" شاعــرٌ يقطــفُ زهــرةْ ... " ... سعدي صبّاح
17-04-2009, 09:29 PM
" شاعــرٌ يقطــفُ زهــرةْ ... "
سعـدي صبّــاح
خربوزة الحنظلة التي منحتني إياها مقبرة البشر بفلسفة جان جاك رسو ،مقابل حبّي للمدينة ، وانقلبت بعد حين من الدهر إلى شوكة دامية ! تبرّأ منها النبق ، وجنيت جنبها سحالب تضمري واكتئابي ... وشحت البرّاقة بيتا كان وكنة للمرح بوشاح من سواد ! ، تبخرت أحلامي كقطرات الندى على تلافيف وردة ذابلة .. فأوصدت بابي ونافذتي بعد أن صرت أدحرج صخرة سزيف بمفردي !، وحين لف الديجور بيتنا طرق شيخ غريب عن أبناء جلدتي ..يتأبط رسالة من وادي عبقر وانتوى انتشالي من قارعة حنظلة رأفة بي ... حنظلة التي أرضعتني أقداح العلقم ..السادية التي يطيب لها التلذذ بتعذيب سواها !، وناشد بالولوج في يم الفراهدي ، ووجدت نفسي الهث وراء دمار آخر اسمه البريق ! ..عشقت صورتي على الجرائدي وحضوري على المنابر ... حولتُ نعيق الغراب إلى تغريد ..أحبّني الرجال وولولت لقصائدي النساء ! ..أسراب العذارى يراشقنني بالسوسن ، تحبكه أنامل غضة ومخضبة إعترافا بشاعر يسكنني ! ، ثم على حين غرة جاء حضوري بربيع شعر فاترا سقيما !، واخترت الخلوة ملاذا للتواري ! ..أدرت وجهي عن شواعر ألفنَ دعابتي ! ..وبارحتُ القاعة المعجة بالعصافير..أحمل هيكلا دمرته الحنظلة إلى قاعة آخرى تسمى تمويها قاعة الشاي ..فسقطت إلى جاني زهرة سئمت موكب الزهر ! وسرى عطرها فعطر أرجاء القاعة ، أسميتها في النجوى زهرة الخزامى ! وهمس الشاعر بداخلي : " يحق على الشاعر أن يحب أكثر من زهرة فالحب ليس حكرا لأحد " ، فالزهرة التي منحني إياها شهر آذار على الهامش علها جاءت لتوقظ وهج شباب ذوى !، فاشهدي أيتها القاعة بأن زهرة الخزامى كانت وراء الربيع، وازدادت نضارة بشاعر تلاشى فتوته بين الشعر والحنظلة ، تمزقت على يده أحزاني واندثرت !..تعلقتها بغتة وتعلقتني ..عشقتها حد الهوس أو الجنون ! وتذكرت بمحياه صبايا الدشرة اللواتي بينهن كنتُ العريس حيث كنت ساذجا لا أعرف للحب معنى !، فقط قرب الخزامى أدركت معنى الهوى ... أدركت معنى الطمأنينة والأمل ، واتخذت الفاتنة مني رفيق دربها وأطلقت الرصاص على الحنظلة !، وكنت قبلها من الحيارى وكانت زهرتي حيرى بين الجنائن تائهة ..وانتشت حين وجدتْ من يفكر فيها بعمق ولا يعنيها بهتان حنظلة وفي هنيهة تسللت زهرة الخزامى إلى فنجان قهوتي ! ثم إلى ماء العريشة الذي أدمنته عنوة في الحنظلة !، فالخزامى والجعة عندي توأمان !.. يسكران و يجعلان من القفار جناتا وأعنابا !، منذ الهنيهة التي منت بعطرها عرفت معنى الجمال و تدثرت الأرض الجدباء بدثارمن البنفسج غطى الربى والبطاح !..أحببتها حد الثمالة دون وساطة للشيطان !..وانبلج على يدها فجر الإنعتاق وكانت بلسما للنفس التي تئن بأغوار جسد أتعبته الحنظلــة ،" أوكي " الآن جنيت ثمن تجلدي ... فالأمر عادي حين يقطف الشاعر زهرة وغير العادي حين يتهم بالعربدة !، فأنا لم أرَ في حياتي رجلا قتلته زهرة ، آلفتها وحولتْ سيارتي إلى وكر للعطور ..