المورد العذب لبيان حكم الإستعانة بالكفار في الحرب
31-10-2008, 09:38 PM
المورد العذب لبيان حكم الإستعانة بالكفار في الحرب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد :
فأصل هذا البحث جواب عن سؤال ورد إليَّ من بعض المجاهدين المرابطين في أحد الثغور، وفي الابتداء لم يكن العزم على الاستطراد وتتبع بعض جزئيات المسألة والتوسع فيها إلى هذا الحد، غير أني كلما طالعت ما كتبه علماؤنا -رحمهم الله- وجدته أكثر تشعباً وتوسعاً، فاستعنت بالله عز وجل وأطلقت عِنان القلم، وجعلت قصدي الوصول إلى حكمٍ تطمئن إليه النفس وتبرأ به الذمة، من غير اعتبار لطول البحث أو قصره، فكان محط الركاب أبعد مما ظننت، ولولا الاضطرار لما تجشمت صعابه، ولا قطعت سهوله وهضابه، فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه
ولكن عفو الله أوسع، ورحمته أسبق، وفضله كبير.
فلما منَّ الله سبحانه ببلوغ الغاية منه، وحيث بقيتُ زمناً للتأمل والمشاورة في مسائله وترقب ملاحظات بعض العلماء والفضلاء، جاءتني مبشِّرة فكان مما رأيت فيها الإمام الشافعي والإمام النووي – رحمهما الله- ونحن في سيارة من النوع الذي اعتاد المجاهدون على استعماله، وبيدي قلمٌ وورقة فقال لي الإمام الشافعي اكتب، وأصبح يملي عليَّ فقال عن نفسه : إني ذكرتُ أو قررتُ في كتاب كذا عن حكم الاستعانة بالمشركين «وذكر حكماً لم أعد أذكره» ثم قال : وأنا الآن أقول بما قلتَه في كتابك.اهـ.وفي الرؤيا أمور أخرى لم أجد حاجة لذكرها في هذا الموضع.
وقد استبشرت بها خيراً من غير اغترار، فعرضتها على بعض العلماء المؤولين فعبرها تعبيراً حسناً، وهو الذي أشار علي بكتابتها في مقدمة البحث اقتداءً بأئمة أجلة نهجوا هذا النهج فألحقتها بها استجابة لطلبه واتباعاً لمشورته أجزل الله له الأجر والمثوبة ورفع قدره في الدنيا والآخرة.
أما عن موضوع البحث فقد ورد في مسألة الاستعانة بالمشركين على المشركين في القتال عدة أحاديث وآثار قولية وفعلية ظاهرها التعارض، فبعضها صريح في نفي الاستعانة بهم مطلقاً، وبعضها يفهم منه جواز ذلك، وعليه انبنى اختلاف العلماء في هذه المسألة تبعاً لمسالك ترجيحاتهم فيها وطرق جمعهم بينها.
والأمر المقطوع به أن التعارض التام من كل وجه بين الآيات القرآنية أو السنن النبوية الصحيحة أو هي معاً وبصورة لا يمكن الجمع بينها لا يتصور وقوعه بحال من الأحوال ؛ لأن الكل وحيٌ من عند الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والتعارض والتناقض إنما هو من شأن البشر الذين يعرض لهم الجهل والنسيان والغفلة والقصور، وتعالى الله عن هذه النقائص -وعن كل نقص- علواً كبيراً وهو الذي أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً :}وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ[1]{ ولهذا أنكر الله حال الذين يقرءون كتابه المحكم المفصل المتقن المُبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم هم مع ذلك كله يتمادون في كفرهم ويصرون على ضلالهم فقال :}أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً{[2]، ووصف سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأنها وحيٌ يوحى : }وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى{[3]، وقال سبحانه : }إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً {[4]، وقال جل وعز : }يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ{[5]
فالمقصود أن ما قد يتوهم من وقوع تعارض بين الأدلة في هذه المسألة أو غيرها إنما هو من جهة الناظر إليها لا من حيث أصلها، ومن هنا فقد أوجب العلماء على كل من يبحث مسألة أن يستفرغ وسعه في استيعاب أدلتها واستقصائها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وبه يتم له السداد غالباً، ويقل خطؤه عند الترجيح، ويرفع عنه الحرج عند الخطأ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم واجتهد فأخطأ فله أجر][6]والله تعالى أعلم.
وملخص الأقوال في هذه المسألة يمكن إرجاعه وحصره في مذهبين أساسيين، وهما كالأصول لما سواها، ومن ثَم يتفرع عنهما اختيارات أخرى تندرج عموماً بصورةٍ ما فيهما، وقبل الشروع في ذكرهما وحجج أربابهما نشير إلى أن المسألة التي نبحثها هنا هي خاصة بالاستعانة بالكفار في الحرب، ولن نتطرق إلى مطلق الاستعانة إلا على سبيل التبع اللازم والتنبيه الضروري في بعض المواطن، لا البحث المستقصى والترجيح المستوعِب حتى لا نسترسل في تفريعات الخلافات فيطول الكلام ونبتعد عن المقصود، خاصة وأن المسألة –ولله الحمد- قد تناولها الكثير بالكتابة والبحث.
المذهب الأول : عدم جواز الاستعانة بالمشركين في الحرب.
المذهب الثاني: جواز الاستعانة بهم بشروط لا بد منها.
وهذا هو تفصيل القول فيها وحجج أهلها وما يندرج تحتها من بقية الاختيارات والترجيحات.
المذهب الأول : عدم جواز الاستعانة بالمشركين في الحرب.
ذهب جمعٌ من العلماء –رحمهم الله- إلى تحريم الاستعانة بالكفار على الكفار في الحرب، وهو مذهب المالكية ويستثنون من ذلك أن يكون الكفار خدماً للمسلمين ونحو ذلك مما لا يخرجون فيه عن الذلة الصغار والهون، وهي رواية عن الإمام أحمد، وعنه روايات أخرى يأتي ذكرها إن شاء الله، وكرهه الإمام الشافعي في القديم، وإليه ذهب ابن حزم، وابن المنذر، والجوزجاني، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني[7]، وغيرهم من أهل العلم رحمهم الله جميعاً، واستدلوا لقولهم بعدة أدلة من الكتاب والسنة وهي :
الأول : قوله تعالى : }لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ{[8]، وفي هذا يقول العلامة الألوسي –رحمه الله- : [وحمل الموالاة على ما يعم الاستعانة بهم في الغزو مما ذهب إليه البعض](9)، وحجتهم في ذلك أن مما جاء في سبب نزول هذه الآية ما رواه الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : [أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيبا، وكان له حلفاء من اليهود فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة يا نبي الله إن معي خمسمائة مناليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فأنزل الله تعالى : "لا يتخذ" إلخ](10) ، وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في الآية، كما قال صاحب مراقي السعود :
إلا أن الأمر هنا مبنيٌ على صحة أثر ابن عباس المذكور، أما إدخال الاستعانة بهم في الحرب في عموم النهي الوارد عن اتخاذهم أولياء فلا يبعد القولُ به كما ذكره غير واحد من العلماء في نظير الآية المذكورة.
الثاني : قوله عز وجل :}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {(11)، قال العلامة أبوبكر الجصاص-رحمه الله- : [نهى عن الاستنصار بالمشركين لأن الأولياء هم الأنصار، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين أراد الخروج إلى أحد جاء قوم من اليهود وقالوا نحن نخرج معك فقال : «إنا لا نستعين بمشرك»](12)
وهكذا سائر الآيات التي تنهى عن اتخاذ الكافرين أولياء، وقد استدل عدد من العلماء بها على منع الاستعانة بهم في الغزو وفي غيره مما يتعلق بشؤون المسلمين العامة كالولايات والكتابة، وذلك لما عُلم عنهم من الغش لهم، والسعي في إفساد دينهم ودنياهم، والحرص على كل ما فيه عنتهم ومشقتهم، فاستبطانهم لمثل هذه المضار، وانطواء قلوبهم على هذه الدسائس والخبائث، يمنع من ائتمانهم، ويزجر عن الثقة بهم، والركون إليهم ؛ كما قال الله عز وجل : }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ{(13)، قال الإمام ابن مفلح الحنبلي –رحمه الله- : [قال القاضي أبو يعلى من أئمة أصحابنا : وفي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة ، ولهذا قال الإمام أحمد رضي الله عنه لا يستعين الإمام بأهل الذمة على قتال أهل الحرب](14)
وقال شيخ الإسلام –رحمه الله- بعد سوقه لآيات عدة تنهى عن موالاة الكافرين، وتحذر من موادتهم : [ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات، فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قلت لعمر رضي الله عنه إن لي كاتبا نصرانيا، قال : مالك قاتلك الله ؟! أما سمعت الله يقول : «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض» ؛ ألا اتخذت حنيفا، قال قلت : يا أمير المؤمنين لي كتابته، وله دينه قال : لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله](15)
وأما من السنة :
الأول : عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ: [خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بَدْرٍ. فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ، قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ حِينَ رَأَوْهُ ؛ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ : «تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَ: لاَ. قَالَ: «فَارْجِعْ. فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ». قَالَتْ: ثُمَّ مَضَىٰ ؛ حَتَّىٰ إذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ. فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. قَالَ : «فَارْجِـعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ». قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ. فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ «تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ : «فَانْطَلِقْ».](16)
الثاني :عن خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال : [خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فأتيته أنا ورجل قبل أن نسلم فقلنا : إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا فلا نشهده، قال : أسلمتما ؟، قلنا : لا، قال : «فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين»، فأسلمنا وشهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلت رجلاً وضربني الرجل ضربة فتزوجت ابنته، فكانت تقول : لا عدمت رجلاً وشحك هذا الوشاح، فقلت : لا عدمتِ رجلا أعجل أباك إلى النار](17)
الثالث :عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال : [خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى إذا خلَّف ثنية الوداع نظر وراءه، فإذا كتيبة خشناءقال صلى الله عليه وسلم : من هؤلاء ؟ قالوا : هذا عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه من اليهود من بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، فقال : أوقد أسلموا ؟ قالوا : إنهم على دينهم، قال : «قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين».](18)
الرابع :عن أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللّه ﷺ قال : [لاَ تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ وَلاَ تَنْقُشُوا خَوَاتِيمَكُمْ عَرَبِيًّا](19)
وقد فسر بعضهم الاستضاءة بنار المشركين بأنه استشارتهم في الأمور كما جاء في سنن البيهقي وغيرها عن الأزهر بن راشد البصري قال : كان أنس بن مالك رضي الله عنه يحدث أصحابه، فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو أتوا الحسن ففسر لهم، فحدثهم ذات يوم قال : فذكر الحديث... فأتوا الحسن فقالوا : إن أنساً حدثنا اليوم بحديث لا ندري ما هو، قال وما حدثكم فذكروه، قال : نعم أما قوله : لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا ؛ فإنه يقول لا تنقشوا في خواتيمكم محمداً، وأما قوله : لا تستضيئوا بنار المشركين ؛ فإنه يقول لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل : "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا"]، وفي التاريخ الكبير للإمام البخاري قال الحسن البصري في معنى الحديث : [نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعان بالمشركين على شيء، وأن ينقش في خاتمه اسم محمد]، وقد استبعد الإمام ابن كثير تفسير الاستضاءة بنار المشركين باستشارتهم فقال : [وأما الاستضاءة بنار المشركين فمعناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم وهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود لا تتراءى ناراهما، وفي الحديث الآخر من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله، فَحمْلُ الحديثِ على ما قاله الحسن رحمه الله والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر](20) .
