشيء وضده صواباً كله ، ولقد أحسن من قال:
إثبات ضدين معاً في حال أقبح ما يأتي من المحال ) .
ـ
فإن قيل: إذا ثبت أن هذه الرواية باطلة عن الإمام ؛ فلماذا أبى الإمام على المنصور أن يجمع الناس على كتابه ( الموطأ ) ولم يُجبه إلى ذلك ؟
فأقول: أحسن ما وقفت عيه من الرواية ما ذكره الحافظ ابن كثير في ( شرح اختصار علوم الحديث ) ( ص 31 ) ، وهو أن الإمام قال:
( إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها ) .
وذلك من تمام علمه وإنصافه؛ كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى .
فثبت أن الخلاف شرّ كلُّه ، وليس رحمة ، ولكن منه ما يؤاخذ عليه الإنسان؛ كخلاف المتعصبة للمذاهب ، ومنه ما لا يؤاخذ عليه؛ كخلاف الصحابة ومن تابعهم من الأئمة؛ حشرنا الله في زمرتهم ، ووفقنا لاتباعهم .
فظهر أن اختلاف الصحابة هو غير اختلاف المقلدة .
وخلاصته:
أن الصحابة اختلفوا اضطراراً ، ولكنهم كانوا ينكرون الاختلاف ، ويفرون منه ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً .
وأما المقلدة- فمع إمكانهم الخلاص منه ولو في قسم كبير منهم- فلا يتفقون ولا يسعون إليه؛ بل يقرونه ، فشتان إذن بين الاختلافين .
ذلك هو الفرق من جهة السبب .
وأما الفرق من جهة الأثر؛ فهو أوضح؛ وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم- مع اختلافهم المعروف في الفروع- كانوا محافظين أشد المحافظة على مظهر الوحدة ، بعيدين كل البعد عما يفرق الكلمة ، ويصدع الصفوف ، فقد كان فيهم مثلاً من يرى مشروعية الجهر بالبسملة ، ومن يرى عدم مشروعيته ،
ـ
وكان فيهم من يرى استحباب رفع اليدين ، ومن لا يراه ، وفيهم من يرى نقض الوضوء بمس المرأة ، ومن لا يراه؛ ومع ذلك فقد كانوا يصلون جميعاً وراء إمام واحد ، ولا يستنكف أحد منهم عن الصلاة وراء الإمام لخلافٍ مذهبي .
وأما المقلدون؛ فاختلافهم على النقيض من ذلك تماماً؛ فقد كان من آثاره أن تفرق المسلمون في أعظم ركن بعد الشهادتين؛ ألا وهو الصلاة ، فهم يأبون أن يصلوا جميعاً وراء إمام واحد؛ بحجة أن صلاة الإمام باطلة أو مكروهة على الأقل بالنسبة إلى المخالف له في مذهبه ، وقد سمعنا ذلك ، ورأيناه كما رآه غيرنا ( 1 ) ، كيف لا وقد نصت كتب بعض المذاهب المشهورة على الكراهة أو البطلان ؟ ! وكان من نتيجة ذلك أن تجد أربعة محاريب في المسجد الجامع ، يصلي فيها أئمة أربعة متعاقبين ، وتجد أناساً ينتظرون إمامهم بينما الإمام الآخر قائم يصلي!
بل لقد وصل الخلاف إلى ما هو أشد من ذلك عند بعض المقلدين؛ مثاله منع التزاوج بين الحنفي والشافعي ، ثم صدرت فتوى من بعض المشهورين عند الحنفية - وهو الملقب ب ( مفتي الثقلين ) - فأجاز تزوج الحنفي بالشافعية ، وعلل ذلك بقوله: ( تنزيلاً لها منزلة أهل الكتاب ) ( 1 ) ! ومفهوم ذلك - ومفاهيم الكتب معتبرة عندهم- أنه لا يجوز العكس ، وهو تزوج الشافعي بالحنفية ، كما لا يجوز تزوج الكتابي بالمسلمة ؟ !
هذان مثالان من أمثلة كثيرة توضح للعاقل الأثر السيئ الذي كان
ـ
نتيجة اختلاف المتأخرين وإصرارهم عليه؛ بخلاف اختلاف السلف ، فلم يكن له أي أثر سيء في الأمة ، ولذلك فهم منجاة من أن تشملهم آيات النهي عن التفرق في الدين- بخلاف المتأخرين- هدانا الله جميعاً إلى صراطه المستقيم .
وليت أن اختلافهم المذكور انحصر ضرره فيما بينهم ، ولم يتعده إلى غيرهم من أمة الدعوة؛ إذن لهان الخطب بعض الشيء ، ولكنه - ويا للأسف!- تجاوزهم إلى غيرهم من الكفار في كثير من البلاد والأقطار ، فصدوهم بسبب اختلافهم عن الدخول في دين الله أفواجاً! جاء في كتاب ( ظلام من الغرب ) للأستاذ الفاضل محمد الغزالي ( ص 200 ) ما نصه:
( حدث في المؤتمر الذي عقد في جامعة ( برينستون ) بأمريكا أن أثار أحد المتحدثين سؤالاً- كثيراً ما يثار في أوساط المستشرقين والمتهمين بالنواحي الإسلامية- قال:
( بأي التعاليم يتقدم المسلمون إلى العالم؛ ليحددوا الإسلام الذي يدعون إليه ؟
أبتعاليم الإسلام كما يفهمهما السنيون ؟ أم بالتعاليم التي يفهمها الشيعة من إمامية أو زيدية ؟
ثم إن كلاً من هؤلاء وأولئك مختلفون فيما بينهم .
وقد يفكر فريق منهم في مسألة ما تفكيراً تقدميّاً محدوداً ، بينما يفكر آخرون تفكيراً قديماً متزمتاً .
والخلاصة؛ أن الداعين إلى الإسلام يتركون المدعوين إليه في حيرة؛ لأنهم هم أنفسهم في حيرة ) .
ـ
يتبع