بذور الآفات الاجتماعية
12-05-2009, 08:31 AM
بذور الآفات الاجتماعية
بذور الآفات الاجتماعية حرص الإسلام منذ بزوغ فجره، وابتداء تنزل القرآن على تغييرالأوضاع الفردية والاجتماعية التي كانت تسود مجتمعات شبه الجزيرة العربية فيمااصطلح على تسميته بـ (مجتمع أو عصر الجاهلية)، ورغم تنازع الباحثين في نسبة العربيقبل الإسلام إلى التفرد أو الاجتماع، فإن مما لاشك فيه أن كلا الدائرتينالإنسانيتين (الفردية والجمعية) كانت قد أصابها لوث الأمراض والعواهن والآفاتالتي آلت في النهاية إلى وصم تلك الفترة الزمنية قبيل البعثة مباشرة (بالجاهلية). وفي الوقت الذي كرس فيه الإسلام طاقاته لكسر استحكام الحلقات الاجتماعية المتعفنةالتي كانت سائدة، والتي اتخذت التعصب للقبيلة والعشيرة والتفريط بالمبادئ والمثلالإنسانية في سبيل تحقيق غاياتها ورؤاها وتجسيدها على أرض الواقع، فإنه حرص، فيالمقابل، على ترميم ما قد تناوله بمعول الهدم وإعادة بنائه انسجاماً مع الرؤيةالقرآنية للمجتمع الإسلامي المثالي. فلقد عمد الإسلام إلى هدم تلك الرابطةالاجتماعية التي كانت تسوس الأفراد والمجتمعات على حد سواء (رابطة العصبيةالقبلية)، سعياً وراء بناء رابطة أخرى تكون أكثر سعة وانفتاحاً وأكثر قدرة علىاستيعاب المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق الدعاة الأوائل (الصحابة)، فكان أنحلت رابطة (الأخوة الإيمانية) محل سابقتها (العصبية القبلية أو العشائرية)، وتموصف المؤمنين بـ (الأخوة)، (إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم)، وجرى اعتباراللحمة المتشكلة من الرؤية الإسلامية لحمة جسد واحد (إذا اشتكى منه عضو تداعى لهسائر الجسد بالسهر والحمى). هذه الرابطة الجديدة التي كرسها الإسلام وعمل علىتفعيل مضمونها في مختلف وجهات الحياة وأنماطها ما لبثت أن تجددت بعد ذلك لتشمل كافةالناس في هذا العالم، لتتبلور (رابطة الأخوة الإنسانية)، ولتنتفي معها الفروقالطبيعية والاجتماعية والعرقية والدينية بين جميع الخلق الذين هم (عيال الله)، وليضحي معيار التفاضل والقرب من المولى - عز وجل - من كان (أنفعهم لعياله)، ومعيارالتقوى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفواإن أكرمكم عند الله أتقاكم). ولا عجب بعد ذلك أن تمتد عناية الشريعة الإسلامية لتشملالحفاظ على متانة هذه الروابط الاجتماعية ولحمتها واتساقها مع الغاية المرجوة منها، وأن تشمل معالجة ما قد يظهر في ذلك المجتمع الإنساني المثالي من آفات وأمراض عارضة، من خلال نبذ تلك الآفات والنهي عن الاقتراب منها (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منهاوما بطن)، والاعتماد بداية في اجتثاث تلك الآفات الاجتماعية على ما ركزه المولى - عز وجل - في نفوس الناس من فطرة معرفة الحق والمصلحة والميل إلى قبوله والعمل به، والنفور من مقارفة الباطل والمضار والابتعاد عنها، فكان أن جعل التعاضد والتوافقعلى الأمر بما عرف في فطر الناس وأعرافهم السليمة والقويمة من أمور، والنفور أوالنهي عن مقابلاتها من الأمور المنكرة والضارة والباطلة سمة أساسية من سمات الأمةالخاتمة والشاهدة على غيرها من الأمم: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروفوتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). فـ (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً (أو قبيحاً) فهو عند الله سيء (أو قبيح)). ولما كانتبذور أي آفة اجتماعية مهما تضاءل أثرها الاجتماعي تعتمد، بالدرجة الأولى، علىقدرتها على النفوذ بداية في خضم ذلك المجتمع، والعمل تالياً على الفتِّ في عضده، وتوهين روابطه ولحمة سداه، فإن تلك الآفة لا تجد بداً عن الاعتماد على طائفة منالناس قد تكون دخيلة على تركيبة المجتمع الإسلامي، وقد تكون صنفاً من أبنائه ضعفتنفوسهم أمام شتى أنواع المغريات والمرهبات، فأسهموا مع دعاة البغي والشرور في نشرمجموعة من الشائعات حول انتشار تلك الآفات المرضية ضمن لحمة المجتمع الإسلامي، مماقد يسهل في بعض الأحيان من استمراء الخوض في الحديث عنها ومفاقمة نشرها وذيوعها، إلى أن يصبح من المألوف لدى الشارع الإسلامي سماع روايات واختلاقات حول انتشار بعضالأمراض الاجتماعية من (زنا ورشوة وغدر وسرقة واغتيال وفجور). وقد يسهم في هذهالعملية صنف من السذج من الناس قد يحلو لهم الخوض في إذاعة