وقال الإمام ابن القيم – رحمه الله - : [وفسر قوله : «لا تستضيئوا بنار المشركين»، يعني : لا تستنصحوهم ولا تستضيئوا برأيهم، والصحيح أن معناه : مباعدتهم وعدم مساكنتهم، كما في الحديث الآخر: «أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين، لا تراآى نارهما» .](21)
وأما الآثار التي وردت بالنهي عن الاستعانة بالمشركين، فبعضها ليس صريحاً ولا خاصاً بأمر الحرب، إلا أن تعميم المنع ليشمل عدم الاستعانة بهم في أمور الحرب قد يعد من باب الأولى، وذلك لشدة خطورتها، وعظم ضررها، وأشهرها ما جاء عن أبي موسى -رضي الله عنه- : [أن عمر رضي الله عنه أمره أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان لأبي موسى كاتب نصراني يرفع إليه ذلك، فعجب عمر رضي الله عنه وقال : إن هذا لحافظ، وقال إن لنا كتابا في المسجد، وكان جاء من الشام فادعه فليقرأ، قال أبو موسى : إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد، فقال عمر رضي الله عنه أجنبٌ هو ؟! قال : لا بل نصراني، قال فانتهرني وضرب فخذي، وقال أخرجه وقرأ : «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين»، قال أبو موسى : والله ما توليته إنما كان يكتب، قال : أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب لك ؟ لا تدنهم إذ أقصاهم الله، ولا تأمنهم إذ أخانهم الله، ولا تعزهم بعد إذ أذلهم الله فأخرجه](22) ، وهكذا كان أئمة المسلمين وأولو الأمر منهم يحتاطون لهم ويصونون أسراراهم، فقد أبعد هذا الكاتب لئلا يطلع على خفايا أمورهم وخبايا شئونهم، وذلك لأن الكتابة شأنها عظيم في الإمارة والسياسة، فأين هذا ممن ألقى حبل الثقة على الغارب مغررا بالمسلمين ومتملقاً للكفرة المجرمين فراح يولي النصارى المناصب ويكل إليهم المهام، ويجعلهم من المرشحين والمنتسبين إلى جماعته الإسلامية.
ومن الآثار أيضاً أن خالداً رضي الله عنه كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : [إن بالشام كاتبا نصرانيا لا يقوم خراج الشام إلا به، فكتب إليه : لا تستعمله، فكتب : إنه لا غنى بنا عنه، فكتب إليه عمر : لا تستعمله، فكتب إليه : إذا لم نوله ضاع المال، فكتب إليه عمر رضي الله عنه : مات النصراني، والسلام](23)
ومن ذلك ما رواه ابن سعد في الطبقات عن أبي هلال الطائي عن أسق قال : [كنت مملوكاً لعمر بن الخطاب وأنا نصراني، فكان يعرض علي الإسلام ويقول إنك لو أسلمت استعنت بك على أمانتي، فإنه لا يحل لي أن أستعين بك على أمانة المسلمين، ولست على دينهم، فأبيت عليه، فقال : «لا إكراه في الدين»، فلما حضرته الوفاة أعتقني وأنا نصراني، وقال اذهب حيث شئت.]
المذهب الثاني : جواز الاستعانة بالمشركين بشروط.
وإليه ذهب الحنفية، والشافعية، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية أيضاً عن الإمام أحمد وذلك عند الحاجة ومع بعض الشروط المتفرقة والتي سنذكرها فيما بعد إن شاء الله، واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية :
الأول :عن ذي مخبر قال : [سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستصالحون الروم صلحا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم](24)
الثاني : عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه : [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه أدراعا يوم حنين فقال أغصب يا محمد ؟ فقال : " لا بل عارية مضمونة"](25)
الثالث : شهود صفوان بن أمية غزوة حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه كان مشركاً، كما جاء في كتب السير وغيرها لما اشتد القتل وظن أهل الريب من القرشيين أن الدائرة ستكون على المسلمين : [صرخ كلدة بن الحنبل : ألا بطل السحر !فقال صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك : اسكت فض الله فاك فوالله لأن يَرُبَّني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن](26)
الرابع : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : [شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الإسلام : «هذا من أهل النار» فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال وكثرت به الجراح، فجاء رجل فقال : يا رسول الله أرأيت الذي تحدثت أنه من أهل النار قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال فكثرت به الجراح، فقال : «أما إنه من أهل النار»، فكاد بعض الناس يرتاب، فبينما هو على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته، فانتزع سهما فانتحر بها، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله صدق الله حديثك، قد انتحر فلان وقتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ! أشهد أني عبد الله ورسوله، يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر](27)
الخامس : ما جاء في قصة الحديبية الطويلة وفيها : [...فبينا هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عَيْبَةَ نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال : إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي نزلوا أعدادا مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين...القصة](28)
السادس : ما رواه الطحاوي عن ثابت بن الحارث الأنصاري، عن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد، فانطلق إلى اليهود الذين كانوا في النضير، فوجد منهم نفرا عند منزلهم، فرحبوا، فقال : «إنا جئناكم لخير، إنا أهل الكتاب، وأنتم أهل الكتاب، وإن لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر، وإنه بلغنا أن أبا سفيان قد أقبل إلينا بجمع من الناس، فإما قاتلتم معنا، أو أعرتمونا سلاحا»](29).
ووجه الدلالة في الحديث ظاهر، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم خيَّر اليهود بين أمرين : إما أن يقاتلوا معه، وإما أن يُعيروه السلاح، وفي هذا استعانة بهم على المشركين في الحالين أعني إعارتهم السلاح أو قتالهم معه، ويكفي في الدلالة على الحكم همُه بالأمر وطلبه منهم، ولو لم يخرجوا معه ويُعينوه، فالحكم الشرعي يثبت من قِبَلِه لا من قِبَلهم.
قال الطاهر بن عاشور وهو يذكر بعض حجج المجوِّزين للاستعانة : [واحتجوا أيضاً بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أنّ أبا سفيان يجمع الجموع ليوم أحد، قال لبني النضير من اليهود : « إنَّا وأنتم أهل كتاب وإنّ لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر فإمّا قاتلتم معنا وإلاّ أعرتمونا السلاح »](30)
السابع :عن ابن عباس قال : [استعان رسول صلى الله عليه وسلم بيهود قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم لهم](31)
وأما الآثار التي استدل بها من جوّز الاستعانة بالكفار في الحرب فمنها :
الأول :عن الحسن بن صالح عن الشيباني : [أن سعد بن مالك رضي الله عنه غزا بقوم من اليهود فرضخ لهم](32)
الثاني : عن جابر قال : [سألت الشعبى عن المسلمين يغزون بأهل الكتاب؟ فقال الشعبى : أدركت الأئمة الفقيه منهم وغير الفقيه يغزون بأهل الذمة فيقسمون لهم، ويضعون عنهم من جزيتهم، فذلك لهم نفل حسن.](33)
الثالث :عن القاسم بن محمد : [أن سلمان بن ربيعة غزا بلنجر فاستعان بناس من المشركين فقال : يحمل أعداء الله على أعداء الله.](34)
هذا مجمل الأدلة التي اطلعت عليها مما اعتُمدت في الاستدلال، سواء من قبل المانعين للاستعانة أو المجوزين لها، وقبل الشروع في مناقشة الأقوال، والنظر فيما يترجح منها، وذِكْرِ طرق العلماء في الجمع والتوفيق بين الأدلة ؛ لا بد أن نذكر هنا الشروط التي نص عليها من جوَّز الاستعانة بالمشركين على المشركين، حتى لا يفهم أحد أن هؤلاء العلماء قد أرخوا الحبل على الغارب فأجازوا الاستعانة بهم مطلقاً وعلى كل حال من غير ضبط ولا ربط ولا قيد، فيَنسِب إليهم من المذاهب والأقوال ما لم يذهبوا إليه أو يقولوا به.
ومجمل هذه الشروط التي سنذكرها مبثوثة ومتفرقة في كتبهم، ومنقولة من خلال عباراتهم، بمعنى أنها ليست مسرودة سرداً واحداً في كتاب من هذه الكتب، وإنما يذكر كل إمامٍ أو فقيه طرفاً منها، وينص على بعضها بحسب ما يقتضيه المقام أو يذهب إليه اجتهاده، فقد تتطابق كلمتهم وتتوافق في التنصيص على شيء من الشروط، وقد ينفرد بعضهم بذكر شروط أخرى لم يأتِ ذكرها عند غيره :
الشرط الأول :أن يكون الكافر الذي يُستعان به حسن الرأي في المسلمين،بمعنى أن لا يكون غاشاً لهم، مدلساً عليهم، حريصاً على إيصال الضرر بهم، وأن يكون ظاهرَ الصدقِ فيما يُشير به من رأي، أو يقوم به من عملٍ، فإن فُقد هذا الشرط فلا يجوز الاستعانة به، لأن في ذلك تغريراً بالمسلمين، وإيقاعهم فيما فيه الإضرار بهم، بل إن المستعين بكافرٍ فاقدٍ لهذا الشرط يُعد من أعظم الغاشين لله ولرسوله وللمؤمنين، وما حاله إلا كحال من يسوق غَنمه إلى مسبعة وهو يَعلم، ويزعم بعد ذلك أنه يحسن رعيها ويحرص على حفظها.
قال الشيرازي الشافعي : [فإن احتاج أن يستعين بهم ؛ فإن لم يكن من يستعين به حسن الرأي فى المسلمين لم نستعن به، لأن ما يخاف من الضرر بحضورهم أكثر مما يرجى من المنفعة، وإن كان حسن الرأي فى المسلمين جاز أن نستعين بهم](35)
وقال الإمام ابن قدامة –رحمه الله- : [ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجزئه الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمَن من المسلمين مثل المخذل، والمرجف، فالكافر أولى.](36)
وقال أيضاً : [فإن دعت حاجة إليه ولم يكن حسن الرأي في المسلمين لم يستعن به أيضاً؛ لأن ما يخشى من ضرره أكثر مما يرجى من نفعه، و إن كان حسن الرأي فيهم جاز](37)
وننبه هنا إلى أن الأصل هو عدم الوثوق في الكفار، وطرحُ الطمئنينة إلى رأيهم، والاستنامة لمشورتهم، وذلك لما يضمرونه لنا من البغضاء والعداوة والحسد، ولما جُبلت عليه نفوسهم الخبيثة من الحرص على إيقاع الضرر بالمسلمين، وتحين الفرص واغتنام الأحوال لذلك، والسعي الدائم لصدهم عن دينهم.
