تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
  • ملف العضو
  • معلومات
أمازيغي مسلم
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 02-02-2013
  • المشاركات : 6,002
  • معدل تقييم المستوى :

    13

  • أمازيغي مسلم has a spectacular aura aboutأمازيغي مسلم has a spectacular aura about
أمازيغي مسلم
شروقي
يمنع منعًا باتًّا: أطفالنا والشاشات
06-09-2018, 05:16 PM
يمنع منعًا باتًّا: أطفالنا والشاشات
د. غنية عبد الرحمن النحلاوي


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:


مقدمة:
لو قيل لك: يُمنَع منعًا باتًّا تجاوُز القانون في تعرُّض طفلك للأجهزة الذكية والرائي: التلفاز، تحت طائلة العقوبة، وأقلُّها دفع الضريبة (دولار مثلًا عن كل دقيقة زائدة يجلسُها الطفل إلى الشاشات) - لانصعْتَ بلا أدنى نقاش! (وربما أعلنت وأسررت!)، ولكن عندما نعوِّل على توضيح الأضرار والمخاطر بشكل علمي مثبت، واستنهاض المسؤولية الوالدية والمشاعر الإنسانية، ثم عندما تتعالى إنذارات المختصِّين من الخسائر، تأتي النتائج هزيلةً مع الأسف، ومعظم الأهل لا يمتنعون عن تعريض طفلهم الغضِّ لهذا البلاء لساعات طويلة، فيُصاب بالاعتياد (ولدرجة الإدمان حسب الدراسات العلمية)، والأهل هم مَنْ عرَّفَه على تلك الأجهزة ابتداءً قبل أن يريد أو لا يريد! (ولو كان يدري ما المحاورة اشتكى)!.

أهمية وعالمية الموضوع:
إن التوعية بشأن سهر الأطفال، وتعريضهم الخاطئ والمبكر للرائي: التلفاز، والأجهزة الذكية التي قد تُولِّد الغباء - يحتاج إلى مقالات!، وأكثرنا لغبش مفهوم التربية أو لاختلال سُلَّم الأولويَّات، أو فَقْد الصبر على الطفل أو... ينسى الحقيقة التالية:
أنت لا تُسلم الجهاز للطفل، لكنك في واقع الأمر تُسلِّم طفلَكَ للجهاز "الذكي"، والذي ينشط ذكاؤه هنا لغفلتنا -حتى لا أقول غباؤنا - مسببًا إيذاء الطفل بدنيًّا ونفسيًّا ورُوحيًّا... وسنترك الأذى البدني لمقال آخر، ونتناول بإيجاز الضَّرَر الفكري النفسي الذي يتطوَّر بشكل خلسي، فالتأثير تدريجي ونتائجه تراكمية!، والمسؤولية يشترك فيها كلُّ إنسان يرعى طفلًا... لا سيَّما الأهل!، وهو ما نبَّهَت له الأبحاث العالمية مِرارًا ونتغافل عنه، ومن أوسعها دراسةٌ: وجَدَتْ أن الأطفال الأمريكيِّين يُنفقون في المتوسط ثماني ساعات يوميًّا مع برامج الرائي "الميديا" ومواقع النت على الحواسيب والآي باد والهواتف الذكية، ومع ألعاب الفيديو الإلكترونية media—TV, computers ,smart- phones iPods, video games؛ وهو ما يُعادل عشر أضعاف فترة بقائهم مع أبويهم؛ وفي عام (2005) تم وصف وتصنيف اضطراب نفسي واجتماعي جديد باسم [العوز للطبيعة: Nature deficit disorder]، وملخَّصُه: أن الأطفال الذين يمضون وقتًا أقل خارج الأبواب والجُدران، ووقتًا أطول مع الميديا الإلكترونية - يُعانون من حجم ضخْم من المشاكل السلوكية مع شبح تحوُّلها لأمراض، وبرز رعب اضطرابات التواصُل كالتوحُّد، (وسُمِّي حديثًا التوحُّد الافتراضي)!.
كل تلك الأمور والمزيد اقتضَت توصيات مُشدَّدة وإجراءات صارمة، أحدها: المنع الباتُّ لوجود تلك الأجهزة بمتناول الأطفال، وهو ما يستمرُّ عكسُه على أرض الواقع رغم التوصية[1]!

