الرد على مداخلات عبد الله ياسين
(الجزء الأول)
الحمد لله وبعد :
بداية يجب أن يعلم أن أهل السنة يثبتون العلو الحسي والمعنوي معا
فالعلو الحسي: هو استواء الله عزوجل على عرشه وارتفاعه فوق خلقه، والعلو المعنوي: هو القهر والكبرياء والعظمة. والعلو جاء إثباته بلفظ العلو، وجاء إثباته بالفوقية، والفوقية أيضاً تأتي بالمعنيين: تأتي حسية ومعنوية، فالحسية مثل قوله تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50] ، ففي هذه الآية إثبات صفة الفوقية الحسية، وأما الفوقية المعنوية فمثل قوله تعالى في أتباع عيسى: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران:55] فهذه الفوقية ليست حسية، بل المقصود بها الفوقية المعنوية بالترفع عليهم فقط. وكذلك فوقية الله سبحانه وتعالى على خلقه فوقية حسية وفوقية معنوية: فوقية حسية بارتفاعه وعلوه واستوائه على عرشه، وفوقيته المعنوية بمخالفته للحوادث وقهرهم بإحاطته بما هم فيه. فالله له العلو المطلق، فله علو الشأن، فشأنه عظيم، ولا يحيطون بشيء من علمه، ولا يحيطون به علماً سبحانه وتعالى، وله علو القهر، فقد غلب كل شيء، وقهر كل شيء، وعلا على كل شيء، وله علو الذات سبحانه وتعالى كما قال سبحانه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فاستوى فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته، كما جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة، والكرسي بجوار العرش كحلقة في فلاه)، والله على عرشه استوى.
وأخونا ياسين يركز فقط على العلو المعنوي(علو القهر) وكأن أهل السنة السلفيين لا يثبتونه! ولا أظنه يخفاه أن كل الطوائف بلا إستثناء يثبتون العلو المعنوي(علو الشأن وعلو القهر) وخلافنا لا يكمن في ذلك ألبتة إنما في علو الذات .
ولقد أجمعت رسل الله تعالى واتفقت كتبه المنزلة([1]) بل العرب والعجم([2]) , والآدميون عربهم وعجمهم مؤمنهم وكافرهم([3]) واتفقت بذلك كلمة المسلمين والكافرين([4]) على أن الله تعالى فوق العالم عالٍ على عباده([5]) .
ولم يخالف في ذلك أحد من بني آدم إلا شرذمة من الفلاسفة والجهمية والمعطلة والأشعرية
والماتريدية([6]) .
فكلهم يشهدون بألسنتهم وفطرهم على أن الله فوق العالم وعليه فطرة المسلمين علمائهم وجهالهم وأحرارهم ومماليكهم وذكرانهم وإناثهم وأطفالهم وكل من دعا الله تعالى([7]) .
اقتباس:
1- العلوّ الحسّي : بمعنى أنّ الله يعلوا على خلقه عُلوّاً بالمسافة و المكان كاعتقادك أنّ مَن على قِمّة الجبل يعلوا على مَن هو أسفَل الجبل ؛ أو مَن هو على الطّابق الخامس يعلوا على مَن هو على الطّابق الرّابع فمَن دونه و هكذا...
و نسبة هذا المعنى للمخلوق حقّ كما لا يخفى ؛ أمّا نسبته للخالق فهو باطل لأنّ عُلماء الإسلام أجمعوا على أنّ الله عزّ و جلّ " لا يَحْوِيهِ مَكَان و لاَ يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَان " كما نقل ذالك الإمام البغدادي ؛ و لأنّ نسبة الجهة لله عزّ و جلّ تستلزمُ قِدَمَ الجِهة و هو باطل...
