رد: سيد قطب كما قرأته وفهمته للدكتور محمد الحضيف
23-04-2009, 08:50 PM
مراحل الأطوار الفكرية عند سيّد قطب :
الطور الأوّل: طور التيه والضياع الفكري ، وهو من سني الدراسة الثانوية (1925م) إلى سنة (1940م) ، كان هذا الضياع الفكري نتيجة لانتشار الثقافة الغربية وتمكنها من جيل تلك الحقبة ، ولكن سيداً القروي الأصيل لم يسقط في الجانب السلوكي ، وإنما كان هذا التيه فكرياً بحتاً[1] ، وكتب سيد في هذه المرحلة مقالات وكتب عديدة ، وكان ملاصقاً لأستاذه العقّاد منافحاً ومدافعاً عنه ، فأخذ هذا منه جل وقته وغلب على فكره .. ومما ألّف سيد في هذه المرحلة من الكتب :
1-"مهمة الشاعر في الحياة وشعر الجيل الحاضر" : كتبه وهو في السنة الثالثة في الجامعة. (ط 1933م)
2- "الشاطئ المجهول" : وهو ديوان شعر (ط 1935م) ، ولعله يمثل قمة التيه والضياع الذي يظهر واضحاً في كلمات سيّد وتعبيراته ..
3- "نقد كتاب : مستقبل الثقافة في مصر" الذي ألّفه طه حسين. (ط 1939م)
الطور الثاني : الطور الأدبي الإسلامي : بدأ سيّد في هذه المرحلة دراسة القرآن وبعض الدراسات الإسلامية ، وكان في مرحلة التكوين العلمي الشرعي ، وألّف بعض الكتب التي تحتاج إلى إعادة نظر في بعض جوانبها الشرعية ، ولكونه تثقّف بثقافة عصره وقطره : وقع في بعض الأخطاء التي لم يسلم منها مَن كان مثله أو حتى أفضل منه في هذه الجوانب ، ولكن لم تغب عنه في هذه الفترة : الثقافة الأدبية وحب الأدب ، وقد أخرج في هذه الفترة الكتب التالية :
1-"التصوير الفني في القرآن" : وهو أول كتاب له في موضوع إسلامي (ط 1945م) ، وقد قدّم القرآن بأسلوب أدبي رفيع قل نظيره ، وأهداه لوالدته ، رحمهما الله .. يقع الكتاب في (259) صفحة من القطع فوق الصغيرة ، وفي هذا الكتاب عبارات قليلة لا يوافق عليها شرعاً ، ولكن سيداً في هذا الوقت لم يكن كاتباً إسلامياً بالمعنى الذي سيظهر في آخر حياته ، بل حاول في هذا الكتاب دراسة آيات من القرآن دراسة أدبية بحتة باستخراج جماليّاتها وتصويراتها الفنّيّة [2]..
2-"الأطياف الأربعة" : مع حميدة ومحمد وأمينة قطب ، في الأدب (ط 1945م)
3-"طفل من القرية"[3] : وهو تسجيل لحياته في القرية. (ط 1946م) ، وصاغ هذا التسجيل بأسلوب أدبي جميل ..
4-"المدينة المسحورة" : قصة خيالية. (ط 1946م).
5-"كتب وشخصيات" : في النقد الأدبي (ط 1946م).
6-"أشواك" : قصة سيد مع خطيبته ، (ط 1947م)
7-"مشاهد القيامة في القرآن" : (ط 1947م) .. وهو تفسير صغير عجيب لآيات قرآنية موضوعها موضوع الكتاب ، وأهداه سيّد لروح أبيه ، رحمهما الله .. يقع الكتاب في (273) صفحة من القطع الصغيرة ..
8-"روضة الطفل" : قصص للأطفال (ط 1947م)
9-"القصص الديني" : للأطفال (ط 1947م)
10-"الجديد في اللغة" : في مناهج اللغة العربية لطلبة المدارس .
11-"الجديد في المحفوظات" : مثل سابقه ، وكانا من مقررات الوزارة المصرية لطلبة المدارس.
12-"النقد الأدبي أصوله ومناهجه" : (ط 1948م) .. يقع الكتاب في (256) صفحة ..
13-"العدالة الإجتماعية في الإسلام" : (ط 1949م) قبل سفره لأمريكا. وهو أول من أطلق لفظ "العدالة الإجتماعية" بدل "الإشتراكية" التي كان يستخدمها الكُتّاب في عصره للدلالة على موافقة الإسلام للإشتراكية (في نظرهم) ، وانتقده محمود شاكر لإساءته لبعض الصحابة في هذا الكتاب ، وحُذفت فقرات الإساءة في طبعة سنة 1964م في حياة المؤلف (الطبعة السادسة). ، وقيل ان سيّداً تبرأ من هذا الكتاب بعد أن زاد تعمقاً في العلوم الشرعية ، والله أعلم[4] .. ومن قدر الله أن يتوقع سيّد في هذا الكتاب أن تسيطر الشيوعية على العالم ثم يكسرها الإسلام ، ولم يعش سيّد رحمه الله ليرى أن الشيوعية - التي كانت ناراً في هشيم عقول البشرية في وقته - انكسرت على أيدي شباب درسوا وتشبعّوا بفكره ونهلوا من كتبه !! والكتاب فيه من العمق السياسي والبعد النظري والتحليل الإقتصادي ما ينبئ عن ميلاد مفكّر عبقري فذ .. يقع الكتاب في (216) صفحة من القطع المتوسطة ..
ونلاحظ هنا أن سيّداً لم يقتحم التأليف الشرعي في هذه الفترة (من 1945 إلى 1950) بثِقَله ، وذلك لإدراكه بأنه في طور التكوين الشرعي (إن صح التعبير) ، فجل مؤلفاته في هذه الفترة في الأدب ، وختم هذه الفترة بكتاب "العدالة الإجتماعية" ليرد على بعض المفاهيم المكذوبة على الشريعة الإسلامية في عصره بأسلوبه الفذ ، ولكنه صادف بعض النقد الذي ما فتئ كونه سيفاً في يده سلّهُ على أعمال غيره من الأدباء من قبل ..
أدرك سيدٌ أن هذه المعركة ليست أدبية ، فأخذ جانب الحيطة والحذر في كتاباته التالية حتى تمكّن من صقل مواهبه وصقل قدراته ، وحتى فاق أقرانه وأصبح سلاحاً فتّاكاً في وجه أعداء أمّته في زمن يعد قياسيّاً وعجيباً في عالم التأليف !!
وكما أن سيداً أنهى المرحلة السابقة ببيان فضل الإسلام على الشيوعية المتمثلة في القوة الشرقية ، وتعرية النظام الشيوعي وبيان تهالكه وعدم واقعيتة ، فقد استهلّ الطور الثالث : "الطور الإسلامي العملي الحركي" بإشهار سيفه في وجه الرأسمالية الغربية بأسلوب عجيب ، فألّف كتابه القيّم :
1-"معركة الإسلام والرأسمالية" : (ط 1951م) بعد رجوعه من أمريكا ، وقد قال الشيخ أبو الحسن الندوي عن هذا الكتاب وعن مؤلفه "لقد أعجبتني قوة الكاتب وصراحته في هذا الكتاب وإيمانه ، ومن فتوح الإسلام الجديدة أنه يسخّر لرسالته مثل هذا الكاتب الكبير والأديب المثقّف"[5].. والكتاب يقع في (122) صفحة من القطع الصغيرة .. ثم جاءت الكتب تِباعاً :
2-"السلام العالمي والإسلام" : (ط 1951م) ، وهو من أجمل ما تقرأ في بابه ، وقد وكان في آخر هذا الكتاب في الطبعة الأولى فصل بعنوان "الآن" بيّن فيه زيف الإدعاءات الأمريكية ، مما جعل الحكومة الأمريكية تتدخل لدى مصر لحذف الفصل في طبعات الكتاب التالية ، وتمّ ذلك .. وحق على كل من يريد معرفة حقيقة السلام من منظور إيماني أن يقرأ هذا الكتاب العجيب .. الكتاب يقع في (179) صفحة من القطع فوق الصغيرة بقليل ..
3-"في ظلال القرآن" : طبع الجزء الأول سنة 1952م ، وطبع الجزء الأول من الطبعة المنقّحة سنة 1960م ، واستطاع سيد أن ينقّح الكتاب إلى الجزء الثالث عشر عند نهاية سورة إبراهيم ، ثم أُعدم بعدها رحمه الله[6]. ولعله من المناسب التطرق لكتاب "الظلال" بشيء من التفصيل في آخر هذا البحث .. الكتاب بطبعته الشرعية جاء في ستة أجزاء من القطع الكبيرة التي حوت على أكثر من (4000) صفحة ..
4-"دراسات إسلامية" : (35) مقالة إسلامية في نقد مظاهر الفساد والظلم والإنحراف في المجتمع (ط 1953م) ، وقدّم له محب الدين الخطيب ، ولكن حُذفت مقدمته في الطبعات اللاحقة[7] . الكتاب يقع في (250) صفحة من القطع فوق الصغيرة ..
5-"هذا الدين" : أصدره وهو في السجن (ط 1960م). كتبه لإخوانه السجناء ليثبت به فؤادهم ، وبيّن فيه عظمة ديننا وخصائصه التي تفرّد بها ،. والكتاب يقع في (100) صفحة من القطع الصغيرة ..
6-"المستقبل لهذا الدين" : (ط 1960م)، تُرجم هذا الكتاب والذي قبله إلى كثير من لغات العالم. وقد كشف في هذا الكتاب آفات التاريخ النصراني النّكِد ثم أظهر بكل براعة عظمة الإسلام .. والكتاب يقع في (96) صفحة من القطع الصغيرة ..
7-"خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" : وهو كتاب في العقيدة من أجمل ما يكون ، وهو خلاصة عقيدة سيّد رحمه الله الإسلامية في مواضيع كثر الجدال حولها ، وكأن سيّد رحمه الله علِم أنه سيكون من يطعن في عقيدته فألّف هذا الكتاب ليبيّن بكلماته حقيقة معتقده ، وإن كان سيّداً لم يرد هذا ، وإنما أراد تعليم الأجيال حقيقة العقيدة وأهميتها ، (ط 1962م) .. يقع الكتاب في (207) صفحة من القطع فوق الصغيرة بقليل ..
8-"الإسلام ومشكلات الحضارة" : (ط 1962م) ، دخل هذا الكتاب من باب التعريف بكتاب "الإنسان ذلك المجهول" لألكسس كارل ، ثم أتى بما لم يخطر على بال "ألكسس كارل" ولا غيره من الكفار ، فمن انبهر بكتاب ألكسيس فليقرأ هذا الكتاب ليعرف الفرق بين النظرة الفلسفية الغربية المخلصة ، وبين النظرة الإسلامية المعجزة في العمق والوعي .. الكتاب يقع في (199) صفحة من القطع فوق الصغيرة ..
9-"معالم في الطريق" : وهو آخر كتاب صدر في حياة سيد (ط 1964م). وهو من أهم كتب سيد مع كتابه الظلال ، وقد امتَحنَ الطغاةُ الناسَ بسبب هذا الكتاب ، واتخذوه ذريعة لمحاكمة سيد والحكم عليه بالإعدام ، وقد كان بعض تلاميذ سيّد يرجونه ألّا يطبع الكتاب !! فكان يقول لهم "لا بد أن يتم البلاغ" .. فهو الكتاب الذي أعدم صاحبه .. وقد مُنع من التداول والطباعة في وقتنا هذا ، ولكنه موجود في الشبكة العالمية ، ولله الحمد والمنّة .. وهذا الكتاب يمكن أن يقال بأنه خلاصة كتب سيّد الإسلامية ولبّها ، ولذلك أحدث دوياً هائلاً في الأوساط العلمية والشعبية ، وتخطفته الأيدي ، وحفظته القلوب ، ووعته العقول النيّرة .. يقع الكتاب في (202) صفحة من القطع الصغيرة ..
10-"مقومات التصور الإسلامي" : طبع بعد عشرين سنة من وفاته (ط 1986م). وقد كتبه سيد في آخر أيام حياته كما قال أخوه محمد في مقدمة الكتاب ، وقال بأن سيداً كتب آخر الكتاب على أوراق الإدعاء التي أعطيت له قبل المحاكمة !! وهناك فصلان مفقودان من الكتاب ، وهما بعنوان "حقيقة الحياة" و"حقيقة الإنسان"[8] .. والكتاب يتحدّث عن حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية وحقيقة الكون والحياة والإنسان .. يقع الكتاب في (382) صفحة من القطع المتوسطة ..[9]
هذه هي جميع كُتب سيد المطبوعة ، أما ما جُمع ونُسب إليه بعد ذلك فهي : إما مقالات لسيد في بعض المجلات جمعتها دور نشر وأودعتها كتباً ونشرتها بعناوين من عندها ، أو مقتطفات من كتبه – وخاصة الظلال – نشرتها بعض دور نشر بأسماء أخرى ، أو مما نُسب لسيد وليس له حقيقة ، وهذا قليل جداً نظراً لقوة وبلاغة وجمال كتابات سيّد رحمه الله ..
لقد ذكر سيّد بعض الكتب التي هو بصدد تأليفها ، ووعد بإخراج دراسات (في بعض كتبه ومقالاته) وقال بأن بعضها تحت الطبع ، ولكن لم يُطبع من كتبه إلا ما أثبتنا هنا ، وقد قامت الحكومة المصرية (غير مشكورة) بإتلاف أصول هذه الدراسات ، التي منها على سبيل المثال : المجموعة الثانية من "معالم في الطريق" و"في ظلال السيرة" و"تصويبات في الفكر الإسلامي" و"أمريكا التي رأيت"[10] ، وكتب أخرى كثيرة ، فنسأل الله أن يأجرنا في مصيبتها ويخلفنا خيراً منها. ومن حق سيّد على العلماء والأدباء والمثقفين أن تُجمع جميع مقالاته التي كتبها في حياته - في غير كتبه - وتودع في مجلدات على غرار ما فعل بعضهم بمقالات أحمد شاكر ومحمود شاكر رحمهما الله وغيرهما ، وذلك حتى لا يضيع هذا التراث القيّم الذي هو حق للأمة لا ينبغي التفريط فيه ..
الناظر في حياة سيد رحمه الله يرى فيه : الأديب الألمعي ، والناقد الأدبي ، والشاعر الرقيق ، والمفكّر الحر !! كان هذا في بداية حياته[11] ، ثم دخل سيّد عالم القرآن من باب تخصصه ، وأراد أن يُظهر إعجاز القرآن الأدبي وتفوقه على كل عمل بشري ، وذلك أنه في قرارة نفسه مُسلِّم لهذا الكتاب المُعجِز الفصيح المُبين : شأنه في ذلك شأن أبناء الأرياف المصريين المتدينين فطرة ، فبعد أن درس أدب الأدباء وتعرّف على شعر الشعراء وجد أن هذا كله لا يساوي قطرة في بحر آي الله ، وكأنه بتسلّحه بكتاب ربّه أراد أن يقهر جميع خصومه ، فقهره القرآن وأمسك بتلابيب قلبه وقال له "أما آن لك أن تسلِّم يا ابن قطب" !!
ليس مثل سيّد يجهل القرآن وإعجازه ، وليس مثل سيّد تغيب عنه الحِكَم البليغة العظيمة في أحكام هذا الكتاب العظيم ، وبينما هو ينبش في آي القرآن لسيتخرج درره البيانية ويستلهم بلاغاته وتصويراته الفنّيّة : أضاء القرآن قلبه وملك عليه جوارحه ، فكانت رحلته مع القرآن من أعجب الرحلات وأمتعها وأنفعها لنفسه وللمسلمين من بعده ..
زاد الأديب تعمّقاً ، وزاد الناقد نظراً ، وزاد الشاعر رقةً وعذوبةً ورهفة ، وأدرك سيد أن الحياة ليست محصورة في الأمالي والدوايين والمعاجم والمقامات ، وأن وراء هذه الأكمة حياة حقيقية : الواقع فيها أغرب من الخيال ، والصحيح فيها سقيم ، والحق فيها مطموس ، والباطل فيها مستأسد !!
لقد كان سيّد رحمه الله يُطلق على مرحلة ما قبل نضوجه الفكري "مرحلة الجاهلية" ، ويقصد بها بُعده عن الوحي القرآني وانشغاله بسفاهات وتفاها الشرق والغرب الكفري ، وهذا التعبير كان منه لوصف حاله وتيهه بين ركام الأفكار المستوردة ، ثم أعلن عن إسلامه الفكري – بعد أن بلغ مبلغ الرجال - وبعده بقليل "إسلامه العملي" تاركاً ورائه الجاهلية ، موقنا بقول رسول رب البرية صلى الله عليه وسلم "الإسلام يجب ما قبله"[12] ، ولكنه لم يتوقف عند هذا الحديث ، وكأنه أراد أن يستدرك ما فاته من الخير فأعلن الحرب على كل مسخ قاده- وملايين المسلمين معه - إلى ذلك التيه بسلاح القرآن الذي في حده حتف كل باطل وفي نصله شفاء كل داء : سواء كان الباطل في الأفراد أو المجتمعات أو الحكومات أو التكتلات ، وسواء كان فكراً أو عملا ..
لقد خاض سيد في شبابه معارك أدبية كثيرة ضد خصوم كبار في مجال الأدب لم يُهزم فيها ، لأن طبيعة سيد لا تقبل الهزيمة ، وهذه العزيمة وهذا الإصرار جعله رمزاً استثنائياً في حقبة صعبة جداً من تاريخ البشرية عامة ، والتاريخ الإسلامي خاصة ..
لما بدأ سيّد رحمه الله يكتب عن الإسلام ويفنّد مزاعم خصومه ، كان في نفس الوقت يهاجم ويرمي ما يخالفه بسهام النقد الفكري وبروح أدبية عالية نالت إعجاب الجميع ، وكان الناس ينتظرون مقالاته التي تنزل تباعاً في مجلات عدّة لتزرع فيهم روح الإستعلاء القرآني على قاعدة {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وكان الناس يعجبون من ثقة سيّد الشديدة بتراث الأمة الذي كاد أن يضيع تحت آكام الحزن وركام الإنهزامية والهوان المخيّم على المسلمين في تلك الحقبة التي سادت فيها النظريات الشرقية والغربية ، فعمل سيّد على بعث الحقيقة الإسلامية الناصعة في قلوب المسلمين بقوّة الحجة والبيان ليَسمع العالم كلّه دويّ قول الواحد القهّار {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة : 33) ، فأخذ سيّد يصرخ في الأرض ليبلغ صوته شغاف القلوب مصرّاً على أن المستقبل لهذا الدين وأنه ظاهر رغم أنف الكافرين ..
هذه الثقة الكبيرة التي كانت في قلب سيّد - رحمه الله - نقلها إلى قلوب المسلمين في فترة قصيرة من الزمن ، وكانت كلماته الصادقة التي ترجمها بمواقفه الثابتة لها أثر السحر في عقول الناس ، فنال إعجابهم واستحق احترامهم في فترة وجيزة ، وأصبح رمزاً من رموز الأمة وقائداً من قادتها الأفذاذ ..
[1] - لم يكن سيد هو الأول ولن يكون الأخير الذي مر بمرحلة التيه والضياع وعدم الإستقرار الفكري في مشواره الثقافي ، فهذا الشيخ الأديب "محمود محمد شاكر" رحمه الله يذكر في كتابه "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" أنه مر بمرحلة "حيرة زائغة وضلالة مضنية وشكوك ممزقة ..." استمرت لعشر سنوات !! وهذا كثير في العلماء والأدباء ، فهذا الفضيل بن عياض عابد الحرمين كان قاطع طريق يخافه المسافرون ، وبعض كبار علماء الأمة تأثروا بالفلاسفة وعلم الكلام واختلطت عليهم الأمور ولم يرجعوا إلى الحق إلا في أواخر حياتهم ..
[2] - ورغم هذا ، فقد قدّم الشيخ الأديب علي الطنطاوي رحمه الله شهادة لهذا الكتاب ولكاتبه قلما تُعطى من أديب لأحد أقرانه ، فقال رحمه الله : "كتاب التصوير الفني في القرآن فتح والله جديد ، وسيد قطب وقع علي كنز من كنوز القرآن ، كأن الله ادخره له فلم يعط مفتاحه لأحد قبله ، حتى جاء هو ففتحه ..." ، ولعل هذه مبالغة من الشيخ الطنطاوي رحمه الله ، ولكن كلماته تحكي شدة إعجابه - كعالم أديب - بهذا الكتاب القيّم ..
[3] - وقد طبع الكتاب مؤخراً عن طريق "منشورات الجمل" بكولونيا الألمانية في 155 صفحة من القطع المتوسط !! أما طبعته القديمة فهي نادرة جداً ، بل تكاد تكون في حكم المعدوم ..
[4] - جاء ذلك في رسالة أرسلها الشيخ محمد قطب لأحدهم ، وسوف تأتي الرسالة في هامش الكلام عن كتاب "مقومات التصور الإسلامي" ..
[5] - من كتاب "مذكرات سائح في الشرق العربي" لأبي الحسن الندوي ..
[6] - انظر كتب الشيخ صلاح عبد الفتاح الخالدي: "مدخل إلى ظلال القرآن" و"المنهج الحركي في ظلال القرآن" و"في ظلال القرآن في الميزان" ، وأصل هذه الكتب رسالته في الدكتوراة "في ظلال القرآن دراسة وتقويم" ..
[7] - أطلق الشيخ محب الدين على سيد في مقدمته لهذا الكتاب لقب "لسان الدين" وأطلق على أدبه لقب "أدب القوة" وبيّن كيف أن قوة كلمات سيد كانت تُزعج قوى الظلم والطغيان في البلاد . (نقلاً عن كتاب سيد قطب من الميلا إلى الإستشهاد) وقد نقل مقدمة الشيخ محب الدين الكاتب محمد علي قطب في كتابه "سيد قطب ، أو ثورة الفكر الإسلامي" ..
[8] - قال الشيخ محمد قطب في مقدمته لهذا الكتاب: قال لي كثير من الأصدقاء ونحن في فترة الإنتظار [انتظار بسبب البحث عن الجزئين] لماذا لا تكتب أنت الفصلين الناقصين على نسق الفصول الأربعة الموجودة ، وتُخرج الكتاب كاملاً للناس ، وأنت أقرب الناس إلى مؤلفه ، وأولى الناس أن تقوم بهذا العمل من بعده ؟! وكنت أقول دائما ، كما أقول اللحظة : "رحم الله امرءً عرف قدر نفسه" ، وإن معرفتي بقدر نفسي ألا أتعرض لهذا العمل الذي لا أحسنه . فلست أحسن إلا ما أكتبه لنفسي ، وعلى المستوى الذي أكتبه به ، ولست أبلغ مستوى الشقيق ، وخاصة في هذا الكتاب بالذات ، الذي أودعه عصارة تجربته الإيمانية ، كما بلغ فيه قمته التعبيرية ، التي تُعبر عن قضايا غاية في العمق ، في سيولة متدفقة كأنما هي "نشيد" ينشد ، لا "فكرة" تُصاغ !
[9] - قال الشيخ محمد قطب حفظه الله في رسالة لأحد طلبة العلم : سألتني عن كتاب " العدالة الاجتماعية " فأخبرك أن هذا أول كتاب ألفه بعد أن كانت اهتماماته في السابق متجهة إلى الأدب والنقد الأدبي وهذا الكتاب لا يمثل فكره بعد أن نضج تفكيره وصار بحول الله أرسخ قدماً في الإسلام . وهو لم يوصِ بقراءته إنما الكتب التي أوصى بقراءتها قبيل وفاته هي الظلال (وبصفة خاصة الأجزاء الإثنا عشرة الأولى المعادة المنقحة وهي آخر ما كتب من الظلال على وجه التقريب وحرص على أن يودعها فكره كله) معالم في الطريق (ومعظمه مأخوذ من الظلال مع إضافة فصول جديدة) و"هذا الدين" "والمستقبل" "لهذا الدين" ، "خصائص التصور الإسلامي" ، ومقومات التصور الإسلامي (وهو الكتاب الذي نشر بعد وفاته) "والإسلام ومشكلات الحضارة" ، أما الكتب التي أوصى بعدم قراءتها فهي كل ما كتبه قبل الظلال ، ومن بينها " العدالة الاجتماعية ".
[10] - الموجود من هذا الكتاب ليس هو الأصل وإنما هو من جمع الشيخ صلاح الخالدي. الذي جمعها من بعض مقالات ورسائل سيد رحمه الله.
[11] - هذا عدا تفاعله الكبير مع قضايا أمته والقضايا الدولية ، وقد كتب الكثير عن قضايا الأمة في مقالاته المنثورة في المجلات ، ومن أمثلة ذلك قصيدة نشرت في عام 1931هـ بعنوان "إلى البلاد الشقيقة" مخاطباً أهل فلسطين :
تبغون الاستقلال؟ تلك طريقه ... ولقد أخذتم بالطريق فيمّـــموا
وهو الجهاد حـــميّة جشّامة ... ما إن تخاف من الرّدى أو تحجم
إن الخلود لمن يطـيق ميــسَّر ... فليمض طلّاب الخلود ويُقدموا
وطن يُقسَّم للدّخــيل هديــة ... فلا يُحجم بعد ذلك مُحــجم؟
وهو الجهاد حـــميّة جشّامة ... ما إن تخاف من الرّدى أو تحجم
إن الخلود لمن يطـيق ميــسَّر ... فليمض طلّاب الخلود ويُقدموا
وطن يُقسَّم للدّخــيل هديــة ... فلا يُحجم بعد ذلك مُحــجم؟
من مواضيعي
0 عن أوجه التشابه بين ملحمة تركيا.. وغزوة حنين ..!
0 مفاجأة: الساعة .. من علامات الساعة ..!!!
0 التضليل الاعلامي في الحرب على داعش؟/ لعبد العالي رزاقي
0 العقيد (شعباني) في ذكراه الخمسين: بأي ذنب قُتل ..؟!
0 الوهابية في صف من ؟!!
0 سليلة خولة .. عذرا / للشاعر عبد الرحمان بن سانية / متليلي
0 مفاجأة: الساعة .. من علامات الساعة ..!!!
0 التضليل الاعلامي في الحرب على داعش؟/ لعبد العالي رزاقي
0 العقيد (شعباني) في ذكراه الخمسين: بأي ذنب قُتل ..؟!
0 الوهابية في صف من ؟!!
0 سليلة خولة .. عذرا / للشاعر عبد الرحمان بن سانية / متليلي









