إنــها الحيــاة
22-05-2008, 04:16 PM
كدأبه من كل يوم يذرع الشوارع بطولها وعرضها ، الأيام عنده كتاب صفحاته متشابهة وهاهو اليوم يبلغ عامه الرابع بعد البطالة يحمل لقب مهندس دولة وشهادة تربعت في إطار جامد معلقة مثلها مثل أي صورة من صور الزينة لا تسمن ولا تغني من جوع ، هذا كل الذي خرج به من سنين الدراسة العجاف والسهر والشقاء وأيام كانت تعيسة بين بحث عن خرقة تقيه برد الشتاءات الطويلة وجوع استمر سنين مستمرة والحرمان من حياة الطفولة من شدة فقر أسرته الجميلة ، كل هذا الهوان لأجل ورقة يعلقها على الجدار وليصير بعدها رقما من أرقام القابعين خلف رصيف الحياة يسندون الظهور على الجدران ويتأملون العمر وهو يمضي والأيام وريقات خريف تسقط من شجرة الأعمار .
في عامه الأول بعد البطالة تعلم أن الأحلام بعد التخرج مجرد سراب يحسبها الظمآن ماء ، و في عامه الثاني تعلم أن الشهادة العالية لا تطعم بالضرورة خبزا ولا تستر عريا ولا تحفظ كرامة ، وفي عامه الثالث من الفراغ تعلم أن الجهل مع كثير من النفاق يوصل إلى الأعالي ويجعل العبد سيدا ويصنع من الخسة نخوة ، وفي عامه الرابع بعد اليأس صار ينأى بنفسه عن الناس ولا يعرف الكلام واتخذ لنفسه عالم يخصه وحده بعيدا عن البشر حتى وان كان واحدا من البشر .

اشتغل بالكتب والمطالعة والصلاة في المسجد والتعبد والبقاء في خلوة دبر كل صلاة وقبلها وبين الفينة والأخرى يرتاح على صخور الشاطئ يمد صنارة الصيد وعقله شارد عن العالم لا يعلم إن كانت الصنارة قد علقت بها أسماك أم لا وهو بين هذا كله خارج عن الزمن فلا يعرف من الوقت سوى إن كان صباحا أو منتصفا من نهار أو آخره أما أيام الأسبوع والشهور فلا يميز منها شيئا سوى يوم الجمعة الذي تميزه صلاتها، كل شيء صار بداخله باهتا مثل الموت شاحبا مثل الخريف ، وشيء بداخله بدأ يكبر لم يكن ذاك الشيء سوى الحقد ، لم يكن يميز حقده فهو يحقد على الجميع ، العالم كله بالنسبة له مسؤول عن ضياع أحلامه ، حتى جيرانه وأقرانه كل من حوله صار له عدوا لا يريد أن ينظر في وجه أحد أو يسلم على أي كان حتى الابتسامة ماتت في ثغره واظلم الكون في عينيه الحزينتين فصارتا تطلقان نارا وشررا
لم يكن يعلم أن ثمة عيون تترصد حركاته وسكناته وتعد عليه خطواته وتحطه تحت مجهر الانتقاء .
في يوم من أيامه المتشابهة جلس إليه في خلوته بالمسجد غراب ناعب وطافت به شلة الشر وأئمة الظلال وزينت له الجحيم ووقفوا له على أبواب جهنم وجعلوها بابا للجنة وصورا له الموت حياة والجريمة بطولة وحشوا رأسه بالسموم وهو الذي كان يرى في حياته أنها بلا معنى ولا هدف أسمى بعدما يئس منها كلها رسموا له أهدافا وخططا ومعاني لحياة أخرى لم يكن يعرف عنها شيئا وسموا كل ذلك تقربا إلى الله ، وصدقهم عقله النائم في غفلة اليأس وقلبه الصامت نبضه عن المشاعر. وشعر أنه إنسان جديد وصارت الموت مناه وها قد جاءت لحظة الانتقام من هذا العالم الظالم ومن كل أعدائه .