فأين كان الله قبل أن يخلق الجهة و المكان و الزمان ؟
فالله هو خالق الزمان و المكان و الجهات كما هو مُقرّر ؛ إذاً في الأزل قبل أن يخلق الله الزمان و المكان و الجهات و غيرها من المخلوقات كان الله موجوداً و موصوفًا بصفات الكمال و الجلال ؛ و لم يكن أحدٌ معه ... و عليه فالله عزّ و جلّ " كَانَ وَ لاَ مَكَان وَ هُوَ الآَن عَلَى مَا عَلَيهِ كَانْ " أي بدون جهة و لا مكان...
|
أقول:
مفاد هذه الطنطنة إلزام فاسد-هذه عادة الأشاعرة- وهو أن إثبات العلو لله تعالى بذاته يستلزم إثبات المكان والجهة ومعلوم بداهة أن هذا الإلزام فاسد من أوجه:
الوجه الأول: أن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فلا يبنغي أبا قياس الخالق بالمخلوق كما حاول أن يفعل صاحبنا
الوجه الثاني: قد تواترات النصوص الشرعية وأقوال السلف في إثبات علو الله تعالى وفوقيته ولم نسمع من أي أحد منهم جاء بهذا الإلزام فاسد فهل جهلوه وأنتم عقلتموه؟!
وإليك بعض الأدلة على علو الله تعالى وفوقيته:
1-من الكتاب: و قول الله تعالى في سورة الملك: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ () أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}
و قول الله تعالى في سورة فاطر: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}
وقوله تعالى في سورة السجدة: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}
وقوله تعالى في سورة المعارج: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}
وقوله تعالى في سورة آل عمران: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}
وقوله تعالى في سورة النساء: {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ}
وقوله تعالى في سورة النحل: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ}
وقوله تعالى في سورة المائدة: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} وقوله تعالى في سورة الأنعام: {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ} وقوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ () مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ}
وقوله تعالى في سورة غافر{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} وقوله تعالى {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}وقوله تعالى {وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}
وقوله تعالى " وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا "
2-من السنة:
جاء الصَّحِيحَيْن مِنْ حَدِيث أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمَّا قَضَى اللَّه الْخَلْق كَتَبَ فِي كِتَاب ,فَهُوَ عِنْده فَوْق عَرْشه إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي " . وَفِي لَفْظ الْبُخَارِيّ " هُوَ وَضْع عِنْده عَلَى الْعَرْش " . وَفِي لَفْظ لَهُ أَيْضًا " فَهُوَ مَكْتُوب فَوْق الْعَرْش" .
وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن زَيْد عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَس قَالَ " كَانَتْ زَيْنَب تَفْخَر عَلَى أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُول زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّه مِنْ فَوْق سَبْع سَمَاوَات " . وَفِي لَفْظ لِلْبُخَارِيِّ " كَانَتْ تَقُول أَنْكَحَنِي اللَّه فِي السَّمَاء " .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَة مِنْ كَسْب طَيِّب , وَلَا يَصْعَد إِلَى اللَّه إِلَّا الطَّيِّب, فَإِنَّ اللَّه يَتَقَبَّلهَا بِيَمِينِهِ , ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدكُمْ فَلُوَّهُ , حَتَّى تَكُون مِثْل الْجَبَل " لَفْظ الْبُخَارِيّ .
وعن أَبِي الدَّرْدَاء : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " رَبّنَا اللَّه الَّذِي فِي السَّمَاء , تَقَدَّسَ اِسْمك , أَمْرك فِي السَّمَاء وَالْأَرْض كَمَا رَحْمَتك فِي السَّمَاء - الْحَدِيث " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الطِّبّ وإسناده حسن .
3-أقوال الصحابة:
-قال البخاري في تاريخه قال محمد بن فضيل عن فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل أبو بكر رضي الله عنه عليه فأكب عليه وقبل جبهته وقال " بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا "، وقال: " من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت "
-ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي، عن أنس رضي الله عنه قال: كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: "زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
-ومن ذلك مارواه سنيد بن داود، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "الله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" إسناده صحيح.
4-الإجماع:
-روى القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" بإسناد إلى أبي العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسي الإصطخري قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروقها، العارفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب الني صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وأدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها أو عاب قائلها، فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.
