تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
منتديات الشروق أونلاين > منتدى الأدب > منتدى القصة القصيرة

> مراكب سكرية للحب "5" : حب وتذكرة سفر

 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية Salimekki
Salimekki
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 19-10-2008
  • المشاركات : 211
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • Salimekki is on a distinguished road
الصورة الرمزية Salimekki
Salimekki
عضو فعال
مراكب سكرية للحب "5" : حب وتذكرة سفر
30-03-2009, 01:11 PM
بدأت أوظب حقيبتي بكل تأني ... يحتدم على عيوني حزن حيرة وصراع ... متأزمُ نبضي .. متورط قدري في ثورة قراري الصعب .. كنت حينها موجعا إلى أفظع حد .. بينما جعلتني برودة أصابعي .. أشعر بالجليد على كل شيء أحمله من خزانتي .. اتوسم في كل قطعة منه ذكرى جميلة عشناها معا مرة بعسل حلو ومرة بمذاق مر .. لكننا لم نسأم من بعضنا البعض طوال خمس سنين من الارتباط ...

أما هي فقد كانت تتكيء على عارضة الباب مربعة الأيادي .. تتنهد خلسة خشية من أن أسمعها تئن .. لم تشأ أن تنطق ببنت شفة وواصلت مراقبتي بصمت ... كادت حقيبتي أن تمتليء وحين هممت بإغلاقها ... أجهشت ببكاء مكتوم كبت في صدرها الأنفاس التي سدتها بكلتا يديها كي لا يسمعها أحد ...

وقفت مطولا ولم أستدر كي لا أراها .. فتحت حقيبتي من جديد ... سحبت أغراضا منها .. عوضتها بأخرى .. لم أكن أعي ماذا سحبت وماذا أعدت ... كنت أحترق في جوفي مع كل انحناءة وقيام... كنت أريد أن أتكلم ... كنت أريدها أن تصرخ أيضا.. أن تقول لي أو عني أي شيء ... كنت أسافر في خلدي إلى جحيم الفراق الذي يذيبني وأعود .. كنت أشعر بلهيب جهنم ينخر وجعي ... لم أكن أنطق بحرف .. لكنني كنت صمتا أصطخب .. ولم أشأ أن أتألم قبالتها فهي برغم كل ضعفي أمام حزنها ليست بأشجع مني في كبرياء الحب ... هذا الذي نغامر به

كنت أعبث بملابسي التي رتبتها هي بحنو على رفوف الخزانة .. كانت تحب ملابسي أيضا .. تعتني بها وكأنها قطع مقدسة .. كانت تصون قلبي بشوق من خلالها.. فتطالع أغراضي المبعثرة في البيت تعيد ترتيبها كل يوم عشرات المرات كي لا تنسى أنني ذهبت أو تأخرت أو غبت ... كنت أقرأ حكايا انتظارها لي وخوفها على وأنا أعبث بتلك الملامس في حقيبتي .. كنت أفعل ذلك على مهل ... أنتظرها أن تتكلم بل أرجوها في باطني ...

قولي شيئا أرجوك .. امنعيني .. اختطفي الحقيبة من يدي .. ارمي أغراضي على الأرض ... ارميني أنا ... ادفعيني على سريري ... حطمي باب الخزانة على وجهي ... اضربيني برقة يديك الناعمتين .. لا تسكتي أكثر أرجوك ... لا ينسفني شيء أكثر من صمتك الذي يقتلني...

بدات تبكي .. وأشاحت بوجهها عني حين حملت الحقيبة مارا قربها عند الباب.. لم ألمح إلا الجمرة متوقدة على شرايين عينها .. كانت محمرة عن آخرها ... فجرت على بريقهما كل هدير الصمت .. انكسر خدها المبتل لوقفتي الخفيفة .. وتوقف عن النبض قلبها الذي يلهث من كثرة ما اجترعه من كتم الأنفاس ... تجاوزتها .. فعادت تتنفس بقوة ... تكاد تمتص ما تبقى في الغرفة ما اجترعناه سوية .. بصعوبة من هواء .. ربما كانت تلك آخر ذرات الحب التي نستنشقها معا... مررت ولم تكلمني بشيء .. ولم تمد ذراعها لتستوقفني كما المعتاد .. شعرت بالانكسار مضاعفا هذه المرة .. هي لا تريدني أن أبقى إذن ...