وذات ليل نزلت الذئاب من الجبال وأحاطوا به وجاءوا له بالموت هدية ونسجوا له في الغيب أكفان وقالوا له اليوم أنت عريس وناولوه حزاما ناسفا ودفعوه فجرا إلى المدينة يسعى ، بزغت الشمس على المدينة و الموت هذا الصباح مثل غربان تنعق ، لم يكن يرى سوى الجنة وحور العين تحيط به ، صار الخلاص قريبا جدا والحياة قاب قوسين أو أدنى من كبسة زر وينتهي كل شيء ويعم الصمت على الكائنات ويزف هو في موكب الملائكة عريسا إلى الجنة ، هاهي حياته الكئيبة تكاد تنقضي وكلما تقدم خطوة داخل المدينة تلاشت الحياة وتطاير العمر وتبعثر مثل وريقات خريفية و شمس حياته تنحدر نحو الأفول وساعة الحياة تكاد تضع نقطة النهاية على سطر العمر. ووصل إلى المكان .. وحانت لحظة الحسم ، أتراها آخر خفقة و آخر شهقة ..؟
كان المكان يعج بالناس من مختلف الأعمار ، أطفال المدارس يملأون الشارع صخبا وفرحة مثل تغريد أطيار ، لم يكن يعلم سر الارتباك الذي انتابه في آخر لحظة ونظره يجول بين وجوه الطفولة وتلك الضحكات ، وشعر بقلبه يلين ويخفق بشدة ويدفع الدم البارد دفقا من الدفء نحو عروقه وهو ينظر إلى طفلة في سنوات الربيع تتصدق عليه بابتسامة تشرق من ثغرها كأنها الشمس وفي عينيها البريئتين أطلت الحياة تتفرج على تفاصيل ارتباكه كأنها تدعوه إلى مأدبة فرح ، عينيها صافيتين مثل سماء زرقاء . وجهها بريء منير ككوكب يبدد العتمة في روحه ، حاول أن يبتلع هذا المشهد ويمضي إلى قراره لكن قلبه تخبط في صدره مثل طير ذبيح ، حاول السير فخانته قدماه وكأن ضوضاء الشارع وفرح الطفولة فتح شهية الحياة عنده ، لازلت الطفلة تبتسم له و هو ينظر إليها في بله ، فتحت راحة يدها الصغيرة وطبعت على أطراف أصابعها الجميلة قبلة ونفخت من فمها هبة هواء كأنها تريد لقبلتها أن تصله ، كان يرى في قبلتها الآتية مع هبات أنفاسها فراشات جميلة ، دون إرادة ارتفعت يده المرتعشة إلى خده كأنه يتحسس بها دفء قبلة الطفلة ، بقي مشدوها مع حاله في عقله العائد إليه بعد سبات السنين ، وسقطت الأسئلة على عقله المستيقظ كمطارق من حديد .
أكان ميتا قبل اليوم أم أرغمه استسلامه للظروف الاستغناء عن عقله ومشاعره ليعيش خارج الزمن والحياة ؟
إنها الحياة والحياة جميلة ..
خطا خطوات أخرى وسط الشارع ولازالت به رعشة تسري في كافة جسده كتيار حياة هاجمه على حين غرة ليعيده إلى نفسه ، التفت إلى الجهة الأخرى من الشارع فاستقر بصره على زوج ربما هما حبيبين أو خطيبين يتفرجان على واجهة محل للحلي كانا رائعين رغم حالتهما التي لا تظهر أن بإمكانهما شراء شيء ، إنهما يحلمان مثلما يحلم كل البشر بعرس وخواتم تزين الأصابع ،أو هدية حب
يداهما كانتا متشابكتين كأنهما يريدان أن يمضيا معا إلى آخر العمر ، في غمرة تفرجهما على واجهة الصائغ مالت الفتاة برأسها تتكئ على كتف حبيبها أو خطيبها بدلال بالغ ولما التفتت إلى الخلف تطاير شعرها الملتوي الكستنائي مع الهواء مثل موج بحر ، كانت جميلة وأنيقة وتضج بالحياة تهامسا وضحكا ومضيا إلى الحياة رغم أنهما لم يشتريا شيئا كانا يحلمان فقط لكنهما سعيدان ، تبعهما ببصره حتى اختفيا في وسط زحام الشارع ويداهما متشابكتان يكادان يذوبان في بعضيهما حبا ، لم يكن يعرف نفسه ولا حتى من هو ولا من أصبح كان الأمر مثل حلم ، لم ينتبه إلا وشرطي المرور أمامه يحدثه بلطف قائلا :
يا أخي الطريق لك أنتظر عبورك إلى الرصيف الآخر فقد أوقفت السيارات لأجلك وأنت شارد .