ثم ساق الإمام أحمد أقوالهم في هذه العقيدة إلى أن قال: وخلق سبع سموات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء العليا السابعة، وعرش الرحمن عز وجل فوق الماء، والله عز وجل على العرش، والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السموات والأرضين السبع وما بينهما، وما تحت الثرى، وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة وشجرة، وكل زرع وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد، وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كل شيء، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة، ودونه حجب من نور ونار وظلمة وما هو أعلم به.
فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله عز وجل: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وبقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} وبقوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} إلى قوله {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا } ونحو هذا من متشابه القرآن. فقل: إنما يعنى بذلك العلم، لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا، ويعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان. انتهى.
-وقال أبو عمر ابن عبد البر: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله:{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خلفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. انتهى. وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في " القاعدة المركشية" وأقره وهو مذكور في صفحة 193 من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى، ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف، إذ لم ينقل عنهم غير ذلك، إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية. انتهى. وقد نقل الذهبي كلام ابن عبد البر في كتاب "العلو" ونقله ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" وأقره.
الوجه الثالث:ماقاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله((في "التدمرية" "ص45": قد يراد بـ"الجهة" شيء موجود غير الله, فيكون مخلوقا كما إذا أريد بـ"الجهة" نفس العرش, أو نفس السماوات, وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى, كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه, كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك, وقد علم أن ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق, والخالق سبحانه وتعالى مباين للمخلوق, ليس في مخلوقاته شيء من ذاته, ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.
فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات, أم تريد بالجهة ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق العالم. وكذلك يقال لمن قال: الله في جهة. أتريد بذلك أن الله فوق العالم, أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق, وإن أردت الثاني فهو باطل ")).
قلت:وما قيل في شبهة الجهة يقال في شبهة المكان.
الوجه الثالث: أما تساؤلاتك العجيبة الغريبة فمضحكة والله
قال أخونا:
اقتباس:
مسلم يقطنُ القُطب الشمالي للكرة الأرضية ؛ من أنّ الله فوقه فوقية حسّية يعني بالمسافة و المكان !
مسلم يقطنُ القُطب الجنوبي للكرة الأرضية ؛ من أنّ الله فوقه فوقية حسّية يعني بالمسافة و المكان !
مسلم يقطُن في أقصى النّصف الشرقي للكرة الأرضيّة ؛ من أنّ الله فوقه فوقية حسّية يعني بالمسافة و المكان !
مسلم يقطُن في أقصى النّصف الغربي للكرة الأرضيّة ؛ من أنّ الله فوقه فوقية حسّية يعني بالمسافة و المكان !
فماذا يستلزم من اعتقاد الفوقية الحسّية من كلّ الجهات الأربع ( شمال ، جنوب ، شرق ، غرب) للكرّة الأرضية ؟
يستلزم أنّ المَخلوق ( الكرة الأرضيّة و الكون ) موجود داخل الخالق !!! و أنّ الله عزّ و جلّ مُحيطٌ بخلقه احاطة حسّية من كلّ الجهات !!! و العياذ بالله من هذا القول الباطل !!!
فهل هذه هي عقيدة الإسلام ؟!!!
لا و ألف لا ...
فمُعتقد أهل الحق أنّ الله موجود بدون مكان و لا جهة لأنّ المخلوق يحتاج لتواجده للمكان و الجهة أمّا الخالق فسبحانه كان موجوداً قبل يخلق المكان و الزمان و الجهة و عليه فهو غنيٌّ عن ذالك...
|
أقول: ومن أين لك بهذه الإلزمات ألا تعلم قوله تعالى((ليس كمثله شيء هو السميع البصير) ثم إن الله فوق العالم المخلوق فكل ماسوى الله عالم فهو سبحانه وتعالى فوق كل العالم فكيف تسأل إذن هذه الأسئلة؟ ألا تعلم أن أسئلتك لا تختلف عن سؤال ذاك المبتدع الذي سأل الإمام مالك رحمه الله((كيف إستوى)؟!