وعليه فلا بد من استصحاب هذا الأصل، والاستمساك به، والتفطن له، وتوطيد النفس عليه، وعدم الاغترار والانجرار وراء ظواهر خداعة، وتمويهات يُلبس بها الكفرة على السذج ليخفوا هذه الحقيقة التي بينها القرآن أيما بيان، وحذَّر المؤمنين من دخائل نفوس أعدائهم أتم تحذير، وكشف لهم ما تنطوي عليه صدورهم من الضغائن والأحقاد، كما قال سبحانه وتعالى : }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ*هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{(38)
قال الإمام السعدي –رحمه الله- في تفسير الآية الأولى : [هذا تحذير من الله لعباده عن ولاية الكفار، واتخاذهم بطانة، أو خصيصة، وأصدقاء يسرون إليهم ويفضون لهم بأسرار المؤمنين، فوضح لعباده المؤمنين الأمور الموجبة للبراءة من اتخاذهم بطانة بأنهم : «لا يألونكم خبالا» أي : هم حريصون غير مقصرين في إيصال الضرر بكم، وقد بدت البغضاء من كلامهم، وفلتات ألسنتهم، وما تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة أكبر مما ظهر لكم من أقوالهم وأفعالهم، فإن كانت لكم فهوم وعقول فقد وضح الله لكم أمرهم](39)
وقال عز وجل : }إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ{(40)، والآيات في هذا كثيرة معلومة.
قال الإمام الشافعي –وهو من القائلين بجواز الاستعانة مع هذا الشرط – بعد أن ذكر كثيراً من صفات المنافقين التي بينها الله عز وجل في كتابه : [فمن شُهِرَ بمثل ما وصف الله تعالى المنافقين لم يحل للإمام أن يدعه يغزو معه، ولم يكن لو غزا معه أن يسهم له ولا يرضخ، لأنه ممن منع الله عز وجل أن يغزو مع المسلمين، لِطلْبَتِه فتنتهم، وتخذيله إياهم، وأن فيهم من يستمع له بالغفلة، والقرابة، والصداقة، وأن هذا قد يكون أضرَ عليهم من كثير من عدوهم، قال : ولما نزل هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن ليخرج بهم أبداً، وإذا حرم الله عز وجل أن يخرج بهم فلا سهم لهم، لو شهدوا القتال، ولا رضخ، ولا شيء، لأنه لم يحرم أن يخرج بأحد غيرهم، ...قال الشافعي : وإن كان مشرك يغزو مع المسلمين، وكان معه في الغزو من يطيعه من مسلم، أو مشرك، وكانت عليه دلائل الهزيمة، والحرص على غلبة المسلمين، وتفريق جماعتهم لم يجز أن يغزو به ،...لأن هذا إذا كان في المنافقين مع استتارهم بالإسلام، كان في المكتشفين في الشرك مثله فيهم، أو أكثر، إذا كانت أفعاله كأفعالهم أو أكثر، ومن كان من المشركين على خلاف هذه الصفة، فكانت فيه منفعة للمسلمين، بدلالة على عورة عدو، أو طريق، أو ضيعة، أو نصيحة للمسلمين، فلا بأس أن يغزى به](41)
وقال الشيخ محماس جلعود في كتابه الموالاة والمعاداة: [فلا يجوز الانخداع بما يظهره الكفار من صداقة وإخلاص حيث إنهم أعداء عقيدة لا ترجى مودتهم، وما يتظاهرون به من صداقة ونصح، فإنما هو لأغراض في أنفسهم، ولمصالحهم الخاصة، وللمكر والوقيعة بالمسلمين كالأفعى ينخدع الجاهل برقبتها ونعومتها وفي فمها السم الزعاف، وهؤلاء الكفار كذلك فإن مبدأهم في التعامل مع المسلمين، أن لا إثم ولا خطيئة عليهم في خيانة المسلمين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، بل يرون ذلك قربة وقصاصًا عما فعله المسلمون بأسلافهم في الشام ومصر والأندلس.
وقد حذرنا الله منهم، وبين لنا مواقفهم منا، ونظرتهم إلينا في التعامل والمعاملة، حتى نكون على بينة في معاملتنا لهم.]
ومع ما ذكرنا من أن الأصل عدم الوثوق في الكفرة، فليس هناك ما يمنع من أن يكون فيهم مؤتمنون يشذون عن هذا الأصل كما قال شيخ الإسلام –رحمه الله - : [فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن، كما قال تعالى : «ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما» ؛ ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال، وجاز أن يستطب المسلم الكافر إذا كان ثقة، نص على ذلك الأئمة كأحمد وغيره ... وهو جائز إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة مثل ولايته على المسلمين، وعلوه عليهم ونحو ذلك](42)
الشرط الثاني :أن يكون حكم الإسلام هو الساري عليهم الجاري فوقهم،فالإسلام يعلو ولا يعلى، ومعنى هذا، أن يكون من يُستعان به من الكفار تحت قهر جيش المسلمين، وتابعاً لهم، وخاضعاً لسطانهم، ومأتمراً بأوامرهم، فلا يكون مساوياً لهم في القوة والعدد والعُدد أحرى أن لا يكون فوقهم وأقوى منهم، وهذا يدل أيضاً على أن تدبير الأمور وتسييسها وتسييرها بيد جيش الإسلام وقادته، ولهم في ذلك تمام الاستقلال، فخططهم وأوامرهم نابعة من محض النظر والاجتهاد والمصلحة الراجحة عندهم، وليس للكفرة المستعان بهم يدٌ في فرض رأي أو إلزام بمشورة أو إصدار لأمر.
قال الإمام ابن عبد البر –رحمه الله- : [وقال الشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم لا بأس بالاستعانة بأهل الشرك على قتال المشركين، إذا كان حكم الإسلام هو الغالب عليهم، وإنما تكره الاستعانة بهم، إذا كان حكم الشرك هو الظاهر](43)
وقال الإمام الشافعي –رحمه الله - : [ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين ؛ وذلك أنهم تحل دماؤهم مقبلين ومدبرين ونياما وكيفما قدر عليهم إذا بلغتهم الدعوة](44)
وقال الطحاوي –رحمه الله- : [قال أصحابنا : لا بأس بالاستعانة بأهل الشرك على قتال المشركين، إذا كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، وإنما يكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك الظاهر، وهو قول الشافعي](45)
وقال أبو المظفر أسعد بن محمد بن الحسين الكرابيسي النيسابوري الحنفي :[يجوز للمسلمين الاستعانة بأهل الذمة على الكفار اذا لم يكن لهم شوكة، ولا يجوز الاستعانة بأهل الذمة اذا كانت لهم شوكة، والفرق أن الشرط في مخالطتهم أن يكونوا تحت قهرنا وحكمنا، فإذا كان فيهم قلة كانوا تحت قهرنا فلم يكن بالاستعانة بهم ضرر بالمسلمين فجازت الاستعانة بهم، وليس كذلك إذا كانت لهم شوكة لأنهم ربما لا يكونون تحت قهرنا، ولا يؤمن أن يخرجوا علينا، ويظهر دينهم وإذا لم يؤمن في الاستعانة بهم الأضرار لا يستعان بهم](46)
ولأن التفريط في هذا الشرط يؤدي إلى جعل سبيلٍ للكافرين على المؤمنين، إما حالاً وإما مآلاً كما سيأتي في الشرط التالي، وأعني بقولي حالاً بأن يتغلب الكفار المستعان بهم على جيش المسلمين ويستقلوا بقوتهم وينفردوا بأحكامهم، ويُخضعوا من معهم من المسلمين لها، ويلزموهم بها، ويكون جيش المسلمين –والعياذ بالله- في حالةٍ من الاضطرار، والانكسار، والضعف، والتبعية، بحيث يعجز أمام حاجته لهم عن الاستقلال بنفسه والانفراد بسلطانه وشوكته، وبهذا تكون يدهم هي الغالبة، وسبيلهم هي الجارية، وكلمتهم هي العالية، ولا مخرج من هذا إلا بعلوِّ يد المسلمين عليهم، وخضوع الكفرةِ وانقيادهم لقيادتهم.
قال الإمام الشوكاني –رحمه الله- : [وقد روي عن الشافعي المنع من الاستعانة بالكفار على المسلمين، لأن في ذلك جعلَ سبيلٍ للكافر على المسلم، وقد قال تعالى :«ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا»، وأجيب بأن السبيل هو اليد، وهي للإمام الذي استعان بالكافر، وشرط بعض أهل العلم - ومنهم الهادوية - أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، إلا حيث يكون مع الإمام جماعة من المسلمين يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية على الذين استعان بهم ليكونوا مغلوبين لا غالبين، كما كان عبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم للقتال وهم كذلك](47)
وقال أيضاً : [وحكى في البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه أنها تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه .](48)
فلا بد إذاً من وضع هذا الشرط الخطير نصب أعين كل من أراد أن يحتج بكلام الفقهاء في هذه المسألة، وأن لا يخادع نفسه ويُضلل جماعته بالتنصل منه والتغاضي عنه، بحجة الحاجة حيناً والضرورة أحياناً، فيرمي جماعته في أحضان دولٍ كافرة كاسرة غادرة ارتماء الطفل الرضيع العاجز في حجر أمه، فيهلك جماعته، ويضيع جهودها، ويحرف مسارها، تحت وطأة ضغط القوانين، وتوالي الشروط من تلك الدول الكافرة، والتحكم في مسيرة جماعته بحسب ما يصب في مصلحة تلك الدول، ويوافق سياساتها الظرفية المتقلبة، فتصبح تلك الجماعة تتقلب بها المصالح، وتصعد وتنزل بين أمواج الشروط، وهي كالقشة الصغيرة في ذلك البحر الخضم المتلاطم، بلا تحكم ولا انضباط، لا تملك من أمرها شيئاً، ثم يزعم قادتها وأمراؤها بعد ذلك كله أن ما يفعلونه لا يتجاوز «الاستعانة بالمشركين على المشركين»، فحذار حذار من التلاعب بكلام الأئمة وتجاوز شروط الفقهاء، ولنحذر أكثر من أن تنسب مزالقنا إليهم ونجعلها مذاهبهم، فيكون الحال كلابس ثوبي زور
[1]-(الأنعام59).