نظر إليه بذهول وهو يسمع منه كلمة " أخي " لم يفهم شيئا الشرطي يقول له أخي كان الأمر كأنه حلم
ذرع الطريق إلى الرصيف المقابل وعاد الشرطي أدراجه لينظم المرور يعمل بدأب يوقف سيارة ما ليمر طفل أو طفلة أو عجوز طاعن في السن ويبتسم لهذا ويحي ذاك سعيد بحاله يؤدي واجبه برضا تام .
إنها الحياة ، والحياة جميلة لم تكن الحياة صعبة لدرجة الهروب منها رغم قسوتها وقسوة بعض من فيها ، لازال الشرطي يقول له أخي بلطف بالغ ولازال الأطفال يبتسمون ، يضحكون ، لازال الحب يسكن القلوب رغم الفقر والعوز فالحب حينما يكون صادقا لا يحتاج إلى رصيد في البنك ولكنه يحتاج إلى رصيد في القلب .
أين كان عقله ؟
لماذا تحامل عليه الزمن وأطفأ عليه الحياة ؟
لمَ أرادوا أن يصنعوا منه مجرما دون إرادته ؟
تحسس صدره بيدين مرتجفتين فشعر ببرودة غريبة ، هل كان ميتا حتى وان كان يتنفس ؟ أم تراها العبوة الناسفة سرت مثل الموت في أوصاله بردا قبل أن يكبس زر بداية النهاية ؟
حمل نفسه المثقلة بذنوب الدنيا وانسحب يجر حمل الجبال على ظهره ، يتأمل الحياة في وجوه الناس
أطفال .. شباب .. صبايا مثل الورد جميلات كأنهن الربيع .. أباء يحملون قوت أسرهم مثل الطيور .. أمهات تقتنين حاجيات بيوتهن في الأسواق يتبعهن أطفالهن مثل حملان وديعة بضحكاتهم البريئة وبكائهم الصاخب
ماذا لو فجر نفسه وسط هؤلاء؟
كم مأساة سيصنع ؟
كم ابتسامة ستأفل ؟
كم شمس ستغرب ؟
كم طفلا يغرد ضحكا للحياة يسلمه للموت ؟
كاد يهوي ويخر أرضا فلم تعد قدماه تطيقان حمله وكأنهما تتبرآن منه ، وجهه يتصبب عرقا ، لم يسرق الأطفال مستقبله، ولا هؤلاء الرجال والنساء والصبايا الذين يمضون في الشوارع ، فلما يريد أن يقطف منهم الحياة ويقدمهم قربانا لنزوات غيره ..؟
حتى هؤلاء الناس في الشوارع ضحايا مثله ، الفرق بينه وبينهم أنهم يحذوهم الأمل وهو عاطل عن الأمل ، كلما خطا خطوة تصادفه في الشوارع وجوه الناس المختلفة ، يتفرج على المساكين والمتسكعين والذين يتكئون على الأسوار يلوكون خيبتهم وكل منهم يعلق شهادة مثله على حائط الانتظار .
رغم ذلك فهي الحياة والحياة جميلة ولو كانت مرة مليئة بالخيبات والطعنات.