علاقة الفطرة السليمة والنمو المعرفي السلوكي بقوانين التعامل مع البثِّ الإلكتروني:
وأبدأ بتلخيص مراحل الطفولة الممتدة تطوريًّا وبيولوجيًّا بين الولادة والنُّضْج، وهي تتوزَّع على ثلاث فترات:
1- الطفولة المبكرة: ولها ثلاث مراحل: سن الرضاعة حتى السنتين/ الدارجون حتى الثالثة/ ما قبل المدرسة حتى السابعة.
2- الطفولة المتوسطة: وتُغطِّي سِنَّ المدرسة: منذ الـ(7-8) سنوات وحتى بداية البلوغ.
3- الطفولة المتأخِّرة، المراهقة: منذ بدء البلوغ حتى النُّضْج، حين يصبح المراهق راشدًا ومسؤولًا: وهذه النقطة النهائية لفترة الطفولة بالكامل تختلف باختلاف الثقافات، لتتراوح ما بين السادسة عشرة إلى الحادية والعشرين، لكن الثامنة عشرة هو العمر الشائع لانتهاء الطفولة، والمعتمد قانونيًّا من المنظمات الدولية.

أ- الطفولة المبكرة: وهي أهم فترة؛ لذا سنُركِّز عليها، وغالبًا يتمُّ دَمْجُ المرحلة الثانية والثالثة منها، وهو ما سنعتمده:
1) من الولادة وحتى نهاية السنة الثانية من العمر: التعرُّض هنا لتلك الأجهزة شديد الخطورة فكريًّا وجسميًّا؛ لذلك المنع باتٌّ قاطع، والقانون أنه يمنع منعًا مطلقًا بعمر سنتين وما دون: تعريض الطفل لأي من الأجهزة الذكية النقالة (موبيل-آي باد..)، ويحظر وجودها في غرف الأطفال، هي والتلفزيون الذي يجب منعهم من مشاهدته؛ وهذا القانون العام، وإن أقرَّتْه الجهات العلمية المعتمدة؛ مثل: الأكاديمية الأمريكية لطب الطفل - فإن تطبيقه منوط بالأهل، والصادم: انتشار التجاوزات رغم المنع البات!، ومثلًا عام ٢٠١٥ وجد أن (٥٨٪) من الأطفال دون سن الثانية في فرنسا استعملوا الكمبيوتر اللَّوحي أو الهاتف النقَّال!، وفي منطقتنا يشيع تعرُّض الأطفال لها منذ الشهر الخامس أو السادس من العمر، وأكثرهم يمسكها عابثًا مستكشفًا بعمر سنة!.
ويتراوح سلوك الأهل المخالفين بين المداهنة (ظاهريًّا يسايروننا) إلى العَلَن واللامبالاة لأسباب أهمها (وَفْقًا للنقاشات):
أن تلك الأضرار نظرية، لكن عندما تبدو لهم واقعًا بعد سنِّ الثانية تبدأ محاولاتهم المتأخِّرة لمنعهم عنها.
أن الطفل بنظر الأُمِّ والأب - وبالذات في تلك المرحلة - ملك لهما، والطبيب أو الجد أو المربي "لن يخاف عليه أكثر منا"!، بينما الصحيح أنَّ الابن أمانة مستودعة من خالقه، وليس ملكًا لهما، وتربيته ورعايته جسمًا ورُوحًا هي من مفردات الأمانة وتكاليفها[2].
وأن الهمَّ الأوحد - بالنسبة لأكثرهم - أكل الطفل وشربه ونومه وعلاجه!، ثم كل ما يمكن إلهاؤه به وإسكاته، فلا تثريب عليهم!، بينما هي المرحلة الجوهرية للتواصل ولبناء الفكر والنفس في جوٍّ من سلامة الرُّوح والفطرة، ذلك أن هذه الفترة من العمر هي التي تتنفَّس وتتجلَّى خلالها الفطرة السليمة المرتبطة بنفخة الرُّوح، والتي يُولَد طفلُكَ عليها[3]، ويتمُّ البناء التربوي وَفْقها ماديًّا ومعنويًّا، مستندًا إلى المؤثِّرات والخبرات البيئية الصالحة المتَّسِقة معها، وهذا يتحقَّق على أكمل وَجْه في التربية الإسلامية عندما يترعرع الطفل بين "الناس" الذين قال فيهم الله تعالى:﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30]، وهم الذين حافظوا على تلك الفطرة!