[2] - (النساء82).
[3] - (النجم3- 4).
[4] - (النساء105).
[5] - ( المائدة67).
[6] - متفق عليه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
[7] - للإمام الشوكاني –رحمه الله – في هذه المسألة أقوال : فقد نص في بعض كتبه على أن الاستعانة بالكفار لا تجوز مطلقاً، وفي بعضها استثنى منها حالة الضرورة فقط، وفي بعضها جوزها عند الحاجة.
[8] -(آل عمران : 28).
(9)- (روح المعاني : 3/120).
(10) - انظر (روح المعاني: 3/120)، و( تفسير القرطبي: 4/85 )، و (زاد المسير: 1/371) و، (التفسير الكبير: 8/10)، وقد ذكر الإمام ابن جرير رحمه الله سبباً آخر لنزول الآية حيث روى بسنده عن ابن عباس قال: [كان الحجاجُ بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بَطَنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر بن زَنْبَر، وعبد الله بن جبير، وسعد بن خيثمة، لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم! فأبى أولئك النفر إلا مُباطنتهم ولزومهم، فأنزل الله عز وجل:"لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين" إلى قوله:"والله على كل شيء قدير"] (تفسير الطبري: 6 /314)
(11) – ( المائدة57).
(12) - (أحكام القرآن4/104).
(13) –(آل عمران : 118).
(14) - (الآداب الشرعية : 3/79).
(15) - (اقتضاء الصراط المستقيم : 1/50) ، قلتُ : فأين هذا الاستعلاء الإيماني والاعتزاز العقدي من هوان بعض الجماعات الإسلامية التي ما فتئت تظهر إكرام النصارى الكفرة، وتجعلهم ضمن مرشحيها ليكونوا شركاء لها في مجالس الشرك، كل ذلك تملقاً للغرب الكافر ليمن عليها بشيء من جودِه الديمقراطي، لعلها تنال عندهم لقب الاعتدال والاتزان والوسطية فرضي الله عنك يا عمر!
(16) - رواه مسلم وغيره.
(17) - رواه أحمد، والحاكم وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والطحاوي في مشكل الآثار، والبيهقي، والطبراني في الكبير، وقال الهيثمي في (المجمع 5/303) : رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات، وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند : إسناده ضعيف دون قوله : «فلا نستعين بالمشركين على المشركين» فهو صحيح لغيره.
(18) - أخرجه الحاكم، والبيهقي، والطبراني ، وقال الهيثمي في المجمع : رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وفيه سعد بن المنذر بن أبي حميد ذكره ابن حبان في الثقات فقال : سعد بن أبي حميد فنسبه إلى جده، وبقية رجاله ثقات، وقال الإمام ابن حجر في المطالب العالية : هذا إسناد حسن، وحسنه أيضاً الشيخ الألباني : (السلسلة الصحيحة :1101).
قلت :وفي ذكر بني قينقاع إشكال سيأتي الكلام عليه في موضعه، مع بعض الكلام حول الحديث عموماً.
(19) - أخرجه أحمد، والنسائي، والبيهقي، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع.
(20) - (تفسير ابن كثير : 1/399).
(21) - (أحكام أهل الذمة: 1/71).
(22) - أخرجه البيهقي واللفظ له، وأحمد، وابن أبي حاتم، وصحح شيخ الإسلام إسناده في (مجموع الفتاوى : 25/326)، و(اقتضاء الصراط المستقيم : 1/50).
قلت : وقد يفهم من استدلال عمر رضي الله عنه بآية النهي عن مولاة اليهود والنصارى في هذه الحادثة أن من المولاة ما لا يكون كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وإنما هو معصية من المعاصي، خلافاً لما ذهب إليه بعض المعاصرين من أن المولاة ليس فيها ما هو دون الكفر الأكبر بحال.
(23) - (مجموع الفتاوى28/643) ،وبعضهم يجعل صاحب القصة مع عمر ليس خالداً.
(24) - رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وغيرهم، وصححه الشيخ الألباني في (صحيح الجامع : 5925).
(25) - رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي، وصححه الشيخ الألباني في (السلسلة الصحيحة : 631).
(26) - أخرجه ابن حبان، وأبو يعلى، وقال الهيثمي : ورواه البزار باختصار وفيه ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية أبي يعلى، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد :6/246).
(27) - رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
(28) - أخرجها البخاري وأحمد وغيرهما.
قال الإمام ابن حجر : العوذ : بضم المهملة وسكون الواو بعدها معجمة جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل : الأمهات اللاتي معها أطفالها، يريد أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال، والمراد أنهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم ؛ لإرادة طول المقام ؛ وليكون أدعى إلى عدم الفرار، ويحتمل إرادة المعنى الأعم، قال ابن فارس : كل أنثى إذا وضعت فهي إلى سبعة أيام عائذ والجمع عوذ كأنها سميت بذلك لأنها تعوذ ولدها وتلزم الشغل به. (فتح الباري : 8 / 283).
(29) – (مشكل الآثار : ، وسيأتي كلام طويل متعلق بهذا الحديث إن شاء الله.
(30) - (التحرير والتنوير : 3/79).
(31) - أخرجه البيهقي وقال : تفرد بهذا الحسن بن عمارة وهو متروك ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح(السنن الكبرى : 9/35)، وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - : [قوله روي أنه صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع في بعض الغزوات ورضخ لهم، أبو داود في المراسيل، والترمذي عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه وأسهم لهم والزهري مراسيله ضعيفة](تلخيص الحبير : 4/100).
وقد أرسل إلي بعدُ بعض الفضلاء أن مما يمكن أن يضاف إلى أدلة المجيزين للاستعانة قصة مخيريق اليهودي وهي كما رواها ابن عساكرعن محمد بن بشر بن حميد عن أبيه قال: [سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته بخناصرة سمعت بالمدينة والناس يومئذ بها كثير من مشيخة المهاجرين والأنصار أن حوائط النبي صلى الله عليه وسلم يعني السبعة التي وقف من أموال مخيريق وقال إن أصبت فأموالي لمحمد صلى الله عليه وسلم يضعها حيث أراه الله وقتل يوم أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيريق خير يهود]( تاريخ مدينة دمشق:10/229).
والجواب عن الاستدلال من جهتين : الأولى : الحاجة إلى إثبات صحة الأثر وأن النبي صلى الله عليه وسلم استعان به يوم أحد.
والثانية : أن كثيرا من العلماء ذكروا أن مخيريق ممن أسلم قبل مشاركته في غزوة أحد، فمن هؤلاء العلماء السهيلي حيث يقول : [وقال فيه : مخيريق خير يهود ومخيريق مسلم ولا يجوز أن يقال في مسلم : هو خير النصارى ولا خير اليهود؛ لأن أفعل من كذا إذا أضيف فهو بعض ما أضيف إليه . فإن قيل : وكيف جاز هذا ؟ قلنا : لأنه قال خير يهود ولم يقل خير اليهود ويهود اسم علم كثمود](الروض الأنف1/247)، وقد ذكره ابن حجر في الإصابة وقال : [مخيريق النضري الإسرائيلي من بني النضير ذكر الواقدي أنه أسلم واستشهد بأحد].، وقال النووي رحمه الله : [قال القاضي عياض رضي الله عنه في تفسير صدقات النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في هذه الأحاديث قال صارت إليه بثلاثة حقوق أحدها ما وهب له صلى الله عليه وسلم وذلك وصية مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد وكانت سبع حوائط](شرح النووي على صحيح مسلم: 12/82)،مع أن بعض العلماء نصوا على أنه مات على كفره.
(32) - رواه البيهقي، وابن أبي شيبة، وابن حزم، وسعد بن مالك : هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
(33) – (المحلى : 7 / 334)، ثم قال ابن حزم : والشعبى ولد في أول أيام على وأدرك من بعده من الصحابة رضى الله عنهم، وراه أيضا ابن أبي شيبة.
(34) - أخرجه سعيد بن منصور في سننه : ( 2/331)، وابن أبي شيبة في مصنفه : (7/660)، وذكره ابن حزم بغير إسناد فقال : [وكان سلمان بن ربيعة يستعين بالمشركين على المشركين](المحلى7/33).
قال ياقوت الحموي : بَلنجَرُ: بفتحتين وسكون النون وجيم مفتوحة وراء : مدينة ببلاد الخزَرِ، خلف باب الأبواب، قالوا فتحها عبد الرحمن بن ربيعة. وقال البلاذري : سلمان بن ربيعة الباهلي وتجاوَزَها ولقيه خاقان في جيشه خلف بَلنجَرَ فاستشهد هو وأصحابه وكانوا أربعة آلاف (معجم البلدان : 1 /357).
(35) - (المهذب : 2/230).
(36) - ( المغني : 10/447).
(37) - ( الكافي : 4/122).
(38) – (آل عمران : 118-119).
(39) - (تفسير السعدي : 1/973).
(40) - (الممتحنة : 2).
(41) - (الأم : 4/129)، وما ذكره الإمام الشافعي رحمه الله من الأمور التي قد يكون فيها منفعة للمسلمين كالدلالة على عورات الكفار أو طرق الوصول إليهم ونحو ذلك، قد يفهم منها أن الاستعانة بهم محصورة في خصوص هذه الأمور دون إشراكهم في القتال، وقد ذكرنا من قبل أنه في مذهبه القديم كره الاستعانة بهم كما قال الإمام البيهقي –رحمه الله- : «وقد كره الشافعي في القديم في رواية أبي عبد الرحمن البغدادي عنه الاستعانة بالمشركين» (معرفة السنن والآثار14/287)، إلا أن كلامه في مواطن أخرى وما نقله عنه أهل مذهبه يدل على تجويزه للاستعانة بهم في القتال أيضاً ،كما قال الإمام البيهقي : « ورخص في الجديد بالاستعانة بهم إذا كانت فيهم منفعة للمسلمين، واحتج بخروج صفوان بن أمية معه في غزوة حنين وهو مشرك»، ومن العجيب أن الإمام القرطبي –رحمه الله- قد ذكر أن الصحيح عن المشافعي هو منعه من الاستعانة بالكفار فقال : [وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي](تفسير القرطبي: 6 /224)، ولكن الظاهر أن أهل مذهبه أدرى، أو أنه بنى هذا القول على مذهبه القديم، لانه ذكر في موطن آخر من تفسيره خلاف هذا، فقال : [وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والاوزاعي : لا بأس بذلك إذا كان حكم الاسلام هو الغالب، وإنما تكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو الظاهر](تفسير القرطبي: 8 / 100).. والله أعلم.
(42) - (مجموع الفتاوى : 4/114).
(43) - (التمهيد : 12/35).
(44) - (الأم : 4/219).
(45) - (مختصر اختلاف العلماء : 3/428).
(46) - ( الفروق : 1/319 -320).