حين وصل إلى صخور تطل على الشاطئ وقف يتأمل زرقة البحر كأنه يراها لأول مرة رغم انه يزور البحر بشكل دوري وبانتظام ، حلق بعينين حالمتين إلى السماء وراح يتأمل طيور النورس التي تطوف على رأسه مرحبة به فرحة بمقدمه وقبل اليوم كانت تحوم حوله صامتة حزينة أو ربما كان غائبا عن المكان بروحه فما كان يرى سوى حزنه وما كان يسمع سوى صمته ، كل شيء الآن كان يبشره بالحياة حتى صيحات النورس المحلقة عاليا كانت تدعوه لان يحلق في الحياة و زرقة البحر تحدثه عن الصفاء والأمل الممتد إلى اللانهاية ، حتى الصخور كانت تقف في كبرياء تكسر الأمواج العاتية صامدة بشموخ منذ الأزل تحطم الأمواج موجة بعد موجة كأنها تعلمه الصمود وتريد أن تسرب له بهمس أن الأحزان والانتظار مهما طالت ستتكسر على صخور الصبر والأمل .
حل الحزام الناسف الذي يحيط بخصره وقذف به إلى البحر وحمل نفسه وعاد أدراجه إلى الحياة.
لم يكن يعلم أن ثمة عيون تترصد حركاته وسكناته وتعد عليه خطواته وتحطه تحت مجهر الانتقاء .
في يوم من أيامه المتشابهة جلس إليه في خلوته بالمسجد غراب ناعب وطافت به شلة الشر وأئمة الظلال وزينت له الجحيم ووقفوا له على أبواب جهنم وجعلوها بابا للجنة وصورا له الموت حياة والجريمة بطولة وحشوا رأسه بالسموم وهو الذي كان يرى في حياته أنها بلا معنى ولا هدف أسمى بعدما يئس منها كلها رسموا له أهدافا وخططا ومعاني لحياة أخرى لم يكن يعرف عنها شيئا وسموا كل ذلك تقربا إلى الله ، وصدقهم عقله النائم في غفلة اليأس وقلبه الصامت نبضه عن المشاعر. وشعر أنه إنسان جديد وصارت الموت مناه وها قد جاءت لحظة الانتقام من هذا العالم الظالم ومن كل أعدائه .
وذات ليل نزلت الذئاب من الجبال وأحاطوا به وجاءوا له بالموت هدية ونسجوا له في الغيب أكفان وقالوا له اليوم أنت عريس وناولوه حزاما ناسفا ودفعوه فجرا إلى المدينة يسعى ، بزغت الشمس على المدينة و الموت هذا الصباح مثل غربان تنعق ، لم يكن يرى سوى الجنة وحور العين تحيط به ، صار الخلاص قريبا جدا والحياة قاب قوسين أو أدنى من كبسة زر وينتهي كل شيء ويعم الصمت على الكائنات ويزف هو في موكب الملائكة عريسا إلى الجنة ، هاهي حياته الكئيبة تكاد تنقضي وكلما تقدم خطوة داخل المدينة تلاشت الحياة وتطاير العمر وتبعثر مثل وريقات خريفية و شمس حياته تنحدر نحو الأفول وساعة الحياة تكاد تضع نقطة النهاية على سطر العمر. ووصل إلى المكان .. وحانت لحظة الحسم ، أتراها آخر خفقة و آخر شهقة ..؟
كان المكان يعج بالناس من مختلف الأعمار ، أطفال المدارس يملأون الشارع صخبا وفرحة مثل تغريد أطيار ، لم يكن يعلم سر الارتباك الذي انتابه في آخر لحظة ونظره يجول بين وجوه الطفولة وتلك الضحكات ، وشعر بقلبه يلين ويخفق بشدة ويدفع الدم البارد دفقا من الدفء نحو عروقه وهو ينظر إلى طفلة في سنوات الربيع تتصدق عليه بابتسامة تشرق من ثغرها كأنها الشمس وفي عينيها البريئتين أطلت الحياة تتفرج على تفاصيل ارتباكه كأنها تدعوه إلى مأدبة فرح ، عينيها صافيتين مثل سماء زرقاء . وجهها بريء منير ككوكب يبدد العتمة في روحه ، حاول أن يبتلع هذا المشهد ويمضي إلى قراره لكن قلبه تخبط في صدره مثل طير ذبيح ، حاول السير فخانته قدماه وكأن ضوضاء الشارع وفرح الطفولة فتح شهية الحياة عنده ، لازلت الطفلة تبتسم له و هو ينظر إليها في بله ، فتحت راحة يدها الصغيرة وطبعت على أطراف أصابعها الجميلة قبلة ونفخت من فمها هبة هواء كأنها تريد لقبلتها أن تصله ، كان يرى في قبلتها الآتية مع هبات أنفاسها فراشات جميلة ، دون إرادة ارتفعت يده المرتعشة إلى خده كأنه يتحسس بها دفء قبلة الطفلة ، بقي مشدوها مع حاله في عقله العائد إليه بعد سبات السنين ، وسقطت الأسئلة على عقله المستيقظ كمطارق من حديد .