، وهي أهم فترة للنماء المعرفي، فطفلك خلالها يشقُّ طريقه بأثبت خُطًى، ستؤثِّر في كل مراحل العمر التالية!، ويكفي أن تعلم أن دماغَه ينمو أول عامين بتسارُع أعظمي يُعادل أو يفوق العشرين سنة التي يستكمل فيها الدماغ نُضْجَه!، وهذا النمو الأعظمي لا يترجم لسلوك سويٍّ دون التفاعُل والتواصُل بينكم وبينه!، لذلك أعظم رعاية فكرية وروحية مباشرة يجب أن تُقدَّم أوَّلَ عامين، ويقوم الطفل خلال هذه المرحلة حسب علم النفس التربوي "بجمع وتركيب بدئي للمعارف المقدمة له"، والأهم أنه يقوم بهذا: بما وهبه الله تعالى من قدرات؛ (مثل: الانتباه، والإدراك، والتذكر)، منقوشة في شفرته الوراثية: العامة كإنسان، والخاصة كمولود لأسرة معينة؛ ثم هو يحقِّق تلك العمليات المعرفية، ويستخدم مقدِّماتها ونتائجها بما علَّمه الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم عزَّ وجلَّ - من أساليب أهمها: الملاحظة/ تكوين الخبرات (التجربة)/ وعلى رأسها التواصُل مع الآخرين، والذي ثبت أنه يجب أن يكون مع كائنات حية!، وليس أجهزة على الإطلاق!، وبالدرجة الأولى مع الأهل الذين عليهم مسؤولية تطوير تلك القدرات، ومساعدة الطفل في بناء الخبرات، وهذا يُفسِّر أن نسبة عالية من الأطفال بمراكز ذوي الحاجات الخاصة لديهم "اضطرابات تواصُل"، سببها الجلوس الطويل إلى الشاشات لبرامج مضمونها قد يكون جيدًا، فالفكرة ليست بالمضمون فقط، بل بمدة وعُمر التعرُّض الذي لم يعد غريبًا أن يبدأ دون السنة من العمر رغم النهي!، مما يُحمِّلنا المسؤولية كاملةً عن شحِّ التفاعُل الفكري والعاطفي والنتائج المستقبلية!.
ومن خصوصيات تلك الفترة:
أن الطفل بين مطلع الشهر الخامس ونهاية الشهر الثامن، يبدأ بتوقع نتائج الأشياء كما يبدأ بالاهتمام بموضوعات العالم الخارجي واختزان الخبرات، وهي بدايات قد يُطوِّرها الأبناء بسرعة مفاجئة.
وفي الشهر التاسع من العمر: يربط الطفل تعبيرات الوجه عند مَنْ يراهم كالحزن والسرور والخوف، مع بعض المؤثرات والأعمال، وهو ينفعل بدوره بمشاعر الخوف والغضب، ويبدأ بالتقليد في هذا العمر.
وبين بداية الشهر التاسع إلى نهاية الشهر الثالث عشر يُميِّز الأطفال بين الوسائل والغايات، وهذا التمييز البدئي، وذلك التقليد الطفولي العفوي يُحمِّل المربِّين مسؤولية مراقبة وانتقاء ما يتعرَّض له الطفل من المؤثرات شكلًا ومضمونًا، سواء منها ما يصدُر عنهم أنفسهم، أو مقذوفات الميديا الإلكترونية الساقطة على ساحات عقولهم وأرواحهم.
ومنذ مطلع الشهر الرابع عشر إلى بداية الثامن عشر، يمارس الطفل التجريب والاكتشاف (فيُوصَف خطأ بالفضولي)، وهو يبرع - لدهشتنا - في تنويع وتعديل سلوكه حسب المعطيات: لذلك يجب التنبُّه لهذه المعطيات!.
وتبرز هنا أهمية "القدوة" و"التقليد" في التربية والتعليم المبكرين، وهو ما يُسمِّيه علماء التربية الإسلامية: "التربية بالقدوة"، ويجعلون "التلقين" ثالثهما في عمر الثالثة.

