رد: بشرى المشتاق في إثبات صفة الساق:
12-06-2009, 09:54 PM
الشبهة الثانية ‏‎:‎‏ تأويلهم الصفة الواردة في الحديث بشدة الأمر ‏

فالجواب من وجهين‎:

‎- ‎الأوَّل‎: ‎أنَّ سياق الحديث‎ ‎دالٌّ على أنَّ المقصود ساق الله تعالى‎.

قال القاضي أبو يعلى عن تفسير الساق‎ ‎في الحديث بشدَّة الأمر‎:

‎«‎هذا غلط لوجوه‎:

أحدها: أنَّه قال‎: «‎فيتمثَّل لهم الرَّب وقد كشف عن ساقه»، والشدائد لا تسمَّى ربًّا‎.

والثاني‎: ‎أنَّهم التمسوه ليتَّبعوه فينجوا من الأهوال والشدائد التي‎ ‎وقع فيها من كان يعبد‎ ‎غيره، وإذا كان كذلك لم يجز أن يلتمسوه على صفة تلحقهم فيها الشدَّة‎ ‎والأهوال‎.
الثالث: أنَّه قال: «فيخرون سُجَّدًا»، والسجود لا يكون للشدائد، وهذا‎ ‎جواب أبي بكر ‏رأيته في تعاليق أبي إسحاق عنه‎.

الرابع: إن جاز تأويل هذا على‎ ‎الشدَّة جاز تأويل قوله: «ترون ربَّكم» على رؤية أفعاله ‏وكراماته، وقد امتنع مثبتوا‎ ‎الصفات من ذلك
». ‏‎
وقال الشيخ‎ ‎الألباني رحمه الله تعالى: «وأنا وإن كنت أرى من حيث الرواية أنَّ لفظ: ‏‏«ساق» أصحُّ‎ ‎من لفظ «ساقه» فإنَّه لا فرق بينهما عندي من حيث الدِّراية؛ لأنَّ سياق ‏الحديث‎ ‎يدلُّ على أنَّ المعنى هو ساق الله تبارك وتعالى، وأصرح الروايات في ذلك رواية ‏هشام‎ ‎عند الحاكم بلفظ: «هَل بينكم وبين الله من آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم الساق، ‏فيكشف‎ ‎عن ساق...»، قلت: فهذا صريح أو كالصريح بأنَّ المعنى إنَّما هو ساق ذي ‏الجلالة‎ ‎تبارك وتعالى، فالظاهر أنَّ سعيد بن أبي هلال كان يرويه تارة بالمعنى حيث كان ‏يقول‎: «‎عن ساقه»، ولا بأس عليه من ذلك ما دام أنَّه أصاب الحقَّ». [«السلسلة ‏الصحيحة‎» ‎للألباني: (2/128‏‎)].‎‏5)‏‎

‎- ‎الوجه الثاني‎:

أنَّ‎ ‎لحديث أبي سعيد الخدري بلفظ «ساقه» شاهدًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ‎ ‎‎«‎فيكشف لهم عن ساقه فيقعون سجودًا، وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن‏‎ ‎سَاقٍ ‏وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: 42]. (6)‏



الشبهة الثالثة ‏‎:‎‏ التشبيه ‏

والجواب ‏‎:‎أن يقال ‏‎:‎
إطلاق لفظ التشبيه إطلاقاً مجملاً، قد يراد به معنى باطل أو حق، فبإطلاقه يراد به‎ ‎أحد المعنيين‎:

المعنى الأول: تشبيه الخالق بالمخلوق؛ أي ما يجب ويمتنع ويجوز‎ ‎للمخلوق، يوجب ويمتنع ويجوز ‏للخالق، وهذا التشبيه المذموم الذي يكفر به قائله، وهذا‎ ‎هو المعنى الحق في نفي التشبيه‎.

المعنى الثاني: المشابهة في اللفظ والمعنى‎ ‎العام الكلي؛ أي إن حقيقة معنى أسماء الله وصفاته غير ‏حقيقة أسماء وصفات المخلوقين،‎ ‎وإن اشتركت في اللفظ والمعنى العام الكلي، وهذا هو المعنى ‏الباطل في نفي التشبيه‎.

مثال ذلك: إن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى بعض عياده بها. وكذلك سمى صفاته‎ ‎بأسماء، وسمى ‏ببعضها صفات خلقه، وليس المسمى كالمسمى؛ وبيانه: سمى الله نفسه‎ ‎بالسميع البصير، وأثبت بذلك ‏صفة السمع والبصر قال تعالى: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ‎ ‎البَصِيرُ}، وقد أثبت الله للإنسان صفة السمع ‏والبصر قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا‎ ‎الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا‎ ‎بَصِيرًا}. والمشابهة هنا ‏وقعت في الاسم والمعنى العام الكلي، والانتفاء واقع في‎ ‎التماثل فإن سمع وبصره الله ليس كسمع ‏وبصر الإنسان، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ‎ ‎شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} أي: إن الله يسمع لا كسمع ‏الإنسان، ويبصر لا‎ ‎كما يبصر الإنسان؛ ونظائر هذا كثيرة‎.

وعليه فإن القول في الصفات جميعها من‎ ‎باب واحد، فإنا نثبت لله صفة الساق لا كساق المخلوقات، ‏كما أثبتنا لله سمعاً لا‎ ‎كسمع المخلوقات‎.

وقد زلت المبتدعة في ضابط نفي التشبيه، وزاغت عن الحق، فنفت‎ ‎التشبيه في الاسم والمعنى العام ‏الكلي، حتى صارت المبتدعة ترمي بعضها البعض‎ ‎بالتشبيه، فكل من نفى شيئاً سمى من أثبته مشبهاً‎.