فالقول هل الله فوق القطب الشمالي أو الجنوبي لم يرد فيه نص إنما ثبت انه فوق السموات السبع فهو سبحانه وتعالى بذاته فوق العالم أجمع.
اقتباس:
قال حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في "الدعوة السابعة" في كتابه القيّم " الإقتصاد في الإعتقاد " :
( فإن قيل ) :
فنفي الجهة يؤدي إلى المحال و هو : إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست و يكون لا داخل العالم ولا خارجه و لا مُتَّصِلاً به و لا مُنْفَصِلاً عنه و ذلك محال ؟!!!
( قلنا ) :
مُسَلَّمٌ أنّ كلّ موجود يقبل الإتّصال فوجوده لا مُتَّصِلاًو لا مُنْفَصِلاً محال و إن كان موجوداً يقبل الإختصاص بالجهة فوجوده مع خلُوِّ الجهات السّت عنه محال.
فأما موجود لا يقبل الإتّصال و لا الإختصاص بالجهة فخُلُوّهِ من طرفي النّقيض غير محال و هو كقول القائل : يستحيل موجود لا يكون عاجزاً ولا قادراً و لا عالماً و لا جاهلاً ، فإنّ أحد المتضادّين لا يخلو الشيء عنه.
( فيقال له ) :
إن كان ذالك الشيء قابلا للمتضادّين فيستحيل خلوّهِ عنهما ، و أما الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما لأنّه فقد شرطهما ؛ و هو الحياة ؛ فخلوّهِ عنهما ليس بمحال.
فكذلك شرط الإتّصال و الإختصاص بالجهات : التحيّز ، والقيام بالمتحيّز فإذا فقد هذا لم يستحل الخلق عن متضادتين.
فرجع النظر إذاً إلى أنّ موجوداً ليس بمتحيّز و لا هو في متحيّز ، بل هو فاقد شرط الإتّصال و الإختصاص هل هو محال أم لا ؟
( فإن زعم الخصم ) :
أنّ ذلك محال وجوده ؟!!!
( فقد دلّلنا ) عليه بأنّه :
مهما بان أنّ كل متحيّز حادث ، و أنّ كل حادث يفتقر إلى فاعل ليس بحادث ، فقد لزم بالضرورة من هاتين المُقدّمتين ثبوت موجود ليس بمتحيّز ، أما الأصلان فقد أثبتناهما ، و أما الدعوى اللاّزمة منهما فلا سبيل إلى جحدها مع الإقرار بالأصلين.
( فإن قال الخصم ) :
إنّ مثل هذا الموجود الذي ساق دليلكم الى إثباته غير مفهوم ؟
( فيقال له ) :
ما الذي أردت بقولك : "غير مفهوم" ؟!!!
( فإن أردت به ) أنّه غير مُتخيّل ولا مُتصوّر و لا داخل في الوهم فقد صدقت ؛ فإنه لا يدخل في الوهم و التّصوّر والخيال إلا جسم له لون و قدر ، فالمنفك عن اللّون و القدر لا يتصوّره الخيال ، فإن الخيال قد أنس بالمُبصرات فلا يتوهّم الشيء إلا على وفق مرآه ، و لا يستطيع أن يتوهّم ما لا يوافقه.
( و إن أراد الخصم ) :
أنّه ليس بمعقول أي : ليس بمعلوم بدليل العقل فهو محال ؛ إذ قدّمنا الدّليل على ثبوته و لا معنى للمعقول إلا ما اضطرّ العقل إلى الإذعان للتّصديق به بموجب الدّليل الذي لا يمكن مخالفته و قد تحقق هذا.
( فإن قال الخصم ) :
فما لا يتصوّر في الخيال لا وجود له ؟!!!
( فلنحكم ) بأنّ الخيال لا وجود له في نفسه ؛ فإنّ الخيال نفسه لا يدخل في الخيال و الرؤية لا تدخل في الخيال و كذالك العلم و القدرة و كذالك الصوت والرائحة.