يتبع إن شاء الله.
  • ملف العضو
  • معلومات
أمازيغي مسلم
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 02-02-2013
  • المشاركات : 6,002
  • معدل تقييم المستوى :

    13

  • أمازيغي مسلم has a spectacular aura aboutأمازيغي مسلم has a spectacular aura about
أمازيغي مسلم
شروقي
رد: يمنع منعًا باتًّا: أطفالنا والشاشات
10-09-2018, 04:11 PM
2) بعد عمر سنتين وحتى السابعة:
تتبلور في هذه المرحلة مقدرة الطفل على التقليد، فيعيد تكوين أو محاكاة بعض الأفعال التي جَرَتْ أمامه قبل ساعات، وربما أيام، وهنا تُشدِّد التوصيات على حظر التلفزيون في غرف الأطفال، وعلى الإشراف المباشر على ما يشاهد، وانتقاء المضمون؛ بحيث تكون الأفلام والمقاطع تعليمية حصرًا، وبأسلوب مسلٍّ ومنوَّعٍ حتى السادسة من العمر، بعدها يُسمَح بالتدرُّج بأفلام المغامرات والخيال المراقَبة، وإن ساعة واحدة في هذه المرحلة هي: أقصى مدة مسموحة لحمل الأجهزة النقَّالة ومشاهدة الرائي، (ويفضَّل أن تكون منوعة أو مقسمة)؛ واعتبرت التوصيات مطبَّقة إلى حدٍّ مقبول في الدول الغربية، لكن هناك حقائق شكَّكَت في ذلك؛ منها: أن ثلث الأطفال بعمر ثلاث سنوات لديهم جهاز تلفزيون في غرف نومهم، (حسب الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال)، ومنها تزايُد خطر الإصابة بمشكلات الانتباه بنسبة (10%) مقابل كل ساعة يقضيها الطفل قبل سن المدرسة في مشاهدة التلفزيون دون إشراف، وهذا يُفسِّر لماذا ينقص الارتباطُ بالشاشات المقدرةَ على التعلُّم!، وإن الشكوك أكبر لدينا والحقائق أسوأ!، وانظر كيف يتأثَّر طفلُكَ، وماذا سيترسَّخ عنده من مخاوف في نومه ويقظته!؟، وماذا تحبُّ أن يُقلِّد من أعمال وأقوال...!!؟.
ويتفاعل الطفل في الثالثة مع أسلوب التلقين كما أشرنا؛ مما يجعل مسؤوليتنا متعاظمة في كيف وماذا نُقدِّم لهم من معارف وعلوم ومشاعر!!؟، فتتجذَّر خبرات نافعة تنمو وتتطوَّر، أو تتفتَّتْ وتتبدَّل بتطوُّر المقدرة التالية شديدة الأهمية:

