رد: دك حصون المفترين بإثبات نزول رب العالمين
06-06-2009, 02:34 PM
المبحث الثالث ‏‎:‎‏ هل نجزم بإثبات النزول أم نفوض ‏ونؤول؟ ‏‎!‎


اعلم رحمك الله بأن حديث النزول(حديث كبير جليل ,تنادي جلالته ‏وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة))(22)‏
وقد انقسم الناس اتجاه هذا الحديث وغيره من نصوص الصفات إلى ‏ثلاثة أقسام ‏‎:‎
القسم الأول: من جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقاً يليق بالله - عز وجل - وأبقوا دلالتها ‏على ذلك، وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ‏وأصحابه، والذين لا يصدق لقب أهل السنة والجماعة إلا عليهم.‏
وقد أجمعوا على ذلك كما نقله ابن عبد البر فقال: "أهل السنة مجمعون على الإقرار ‏بالصفات الواردة كلها في القرآن الكريم والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على ‏المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة" أهـ.‏


القسم الثاني: من جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلاً لا يليق بالله ‏وهو: التشبيه، وأبقوا دلالتها على ذلك. وهؤلاء هم المشبهة

القسم الثالث: من جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلاً، لا يليق بالله ‏وهو التشبيه، ثم إنهم من أجل ذلك أنكروا ما دلت عليه من المعنى اللائق بالله، وهم أهل ‏التعطيل سواء كان تعطيلهم عاماً في الأسماء والصفات، أم خاصاً فيهما، أو في أحدهما، ‏فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عينوها بعقولهم، واضطربوا في تعيينها ‏اضطراباً كثيراً، وسموا ذلك تأويلاً، وهو في الحقيقة تحريف.‏

أين الحق؟؟؟


والحق بلا ريب ولا شك مع القسم الأول أهل السنة والجماعة ‏‎:‎
وذلك لوجهين:‏
‏ الأول: أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من ‏أسماء الله وصفاته كما يعلم ذلك من تتبعه بعلم وإنصاف.‏ الثاني: أن يقال: إن الحق إما أن يكون فيما قاله السلف أو فيما قاله غيرهم، والثاني ‏باطل لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكلموا بالباطل ‏تصريحاً أو ظاهراً، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحاً ولا ظاهراً بالحق الذي يجب اعتقاده. ‏وهذا يستلزم أن يكونوا إما جاهلين بالحق وإما عالمين به لكن كتموه، وكلاهما باطل، وبطلان ‏اللازم يدل على بطلان الملزوم، فتعين أن يكون الحق فيما قاله السلف دون غيرهم.‏
قال محمد بن جرير الطبري - بعد كلام طويل حول نصوص الصفات: "وأهل العلم بالكتاب ‏والآثار من السلف والخلف يثبتون جميع ذلك، ويؤمنون به بلا كيف ولا توهم. ويمرون الأحاديث ‏الصحيحة كما جاءت من رسول الله عليه الصلاة والسلام"‏



بطلان مذهب المشبهة ‏‎:‎


أما القسم الثاني (المشبهة) فلا ريب أن مذهبه باطل ,وذلك من أوجه ‏‎:‎
الأول: أنه جناية على النصوص وتعطيل لها عن المراد بها، فكيف يكون المراد بها التشبيه ‏وقد قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)


الثاني: أن العقل دل على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات، فكيف يحكم ‏بدلالة النصوص على التشابه بينهما؟
الثالث: أن هذا المفهوم الذي فهمه المشبه من النصوص مخالف لما فهمه السلف منها ‏فيكون باطلاً.‏
‏ فإن قال المشبه: أنا لا أعقل من نزول الله ويده إلا مثل ما للمخلوق من ذلك، والله ‏تعالى لم يخاطبنا إلا بما نعرفه ونعقله فجوابه من ثلاثة أوجه:‏
‏ أحدها: أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ). ونهى عباده ‏أن يضربوا له الأمثال، أو يجعلوا له أنداداً فقال: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا ‏تَعْلَمُونَ) وقال: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). وكلامه - تعالى - كله حق ‏يصدق بعضه بعضاً، ولا يتناقض.‏