تقدمت خطوتين .. لأخر مرغما على ركبتي .. كان طفلي الصغير واقفا بجمود صاخب في وسط الصالون.. كان يرقبنا لوقت طويلا .. يرقبنا برعب .. شاهدني وأنا أحضر الحقيبة ... شاهدني وأنا أحملها .. شاهدني وأنا اتجاهل دمعة الحبيبة و الأم .. تراجع إلى الخلف قليلا حين تقدمت صوبه.. لم يعهد مشيتي هذه بحقيبتي الثقيلة.. لم يحتمل رؤياي مقتربا منه لآخر مرة .. لم يكن يفهم شيئا لكنه أحس بكل شيء ... يسألني بصمت آلاف الأسئلة .. يودعني مفجوعا بعينيه .. يشعر بأنه سفر طويل .. طويل جدا ... لا يعرف أنه من غير رجعة .. شعر بأنه الأخير .... لكنه لا يفكر في منعه .. لكنه يساعد عليه .. حملق بي وليد قليلا وكأنه يعاتبني بعنف ... التف فجأة خلف الطاولة .. ومسرعا .. أهرع إلى غرفة النوم ... اختطف محفظتي التي نسيتها على السرير .. وجاء يجري: بابا نسيت جواز السفر

دارت بيَ الأرض وفقدت توازني .. رميت من يدي محفظتي و ذراع الحقيبة واحتضنته بكل ما أوتيت من قوة ... وأخيرا بكى ... وبكيت .. وبقيت هي ترقبنا من بعيد ...

بين ذراعيْ .. تضاعف خوف "وليد" ابن السنوات الثلاث .. لم ير أباه يبكي بهكذا حرقة من قبل ... بدت عيونه حبلى بالدمع في باديء الأمر .. ولم يقدر على البكاء حين مد يده ليسلمني المحفظة .. لم يكن راضيا بما سنفعل .. لم يكن يعي الصغير شيئا "لماذا نرحل؟" .. لاحظ أنني نسيت شيئا ما قد يعيدني إليه.. كان بوسعه ألا يفعل .. لكنه لم يكن يعرف "حيلة الحقد" الذي يجوز أن نقابل به الاخرين حين يكافئونا بالرحيل ...

أحبك يا كبدي .. ضممته أكثر حتى شعرت بصدره لما اهتز .. امتلأت أحداقه بالبريق واشرأبت شفتاه حين لم تتمالك أمه نفسها من البكاء منسدلة على الجدار إلى أن أجلسها الوهن فوق الأرض ..

حين سمعتها كذلك ... اقشعر بدني وارتعبت .. وضعت ابني على الأرض .. قبلت رأسه وقلت له هامسا : ... وليد .. وليد بابا .. لا تبك .. ماما بخير .. سأشرب كوبا من الماء وأعود .. وقبل أن أقوم انحنيت إلى أذنه وقلت: اذهب إلى ماما .. قبلها وقل لها اسكتي .. رُح يا وليد.. يالله رح

قبلني ابني وذهب يجري .. لم يبك وليد بعد كما بكيت أنا وهي .. لكن قلبه كان منفطرا أكثر منا ... هرعت أمه وسبقته إليه .. حملته ووقفت ترقبني أسحب قدميَ سحبا ناحية المطبخ ... كنت قد اختفيتُ حين لمحتْ تذكرة السفر بادية من محفظتي في قلب جواز السفر العتيق .. هرعتْ إليها وسحبتها بعنف ثم بخوف رمتها خلف الأريكة .. ابتعدت بوليد عن حقيبة السفر وضمته ...

.. كنت أحمل المنشفة في يدي حين عدت .. أمسح بها عرقا باردا كعرق الموتى على وجهي .. لم أعد إلى وليد .. فقد كان في حضن أمه ... حملت الحقيبة وهممت بالانصراف .. لكن وليدا صاح حين اقتربت من الباب: بابا ...

كان صوته رقيقا جدا .. لكنه أشبه بصوت الكبار حين يحزنون .. علت منه نبرة الشجن ولم ينطق بعدها بشيء .. فقد أوصدت الباب خلفي بهدوء ورحلت..

توقفت عقارب الساعة عن الدوران.. وامتطى الصمت الغرفة من جديد ولا أحد تكلم .. وقفا طويلا يرقبان طيف ذلك الرجل الذي بدا غريبا عنهما بعض الشيء... حمل الحقيبة وغاب ...

كانت تضم وليدها إليها .. ترقب في كل ثانية الساعة المطنبة في النوم قرب سرير موحش وحشة الكهف المريب ... كان قد غفى في حضنها ولدي الحبيب وقد جف على خديها كما على خديه بعض الدموع .. دموع أمه .. دموعي أنا...

وضعته على السرير وغطته برفق أكثر من ذي قبل ..تحسه اليوم أكثر وحدة من أي زمن مضى.. قامت إلى النافذة .. تنتظر أحدا ما .. من سيعود في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ .. حملت سماعة الهاتف ثم أعادتها ... راحت ثم أتت .. بدأت المخاوف تلتهم صبرها ... انحنت على وليد وقبلته ... وليد ثمرة ذلك الحب الذي لا يقتله شيء ... حتى الغضب .. حتى القسوة .. حتى الرحيل ... تفرك شعره بين يديها .. إنه يشبه أباه حين كان صغيرا .. لكنني أؤكد أنه يشبه أمه أكثر .. فعيونه عيونها ... كانت تقول لي: روحه روحك .. وليد أخذ منك طيبتك كلها ... وغضبك أيضا وحيرتك ... أقول لها أن الشيء الذي متأكد منه أن وليد ورث كل شيء بشع مني وجميل من أمه ... تنهدت عميقا هي تعرف أن ذلك الرجل الكبير حضوره في قلبها لا يريد أن يكون أفضل من حبيبته بشيء حتى بجينات الأطفال ...