2- مقدرة التمثُّل والمواءمة: يبدأ الطفل بعد الرابعة مستندًا لتلك الخبرات في التعامُل مع ما يطرأ عليه حسب علماء النمو والتطوُّر المعرفي بطريقتين أو عمليتَينِ؛ هما: التمثُّل Representation، والمواءمة Accommodation، فهو يُغيِّر الفكر والسلوك الطارئ، ليتناسب مع ما فُطِر عليه، وما ناله من معارف وخبرات بالتربية السليمة، وهو:"التمثل".
وتقابله المواءمة: وتعني جعل الطفل يُغيِّر ويُحرِّف ما لديه منها، ليتناسب مع الطارئ، وتنتج عنه أفكار وأعمال مُوجِّهةٌ لطفلِكَ في تلك المرحلة العمرية، تُؤدِّي:" لتشويه البنى المعرفية والخبرات المتكونة لديه لتناسب المدركات والخبرات الطارئة"، وهو تعريف علم النفس للمواءمة، (ويذكرنا بالغزو الفكري الثقافي من "العالم المتحضِّر" لمجتمعات يدعونها "بُدائية"!!؟)، فبالمواءمة تحوَّرُ معارف الطفل وخبراته؛ بل تُبدَّل بما يرضي الفكر الدخيل ويُناسبه، بينما التمثُّل يُغني خبراته ولا يضُرُّ بها!.
ويحلُّ الأشدَّ ضررًا عندما نسلم رعاية النبت الغَضِّ للنتاج الغَثِّ والمسيء للرائي والأجهزة!، فيسبقوننا لزراعة الإنسان، والكارثة عندما يكوِّنون هم خبرات أبنائنا، ونكون نحن ومبادئُنا من يأتي متأخِّرًا... نحن "الأشياء الطارئة" المتأخِّرة، ويلزم تشويهنا في ضمير وعقل أبنائنا - إذا استعرنا وصف علم النفس خاصتهم - "لتتواءم" مع ما غرسه الآخرون مبكرًا من فكرٍ وسلوكٍ خاطئ!.