ثانيها: أن يقال له: ألست تعقل لله ذاتاً لا تشبه الذوات؟ ‏
‏ فسيقول: بلى! فيقال له: فلتعقل له صفات لا تشبه الصفات، فإن القول في الصفات ‏كالقول في الذات، ومن فرق بينهما فقد تناقض!.‏
‏ ثالثها: أن يقال: ألست تشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة ‏والكيفية؟ فسيقول: بلى! فيقال له: إذا عقلت التباين بين المخلوقات في هذا، فلماذا لا تعقله بين ‏الخالق والمخلوق، مع أن التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم، بل التماثل مستحيل بين ‏الخالق والمخلوق كما سبق في القاعدة السادسة من قواعد الصفات.‏



بطلان مذهب المعطلة من الأشاعرة والجهمية:


وبيان بطلان ماذهب إليه القسم الثالث(المعطلة) من عدة أوجه ‏‎:‎
أحدها: أنه جناية على النصوص حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد ‏له.‏
الثاني: أنه صرف لكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عن ظاهره، ‏والله - تعالى - خاطب الناس بلسان عربي مبين، ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا ‏اللسان العربي، والنبي صلى الله عليه وسلم خاطبهم بأفصح لسان البشر؛ فوجب حمل كلام الله ‏ورسوله على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي؛ غير أنه يجب أن يصان عن التكييف ‏والتمثيل في حق الله - عز وجل.‏
الثالث: أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه، قول على الله بلا ‏علم وهو محرم ؛ لقوله - تعالى - : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ‏وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا ‏تَعْلَمُونَ) ولقوله - سبحانه -: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ ‏كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً).‏
‏ فالصارف لكلام الله - تعالى - ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قد قفا ما ليس له ‏به علم. وقال على الله ما لا يعلم من وجهين:‏
‏ الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله - تعالى - ورسوله كذا، مع أنه ظاهر ‏الكلام.‏
‏ الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام.‏
‏ وإذا كان من المعلوم أن تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قول بلا علم؛ فما ‏ظنك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟!‏
‏ مثال ذلك: قوله - تعالى - لإبليس (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي). فإذا ‏صرف الكلام عن ظاهره، وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين وإنما أراد كذا وكذا. قلنا له: ‏ما دليلك على ما نفيت؟! وما دليلك على ما أثبت؟! فإن أتى بدليل - وأنى له ذلك - وإلا كان ‏قائلاً على الله بلا علم في نفيه وإثباته.‏
الوجه الرابع: في إبطال مذهب أهل التعطيل: أن صرف نصوص الصفات عن ‏ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، ‏فيكون باطلاً، لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وسلف ‏الأمة وأئمتها.‏
الوجه الخامس: أن يقال للمعطل:‏
‏ هل أنت أعلم بالله من نفسه؟ فسيقول: لا.‏
‏ ثم يقال له: هل ما أخبر الله به عن نفسه صدق وحق؟ فسيقول: نعم.‏
‏ ثم يقال له: هل تعلم كلاماً أفصح وأبين من كلام الله - تعالى؟ فسيقول: لا.‏
‏ ثم يقال له: هل تظن أن الله - سبحانه وتعالى - أراد أن يعمي الحق على الخلق في ‏هذه النصوص ليستخرجوه بعقولهم؟ فسيقول: لا.‏
‏ هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن.‏
‏ أما باعتبار ما جاء في السنة فيقال له:‏
‏ هل أنت أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فسيقول: لا.‏
‏ ثم يقال له: هل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحق صدق وحق؟ ‏فسيقول: نعم.‏
‏ ثم يقال له: هل تعلم أن أحداً من الناس أفصح كلاماً، وأبين من رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم؟ فسيقول لا ثم يقال له هل تعلم أن أحداً من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله ؟ ‏فسيقول : لا
‏ فيقال له: إذا كنت تقر بذلك فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته ‏الله - تعالى - لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ ‏وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة في نفي حقيقته تلك، وصرفه إلى معنى يخالف ظاهره ‏بغير علم؟
‏ وماذا يضيرك إذا أثبت لله - تعالى - ما أثبته لنفسه في كتابه، أو سنة نبيه على الوجه ‏اللائق به، فأخذت بما جاء في الكتاب والسنة إثباتاً ونفياً؟
‏ أليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سئلت يوم القيامة: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ).‏
‏ أوليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها، وتعيين معنى آخر مخاطرة منك؟! فلعل ‏المراد يكون - على تقدير جواز صرفها - غير ما صرفتها إليه.‏
‏ الوجه السادس في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنه يلزم عليه لوازم باطلة؛ وبطلان ‏اللازم يدل على بطلان الملزوم.‏
‏ فمن هذه اللوازم:‏
‏ أولاً: أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه ‏مستلزم أو موهم لتشبيه الله - تعالى - بخلقه، وتشبيه الله - تعالى - بخلقه كفر؛ لأنه تكذيب ‏لقوله - تعالى-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).