ولو كلّف الوهم أن يتحقّق ذاتًا للصّوت لقدّر له لونًا و مقدارًا وتصوّره كذالك.
و هكذا جميع أحوال النّفس من الخجل و الوجل و الفسق والغضب والفرح و الحزن و العجب.
فمن يدرك بالضرورة هذه الأحوال من نفسه و يروم خياله أن يتحقّق ذات هذه الأحوال فيجده يقصر عنه إلا بتقدير خطأ ، ثم ينكر بعد ذالك وجود موجود لا يدخل في خياله فهذا سبيل كشف الغطاء عن المسألة.انتهى
|
خلاصة جواب الغزالي أن هذا الإلزام إنما يصح في حق الأجسام التي تكون في حيز
ويجاب على اعتراضته على صفة العلو بمثل هذا الجواب فيقال إنما تصح إلزامتك في حق المخلوقات التي تحيط بها الأحياز أما الله عز وجل فليس فوقه شيء
ومزية قولنا على قولكم أن قولنا تعضده ظواهر النصوص وإجماع السلف والعقل الصريح والفطرة السليمة
اعترافات أشعرية
نقل السقاف في ص75 عن الغزالي قوله في الإحياء (4 / 434) : " أن الله تعالى مقدس عن المكان ومنزه عن الاقطار والجهات وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه ، قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته " .
ثم نقل في ص76 عن للعز بن عبد السلام قوله في القواعد ص (201) (( أن من جملة العقائد التي لا تستطيع العامة فهمها هو أنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ولا منفصل عن العالم ولا متصل به ))
فنقول للأشاعرة عقيدتكم هذه موجودة في القرآن أم غير موجودة ؟
فإن قالوا غير موجودة قلنا لهم كيف يفرط رب العالمين بعقيدة هامة كهذه ويبين أحكام الحيض والظهار وغيرها هذا ما لا يليق بكتاب رب العالمين؟!!!
فإن قالوا مذكورة قلنا كيف هي مذكورة وقد صرح أئمتكم بأن العوام لا تفهمها وأنها حيرت عقول أقوام بينما يقول رب العالمين عن كتابه (( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ))
فكيف تكون هذه العقيدة المعقدة في هذا الكتاب الميسر ؟!!
قاعدة الرازي الكلية تنقض غزل الأشعرية
للرازي قاعدة معروفة وهي (( إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل على النقل )) و نحن والعامة بموجب هذه القاعدة ننكر عقيدة أن الله لا داخل العالم و لا خارجة لأن عقولنا لا تفهم هذه العقيدة وبالتالي لا تقبلها إذ كيف يقبل ما لا يفهم وما تحير به العقول كما شهد بذلك الغزالي والعز بن عبد السلام ؟!
الوجه الرابع: نحن كذلك لا نثبت المكان لأنه مخلوق لكن لما خلق الله العالم هل خلقه خارجا عنه أم في نفسه؟
فإن قلتم في نفسه فقد كفرتم وإن قلتم خارجا عنه فهو إذن سبحانه خارج العالم والعالم تحته.
يتبع..............
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ) غنية الطالبين 1/63 , الصواعق المرسلة 4/1279 , ومختصر الصواعق 2/205 .
[2] ) تأويل مختلف الحديث 172 , والتمهيد لابن عبدالبر 7/134 .
[3] ) انظر مجموع الفتاوى 5/320 , واجتماع الجيوش 284 .
[4] ) رد الدلرمي على بشر المربسي 25 .
[5] ) راجع درء التعارض 6/208 , ونقض المنطق 52 , ومجموع الفتاوى 4/61 و 5/275 , والرد على الجهمية للدارمي 20-21 .
[6] ) انظر إثبات العلو لابن قدامة 131 , ودرء التعارض 6/209 , 266 , والحموية 24 , ومجموع الفتاوى 5/20 , 271 , وبيان تلبيس الجهمية 1/127 , وشرح الطحاوية 327 .
[7] ) التوحيد لابن خزيمة 1/254 , وانظر الفتاوى 5/275 .