المعلمة الداعية
09-07-2018, 05:01 PM
المعلمة الداعية
حسنية تدركيت


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:


خُطوات مُطمئِنة تَقترِب وتَقترب، فجأة!. تَوقَّف الضجيج الذي كان يَعلو في الفصل، وهي تَعتلِي الدَّرج، كانت الطالبات قد أَخذت كلٌّ منهن مكانَها، وطَفِقتْ تُرتِّب الأدواتِ على الطاولة، الصَّمت الذي كان يَفصِل بين وصول المدرِّسة قد جعَل الصور تَتَسارع إلى الأذهان عن مُدرّسات يَطبعْهنَّ التكبُّر والغُلوُّ في الزينة والتبجُّح - إلا ما رحِم ربي.

طَرقٌ خفيف على الباب، ثم خُطوات رقيقة تَطرُق الأرض بثبات، جَلستْ على المكتب وعَيناها تَجول في الفصل الخاصِّ بالطالبات، فتيات صغيرات في عمر الزهور، تَغمرهنَّ الحَيرة من القادم الجديد!!؟، ولسان حالهنَّ يُردِّد:
إلا طَارقًا يَطرقُ بخير يا رحْمَن.
بدَّدت الصمتَ والتَرقُّب، وقدَّمتْ نفسَها:
" نور الهدى، أستاذة الفيزياء، مُتزوِّجة، ولي أربعةُ أطفال".

فغَرتْ ريم فاها، وهي تنظر إليها بإعجاب شديد إلى لباسِها وسمْتها وأدبِها وجمالها الهادئ، لا زخرفة ولا ألوان؛ هكذا تَمتمَت ريم بينها وبين نفْسها.
تَلا بعد ذلك تَعارُف مُتتابِع بين التلميذات والمدرسة:" نور الهدى".
كان ثَّمة شيء يَشغلُها، وهي ترتِّب درج المكتب مطلقة بصَرها يُمنة ويسرة في وجوه الفتيات اليافعات.

كثيرات منهن كنَّ يرتدين ملابس تدلُّ على أنَّهن مُتحجِّبات، ارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتيها، بينما طرقتِ السبورة بنقرات صغيرة؛ استعدادًا لأوَّل درْس لهن معها.
كانت كنسمات الفجر تَنثر الأمنيات في دياجير الليالي عازمة مُردِّدة:
إنَّ لهذا الفجر مَوعِدًا لن يُخلَفه.
أكانت تُدرِك أنَّ لحركاتها وسكناتها هذا الأثرَ البالِغ في عقول الفتيات!!؟.

لم تع يومًا أنها:" داعية"، ولكن بدون خطاب، هذا الجلباب المُحتشِم، والخمار المُسدَل، والخطوات الواثِقة، والعقل المُفكِّر، والقلب المُتأمِّل الساعي إلى الخير دائمًا - كلُّ هذه الأشياء كانت تَتغلغَل بعمْق خفية عنها إلى الأفئدة المُتعطِّشة للطمأنينة، خَفتتْ أَصوات الفتيات وهنَّ يَتحدَّثنَ عن:( ستار أكاديمي) وما يُذاع فيه من الأفكار الخاطئة المُحطِّمة، بينما بدتِ المُعلِّمة واثِقة من أنها تَملِك معوَلاً قويًّا لهدْم كلِّ هذه الأمور التي تُساهِم في رسُوبهن في دراستهنَّ وفي تخريب مُعتقَداتِهنَّ، كان يهمُّها كثيرًا أنْ تُعيدَ تَربيتهنَّ، ولكن بلطف.
بعد أنْ أَنهت الحصةَ، وضعَت بين يديها كتابًا كان يبدو مُزخرفًا "بزخارف" إسلاميَّة رائعة، ساد الصمت والترقُّب، وتَوجَّهت العقول إليها تَنتظر.