3- نشير إلى أنه قرب نهاية هذه المرحلة من الطفولة الأولى (5-6 سنوات)، يبدأ الطفل في معرفة وتمييز الفروق بين الأشياء الحيَّة (Animate)، والأشياء غير الحية، لذلك يمنعون عرض الأفلام المفرطة في التخيل الخرافي على أطفالهم تحت السادسة كما ذكرنا، لكننا لا نفعل!، ومعرفة هذا تقتضي في موضوعنا: أن نحفظ فطرتهم السليمة، ونربِّي فيهم المشاعر والأفكار والسلوكيات الإيجابية؛ قال تعالى:﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾ [الفتح: 29]، ونعطي ذلك الزرع المدة الكافية ليستغلظ ويستوي، فلا يسهُل هزُّه وقَلْعُه[4].
وكنا أشرنا لأهمية سلامة الفطرة في المرحلة الأولى، ودور البيئة الأُسْرية التي تستمدُّ مقوِّماتها من شرعة الرحمن بارئنا الذي فطرنا عليها، ومن الأمثلة على الصفات الفطرية التي خلقنا الله عليها:
فطرة التديُّن وأن الله هو: الخالق، وانحرافها هو:الإلحاد، بجعل البشر يخلقون، والروح تَنبثُّ بذاتها!!؟.
فطرة الإيمان والعبودية لله وحده، ومرضها: الشرك.
فطرة حب الخير، والنفور من العنف والأذى، (ومرضها: العنف والعدوان والإيذاء).
فطرة النظافة والجمال، وفسادها: القذارة والقبح وغيرها.
فطرة الحياء أو ما يُسمَّى في المراجع الغربية:(براءة الأطفال)، وفسادها: الاعتداء على تلك البراءة، ونزع الحياء.
وهذه المكوِّنات للفطرة من دلالاتها: القلب السليم، وهي ترتبط مع الصحة النفسية للإنسان في جميع الأعمار، وكثيرًا ما تُحرِّفها برامج الأطفال، ومن مظاهر ذلك الواضحة لكل مراقب: بلبلة الطفل بين شيطنة الإنسان وأنسنة الشيطان، ووضع مفاهيم خرافية عن الجن والعفاريت، وخلطهم بالبشر من حيث النسب والقرابة، ويترتَّب عليه: تشويه مفهوم الموت والحياة والعالم الآخر عند الطفل؛ والأخطر من ذلك: العبث بمفهوم الخلق وبَثِّ الروح والغيب، وهذا يتخذ مناحيَ عديدة، ويتمُّ تمريرُه في جميع أنواع الأفلام: الكرتونية والبشرية، بدءًا من أفلام السحر وانتهاءً بالفضاء الخارجي، مرورًا بالأجهزة الإلكترونية الناطقة، وبالآليين ذوي القلوب والأرواح، ويتفاقم الغموض في نفوس أطفالنا ومشاعرهم حول الرُّوح والقَدَر والقَرين، مع خطورة كل هذا على فطرتهم السليمة، وتوجههم لبارئهم الفرد الصمد[5].
كما تقتضي ألَّا نُعرِّض الطفل بدنيًّا وفكريًّا بشكل مبكر وعشوائي لتلك المؤثِّرات الإعلامية الفكرية، وعمدًا كما يفعل البعض مع الأسف!!؟؛ بل نُشرِف على ما يشاهده، ونُحـْـسِن انتقاء المضمون، ولا نترك البثَّ الإلكتروني لمدة غير محدودة، ومضمون فوضوي يتحكَّم في أطفالنا، وبذات الأساليب التربوية الثلاثة المذكورة، فهو مرتَعٌ خصب لهم للتقليد، ويطبق عليهم من خلاله التلقين، وتأتي الثالثة بتلقائية حين يتخذ الطفل شخصيات "البثِّ" قدوات[6]!!؟، والخطر: أن يصلب عود الطفل، وقد أُشبِع بتلك العناصر الدخيلة التي انفردت به لخلوِّ الساحة من الرعاية التربوية، ومن دعمنا العاطفي والفكري المبكر (المرحلة الأولى والثانية)، فلا تدري إلَّا وقد كوَّنَتْ تلك العناصر في غفلة منا: المعارفَ الرئيسةَ والخبراتِ المبكرةَ جدًّا لطفلِكَ، ويغلب أن تحرِّف فطرته السليمة، وقد تُلغي مقدرته على التواصل، ناهيك عن دسِّ السُّمِّ بالدَّسَم، فيكون أربابها - (صُنَّاعًا ومسوِّقين) - بصبرهم وبُعد نظرهم: ثوابتَ أبنائنا وتفكيرهم وسلوكهم!!؟، بينما نكون نحن ومبادؤنا من يأتي متأخِّرًا - إن أتى - لنمثِّل الثقافة الدخيلة المستغربة!!؟.
عمومًا لا بد من الصبر على تطبيق التوصيات المذكورة، وكما نحرص على تقديم اللقاحات والطعوم؛ لرفع مناعة جسم ولدنا الغالي ضد الأمراض الفتَّاكة، كما تسمِّيها منظمة الصحة العالمية، فإن صحة الرُّوح والنفس لا تقلُّ أهمية، ويلزم وقايته من ملوِّثاتها وممرضاتها، ومع الوقاية: لا بد من غذاء للرُّوح، وتقديم البدائل لطفل هذه المرحلة، وتهيئة البيئة المناسبة له، ومثال عليها التوصية العالمية التالية المتكررة بأكثر من مصدر عالمي، والتي يُقاس الكثير على منوالها من ثقافتنا:
( اصطحِب الأطفال في هذه المرحلة إلى الحديقة أو المسرح، واقرأ لهم قصة أو ارْوِها).
وبالمناسبة إليكم ما كتبه أحد الآباء (وهو من بلادنا العربية)، كتب يقول:
" نحن لا نجد الوقت الكافي لنحكي حكايات لأولادنا كما فعل آباؤنا وأجدادُنا؛ مثل: قصص السندباد وعلاء الدين وغيرها، وإنَّ فضل أفلام الأطفال علينا كبير؛ إذ تؤدي هذا الدور عنا!!".
قلت لنفسي: رحم الله الآباء والأجداد الذين ربَّوكم، والذين لم يكن لديهم كل تلك التسهيلات والأجهزة التي تُوفِّر الوقت كما هي لديك الآن!!؟.