أشعر إلى جانبها بأنني عنتره ، أرددعلى مسمعها :"رمت الفؤاد مليحة عذراء " وبانت الأمور جلية كوجه الشمس وكانت عندي بمثابة الأرطال عند المدمنين والعياذ بالله ! .. هي الكناة التي تمنحني النشوة ..أنيزات القرن العشرين أعدت بطلع التيميسطا لصنع الفرح !، زهرة الخزامى التي آسرتني جاءت حبلى بالشذى ،.. قاعة الشاي التي احتوتنا تشهد على عطرها الذي يبعث النشوة والإرتياح ! ..لا أدري لماذا انشرحتُ لمحياها منذ دلفت للقاعة المعروشة بالبجلة وأعواد البرواق ، ودون أن أدرِ ياصاحبي ارتشفتُ الرحيق من ثغر ساحر انفلق من شفتي الرمان !، وكنت بقربها منتشيا بما تفضي الزهور إلى الزهور، ولما التمست في الزهرة وداعة القمر .. وداعة الولهانة المتعطشة واستقريت أفكارها فانتويت أن تحتوينا الظلمة على بساط لحظة الجنون التي أقرها رب الورى ! ... هكذا ينبغي أن تكون خلوتي وزهرة غنى لها المنحنى وغنت لها التلة وتغنت بها مياه الغدير ... زهرة تمكنتني بسحر وإغراء ... وبما يشبه الغرابة تعودت اقتناص القبل أمام الجموع وتشاطرني شراب الروم من فنجان خزف يدخل الإرتياح ولاتبالي !، أسكرتني بخمرها ومزقت خيوط الكآبة وهي في ذاتها كانت دواء للعلاج قبل الأقراص ! ... أراها في الحلم واليقظة النجمة الثاقبة التي تزيّن سمائي والأنواء حين يأفل القمر !... فهي قمري الذي لا يتوراى خلف ثعابين السماء !... و بالقاعة الرومنسية دوما رحت أتأمل زهرتي من أخمس القدم بداية من الكعب العالي ... واكتشفت بأن للزهرة سيقان بحجم الحبق ونكهة الكمأة ... قارورة بستيس ارتوت منها عصافيري فترنمت بالغناء ! ... ولما قرأت سيمات الرغبة من وراء التورية التي لا تخفى عن شاعر بالإشارة يفهم !، وتحوّلتْ الزهرة الفاتنة إلى مارد لا يكبح جماله ! ... فامتلكتني رغبة في النوم وفي البكاء على الخزامى ! ، ليذوب جليد الحنظلة الجاثم على صدري منذ الأمد ... زهرتي النضرة التي تيمتني تمنحني لا محالة دبس النخيل !... دبس الشهوة التي وراء بناء العالم البشري! .. الذي تناسل من خلال نزوة عابرة توحدت فيها الرغبات !، اخترقت أفئدتي حين تتغنج في تسللها مع الوريد ... ! فكانت بعشقها قصة قصيرة للهوى.. المكان قاعة للهوى أيضا بجمال وبفن وبأثاث نادر بالمعمورة ... الزمان مساء حزين جمت فيه إحباطاتي وسط أمواج عارمة من الشحارير والمغانين جمعتهم القاعة المترامية على شاطئ المدينة الحبكة شاعر يقطف زهرة ... الزهرة التي كنت قبل مجيئها أعيش فصل رواية للرتابة ، وبحبكة خزامى حنت على شفتي بكأس من أقاح ! ... زخّة عطر خرجت من شذاها صوب الكلمة الساحرة ..هرة جائعة تموء.. تتمنّع وهي راغبة .. ترى العاشقة أنوثتها لعنة تطاردها دون فارس يتعاطى الشعر يحميها دمدمة الرعود ... جاهرتْ زهرتي بحبها دون أن تدري بأن الحب وحده الذي يُغذي جذور الخطيئة والرذيلة ! ... فأخشى أن ترتمي زهرة الخزامى ليلة على السرير وتحلّ عقدة الرواية !، رغم انها مجازاً تعني المحافظة على العفة !... زهرة الجنادل والحدائق ..