أما نفي التشبيه عند أهل‎ ‎السنة والجماعة، إنما يقصد به المعنى الأول. قال الإمام أبو حنيفة النعمان‎ ‎فيما نسب إليه: "يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا" (7) وهذا معنى‏‎ ‎قوله تعالى: ‏‏{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} فنفي المثل‎ ‎وأثبت الصفة (8‏‎).‎

وهو المنهج الوسط الذي سار عليه الأئمة، وإليك أخي القارئ ‏نصوصهم حول هذا‎ ‎‏‎:‎
‏ 1-
قال نعيم بن حماد الحافظ‏‎: ‎من شبه الله بخلقه, فقد‎ ‎كفر, ‏ومن أنكر ‏ما وصف به نفسه فقد كفر, وليس ما وصف به ‏نفسه, ولا رسوله‎ ‎‏تشبيها.‏‎
‏2- ‏يقول الإمام إسحاق بن راهويه‎ :" ‎إنما‎ ‎يكون التشبيه إذا ‏قال: يد مثل يدي، أو سمع كسمعي، فهذا تشبيه، وأما إذا قال ‏كما‎ ‎‏قال الله: يد وسمع وبصر، فلا يقول: كيف ولا يقول: مثل، ‏فهذا لا يكون تشبيهاً، قال‎ ‎تعالى:{ ليس كمثله شيء وهو ‏السميع ‏البصير‎ }" ‎ذكره الترمذي في جامعه.
ولو كان إثبات الساق لله تعالى معناه التشبيه, لكان كل من أثبت ‏‏الصفات الأخرى‎ ‎لله تعالى ككونه حيا قديرا سميعا بصيرا مشبها ‏أيضا, ‏وهذا ما لا يقول به مسلم ممن‎ ‎ينتسبون اليوم إلى أهل ‏السنة والجماعة ‏خلافا لنفات الصفات والمعتزلة وغيرهم .‏
قال‎ ‎شيخ الإسلام في "منهاج ‏السنة" "2/ 75":‏‎
‏"فالمعتزلة والجهمية ونحوهم من نفات‎ ‎الصفات يجعلون كل من ‏أثبتها ‏مجسما مشبها, ومن هؤلاء من يعد من المجسمة والمشبهة‎ ‎الأئمة ‏المشهورين كمالك والشافعي وأحمد وأصحابهم, كما ذكر ‏ذلك أبو حاتم ‏صاحب كتاب‎ "‎الزينة" وغيره.‏‎
وشبهة هؤلاء أن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى‎ ‎‏ويقولون: إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق, ويقولون: إن الله ‏يرى في ‏الآخرة". هذا‎ ‎مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من ‏أهل البيت ‏وغيرهم.‏‎
‏‎
ثم قال ص80:‏
"
والمقصود هنا أن أهل السنة متفقون على أن الله ليس كمثله شيء, لا ‏في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله, ولكن لفظ التشبيه في كلام الناس ‏لفظ مجمل, فإن أراد بنفي التشبيه ما نفاه القرآن, ودل عليه العقل فهذا ‏حق, فإن خصائص الرب تعالى لا يماثله شيء من المخلوقات في شيء ‏من
صفاته.., وإن أراد بالتشبيه أنه لا يثبت لله شيء من الصفات, فلا يقال ‏له علم, ولا قدرة ولا حياة, لأن العبد موضوف بهذه الصفات فيلزم أن ‏لا يقال له: حي, عليم, قدير لأن العبد يسمى بهذه الأسماء, وكذلك في ‏كلامه وسمعه وبصره ورؤيته وغير ذلك, وهم يوافقون أهل السنة على ‏أن الله موجود حي عليم قادر, والمخلوق يقال له: موجود حي عليم ‏قادر, ولا يقال: هذا تشبيه يجب نفيه".
))(1)‏
وقد إعترف كبار الأشاعرة بهذا فقال الرازي في رده على المعتزلة‎((‎إن كنتم بالمشبهة من يقول ‏بكون الله مشابها لخلقه من بعض الوجوه فهذا لا‎ ‎يقتضي الكفر لأن المسلمين اتفقوا على أن ‏الله موجود‎...)).‎‏.



وجمعه أخوكم جمال البليدي ستر الله عيوبه.


‏-------------------‏
‏(1) فتح القدير ـ الشوكاني ـ ت: سيد إبراهيم ـ دار زمزم ـ الأولى 1413هـ ( ‏‏5/ 319‏‎ )‎‏ ‏

‏(2) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ـ الإمام السيوطي ـ دار المعرفة‏
‏(3) الرد على الجهمية ـ الإمام ابن مندة ـ ت : د. على بن محمد الفقيهي ـ مكتبة ‏الغرباء‎ ‎الأثرية ـ الثالثة
‏(4) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ـ د. عبد الله الغنيمان ـ مكتبة لينةـ ( ‏‏2/ 121‏
‏(5) [«إبطال التأويلات» لأبي يعلى: (1/159-160‏‎)].
‏(6) [رواه‎ ‎الدارمي في «سننه» (2/327) بإسناد جيِّد كما قال العلاَّمة الألباني رحمه الله‎ ‎تعالى في «السلسلة الصحيحة» (2/129‏‎)].‎‏ ‏
‏(7) منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر، علي القارئ، ص107-108‏‎.‎
‏(8) شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي عز الحنفي، ص122‏‎.‎