قال نعيم بن حماد الخزاعي أحد مشايخ البخاري - ‏رحمهما الله -: من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما ‏وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً. أهـ.‏

ومن المعلوم أن من أبطل الباطل أن يجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى ‏الله عليه وسلم تشبيهاً وكفراً أو موهماً لذلك.‏

ثانياً: أن كتاب الله - تعالى - الذي أنزله تبياناً لكل شيء، وهدى للناس، وشفاءً لما ‏في الصدور، ونوراً مبيناً، وفرقاناً بين الحق والباطل لم يبين الله - تعالى - فيه ما يجب على ‏العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكلاً إلى عقولهم، يثبتون لله ما يشاءون، ‏وينكرون ما لا يريدون. وهذا ظاهر البطلان.‏
‏ ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، ‏كانوا قاصرين أو مقصرين في معرفة وتبيين ما يجب لله تعالى من الصفات أو يمتنع عليه أو ‏يجوز؛ إذ لم يرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله - تعالى - ‏وسموه تأويلاً.‏
‏ وحينئذ إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة وأئمتها ‏قاصرين لجهلهم بذلك وعجزهم عن معرفته، أو مقصرين لعدم بيانهم للأمة، وكلا الأمرين ‏باطل!!‏
‏ رابعاً: أن كلام الله ورسوله ليس مرجعاً للناس فيما يعتقدونه في ربهم وإلاههم الذي ‏معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع بل هو زبدة الرسالات، وإنما المرجع تلك العقول ‏المضطربة المتناقضة وما خالفها، فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، أو التحريف الذي ‏يسمونه تأويلاً، إن لم يتمكنوا من تكذيبه.‏
‏ خامساً: أنه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله، فيقال في قوله - تعالى -: ‏‏(وَجَاءَ رَبُّكَ).إنه لا يجيء،وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا إلى السماء ‏الدنيا"( إنه لا ينزل لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم، وأظهر علامات ‏المجاز عند القائلين به صحة نفيه، ونفي ما أثبته الله ورسوله من أبطل الباطل، ولا يمكن ‏الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره؛ لأنه ليس في السياق ما يدل عليه.‏
‏ ثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، أو تعدى إلى الأسماء - ‏أيضاً - ومنهم من تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض، كالأشعرية والماتريدية: أثبتوا ما ‏أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه، ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل ينفيه أو لا يدل عليه.‏
‏ فنقول لهم: نفيكم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه يمكن إثباته بالطريق العقلي ‏الذي أثبتم به ما أثبتموه كما هو ثابت بالدليل السمعي.‏
مثال ذلك: أنهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا صفة الرحمة.‏
‏ أثبتوا صفة الإرادة لدلالة السمع والعقل عليها.‏
‏ أما السمع: فمنه قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)(
‏ وأما العقل: فإن اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو ‏وصف دليل على الإرادة.‏
‏ ونفوا الرحمة؛ لأنها تستلزم لين الراحم ورقته للمرحوم، وهذا محال في حق الله ‏تعالى.‏
‏ وأولوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل أو إرادة الفعل ففسروا الرحيم بالمنعم ‏أو مريد الإنعام.‏