حمِدت الله، وأَثنتْ عليه، ثُمَّ صلت على النبي - عليه الصلاة والسلام - وبدأت قائلةً:
" درْس اليوم يتحدَّث عن النجوم المُتلألِئة، والتي نَرنو إليها بِحبٍّ وإعجاب كبير، ارتسمت ابتسامة على وجوه الفتيات، بينما علا صوت المعلمة:
إنَّها لا تُشبه نجوم اليوم الباهتة التي تأخذ العقول والألباب، وتَزجُّ بالمجتمعات في بوتَقة البحث عن الملذَّات والشهوات، وتُفقِدنا الكثير من القيم والأخلاق النبيلة، هي أعلى وأرفعُ وأجملُ وأزكى من ذلك بكثير".

تَردَّدت هناء قبل أنْ تُتمتِم:" أليسواستار أكاديمي!!؟".
ندَّت عن الكثيرات ضِحكة بصوت خافت وخائف.
ابتسمت نور الهدى قائلة:" لا، هؤلاء هم أسلافُنا وأجدادنا الطَّاهرون.
هم من بَنَوا مَجد الأمة عندما جَعلوا القرآن والسنة منهاجَهم اليومي، هؤلاء قُدوتنا، يريدون أنْ يُغيِّبوهم عنَّا بتفاهات جديدة، قدوات فاشلة، لا هي أفلَحت في دنياها، ولا هي عمِلت لأخراها، هل تَرضَين أنْ تكون إحداكنَّ مُنتسِبة إلى عالمهم!!؟".

سادت الحَيرة على الكثيرات، وبدت الأخريات أكثر ثِقة من قرارهن، فردَّدن: "لا، لا نُريد أنْ نكون كذلك".
مُؤلِم جدًّا: أنْ نُسلِّم قِيادَة هذه الأمة إلى شِرذمة من الضَّالين تُوجِّهها إلى الهلاك، تُحطِّم القِيم، وتَضع قوانين أخرى مَبنيَّة على حبِّ الذات والملذَّات والشهوات فقط، لا تفكير يَرقى بنا، ولا عقْل يَجعلُنا نتوقَّف عن هذه الأمور.
وبدأت تقرأ عليهن كتاب السيرة النبوية، ورويدًا رويدًا تترك للأفكار النيِّرة أنْ تُشيِّيد لهن مَناراتٍ عالية، يُهتدَى بها في ظلمات الليالي.
يَسود الصمت كلمَّا بدأت تَدلف بهن ذلك العالَم النوراني الجميل، تَسرحُ المخيلة عندما يِستعرضنَ تضحية الصحابة من أجل إعلاء كلمة الله.

أيُّ صبر وجلَد كانوا يَحملونه في قلوبهم الموحِّدة المُحِبة لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم!!؟.
بطولات رائعة، ومجد تليد، أُخفِي عمدًا عنا؛ من أجل أن يكون فلان وفلانة قُدوتنا!!؟.
عالم جميل أحببنَه مع نور الهدى، تلك المربية المُؤمِنة التي تسعى بشتَّى الطرق أنْ تُوجههن لصلاح الدنيا والآخرة.
وبدأ فصْلٌ جديد في حياتِهن، شوق جديد غزا قلوبَهن الصغيرة، ولكن هذه المرة إلى الله.
كنَّ مُتعطِّشات للنَّهل من النَّبع الصافي، وبدا الصمت يُعطي إشارات مرور إلى عالَم كله مُتعة وفائدة، وأمَل باسم في مستقبل مُشرِق.

وأَخذت عَلاقة جديدة تتوطَّد بين نور الهدى والفتيات الصغيرات، لم يَطُل بهن التردُّد؛ فقد غمر عالَمهن الغرير نورٌ يُبشِّر بكل خير، ويَحثُّهن على المزيد من طلَب العلم، بينما كان صوت الإيمان المزهِر يَنطلِق عاليًا مرددًا الآيةَ الكريمة:
﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9].

آنَ لهن: أنْ يَبدأنَ حياةً جديدة بعيدة عن العبث والإهمال؛ حياة العلم والنور.