أكان ميتا قبل اليوم أم أرغمه استسلامه للظروف الاستغناء عن عقله ومشاعره ليعيش خارج الزمن والحياة ؟
إنها الحياة والحياة جميلة ..
خطا خطوات أخرى وسط الشارع ولازالت به رعشة تسري في كافة جسده كتيار حياة هاجمه على حين غرة ليعيده إلى نفسه ، التفت إلى الجهة الأخرى من الشارع فاستقر بصره على زوج ربما هما حبيبين أو خطيبين يتفرجان على واجهة محل للحلي كانا رائعين رغم حالتهما التي لا تظهر أن بإمكانهما شراء شيء ، إنهما يحلمان مثلما يحلم كل البشر بعرس وخواتم تزين الأصابع ،أو هدية حب
يداهما كانتا متشابكتين كأنهما يريدان أن يمضيا معا إلى آخر العمر ، في غمرة تفرجهما على واجهة الصائغ مالت الفتاة برأسها تتكئ على كتف حبيبها أو خطيبها بدلال بالغ ولما التفتت إلى الخلف تطاير شعرها الملتوي الكستنائي مع الهواء مثل موج بحر ، كانت جميلة وأنيقة وتضج بالحياة تهامسا وضحكا ومضيا إلى الحياة رغم أنهما لم يشتريا شيئا كانا يحلمان فقط لكنهما سعيدان ، تبعهما ببصره حتى اختفيا في وسط زحام الشارع ويداهما متشابكتان يكادان يذوبان في بعضيهما حبا ، لم يكن يعرف نفسه ولا حتى من هو ولا من أصبح كان الأمر مثل حلم ، لم ينتبه إلا وشرطي المرور أمامه يحدثه بلطف قائلا :
يا أخي الطريق لك أنتظر عبورك إلى الرصيف الآخر فقد أوقفت السيارات لأجلك وأنت شارد .
نظر إليه بذهول وهو يسمع منه كلمة " أخي " لم يفهم شيئا الشرطي يقول له أخي كان الأمر كأنه حلم
ذرع الطريق إلى الرصيف المقابل وعاد الشرطي أدراجه لينظم المرور يعمل بدأب يوقف سيارة ما ليمر طفل أو طفلة أو عجوز طاعن في السن ويبتسم لهذا ويحي ذاك سعيد بحاله يؤدي واجبه برضا تام .
إنها الحياة ، والحياة جميلة لم تكن الحياة صعبة لدرجة الهروب منها رغم قسوتها وقسوة بعض من فيها ، لازال الشرطي يقول له أخي بلطف بالغ ولازال الأطفال يبتسمون ، يضحكون ، لازال الحب يسكن القلوب رغم الفقر والعوز فالحب حينما يكون صادقا لا يحتاج إلى رصيد في البنك ولكنه يحتاج إلى رصيد في القلب .