الزهرة التي كانت الحرّة ترمي عليها أثوابها لتشرب رحيقها الذي ينعش الروح !، لذلك أحببتها حدّ القداسة وعهت نفسي جازما بأن لا اغضبها ولو أمطرتني بالعتاب .. ! ومع ذلك لم تأتي هذا المساء فبكيت صامتاً متحسراً ظننته الفراق إلى أن لوّحتْ حسنائي على شاطئ الغروب يتبعها عهن الدياجي ! ...عانقتني الزهرة وانعطفت بي إلى الحجرة المعجة بالبخور والشموع !... تنشقتها وسافر الشاعر المتيم بالرائحة النفاذة ، ارتمت على ظهر حنبل تآكلت أطرافه ..أرخت بتلات عفرها الكتى وفاح أريجها والعبير الذي تأكّد لي من وراءه شبقية الزهرة الضّامئة رغم الشذى !... ففراش الحنبل ارتشف عطر الندى والشاعر بهائجته يرضع عطر الرحيق !... تجرّدتْ زهرة الخزامى إلا من سنابل القمح كأمها حواء يوم أن أنبتها رب الورى وأخرجها من ضلع آدم عليه السلام ! ... حبّات العنمبر انفرطت ولامستني كالقشعريرة.. جزارة شعر ابتلعت من خزامها مسمات كانت بالأمس مسدودة ! .. ، فحيح الزهرة ببرنس شاعر يبحث عن الشهوة في همس ... تتقن زهرتي الضامئة على اليقين لعبة الزهور ! ... اللعبة التي أماتت ديانا وردة إنجلترا ! ... يا للعار سارع شاعري المتيم يتشمّم أنفاسها كنحلة تلعق ما تبقى من عطور! ... يرتوي بالرحيق ولتأتي العاصفة " حنت هاي حنت رقيقة الحوري" وروتني دبس النخيل ... تفتحت الزهرة من جديد واضمحلّت في الهوى وشبقية الزهور حد المنية !... وقعت في الهوى وكانت زهرتي بالمرصاد ، دثرتني وعرفت بحضنها شبق الخزامى ... شربت نخبها وقطفت ثمرا منقطع النّضير !، أدرك بأن الهوى دعاها إلى منزلي ، فراشة فتية حوتها ظلمتي راضية ترد د برجاء ضُمّني ضمة واسمعني أنين بتلاتي ! ، وانتهت حكاية زهرة التي أعد حبكتها شيطان مارد اسمه الهوى واتخذ هواها ذريعة لتبرير جنايته وقادنا للشراك .. !، بنمق وببهرجة وكان وراء العناق من أول لقاء ... يرفرف حولنا ويرش بالسحر بلاط القاعة ! ، تكومت زهرة الخزامى ببتلاتها ونامت على ساعدي نومة الزهور !... وقد شاطرتني دثاري وبعض وسادتي حتى انبلاج فجر جديد أيقظها آذانه !، فتعطرت الزهرة بعطرها فسرى يتبعها كالنسيم ، وعلى هبوب الصَّبا ودَّعتْني على الأوبة ..اغرورق الدمع في مقلتيها وبكت بكاء العصافيرْ !... ، ودعتها على قبلة ... منّيتها بالوصال ، بسرعة البرق على الأنواء مرت تعطر العريشة وابتلعها خلسة ذاكَ الزقاق .
القاصّ : سعدي صبّـاح
[email protected]
www.sebbah.jeeran.com
" رِجَالُ حَارَتِنَا يَقْتُلُونَ نَوَارِسَ عَنْتَرَةْ
تَاهِمِينَ عَبْلَة بِالغِوَايَةْ ، ثُمَّ يُطْعِمُونَ
السَّنَابِلَ لِطُيُورِ دِيك الجِن فَهُمْ ضِدّ
العُذْرِية لأَنَّهَا تَسْمُو عَنْ نَزَوَاتِهِم ْ...!"
سعدي صبّـاح
* * * * * * *
www.sebbah.jeeran.com
[email protected]
تَاهِمِينَ عَبْلَة بِالغِوَايَةْ ، ثُمَّ يُطْعِمُونَ
السَّنَابِلَ لِطُيُورِ دِيك الجِن فَهُمْ ضِدّ
العُذْرِية لأَنَّهَا تَسْمُو عَنْ نَزَوَاتِهِم ْ...!"
سعدي صبّـاح
* * * * * * *
www.sebbah.jeeran.com
[email protected]