ابتسمت ودمعتها سبقت حركة الشفاه ... مدت يدها إلى سماعة الهاتف من جديد .. ثم أعادتها .. ثم حملتها .. ثم اعادتها ..بدأت تبكي لم تعد تدري ماذا تفعل .. هذه المرة جرت إلى الصالون .. لم تتمالك خوفها عليه .. حملت تذكرة السفر وشكلت رقم المطار .. أخبروها أن الطائرة أقلعت منذ ساعات ... ولم يكن على متنها راكب بهذا الاسم ...

هرعت إلى النافذة مجددا .. تعصر الستائر بين يديها.. دق الجرس .. لم يكن معه مفتاح الباب .. لذا جرت ... فتحت الباب وارتمت بحضنه: تأخرت كثيرا .. لماذا تأخرت؟

تتوقف الدنيا عن الحراك ههنا .. بدأت تبكي ... فرك شعرها بين أصابعه وقبل خصلة منها .. محاولا اسكاتها مازحها بلطف وقال: أنت مجنونة ... صح قالت:أنتَ أكثر ... ثم ابتسمت ورأسها لا يزال مغمورا في حضنه العميق قال: أعلم والله... لكن هل سنبقى كمجنونين أمام الباب ... أين وليد؟

أدخلتُ الحقيبة وأوصدت هي الباب ثم قالت: هو نائم .. انتظر طويلا ثم نام .. قال: أيقظيه ... سينام اليوم في حضني .. أسرع الأب إليه وبدأ يوقظه برفق ودمعة الأسف ترقص على عينيه .. أما هي فوقفت ترمقهما بدمعة طليقة اغتالتها بسمة وليد لرؤية أبيه .. التفت إليها وسأل: ألم تتعشوا بعد ... بطن ولدي يقرقر صح؟ ... أنا جوعان
قالت: ماذا تريد أن أحضر لك ..
قال: أي شيء المهم أن نأكل معا .. معا كل يوم .. كل يوم ...

أطال النظر إلى وجهها المشرق وقال: سامحيني .. أنا المخطيء دائما قالت: لا .. أنت لا تخطيء أبدا .. أنا من أدفعك دائما لذلك ... أعتذر منك قال ضاحكا: سنقضي الليلة نعتذر من بعضنا البعض إذن .. أين العشاء؟ وليد جوعان أيضا .. صح وليد؟
.
.
.




سليم مكي سليم


الـمـبـحــر عـلـى عـتـبــات الـحــرف ... يـكـتـب لـكــم
سليم مكي سليم :: فهرس المواضيع

إذا أردت أن تبقى حيا بعد أن تموت .. فاكتب شيا يستحق أن يـُـقرأ .. أو افعل شيئا يستحق أن يـُـكتـَـب عليه.
My A r t Gallery on Deviantart
التعديل الأخير تم بواسطة Salimekki ; 30-03-2009 الساعة 01:15 PM
  • ملف العضو
  • معلومات
وجد48
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 02-01-2009
  • المشاركات : 52
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • وجد48 is on a distinguished road
وجد48
عضو نشيط
رد: مراكب سكرية للحب "5" : حب وتذكرة سفر
30-03-2009, 01:35 PM
هل سنبقى كمجنونين أمام الباب ...
يكون الجنون في بعض الاحيان رائعا ان كان مثل هذا الجنون
قتلني صمتها في البداية حتى قلت كما قال نزار لا تقفي مثل المسمار
آلمني الفراق فطعمه علقم و رائحته حنضل
من قال ان الاطفال لا يفهمون هم يفهمون و لكن لا يعبرون و في صمتهم صدقهم
اثلجت صدري يا سليم بالنهاية السعيدة
ان شاء الله يعود كل غائب الى حبيبه

شكرا لك مبدع دائما. هل لي ان اشاركهم العشاء؟
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية wassim sba
wassim sba
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 24-10-2008
  • الدولة : سيدي بلعباس (الجزائر)
  • المشاركات : 782
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • wassim sba is on a distinguished road
الصورة الرمزية wassim sba
wassim sba
عضو متميز
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية soundos
soundos
عضو نشيط
  • تاريخ التسجيل : 17-04-2009
  • الدولة : constantine
  • المشاركات : 74
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • soundos is on a distinguished road
الصورة الرمزية soundos
soundos
عضو نشيط
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


المواضيع المتشابهه
الموضوع
ملف متكامل للعناية بالبشرة..كل وحدة تفوت و تشوف واش يناسبها
موسوعة حلويات emeril القسم 3
موسوعة حلويات emeril القسم 1
جمالك ...أرجو التثبيت
كل شيء عن الشعر وصفاته ومشكلاته.
الساعة الآن 11:21 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى