تحرير مذاهب أهل العلم في حديث النزول
04-06-2009, 10:22 PM
قال العلاّمة علي بن سُلطان محمّد القَارِي [ " مِرقاةُ المَفاتيح " الجزء الثالث صفحة 269 -271 ] :( و عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ينزل ربنا " ) : أي أمره لبعض ملائكته ، أو ينزل مناديه ( تبارك ) كثر خيره و رحمته و آثار جماله (و تعالى ) عن صفات المخلوقين من الطلوع و النزول ، و ارتفع عن سمات الحدوث بكبريائه و عظمته و جلاله .قيل : إنهما جملتان معترضتان بين الفعل و ظرفه ، للتنبيه على التنزيه لئلا يتوهم أن المراد بالاسناد ما هو حقيقته .( كل ليلة إلى السماء الدنيا ) قال ابن حجر : أي ينزل أمره ورحمته أو ملائكته و هذا تأويل الإمام مالك و غيره ، و يدل له الحديث الصحيح : " أن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا ينادي فيقول هل من داع فيستجاب له " الحديث و التأويل الثاني و نسب إلى مالك أيضا أنه على سبيل الاستعارة ، و معناه الاقبال على الداعي بالإجابة و اللطف و الرحمة و قبول المعذرة كما هو عادة الكرماء لا سيما الملوك إذا نزلوا بقرب محتاجين ملهوفين مستضعفين ، قال النووي في شرح مسلم : في هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها مذهبان مشهوران :
فمذهب جمهور السلف ، و بعض المتكلمين : الإيمان بحقيقتها على ما يليق به تعالى و أن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد و لا نتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه الله سبحانه عن سائر سمات الحدوث
و الثاني مذهب أكثر المتكلمين و جماعة من السلف : و هو محكي عن مالك والأوزاعي إنما يتأول على ما يليق بها بحسب بواطنها فعليه الخبر مؤول بتأويلين أي المذكورين بكلامه.
و بكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي و إمام الحرمين و الغزالي و غيرهم من أئمتنا وغيرهم يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر كالمجيء و الصورة و الشخص ، و الرجل و القدم و اليد و الوجه ، و الغضب و الرحمة و الاستواء على العرش ، و الكون في السماء و غير ذلك مما يفهمه ظاهرها لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان ، تستلزم أشياء يحكم بكفرها بالإجماع فاضطر ذلك جميع الخلف و السلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره و إنما اختلفوا هل نصرفه عن ظاهره معتقدين اتصافه سبحانه بما يليق بجلاله و عظمته من غير أن نؤول بشيء آخر و هو مذهب أكثر أهل السلف ، و فيه تأويل اجمالي أو مع تأويله بشيء آخر و هو مذهب أكثر أهل الخلف و هو : تأويل تفصيلي و لم يريدوا بذلك مخالفة السلف الصالح معاذ الله أن يظن بهم ذلك وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم لذلك لكثرة المجسمة والجهمية وغيرهما من فرض الضلال واستيلائهم على عقول العامة ، فقصدوا بذلك ردعهم و بطلان قولهم ، و من ثم اعتذر كثير منهم وقالوا : " لو كنا على ما كان عليه السلف الصالح من صفاء العقائد و عدم المبطلين في زمنهم لم نخض في تأويل شيء من ذلك " ، و قد علمت أن مالكا والأوزاعي و هما من كبار السلف أوّلا الحديث تأويلا تفصيليا و كذلك سفيان الثوري أوّل الاستواء على العرش ، بقصد أمره و نظيره ثم استوى إلى السماء ، أي قصد إليها و منهم الإمام جعفر الصادق بل قال جمع منهم و من الخلف أن : معتقدا لجهة كافر كما صرح به العراقي و قال : إنه قول لأبي حنيفة ، و مالك و الشافعي