4- المرحلة الثانية من الطفولة: (الطفولة المتوسطة) منذ الـ(7-8) سنوات وحتى بداية البلوغ، (وتُسمَّى سن المدرسة)؛ حيث يتجلَّى بوضوح تأثير عملنا في المرحلتين السابقتين على تفاعل الطفل مع الأقران والمربِّين، وعلى إنجازه العلمي، وأخلاقه وسلوكه، ففي العدد الذي خصَّصتْه مجلة علمية رصينة لدراسات هامة تناولت: التأثير الضارَّ للميديا الإلكترونية على الأطفال[7]، اتفقت أغلب الدراسات الـ (15) المجموعة في ذلك العدد على أن المعاول الثلاثة الأشد ضررًا هي:
المتابعة لمدة ساعتين أو أكثر يوميًّا.
وجود مواضيع تُشجِّع العنف.
وجود مواضيع جنسية.

وبالنسبة للزمن، كنا أشرنا لأهمية "مدَّة المشاهدة"، (ويصطلح عليها بـ"وقت الشاشة")، والثابت: أن المشاهدة لمدد غير محدودة عامل أساسي في معظم السلبيات على الطفل، وكانت العلاقة مباشرة بين التعثُّر الدراسي وعدد ساعاتها في سن المدرسة في دراسات بيَّنت: أن إطالة المشاهدة تجعل الطفل ميَّالًا إلى إهمال واجباته الدراسية التي تتطلب منه مجهودًا، بل إن بعض الباحثين في أسباب إضعاف التحصيل العلمي: وجدوا أن تأثير البث (التلفزيون والأجهزة الذكية) على النمو العقلي، لا يقل عن تأثير المخدرات، وقد أجمعت التوصيات بعدم تجاوز ساعتين يوميًّا (أو 14ساعة بالأسبوع) لتصفُّح «الأجهزة الذكية» للأعمار من 6 إلى 12 سنة، وفي أي عمر، فإن ما يزيد عن ست ساعات يوميًّا على تلك الأجهزة يعتبر إدمانًا!.

تضافر الزمن والمضمون: بيَّنت دراسات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: أن هناك علاقةً أكيدةً بين مشاهد العنف التلفزيوني والسلوك العدواني، وحذَّرَت من تزايُد معدلات العنف بين الأطفال نتيجة جلوسهم ساعات طويلة أمام الشاشات، وأبرزوا أهمية الوقت بدراسة أحصت (25) حادثة عنف في كل ساعة من برامج الأطفال!!؟، مما يحوِّل الأطفال من مجرد مشاهدين إلى مقلِّدين ومنفِّذين للعنف والعدوان الذي قد تكون نتيجته: الموت؛ والخطورة: أن الخلَلَ ليس عابرًا؛ فقد ثبت أن المشاهدة المتكرِّرة للعنف هي: أهمُّ محرِّض لظهور أنماط ثابتة من السلوك العدواني في مراحل الطفولة بالمقارنة مع المراحل العمرية الأخرى في حياة الإنسان، وحتى لو ظهر أثرها متأخِّرًا، فقد أكد علماء النفس المعرفي أن هذه المشاهد تختزن في ذاكرة أطفالنا إلى أن يحين الوقت لاستخدامها، أطفالنا الذين لم نزوِّدهم بالخبرات الكافية للمواجهة والتوازن؛ إذ يخضعون لتأثير الشاشات التراكمي، فكيف هو الحال إذا كانت هذه البرامج تعرض كمًّا كبيرًا من العنف والسحر والجنس، ونسف المبادئ والعقائد الدينية والسماوية، وربما بأسلوب ذكي غير مباشر؛ كيلا يتمَّ منعها!!؟، وحتى لو منعت: لا مشكلة بالنسبة لعدد كبير من الأبناء بوجود الأجهزة الحديثة المحمولة متسارعة التطوُّر المتصلة بذلك العنكبوت المترامي الأطراف!!؟.