‏ فنقول لهم: الرحمة ثابتة لله تعالى بالأدلة السمعية، وأدلة ثبوتها أكثر عدداً وتنوعاً من ‏أدلة الإرادة. فقد وردت بالاسم مثل: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). والصفة مثل: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو ‏الرَّحْمَةِ)(. والفعل مثل: (وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ).‏
‏ ويمكن إثباتها بالعقل فإن النعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنقم التي تدفع ‏عنهم في كل حين دالة على ثبوت الرحمة لله - عز وجل - ودلالتها على ذلك أبين وأجلى ‏من دلالة التخصيص على الإرادة، لظهور ذلك للخاصة والعامة، بخلاف دلالة التخصيص ‏على الإرادة، فإنه لا يظهر إلا لأفراد من الناس.‏
‏ وأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرقة؛ فجوابه: أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة ‏لأمكن نفي الإرادة بمثلها فيقال: الإرادة ميل المريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع ‏مضرة، وهذا يستلزم الحاجة، والله تعالى منزه عن ذلك.‏
‏ فإن أجيب: بأن هذه إرادة المخلوق أمكن الجواب بمثله في الرحمة بأن الرحمة ‏المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق.‏
‏ وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل سواء كانت تعطيلاً عاماً أو خاصاً.‏
‏ وبه علم أن طريق الأشاعرة والماتريدية في أسماء وصفاته وما احتجوا به لذلك لا ‏تندفع به شبه المعتزلة والجهمية وذلك من وجهين:‏
‏ أحدهما: أنه طريق مبتدع لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا سلف الأمة ‏وأئمتها، والبدعة لا تدفع بالبدعة وإنما تدفع بالسنة.‏
‏ الثاني: أن المعتزلة والجهمية يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية ‏بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة، فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم ‏نفي ما نفيتم من الصفات بما زعمتموه دليلاً عقلياً وأولتم دليله السمعي، فلماذا تحرمون علينا ‏نفي ما نفيناه بما نراه دليلاً عقلياً، ونأول دليله السمعي، فلنا عقول كما أن لكم عقولاً، فإن ‏كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة، وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا ‏خاطئة، وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم وإتباع الهوى. ‏
وهذه حجة دامغة وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا ‏مدفع لذلك ولا محيص عنه إلا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب، ويثبتون لله ‏تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ‏إثباتاً لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيهاً لا تعطيل فيه ولا تحريف، (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً ‏فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ).‏

لو كان حقا ما‎ ‎إبتدعتموه لكنتم إما خير من السلف ‏وهذا محال أو أنكم جئتم بدين أهدى مما جاء به‎ ‎النبي ‏صلى الله عليه وسلم نورا للعالمين وهذا محال‎ ‎كذلك‎.
وإلا‎:
‎((‎لزمتكم شنع ثلاث‎ ‎فارتؤوا‎***‎‏ أو خلة منهن أو ‏ثنتان‏‎
تقديمهم‎ ‎في العلم أو في نصحهم***أو في البيان أذاك ‏ذو‎ ‎إمكان‎
إن كان ما قد قلتم حقا فقد***ضل الورى‎ ‎بالوحي ‏والقرآن‎
إذ فيهما ضد الذي قلتم وما***ضدان في‎ ‎المعقول ‏يجتمعان‎
بل كان أولى أن يعطل منهما***ويحال في علم‎ ‎وفي ‏عرفان‎
إما على جهم وجعد أو على النظ***ام أو ذي‎ ‎المذهب ‏اليونان ‏‎
وكذلك أتباع لهم فقع الفلاصم***وبكم تابعو‎ ‎العميان ‏‎
وكذلك أفراخ القرامطة الألى***قد جاهروا‎ ‎بعداوة ‏الرحمن‎
)) ‎الكافية الشافية‎.‎