(47) - (نيل الأوطار : 12/18).
(48) - (نيل الأوطار : 12/18).
بقلم فضيلة الشيخ المجاهد
أبو يحيى الليبي
حسن قائد
بسم الله الرحمن الرحيم
فأصل هذا البحث جواب عن سؤال ورد إليَّ من بعض المجاهدين المرابطين في أحد الثغور، وفي الابتداء لم يكن العزم على الاستطراد وتتبع بعض جزئيات المسألة والتوسع فيها إلى هذا الحد، غير أني كلما طالعت ما كتبه علماؤنا -رحمهم الله- وجدته أكثر تشعباً وتوسعاً، فاستعنت بالله عز وجل وأطلقت عِنان القلم، وجعلت قصدي الوصول إلى حكمٍ تطمئن إليه النفس وتبرأ به الذمة، من غير اعتبار لطول البحث أو قصره، فكان محط الركاب أبعد مما ظننت، ولولا الاضطرار لما تجشمت صعابه، ولا قطعت سهوله وهضابه، فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه
على أنني راضٍ بأن أحمل الهوى *** وأخلُص منه لا عليَّ ولا ليا.
فلما منَّ الله سبحانه ببلوغ الغاية منه، وحيث بقيتُ زمناً للتأمل والمشاورة في مسائله وترقب ملاحظات بعض العلماء والفضلاء، جاءتني مبشِّرة فكان مما رأيت فيها الإمام الشافعي والإمام النووي – رحمهما الله- ونحن في سيارة من النوع الذي اعتاد المجاهدون على استعماله، وبيدي قلمٌ وورقة فقال لي الإمام الشافعي اكتب، وأصبح يملي عليَّ فقال عن نفسه : إني ذكرتُ أو قررتُ في كتاب كذا عن حكم الاستعانة بالمشركين «وذكر حكماً لم أعد أذكره» ثم قال : وأنا الآن أقول بما قلتَه في كتابك.اهـ.وفي الرؤيا أمور أخرى لم أجد حاجة لذكرها في هذا الموضع.
وقد استبشرت بها خيراً من غير اغترار، فعرضتها على بعض العلماء المؤولين فعبرها تعبيراً حسناً، وهو الذي أشار علي بكتابتها في مقدمة البحث اقتداءً بأئمة أجلة نهجوا هذا النهج فألحقتها بها استجابة لطلبه واتباعاً لمشورته أجزل الله له الأجر والمثوبة ورفع قدره في الدنيا والآخرة.
***
والأمر المقطوع به أن التعارض التام من كل وجه بين الآيات القرآنية أو السنن النبوية الصحيحة أو هي معاً وبصورة لا يمكن الجمع بينها لا يتصور وقوعه بحال من الأحوال ؛ لأن الكل وحيٌ من عند الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والتعارض والتناقض إنما هو من شأن البشر الذين يعرض لهم الجهل والنسيان والغفلة والقصور، وتعالى الله عن هذه النقائص -وعن كل نقص- علواً كبيراً وهو الذي أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً :}وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ[1]{ ولهذا أنكر الله حال الذين يقرءون كتابه المحكم المفصل المتقن المُبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ثم هم مع ذلك كله يتمادون في كفرهم ويصرون على ضلالهم فقال :}أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً{[2]، ووصف سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بأنها وحيٌ يوحى : }وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى{[3]، وقال سبحانه : }إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً {[4]، وقال جل وعز : }يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ{[5]
فالمقصود أن ما قد يتوهم من وقوع تعارض بين الأدلة في هذه المسألة أو غيرها إنما هو من جهة الناظر إليها لا من حيث أصلها، ومن هنا فقد أوجب العلماء على كل من يبحث مسألة أن يستفرغ وسعه في استيعاب أدلتها واستقصائها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وبه يتم له السداد غالباً، ويقل خطؤه عند الترجيح، ويرفع عنه الحرج عند الخطأ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم واجتهد فأخطأ فله أجر][6]والله تعالى أعلم.
أصول الأقوال في مسألة الاستعانة
المذهب الأول : عدم جواز الاستعانة بالمشركين في الحرب.
المذهب الثاني: جواز الاستعانة بهم بشروط لا بد منها.
وهذا هو تفصيل القول فيها وحجج أهلها وما يندرج تحتها من بقية الاختيارات والترجيحات.
المذهب الأول : عدم جواز الاستعانة بالمشركين في الحرب.
ذهب جمعٌ من العلماء –رحمهم الله- إلى تحريم الاستعانة بالكفار على الكفار في الحرب، وهو مذهب المالكية ويستثنون من ذلك أن يكون الكفار خدماً للمسلمين ونحو ذلك مما لا يخرجون فيه عن الذلة الصغار والهون، وهي رواية عن الإمام أحمد، وعنه روايات أخرى يأتي ذكرها إن شاء الله، وكرهه الإمام الشافعي في القديم، وإليه ذهب ابن حزم، وابن المنذر، والجوزجاني، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني[7]، وغيرهم من أهل العلم رحمهم الله جميعاً، واستدلوا لقولهم بعدة أدلة من الكتاب والسنة وهي :
الأول : قوله تعالى : }لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ{[8]، وفي هذا يقول العلامة الألوسي –رحمه الله- : [وحمل الموالاة على ما يعم الاستعانة بهم في الغزو مما ذهب إليه البعض](9)، وحجتهم في ذلك أن مما جاء في سبب نزول هذه الآية ما رواه الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : [أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري وكان بدرياً نقيبا، وكان له حلفاء من اليهود فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال عبادة يا نبي الله إن معي خمسمائة مناليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو فأنزل الله تعالى : "لا يتخذ" إلخ](10) ، وقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في الآية، كما قال صاحب مراقي السعود :
واجزم بإدخال ذوات السبب**واروِ عن الإمام ظناً تُصبِ
الثاني : قوله عز وجل :}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {(11)، قال العلامة أبوبكر الجصاص-رحمه الله- : [نهى عن الاستنصار بالمشركين لأن الأولياء هم الأنصار، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حين أراد الخروج إلى أحد جاء قوم من اليهود وقالوا نحن نخرج معك فقال : «إنا لا نستعين بمشرك»](12)
وهكذا سائر الآيات التي تنهى عن اتخاذ الكافرين أولياء، وقد استدل عدد من العلماء بها على منع الاستعانة بهم في الغزو وفي غيره مما يتعلق بشؤون المسلمين العامة كالولايات والكتابة، وذلك لما عُلم عنهم من الغش لهم، والسعي في إفساد دينهم ودنياهم، والحرص على كل ما فيه عنتهم ومشقتهم، فاستبطانهم لمثل هذه المضار، وانطواء قلوبهم على هذه الدسائس والخبائث، يمنع من ائتمانهم، ويزجر عن الثقة بهم، والركون إليهم ؛ كما قال الله عز وجل : }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ{(13)، قال الإمام ابن مفلح الحنبلي –رحمه الله- : [قال القاضي أبو يعلى من أئمة أصحابنا : وفي هذه الآية دليل على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة ، ولهذا قال الإمام أحمد رضي الله عنه لا يستعين الإمام بأهل الذمة على قتال أهل الحرب](14)
وقال شيخ الإسلام –رحمه الله- بعد سوقه لآيات عدة تنهى عن موالاة الكافرين، وتحذر من موادتهم : [ولهذا كان السلف رضي الله عنهم يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات، فروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قلت لعمر رضي الله عنه إن لي كاتبا نصرانيا، قال : مالك قاتلك الله ؟! أما سمعت الله يقول : «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض» ؛ ألا اتخذت حنيفا، قال قلت : يا أمير المؤمنين لي كتابته، وله دينه قال : لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله](15)
وأما من السنة :
الأول : عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ: [خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بَدْرٍ. فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ، قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ حِينَ رَأَوْهُ ؛ فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ : «تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَ: لاَ. قَالَ: «فَارْجِعْ. فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ». قَالَتْ: ثُمَّ مَضَىٰ ؛ حَتَّىٰ إذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ. فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ. قَالَ : «فَارْجِـعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ». قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ. فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ «تُؤْمِنُ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ : «فَانْطَلِقْ».](16)
الثاني :عن خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال : [خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فأتيته أنا ورجل قبل أن نسلم فقلنا : إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا فلا نشهده، قال : أسلمتما ؟، قلنا : لا، قال : «فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين»، فأسلمنا وشهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلت رجلاً وضربني الرجل ضربة فتزوجت ابنته، فكانت تقول : لا عدمت رجلاً وشحك هذا الوشاح، فقلت : لا عدمتِ رجلا أعجل أباك إلى النار](17)
الثالث :عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال : [خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى إذا خلَّف ثنية الوداع نظر وراءه، فإذا كتيبة خشناءقال صلى الله عليه وسلم : من هؤلاء ؟ قالوا : هذا عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه من اليهود من بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، فقال : أوقد أسلموا ؟ قالوا : إنهم على دينهم، قال : «قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين».](18)
الرابع :عن أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللّه ﷺ قال : [لاَ تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ وَلاَ تَنْقُشُوا خَوَاتِيمَكُمْ عَرَبِيًّا](19)
وقد فسر بعضهم الاستضاءة بنار المشركين بأنه استشارتهم في الأمور كما جاء في سنن البيهقي وغيرها عن الأزهر بن راشد البصري قال : كان أنس بن مالك رضي الله عنه يحدث أصحابه، فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو أتوا الحسن ففسر لهم، فحدثهم ذات يوم قال : فذكر الحديث... فأتوا الحسن فقالوا : إن أنساً حدثنا اليوم بحديث لا ندري ما هو، قال وما حدثكم فذكروه، قال : نعم أما قوله : لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا ؛ فإنه يقول لا تنقشوا في خواتيمكم محمداً، وأما قوله : لا تستضيئوا بنار المشركين ؛ فإنه يقول لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل : "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا"]، وفي التاريخ الكبير للإمام البخاري قال الحسن البصري في معنى الحديث : [نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعان بالمشركين على شيء، وأن ينقش في خاتمه اسم محمد]، وقد استبعد الإمام ابن كثير تفسير الاستضاءة بنار المشركين باستشارتهم فقال : [وأما الاستضاءة بنار المشركين فمعناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم وهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود لا تتراءى ناراهما، وفي الحديث الآخر من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله، فَحمْلُ الحديثِ على ما قاله الحسن رحمه الله والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر](20) .