وفي الختام:
إن كافة البنود والتوجيهات الخاصة بكل مرحلة من العمر تستند إلى سابقتها بشكل أو بآخر، مما يُبرِّر الإطالة السابقة، ومع الأسف: هنالك من يتعبون أنفسهم، ويصنعون أفلامًا مثيرة لاهتمام الطفل (حتى 18 عامًا)، ومنها ما يأتي بقالب كرتوني جميل للصغار، يعجب ويُسلِّي حتى الكبار، وغالبًا ما يجعلونه يشدُّهم "مسلسل" ينطوي على أفكار مطهوَّة ومقولبة، ومشاعر حب وبُغض ومواقف عداء وولاء، (حتى في أفلام الحيوانات التي تعتبر أكثرها براءةً)، وربما وضعوا فيه مادة علمية أو ظلالها!، وقد يجعلونه لُعبة تفاعلية، وتتراوح نتائج تلك الألعاب بين الإمتاع والانتحار[8]، (وما لعبة الحوت الأزرق عنا ببعيد)!!؟.
هم يفكرون ويعملون بدأب ويسعون ليلًا ونهارًا، حتى "نستمتع" وأطفالنا، ولا نُفكِّر ولا "نسعى عليهم"، لا ليلًا ولا نهارًا، هل لأنه ليس لدينا وقت كما كتب ذلك الأب ونقلنا كلامه!!؟، بل الغالب، لأننا نفتقد الهمَّة وترتيب "الأولويات"، وقلَّما نتذكَّر هدف خلقنا، وتحمُّلنا الأمانة، ومن أهم مفرداتها: زراعة الإنسان! وللبحث تتمة (جزء ثانٍ) بإذن الله نبدؤه من حيث توقَّفْنا، ومما نتناوله إضاءة لمفهوم:"الفطرة"، وأهمية الخيال في النمو الصحي للطفل.

هوامش:
[1] من المألوف اليوم مشهد أطفال يحملون تلك الأجهزة الحديثة مع كتب دراستهم وفي غرف نومهم، ومؤلم - وهو في تزايد - مشهد الأم تمسك الجهاز في وجه رضيعها تسكته به! وأغلب ما ورد من توصيات - مع أهمية الوقت - هو وفق أبحاث لـ" الأكاديمية الأمريكية لطب الطفل" according to research by the American Academy of Pediatrics (AAP).، وفي مؤتمر لها حضره أكثر من 10000 طبيب أطفال، عند وضع التوصيات لعام ( 2017)، تم بحث اضطراب طيف التوحد "التوحد الافتراضي"، وانتشاره عند أطفال العصر؛ والتأكيد الصارم أن الأطفال تحت سن السنتين لا يسمح لهم على الإطلاق باستخدام الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية أو مشاهدة التلفزيون..
[2] التربية الاجتماعية في الإسلام مرجع سابق؛ أ. عبدالرحمن النحلاوي رحمه الله، دار الفكر - ط الأولى 1427 / 2006/ ص 164.
[3] الفطرة صفة فردية، لكنها تصبغ الأمة التي يحافظ "الناس" فيها عليها، وتؤلف بينهم، فجميع "الناس" في الآية فطرهم الله تعالى على اتباع الدين الحنيف، فآمنوا وسلِمت فطرتهم، وانظر كتاب أصول التربية للأستاذ عبدالرحمن النحلاوي، وكتابه التربية الاجتماعية؛ مرجع سابق.
[4] هو ما سميته زراعة الإنسان في كتابي التدبر في الزمن الصعب، مخطوط.
[5] ربما احتُفِظ بقدسية الإله في نفس الطفل، لكن مع تقمُّصه لكائنات أخرى، فمثلًا قصة الأسد والساحرة وخزانة الملابس - بعد أن لقي رواجًا بين الأطفال - تم تجاوز المؤلف الأصلي المتوفى، وارتجال جزء ثان رسَّخ مفاهيم فكرية أسوأها أن الضمير= الإله = الأسد (أصلان).
[6] كتاب الثابت والمتغير - دار الفكر - للمؤلفة ص 48-49-50؛ وانظر ص70 غياب القدوة، وحلول المشاهير على فسادهم محلها!
[7] كتاب الثابت والمتغير – دار الفكر – للمؤلفة ص 48-49-50؛ وانظر ص70 غياب القدوة، وحلول المشاهير على فسادهم محلها!
[8] كتاب الثابت والمتغير – دار الفكر – للمؤلفة ص 48-49-50؛ وانظر ص70 غياب القدوة، وحلول المشاهير على فسادهم محلها!

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم


الساعة الآن 08:45 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى