الحراقة شهداء في سبيل الله
20-08-2009, 11:02 PM
حب الحياة غريزة فطرنا عليها نحن البشر غير اننا نشترك فيها حتى مع الحيوان ، واجمل ما شاهت تجسيدا لذلك هجرة مئات الالوف من حيوان الجاموس في سهول سرينغيتي بحثا عن الماء بعد ان يطبق الصيف عليها بالجفاف و العطش و نضوب الكلأ ، فتهاجر في سهول يسكنها الموت ففي كل شبر تجد ذات ناب و مخلب يتربص فاسود و فهود و ضباع و نمور تترصد و رغم ذلك تهاجر القطعان بذكرانها و اناثها و صغارها لسبب واحد هو الامل في حياة افضل غير القحط و الجدب و الجفاف.
و ما اشبه تلك الهجرة بهجرة شباب الجزائر في ما يسميه المبلسون في المدينة بقوارب الموت ، و هي تسمية اطلقها السجان على كل من يحاول الفرار من زبانية الخوف و الجوع و البطالة و انعدام الافق و ضبابية المستقبل ، اما انا فاسميها قوارب الحياة او قوارب الامل .
كيف لا و ممططيها لا يخامر تفكيره الا حياة افضل و غدا مشرق و هو يتقاذفه الموج من كل مكان في ظلمات بعضها فوق بعض يترصد به الموت من كل جانب .
و يحق لنا ان نتسأل مالذي يدفع بشاب في ريعان شبابه يحمل شهادات جامعية الى يركب البحر حاملا كفنه في يده؟
مالذي يدفع شيخ في السبعين ان يركب قارب يأخذه للمجهول تاركا ابنائه يعولهم اليأس؟
ما هو السبب الذي يدفع بامرأة حامل ان تشق عباب البحر على متن مركب ذات الواح و دسر؟
اسئلة لا حصر لها اقل جواب عنها يدفع للاعتقاد ان سبب هروب هذه الاصناف من البشر من الموت في الجزائر هو شيء اكبر من الموت حتما ، و الا كيف نفسر علمهم بمصير الالوف من المهاجرين الاوائل الذين كانوا طعاما للحوت ؟
لقد اقدم مجموعة من الشباب الهارب من الموت في الجزائر ان حاولوا الإنتحار الجماعي بالاصطدام بقاربهم بسفينة حرس السواحل و كانت النتيجة استشهاد شاب في ربيع العمر .
و الحقيقة التي يجتهد من هم اعلى الهرم تغطيتها هي ان الدافع الى الهرب من الجزائر في قوارب الحياة هو العيش المر في الجزائر و التي تفنن المسؤولون فيها في اهانة و اذلال اهلها شبابا و شيبا علمهم و جاهلهم انه الموت المبرمج لقد اطبقوا حلقات اليأس على هذا الشباب فلا عمل و امل و لا غدا يرجى فيه عيش رغيد .
ما ذنب شاب يسكن الجزائر الغنية ناله منها نصيب من البطالة و كثيرا من العراء و قسط من اليأس و كم هائل من المشاكل يقابلها بقصر ذات اليد ، حرام عليه ان يحلم بالسكن و العمل و الزواج ، ليس غريبا انتشار تجارة المخدرات بعد ان عز العمل الحلال و ليس غريبا ان نجد الوف من التلاميذ في المتوسطات يتعاطون المخدرات .
لم تكتفي الحكومة التي اوتيت من الكنوز ما ان مفاتحه لا تنوء بالعصبة اولي القوة بالتنكيل و الاذلال بهذا الشعب بل حرمت عليه حتى التفكير في الانعتاق الفردي المصحوب بالمخاطر و الممزوج باهات الامهات و انين الاخوة و الاباء على فلذات اكبادهم الذين اكلهم الحوت، بل راحت تسن القوانين يلو القوانين مجرمة فعل الانعتاق من اغلال الجلاد ، فاصبح الابحار جريمة لا عقوبة لها الا السجن و اغراق الهارب بغرامة تضاف الى فقره المدقع ، هذا و رب الكعبة لم تفعله حتى محاكم التفتيش و لا حتى الماغول ، فباي حق يسجن شخص يضبط في المياه الاقليمية ، هل التواجد في البحر جريمة ؟
انه قانون الغاب ، اليس من يدفع الناس الى الموت احق بالتجريم و التغريم ، اليس سراق الارزاق احق بالقصاص من ركاب قوارب الهروب من اليأس و القنوط؟
و اخزى ما يمكن ان نلصق بالفارين بكرامتهم من صفة هي صفة الانتحار ، في حين انهم احق بصفة الشهادة .
عن أبي الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، رضي الله عنهم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد" ((رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح)).
فمال الجزائري مسروق و عرضه و كرامته انتهكا بطريقة تشبه ما يفعله اليهود في الحواجز.
الم يقل الله تعالى سبحانه عزوجل في كتابه العزيز
//وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً//
الم يقل عز من قائل في كتابه الكريم
//اِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِــــــيرا//
اليست هذه دعوة صريحة من الله لترك كل بلد يكون فيها الجزائري مستعبدا و مستضعفا و ذليلا ؟
فمن لم يرتمي في ايدي الجريمة و الأنحراف و لم يلتحق بالارهاب اليس هذا هو الصابر المجاهد ؟
و لا يسعني الا ان اقف وقفة اجلال و اكبار لكل من ركب البحر اللجي و الامواج العاتية في الظلمة الدهماء مفارقا الاهل و الحبيب متوكلا على الله رجيا عونه املا في الغد الافضل .
مترحما على كل من وافاه الاجل المحتوم وحيدا ينادي الام الحنون ناطقا بالشهادة الرحيم و ادعو الله الرؤوف ان يتقبلهم في من عنده و يتجاوز عنهم .
و حين المأسي تصقل معادن الرجال فهذا جزائري كتب قبل موته على رافعة الشباك كلمات الله اكبر تحيا الجزائر ، او ذلك اللذي كتب رسالة ووضعها في قارورة دون رسالة الى امه الحبية مردعا ايها في مشهد حزين .
و صدق الشاعر حين قال :
و للحرية الحمراء باب *** بكل يد مدرجة يدق .