وقال الإمام ابن القيم – رحمه الله - : [وفسر قوله : «لا تستضيئوا بنار المشركين»، يعني : لا تستنصحوهم ولا تستضيئوا برأيهم، والصحيح أن معناه : مباعدتهم وعدم مساكنتهم، كما في الحديث الآخر: «أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين، لا تراآى نارهما» .](21)
وأما الآثار التي وردت بالنهي عن الاستعانة بالمشركين، فبعضها ليس صريحاً ولا خاصاً بأمر الحرب، إلا أن تعميم المنع ليشمل عدم الاستعانة بهم في أمور الحرب قد يعد من باب الأولى، وذلك لشدة خطورتها، وعظم ضررها، وأشهرها ما جاء عن أبي موسى -رضي الله عنه- : [أن عمر رضي الله عنه أمره أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان لأبي موسى كاتب نصراني يرفع إليه ذلك، فعجب عمر رضي الله عنه وقال : إن هذا لحافظ، وقال إن لنا كتابا في المسجد، وكان جاء من الشام فادعه فليقرأ، قال أبو موسى : إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد، فقال عمر رضي الله عنه أجنبٌ هو ؟! قال : لا بل نصراني، قال فانتهرني وضرب فخذي، وقال أخرجه وقرأ : «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين»، قال أبو موسى : والله ما توليته إنما كان يكتب، قال : أما وجدت في أهل الإسلام من يكتب لك ؟ لا تدنهم إذ أقصاهم الله، ولا تأمنهم إذ أخانهم الله، ولا تعزهم بعد إذ أذلهم الله فأخرجه](22) ، وهكذا كان أئمة المسلمين وأولو الأمر منهم يحتاطون لهم ويصونون أسراراهم، فقد أبعد هذا الكاتب لئلا يطلع على خفايا أمورهم وخبايا شئونهم، وذلك لأن الكتابة شأنها عظيم في الإمارة والسياسة، فأين هذا ممن ألقى حبل الثقة على الغارب مغررا بالمسلمين ومتملقاً للكفرة المجرمين فراح يولي النصارى المناصب ويكل إليهم المهام، ويجعلهم من المرشحين والمنتسبين إلى جماعته الإسلامية.
ومن الآثار أيضاً أن خالداً رضي الله عنه كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : [إن بالشام كاتبا نصرانيا لا يقوم خراج الشام إلا به، فكتب إليه : لا تستعمله، فكتب : إنه لا غنى بنا عنه، فكتب إليه عمر : لا تستعمله، فكتب إليه : إذا لم نوله ضاع المال، فكتب إليه عمر رضي الله عنه : مات النصراني، والسلام](23)
ومن ذلك ما رواه ابن سعد في الطبقات عن أبي هلال الطائي عن أسق قال : [كنت مملوكاً لعمر بن الخطاب وأنا نصراني، فكان يعرض علي الإسلام ويقول إنك لو أسلمت استعنت بك على أمانتي، فإنه لا يحل لي أن أستعين بك على أمانة المسلمين، ولست على دينهم، فأبيت عليه، فقال : «لا إكراه في الدين»، فلما حضرته الوفاة أعتقني وأنا نصراني، وقال اذهب حيث شئت.]
المذهب الثاني : جواز الاستعانة بالمشركين بشروط.
وإليه ذهب الحنفية، والشافعية، وهو رواية عن الإمام مالك، ورواية أيضاً عن الإمام أحمد وذلك عند الحاجة ومع بعض الشروط المتفرقة والتي سنذكرها فيما بعد إن شاء الله، واستدل أصحاب هذا القول بالأدلة التالية :
الأول :عن ذي مخبر قال : [سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستصالحون الروم صلحا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم](24)
الثاني : عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه : [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه أدراعا يوم حنين فقال أغصب يا محمد ؟ فقال : " لا بل عارية مضمونة"](25)
الثالث : شهود صفوان بن أمية غزوة حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه كان مشركاً، كما جاء في كتب السير وغيرها لما اشتد القتل وظن أهل الريب من القرشيين أن الدائرة ستكون على المسلمين : [صرخ كلدة بن الحنبل : ألا بطل السحر !فقال صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك : اسكت فض الله فاك فوالله لأن يَرُبَّني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن](26)
الرابع : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : [شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الإسلام : «هذا من أهل النار» فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال وكثرت به الجراح، فجاء رجل فقال : يا رسول الله أرأيت الذي تحدثت أنه من أهل النار قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال فكثرت به الجراح، فقال : «أما إنه من أهل النار»، فكاد بعض الناس يرتاب، فبينما هو على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح فأهوى بيده إلى كنانته، فانتزع سهما فانتحر بها، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله صدق الله حديثك، قد انتحر فلان وقتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ! أشهد أني عبد الله ورسوله، يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر](27)
الخامس : ما جاء في قصة الحديبية الطويلة وفيها : [...فبينا هم كذلك إذ جاءهم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عَيْبَةَ نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال : إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي نزلوا أعدادا مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين...القصة](28)
السادس : ما رواه الطحاوي عن ثابت بن الحارث الأنصاري، عن بعض من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع أبي سفيان ليخرج إليه يوم أحد، فانطلق إلى اليهود الذين كانوا في النضير، فوجد منهم نفرا عند منزلهم، فرحبوا، فقال : «إنا جئناكم لخير، إنا أهل الكتاب، وأنتم أهل الكتاب، وإن لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر، وإنه بلغنا أن أبا سفيان قد أقبل إلينا بجمع من الناس، فإما قاتلتم معنا، أو أعرتمونا سلاحا»](29).
ووجه الدلالة في الحديث ظاهر، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم خيَّر اليهود بين أمرين : إما أن يقاتلوا معه، وإما أن يُعيروه السلاح، وفي هذا استعانة بهم على المشركين في الحالين أعني إعارتهم السلاح أو قتالهم معه، ويكفي في الدلالة على الحكم همُه بالأمر وطلبه منهم، ولو لم يخرجوا معه ويُعينوه، فالحكم الشرعي يثبت من قِبَلِه لا من قِبَلهم.
قال الطاهر بن عاشور وهو يذكر بعض حجج المجوِّزين للاستعانة : [واحتجوا أيضاً بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أنّ أبا سفيان يجمع الجموع ليوم أحد، قال لبني النضير من اليهود : « إنَّا وأنتم أهل كتاب وإنّ لأهل الكتاب على أهل الكتاب النصر فإمّا قاتلتم معنا وإلاّ أعرتمونا السلاح »](30)
السابع :عن ابن عباس قال : [استعان رسول صلى الله عليه وسلم بيهود قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم لهم](31)
وأما الآثار التي استدل بها من جوّز الاستعانة بالكفار في الحرب فمنها :
الأول :عن الحسن بن صالح عن الشيباني : [أن سعد بن مالك رضي الله عنه غزا بقوم من اليهود فرضخ لهم](32)
الثاني : عن جابر قال : [سألت الشعبى عن المسلمين يغزون بأهل الكتاب؟ فقال الشعبى : أدركت الأئمة الفقيه منهم وغير الفقيه يغزون بأهل الذمة فيقسمون لهم، ويضعون عنهم من جزيتهم، فذلك لهم نفل حسن.](33)
الثالث :عن القاسم بن محمد : [أن سلمان بن ربيعة غزا بلنجر فاستعان بناس من المشركين فقال : يحمل أعداء الله على أعداء الله.](34)
هذا مجمل الأدلة التي اطلعت عليها مما اعتُمدت في الاستدلال، سواء من قبل المانعين للاستعانة أو المجوزين لها، وقبل الشروع في مناقشة الأقوال، والنظر فيما يترجح منها، وذِكْرِ طرق العلماء في الجمع والتوفيق بين الأدلة ؛ لا بد أن نذكر هنا الشروط التي نص عليها من جوَّز الاستعانة بالمشركين على المشركين، حتى لا يفهم أحد أن هؤلاء العلماء قد أرخوا الحبل على الغارب فأجازوا الاستعانة بهم مطلقاً وعلى كل حال من غير ضبط ولا ربط ولا قيد، فيَنسِب إليهم من المذاهب والأقوال ما لم يذهبوا إليه أو يقولوا به.
شروط المجيزين للإستعانة
الشرط الأول :أن يكون الكافر الذي يُستعان به حسن الرأي في المسلمين،بمعنى أن لا يكون غاشاً لهم، مدلساً عليهم، حريصاً على إيصال الضرر بهم، وأن يكون ظاهرَ الصدقِ فيما يُشير به من رأي، أو يقوم به من عملٍ، فإن فُقد هذا الشرط فلا يجوز الاستعانة به، لأن في ذلك تغريراً بالمسلمين، وإيقاعهم فيما فيه الإضرار بهم، بل إن المستعين بكافرٍ فاقدٍ لهذا الشرط يُعد من أعظم الغاشين لله ولرسوله وللمؤمنين، وما حاله إلا كحال من يسوق غَنمه إلى مسبعة وهو يَعلم، ويزعم بعد ذلك أنه يحسن رعيها ويحرص على حفظها.
قال الشيرازي الشافعي : [فإن احتاج أن يستعين بهم ؛ فإن لم يكن من يستعين به حسن الرأي فى المسلمين لم نستعن به، لأن ما يخاف من الضرر بحضورهم أكثر مما يرجى من المنفعة، وإن كان حسن الرأي فى المسلمين جاز أن نستعين بهم](35)
وقال الإمام ابن قدامة –رحمه الله- : [ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجزئه الاستعانة به، لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمَن من المسلمين مثل المخذل، والمرجف، فالكافر أولى.](36)
وقال أيضاً : [فإن دعت حاجة إليه ولم يكن حسن الرأي في المسلمين لم يستعن به أيضاً؛ لأن ما يخشى من ضرره أكثر مما يرجى من نفعه، و إن كان حسن الرأي فيهم جاز](37)
وننبه هنا إلى أن الأصل هو عدم الوثوق في الكفار، وطرحُ الطمئنينة إلى رأيهم، والاستنامة لمشورتهم، وذلك لما يضمرونه لنا من البغضاء والعداوة والحسد، ولما جُبلت عليه نفوسهم الخبيثة من الحرص على إيقاع الضرر بالمسلمين، وتحين الفرص واغتنام الأحوال لذلك، والسعي الدائم لصدهم عن دينهم.
وعليه فلا بد من استصحاب هذا الأصل، والاستمساك به، والتفطن له، وتوطيد النفس عليه، وعدم الاغترار والانجرار وراء ظواهر خداعة، وتمويهات يُلبس بها الكفرة على السذج ليخفوا هذه الحقيقة التي بينها القرآن أيما بيان، وحذَّر المؤمنين من دخائل نفوس أعدائهم أتم تحذير، وكشف لهم ما تنطوي عليه صدورهم من الضغائن والأحقاد، كما قال سبحانه وتعالى : }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ*هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{(38)
قال الإمام السعدي –رحمه الله- في تفسير الآية الأولى : [هذا تحذير من الله لعباده عن ولاية الكفار، واتخاذهم بطانة، أو خصيصة، وأصدقاء يسرون إليهم ويفضون لهم بأسرار المؤمنين، فوضح لعباده المؤمنين الأمور الموجبة للبراءة من اتخاذهم بطانة بأنهم : «لا يألونكم خبالا» أي : هم حريصون غير مقصرين في إيصال الضرر بكم، وقد بدت البغضاء من كلامهم، وفلتات ألسنتهم، وما تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة أكبر مما ظهر لكم من أقوالهم وأفعالهم، فإن كانت لكم فهوم وعقول فقد وضح الله لكم أمرهم](39)
وقال عز وجل : }إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ{(40)، والآيات في هذا كثيرة معلومة.