أين كان عقله ؟
لماذا تحامل عليه الزمن وأطفأ عليه الحياة ؟
لمَ أرادوا أن يصنعوا منه مجرما دون إرادته ؟
تحسس صدره بيدين مرتجفتين فشعر ببرودة غريبة ، هل كان ميتا حتى وان كان يتنفس ؟ أم تراها العبوة الناسفة سرت مثل الموت في أوصاله بردا قبل أن يكبس زر بداية النهاية ؟
حمل نفسه المثقلة بذنوب الدنيا وانسحب يجر حمل الجبال على ظهره ، يتأمل الحياة في وجوه الناس
أطفال .. شباب .. صبايا مثل الورد جميلات كأنهن الربيع .. أباء يحملون قوت أسرهم مثل الطيور .. أمهات تقتنين حاجيات بيوتهن في الأسواق يتبعهن أطفالهن مثل حملان وديعة بضحكاتهم البريئة وبكائهم الصاخب
ماذا لو فجر نفسه وسط هؤلاء؟
كم مأساة سيصنع ؟
كم ابتسامة ستأفل ؟
كم شمس ستغرب ؟
كم طفلا يغرد ضحكا للحياة يسلمه للموت ؟
كاد يهوي ويخر أرضا فلم تعد قدماه تطيقان حمله وكأنهما تتبرآن منه ، وجهه يتصبب عرقا ، لم يسرق الأطفال مستقبله، ولا هؤلاء الرجال والنساء والصبايا الذين يمضون في الشوارع ، فلما يريد أن يقطف منهم الحياة ويقدمهم قربانا لنزوات غيره ..؟
حتى هؤلاء الناس في الشوارع ضحايا مثله ، الفرق بينه وبينهم أنهم يحذوهم الأمل وهو عاطل عن الأمل ، كلما خطا خطوة تصادفه في الشوارع وجوه الناس المختلفة ، يتفرج على المساكين والمتسكعين والذين يتكئون على الأسوار يلوكون خيبتهم وكل منهم يعلق شهادة مثله على حائط الانتظار .
رغم ذلك فهي الحياة والحياة جميلة ولو كانت مرة مليئة بالخيبات والطعنات.
حين وصل إلى صخور تطل على الشاطئ وقف يتأمل زرقة البحر كأنه يراها لأول مرة رغم انه يزور البحر بشكل دوري وبانتظام ، حلق بعينين حالمتين إلى السماء وراح يتأمل طيور النورس التي تطوف على رأسه مرحبة به فرحة بمقدمه وقبل اليوم كانت تحوم حوله صامتة حزينة أو ربما كان غائبا عن المكان بروحه فما كان يرى سوى حزنه وما كان يسمع سوى صمته ، كل شيء الآن كان يبشره بالحياة حتى صيحات النورس المحلقة عاليا كانت تدعوه لان يحلق في الحياة و زرقة البحر تحدثه عن الصفاء والأمل الممتد إلى اللانهاية ، حتى الصخور كانت تقف في كبرياء تكسر الأمواج العاتية صامدة بشموخ منذ الأزل تحطم الأمواج موجة بعد موجة كأنها تعلمه الصمود وتريد أن تسرب له بهمس أن الأحزان والانتظار مهما طالت ستتكسر على صخور الصبر والأمل .
حل الحزام الناسف الذي يحيط بخصره وقذف به إلى البحر وحمل نفسه وعاد أدراجه إلى الحياة.

من مواضيعي
0 دموع المهرج
0 مساكين في الحكومة -1-
0 "هذه هي البوليتيك يا مخلوقة "
0 "حناني مول الشاش"
0 من أنفلونزا (الحلوف) إلى أنفلونزا (العتروس)
0 سلموا الرئاسة "لدلوع" ماما
0 مساكين في الحكومة -1-
0 "هذه هي البوليتيك يا مخلوقة "
0 "حناني مول الشاش"
0 من أنفلونزا (الحلوف) إلى أنفلونزا (العتروس)
0 سلموا الرئاسة "لدلوع" ماما
التعديل الأخير تم بواسطة محمد دلومي ; 22-05-2008 الساعة 04:18 PM