و الأشعري و الباقلاني ، وقد اتفق سائر الفرق على تأويل نحو : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [ الحديد : 4 ] { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [ المجادلة : 7 ] الآية. { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } [ البقرة : 115 ] . { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق : 16 ] . " و قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمان " ؛ " و الحجر الأسود يمين الله في الأرض " و هذا الاتفاق يبين لك صحة ما اختاره المحققون ، أن الوقف على الراسخون في العلم لا الجلالة قلت : الجمهور على أن الوقف على : { إِلاَّ اللَّهُ } [ آل عمران : 7 ] ؛ و عدوا وقفه وقفاً لازماً و هو الظاهر لأن المراد بالتأويل معناه ، الذي أراده تعالى وهو في الحقيقة لا يعلمه إلا الله جل جلاله و لا إله غيره وكل من تكلم فيه تكلم بحسب ما ظهر له و لم يقدر أحد أن يقول أن هذا التأويل هو مراد الله جزماً ففي التحقيق الخلاف لفظي و لهذا اختار كثيرون من محققي المتأخرين عدم تعيين التأويل في شيء معين من الأشياء التي تليق باللفظ ، و يكلون تعيين المراد بها إلى علمه تعالى و هذا توسط بين المذهبين وتلذذ بين المشربين و اختار ابن دقيق العيد توسطا آخر فقال : إن كان التأويل من المجاز البين الشائع فالحق سلوكه من غير توقف ، أو من المجاز البعيد الشاذ فالحق تركه ، و إن استوى الأمران فالاختلاف في جوازه وعدمه مسألة فقهية اجتهادية و الأمر فيها ليس بالخطر بالنسبة للفريقين . قلت : التوقف فيها لعدم ترجيح أحد الجانبين مع أن التوقف مؤيد بقول السلف و منهم الإمام الأعظم و الله أعلم ، و قال القاضي : المراد بنزوله دنو رحمته و مزيد لطفه على العباد و إجابة دعوتهم ، و قبول معذرتهم ، كما هو ديدن الملوك الكرماء و السادة الرحماء إذا نزلوا بقرب قوم ملهوفين محتاجين مستضعفين ، و قد روي يهبط من السماء العليا إلى السماء الدنيا ، أي ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي الأنفة من الأرذال. و عدم المبالاة و قهر العداة ، و الانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الجمال المقتضية للرأفة ، و الرحمة و قبول المعذر و التلطف بالمحتاج ، و استقراض الحوائج و المساهلة والتخفيف في الأوامر و النواهي و الاغضاء عما يبدو من المعاصي ولهذا قيل هذا : تجل صوري لا نزول حقيقي فارتفع الاشكال و الله أعلم بالحال.انتهى
نقل للأخ عبد الله ياسين
واصْدُقْ في الطّلب تَرِثْ عِلمَ البصائر، وتَبْدُ لك عيونُ المعارف، وتُميّزْ بنَفسِك عِلمَ مايرِدُ عليك بخَالص ِ التوفيق، فإنما السَّبق لمن عَمِلَ، والخشية ُ لمن عَلِمَ ، والتوكلُ لمن وَثِقَ، والخوفُ لمن أيقَنَ ، والمزيدُ لمن شَكَرَ.
((الإمام المحاسبي رحمه الله ))
((الإمام المحاسبي رحمه الله ))
من مواضيعي
0 الانتصار للقرآن لسيف السنة ولسان الأمة أبي بكر الباقلاني
0 سُبحانه سبحانه سبحانهْ
0 موقف القرآن من التجسيم
0 ويتجنب المحدث في أماليه رواية:
0 فتحُ القَيُّومِ الحَيّ بِسَنَدِ الإِمامِ ابنِ خَطِيبِ الرَّيّ
0 كلام عبد المالك رمضاني عن الشيخ أحمد سحنون (طلب)
0 سُبحانه سبحانه سبحانهْ
0 موقف القرآن من التجسيم
0 ويتجنب المحدث في أماليه رواية:
0 فتحُ القَيُّومِ الحَيّ بِسَنَدِ الإِمامِ ابنِ خَطِيبِ الرَّيّ
0 كلام عبد المالك رمضاني عن الشيخ أحمد سحنون (طلب)