قال الإمام الشافعي –وهو من القائلين بجواز الاستعانة مع هذا الشرط – بعد أن ذكر كثيراً من صفات المنافقين التي بينها الله عز وجل في كتابه : [فمن شُهِرَ بمثل ما وصف الله تعالى المنافقين لم يحل للإمام أن يدعه يغزو معه، ولم يكن لو غزا معه أن يسهم له ولا يرضخ، لأنه ممن منع الله عز وجل أن يغزو مع المسلمين، لِطلْبَتِه فتنتهم، وتخذيله إياهم، وأن فيهم من يستمع له بالغفلة، والقرابة، والصداقة، وأن هذا قد يكون أضرَ عليهم من كثير من عدوهم، قال : ولما نزل هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن ليخرج بهم أبداً، وإذا حرم الله عز وجل أن يخرج بهم فلا سهم لهم، لو شهدوا القتال، ولا رضخ، ولا شيء، لأنه لم يحرم أن يخرج بأحد غيرهم، ...قال الشافعي : وإن كان مشرك يغزو مع المسلمين، وكان معه في الغزو من يطيعه من مسلم، أو مشرك، وكانت عليه دلائل الهزيمة، والحرص على غلبة المسلمين، وتفريق جماعتهم لم يجز أن يغزو به ،...لأن هذا إذا كان في المنافقين مع استتارهم بالإسلام، كان في المكتشفين في الشرك مثله فيهم، أو أكثر، إذا كانت أفعاله كأفعالهم أو أكثر، ومن كان من المشركين على خلاف هذه الصفة، فكانت فيه منفعة للمسلمين، بدلالة على عورة عدو، أو طريق، أو ضيعة، أو نصيحة للمسلمين، فلا بأس أن يغزى به](41)
وقال الشيخ محماس جلعود في كتابه الموالاة والمعاداة: [فلا يجوز الانخداع بما يظهره الكفار من صداقة وإخلاص حيث إنهم أعداء عقيدة لا ترجى مودتهم، وما يتظاهرون به من صداقة ونصح، فإنما هو لأغراض في أنفسهم، ولمصالحهم الخاصة، وللمكر والوقيعة بالمسلمين كالأفعى ينخدع الجاهل برقبتها ونعومتها وفي فمها السم الزعاف، وهؤلاء الكفار كذلك فإن مبدأهم في التعامل مع المسلمين، أن لا إثم ولا خطيئة عليهم في خيانة المسلمين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، بل يرون ذلك قربة وقصاصًا عما فعله المسلمون بأسلافهم في الشام ومصر والأندلس.
وقد حذرنا الله منهم، وبين لنا مواقفهم منا، ونظرتهم إلينا في التعامل والمعاملة، حتى نكون على بينة في معاملتنا لهم.]
ومع ما ذكرنا من أن الأصل عدم الوثوق في الكفرة، فليس هناك ما يمنع من أن يكون فيهم مؤتمنون يشذون عن هذا الأصل كما قال شيخ الإسلام –رحمه الله - : [فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن، كما قال تعالى : «ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما» ؛ ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال، وجاز أن يستطب المسلم الكافر إذا كان ثقة، نص على ذلك الأئمة كأحمد وغيره ... وهو جائز إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة مثل ولايته على المسلمين، وعلوه عليهم ونحو ذلك](42)
الشرط الثاني :أن يكون حكم الإسلام هو الساري عليهم الجاري فوقهم،فالإسلام يعلو ولا يعلى، ومعنى هذا، أن يكون من يُستعان به من الكفار تحت قهر جيش المسلمين، وتابعاً لهم، وخاضعاً لسطانهم، ومأتمراً بأوامرهم، فلا يكون مساوياً لهم في القوة والعدد والعُدد أحرى أن لا يكون فوقهم وأقوى منهم، وهذا يدل أيضاً على أن تدبير الأمور وتسييسها وتسييرها بيد جيش الإسلام وقادته، ولهم في ذلك تمام الاستقلال، فخططهم وأوامرهم نابعة من محض النظر والاجتهاد والمصلحة الراجحة عندهم، وليس للكفرة المستعان بهم يدٌ في فرض رأي أو إلزام بمشورة أو إصدار لأمر.
قال الإمام ابن عبد البر –رحمه الله- : [وقال الشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم لا بأس بالاستعانة بأهل الشرك على قتال المشركين، إذا كان حكم الإسلام هو الغالب عليهم، وإنما تكره الاستعانة بهم، إذا كان حكم الشرك هو الظاهر](43)
وقال الإمام الشافعي –رحمه الله - : [ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين ؛ وذلك أنهم تحل دماؤهم مقبلين ومدبرين ونياما وكيفما قدر عليهم إذا بلغتهم الدعوة](44)
وقال الطحاوي –رحمه الله- : [قال أصحابنا : لا بأس بالاستعانة بأهل الشرك على قتال المشركين، إذا كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم، وإنما يكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك الظاهر، وهو قول الشافعي](45)
وقال أبو المظفر أسعد بن محمد بن الحسين الكرابيسي النيسابوري الحنفي :[يجوز للمسلمين الاستعانة بأهل الذمة على الكفار اذا لم يكن لهم شوكة، ولا يجوز الاستعانة بأهل الذمة اذا كانت لهم شوكة، والفرق أن الشرط في مخالطتهم أن يكونوا تحت قهرنا وحكمنا، فإذا كان فيهم قلة كانوا تحت قهرنا فلم يكن بالاستعانة بهم ضرر بالمسلمين فجازت الاستعانة بهم، وليس كذلك إذا كانت لهم شوكة لأنهم ربما لا يكونون تحت قهرنا، ولا يؤمن أن يخرجوا علينا، ويظهر دينهم وإذا لم يؤمن في الاستعانة بهم الأضرار لا يستعان بهم](46)
ولأن التفريط في هذا الشرط يؤدي إلى جعل سبيلٍ للكافرين على المؤمنين، إما حالاً وإما مآلاً كما سيأتي في الشرط التالي، وأعني بقولي حالاً بأن يتغلب الكفار المستعان بهم على جيش المسلمين ويستقلوا بقوتهم وينفردوا بأحكامهم، ويُخضعوا من معهم من المسلمين لها، ويلزموهم بها، ويكون جيش المسلمين –والعياذ بالله- في حالةٍ من الاضطرار، والانكسار، والضعف، والتبعية، بحيث يعجز أمام حاجته لهم عن الاستقلال بنفسه والانفراد بسلطانه وشوكته، وبهذا تكون يدهم هي الغالبة، وسبيلهم هي الجارية، وكلمتهم هي العالية، ولا مخرج من هذا إلا بعلوِّ يد المسلمين عليهم، وخضوع الكفرةِ وانقيادهم لقيادتهم.
قال الإمام الشوكاني –رحمه الله- : [وقد روي عن الشافعي المنع من الاستعانة بالكفار على المسلمين، لأن في ذلك جعلَ سبيلٍ للكافر على المسلم، وقد قال تعالى :«ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا»، وأجيب بأن السبيل هو اليد، وهي للإمام الذي استعان بالكافر، وشرط بعض أهل العلم - ومنهم الهادوية - أنها لا تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، إلا حيث يكون مع الإمام جماعة من المسلمين يستقل بهم في إمضاء الأحكام الشرعية على الذين استعان بهم ليكونوا مغلوبين لا غالبين، كما كان عبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم للقتال وهم كذلك](47)
وقال أيضاً : [وحكى في البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه أنها تجوز الاستعانة بالكفار والفساق، حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه .](48)
فلا بد إذاً من وضع هذا الشرط الخطير نصب أعين كل من أراد أن يحتج بكلام الفقهاء في هذه المسألة، وأن لا يخادع نفسه ويُضلل جماعته بالتنصل منه والتغاضي عنه، بحجة الحاجة حيناً والضرورة أحياناً، فيرمي جماعته في أحضان دولٍ كافرة كاسرة غادرة ارتماء الطفل الرضيع العاجز في حجر أمه، فيهلك جماعته، ويضيع جهودها، ويحرف مسارها، تحت وطأة ضغط القوانين، وتوالي الشروط من تلك الدول الكافرة، والتحكم في مسيرة جماعته بحسب ما يصب في مصلحة تلك الدول، ويوافق سياساتها الظرفية المتقلبة، فتصبح تلك الجماعة تتقلب بها المصالح، وتصعد وتنزل بين أمواج الشروط، وهي كالقشة الصغيرة في ذلك البحر الخضم المتلاطم، بلا تحكم ولا انضباط، لا تملك من أمرها شيئاً، ثم يزعم قادتها وأمراؤها بعد ذلك كله أن ما يفعلونه لا يتجاوز «الاستعانة بالمشركين على المشركين»، فحذار حذار من التلاعب بكلام الأئمة وتجاوز شروط الفقهاء، ولنحذر أكثر من أن تنسب مزالقنا إليهم ونجعلها مذاهبهم، فيكون الحال كلابس ثوبي زور
[1]-(الأنعام59).
[2] - (النساء82).
[3] - (النجم3- 4).
[4] - (النساء105).
[5] - ( المائدة67).
[6] - متفق عليه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
[7] - للإمام الشوكاني –رحمه الله – في هذه المسألة أقوال : فقد نص في بعض كتبه على أن الاستعانة بالكفار لا تجوز مطلقاً، وفي بعضها استثنى منها حالة الضرورة فقط، وفي بعضها جوزها عند الحاجة.
[8] -(آل عمران : 28).
(9)- (روح المعاني : 3/120).
(10) - انظر (روح المعاني: 3/120)، و( تفسير القرطبي: 4/85 )، و (زاد المسير: 1/371) و، (التفسير الكبير: 8/10)، وقد ذكر الإمام ابن جرير رحمه الله سبباً آخر لنزول الآية حيث روى بسنده عن ابن عباس قال: [كان الحجاجُ بن عمرو حليف كعب بن الأشرف، وابن أبي الحقيق، وقيس بن زيد، قد بَطَنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر بن زَنْبَر، وعبد الله بن جبير، وسعد بن خيثمة، لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم! فأبى أولئك النفر إلا مُباطنتهم ولزومهم، فأنزل الله عز وجل:"لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين" إلى قوله:"والله على كل شيء قدير"] (تفسير الطبري: 6 /314)
(11) – ( المائدة57).