ونشر هذه الشائعة عن حسننية ودون قصد الإيذاء أو التوهين والإضعاف، ولمجرد (التسلية) وتمضية الوقت مما قديكون له عواقب وخيمة لا يفطن لها في المستقبل المنظور (إن الذين يحبون أن تشيعالفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم). ولقد كان شأن المسلمين فيما سبق التثبت فينقل الأخبار والروايات والترفع عن الخوض في نقل وإذاعة الشائعات، مهما كانت سليمةالمضمون أو بريئة القصة، وحادثة غزوة بني المصطلق وسببها المباشر غني الشرح والبسط(يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا)،، وفي قراءة (فتبينوا) وماذاك إلا تجنباً (أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، ورسولالله - صلى الله عليه وسلم - إذ يحذر أمته من وبال وعاقبة التهاون في هذا الأمر، ويسمهبصريح الكذب لمجرد نقل الخبر دون تثبت من صحته: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل مايسمع)، فإن كل (من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين)، وما ذاك إلالنهي الإسلام عن (قيل وقال)، (فبئس مطية الرجل: زعموا)، كما أخبر بذلك رسولالله - صلى الله عليه وسلم -. ويمكننا القول: إن مسؤولية التحرز والتثبت في نقل الأخباروالروايات مما تلوكه ألسنة الشائعات تتضاعف حالة خوض الأمة لحرب ما مع عدو غاصب أومعتدٍ، والسرية في نقل المعلومات والأخبار أمر معروف للخائضين في هذا المضمار، وحتىلدى العامة من الناس، فكم من شهيد استشهد نتيجة التهاون والتفريط بمبدأ السريةوالكتمان في نقل المعلومات، أو التساهل في إطلاق الشائعات عن مكان وجود وتحرك بعضالقادة الميدانيين للمقاومة في الأرض المحتلة، حتى باتت مقولة أن: (كل شهيد يُغتالوراءه شائعة دنيئة أو عميل دخيل). والمجتمع النبوي في المدينة المنورة قد عانىمبكراً من آثار ذيوع الشائعات وانتشار بعض المعلومات شديدة السرية والخطورة، وكانذلك ابتداء من عمل المنافقين في المدينة وأعوانهم من اليهود، ثم لم يلبث أن يخوضفيه بعض البسطاء من الناس دون تدبر أو حتى تفقه لخطورة الآثار المترتبة على ذلك: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمرمنهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلاقليلاً) وقد فسر العلماء المراد بـ (الأمن) و (الخوف) بأنه الأمر أو الخبر المعلنعن نصر للمؤمنين أو هزيمة لهم، بيد أن النص القرآني واضح الدلالة على إرادة خصوصلفظي (الأمن) و (الخوف)، وإن كانت المعاني المتقدمة داخلة فيهما وتشملهما، فالمراد (بالأمن) و (الخوف) تلك الحالة التي تسود المجتمع الإسلامي عندما يشيعالأمن والطمأنينة جراء السلم، ونظيرتها من (الخوف) المستبد بالمجتمع حالة استنفارهوجهوزيته للجهاد والحرب، في إشارة واضحة إلى ضرورة تجنب إذاعة الشائعات والخوض فيهاونشرها في جميع حالات المجتمع وفي جميع الأوقات والأزمنة، للأثر الفادح المترتب علىذلك على الدوام. كما أن الآية تشير إلى الأساليب والوسائل المتبعة في مثل تلكالأهوال، إذ تدعو عامة المسلمين إلى رد جميع ما يصل إلى أسماعهم إلى (الرسول) - صلى الله عليه وسلم - وإلى (أولي الأمر) من المسلمين، والذين تناط بهم مهمة تفحص تلكالأخبار والمعلومات واكتناه مدى صدقها ومعقوليتها، ليستنبط الخبراء من رجال الشورىوأهل الحل العقد وكل من كان على قدر من المسؤولية العامة عن شؤون المسلمينالإجراءات اللازمة وسبل تنفيذها، ضماناً لوحدة المجتمع وسلامته من الآفاتالاجتماعية خبائثها. قد يظن المرء، خاصة في ظروف عصيبة كتلك التي يعيشها أهلنا فيالأرض المحتلة، أن تجاذب أطراف الحديث فيما يخص شؤون الناس وأحوالهم أمر سائغ لاغضاضة به، وقد يغفل المرء عن حقيقة أن عدواً شرساً يتربص بنا الدوائر والخطوب، وسبيله إلى ذلك تلقف المعلومات والأخبار من أي مصدر كان، فإذا علمنا في المقابلتحريم الشريعة الإسلامية للغيبة (وهي ذكرك أخاك المسلم بما يكره)، وأن الأمر لايخلص ويصفو للمغتاب والخائض في نشر الشائعات، وإن كان الأمر حقاً كما ذكر: (قالوا: يا رسول الله، أرأيت إن كان به؟ قال: إن كان به فقد اغتبته، وإن لم يكن به فقدبهته)، ويبقى أن نؤكد على حرمة هذا الفعل شرعاً وعظم حرمته وعقوبته عند المولى - عز وجل -، وأن ننبه إلى فداحة الآثار والعواقب خاصة عندما يراق جراء ذلك دم شهيد، أويهتك عرض لإنسان، أو يهدم منزل لأسرة لا كافل لها إلا الله - عز وجل -.