(12) - (أحكام القرآن4/104).
(13) –(آل عمران : 118).
(14) - (الآداب الشرعية : 3/79).
(15) - (اقتضاء الصراط المستقيم : 1/50) ، قلتُ : فأين هذا الاستعلاء الإيماني والاعتزاز العقدي من هوان بعض الجماعات الإسلامية التي ما فتئت تظهر إكرام النصارى الكفرة، وتجعلهم ضمن مرشحيها ليكونوا شركاء لها في مجالس الشرك، كل ذلك تملقاً للغرب الكافر ليمن عليها بشيء من جودِه الديمقراطي، لعلها تنال عندهم لقب الاعتدال والاتزان والوسطية فرضي الله عنك يا عمر!
(16) - رواه مسلم وغيره.
(17) - رواه أحمد، والحاكم وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والطحاوي في مشكل الآثار، والبيهقي، والطبراني في الكبير، وقال الهيثمي في (المجمع 5/303) : رواه أحمد، والطبراني، ورجال أحمد ثقات، وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند : إسناده ضعيف دون قوله : «فلا نستعين بالمشركين على المشركين» فهو صحيح لغيره.
(18) - أخرجه الحاكم، والبيهقي، والطبراني ، وقال الهيثمي في المجمع : رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وفيه سعد بن المنذر بن أبي حميد ذكره ابن حبان في الثقات فقال : سعد بن أبي حميد فنسبه إلى جده، وبقية رجاله ثقات، وقال الإمام ابن حجر في المطالب العالية : هذا إسناد حسن، وحسنه أيضاً الشيخ الألباني : (السلسلة الصحيحة :1101).
قلت :وفي ذكر بني قينقاع إشكال سيأتي الكلام عليه في موضعه، مع بعض الكلام حول الحديث عموماً.
(19) - أخرجه أحمد، والنسائي، والبيهقي، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع.
(20) - (تفسير ابن كثير : 1/399).
(21) - (أحكام أهل الذمة: 1/71).
(22) - أخرجه البيهقي واللفظ له، وأحمد، وابن أبي حاتم، وصحح شيخ الإسلام إسناده في (مجموع الفتاوى : 25/326)، و(اقتضاء الصراط المستقيم : 1/50).
قلت : وقد يفهم من استدلال عمر رضي الله عنه بآية النهي عن مولاة اليهود والنصارى في هذه الحادثة أن من المولاة ما لا يكون كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وإنما هو معصية من المعاصي، خلافاً لما ذهب إليه بعض المعاصرين من أن المولاة ليس فيها ما هو دون الكفر الأكبر بحال.
(23) - (مجموع الفتاوى28/643) ،وبعضهم يجعل صاحب القصة مع عمر ليس خالداً.
(24) - رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وغيرهم، وصححه الشيخ الألباني في (صحيح الجامع : 5925).
(25) - رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي، وصححه الشيخ الألباني في (السلسلة الصحيحة : 631).
(26) - أخرجه ابن حبان، وأبو يعلى، وقال الهيثمي : ورواه البزار باختصار وفيه ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية أبي يعلى، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد :6/246).
(27) - رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
(28) - أخرجها البخاري وأحمد وغيرهما.
قال الإمام ابن حجر : العوذ : بضم المهملة وسكون الواو بعدها معجمة جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل : الأمهات اللاتي معها أطفالها، يريد أنهم خرجوا معهم بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه، أو كنى بذلك عن النساء معهن الأطفال، والمراد أنهم خرجوا معهم بنسائهم وأولادهم ؛ لإرادة طول المقام ؛ وليكون أدعى إلى عدم الفرار، ويحتمل إرادة المعنى الأعم، قال ابن فارس : كل أنثى إذا وضعت فهي إلى سبعة أيام عائذ والجمع عوذ كأنها سميت بذلك لأنها تعوذ ولدها وتلزم الشغل به. (فتح الباري : 8 / 283).
(29) – (مشكل الآثار : ، وسيأتي كلام طويل متعلق بهذا الحديث إن شاء الله.
(30) - (التحرير والتنوير : 3/79).
(31) - أخرجه البيهقي وقال : تفرد بهذا الحسن بن عمارة وهو متروك ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح(السنن الكبرى : 9/35)، وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - : [قوله روي أنه صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع في بعض الغزوات ورضخ لهم، أبو داود في المراسيل، والترمذي عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بناس من اليهود في حربه وأسهم لهم والزهري مراسيله ضعيفة](تلخيص الحبير : 4/100).
وقد أرسل إلي بعدُ بعض الفضلاء أن مما يمكن أن يضاف إلى أدلة المجيزين للاستعانة قصة مخيريق اليهودي وهي كما رواها ابن عساكرعن محمد بن بشر بن حميد عن أبيه قال: [سمعت عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته بخناصرة سمعت بالمدينة والناس يومئذ بها كثير من مشيخة المهاجرين والأنصار أن حوائط النبي صلى الله عليه وسلم يعني السبعة التي وقف من أموال مخيريق وقال إن أصبت فأموالي لمحمد صلى الله عليه وسلم يضعها حيث أراه الله وقتل يوم أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيريق خير يهود]( تاريخ مدينة دمشق:10/229).
والجواب عن الاستدلال من جهتين : الأولى : الحاجة إلى إثبات صحة الأثر وأن النبي صلى الله عليه وسلم استعان به يوم أحد.
والثانية : أن كثيرا من العلماء ذكروا أن مخيريق ممن أسلم قبل مشاركته في غزوة أحد، فمن هؤلاء العلماء السهيلي حيث يقول : [وقال فيه : مخيريق خير يهود ومخيريق مسلم ولا يجوز أن يقال في مسلم : هو خير النصارى ولا خير اليهود؛ لأن أفعل من كذا إذا أضيف فهو بعض ما أضيف إليه . فإن قيل : وكيف جاز هذا ؟ قلنا : لأنه قال خير يهود ولم يقل خير اليهود ويهود اسم علم كثمود](الروض الأنف1/247)، وقد ذكره ابن حجر في الإصابة وقال : [مخيريق النضري الإسرائيلي من بني النضير ذكر الواقدي أنه أسلم واستشهد بأحد].، وقال النووي رحمه الله : [قال القاضي عياض رضي الله عنه في تفسير صدقات النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في هذه الأحاديث قال صارت إليه بثلاثة حقوق أحدها ما وهب له صلى الله عليه وسلم وذلك وصية مخيريق اليهودي له عند إسلامه يوم أحد وكانت سبع حوائط](شرح النووي على صحيح مسلم: 12/82)،مع أن بعض العلماء نصوا على أنه مات على كفره.
(32) - رواه البيهقي، وابن أبي شيبة، وابن حزم، وسعد بن مالك : هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
(33) – (المحلى : 7 / 334)، ثم قال ابن حزم : والشعبى ولد في أول أيام على وأدرك من بعده من الصحابة رضى الله عنهم، وراه أيضا ابن أبي شيبة.
(34) - أخرجه سعيد بن منصور في سننه : ( 2/331)، وابن أبي شيبة في مصنفه : (7/660)، وذكره ابن حزم بغير إسناد فقال : [وكان سلمان بن ربيعة يستعين بالمشركين على المشركين](المحلى7/33).
قال ياقوت الحموي : بَلنجَرُ: بفتحتين وسكون النون وجيم مفتوحة وراء : مدينة ببلاد الخزَرِ، خلف باب الأبواب، قالوا فتحها عبد الرحمن بن ربيعة. وقال البلاذري : سلمان بن ربيعة الباهلي وتجاوَزَها ولقيه خاقان في جيشه خلف بَلنجَرَ فاستشهد هو وأصحابه وكانوا أربعة آلاف (معجم البلدان : 1 /357).
(35) - (المهذب : 2/230).
(36) - ( المغني : 10/447).
(37) - ( الكافي : 4/122).
(38) – (آل عمران : 118-119).
(39) - (تفسير السعدي : 1/973).
(40) - (الممتحنة : 2).
(41) - (الأم : 4/129)، وما ذكره الإمام الشافعي رحمه الله من الأمور التي قد يكون فيها منفعة للمسلمين كالدلالة على عورات الكفار أو طرق الوصول إليهم ونحو ذلك، قد يفهم منها أن الاستعانة بهم محصورة في خصوص هذه الأمور دون إشراكهم في القتال، وقد ذكرنا من قبل أنه في مذهبه القديم كره الاستعانة بهم كما قال الإمام البيهقي –رحمه الله- : «وقد كره الشافعي في القديم في رواية أبي عبد الرحمن البغدادي عنه الاستعانة بالمشركين» (معرفة السنن والآثار14/287)، إلا أن كلامه في مواطن أخرى وما نقله عنه أهل مذهبه يدل على تجويزه للاستعانة بهم في القتال أيضاً ،كما قال الإمام البيهقي : « ورخص في الجديد بالاستعانة بهم إذا كانت فيهم منفعة للمسلمين، واحتج بخروج صفوان بن أمية معه في غزوة حنين وهو مشرك»، ومن العجيب أن الإمام القرطبي –رحمه الله- قد ذكر أن الصحيح عن المشافعي هو منعه من الاستعانة بالكفار فقال : [وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي](تفسير القرطبي: 6 /224)، ولكن الظاهر أن أهل مذهبه أدرى، أو أنه بنى هذا القول على مذهبه القديم، لانه ذكر في موطن آخر من تفسيره خلاف هذا، فقال : [وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والاوزاعي : لا بأس بذلك إذا كان حكم الاسلام هو الغالب، وإنما تكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو الظاهر](تفسير القرطبي: 8 / 100).. والله أعلم.
(42) - (مجموع الفتاوى : 4/114).
(43) - (التمهيد : 12/35).
(44) - (الأم : 4/219).
(45) - (مختصر اختلاف العلماء : 3/428).
(46) - ( الفروق : 1/319 -320).
(47) - (نيل الأوطار : 12/18).
(48) - (نيل الأوطار : 12/18).
لا إله إلا الله محمد رسول الله
من مواضيعي
0 مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي||/ تقدم /|| : تدمير ناقلة جنود للمرتدين - ولاية د
0 بعد حرب النّجوم: أوباما يخترع حرب المصطلحات
0 بعد حرب النّجوم: أوباما يخترع حرب المصطلحات
0 أبو قتادة
0 الخوارج والحكم بغير ما أنزل الله
0 الكفر بالطاغوت، وما الواجب على كل مسلم تجاه الطواغيت وقوانينهم
0 بعد حرب النّجوم: أوباما يخترع حرب المصطلحات
0 بعد حرب النّجوم: أوباما يخترع حرب المصطلحات
0 أبو قتادة
0 الخوارج والحكم بغير ما أنزل الله
0 الكفر بالطاغوت، وما الواجب على كل مسلم تجاه الطواغيت وقوانينهم









