هذا الحديث روي بألفاظ مُختلفة...
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في " التَّلْخِيص الْحَبِير فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الرَّافِعِيّ الْكَبِير " :
قَوْلُهُ : { رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أَعْجَمِيَّةٌ أَوْ خَرْسَاءُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ , فَهَلْ يَجْزِي عَنِّي ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا : أَيْنَ اللَّهُ ؟ فَأَشَارَتْ إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ لَهَا : مَنْ أَنَا ؟ فَأَشَارَتْ إلَى أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ , فَقَالَ : اعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ } . مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ , وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ يَقُولُونَ : عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ , وَهُوَ مِنْ أَوْهَامِ مَالِكٍ فِي اسْمِهِ , قَالَ : { أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ فَقُلْت : إنَّ جَارِيَةً لِي كَانَتْ تَرْعَى لِي غَنَمًا , فَجِئْتهَا وَقَدْ أَكَلَ الذِّئْبُ مِنْهَا شَاةً , فَلَطَمَتْ وَجْهَهَا , وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ , أَفَأُعْتِقُهَا ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ , قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ قَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ , قَالَ : فَاعْتِقْهَا }.
وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , عَنْ { رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ جَاءَ بِأَمَةٍ لَهُ سَوْدَاءَ , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَلَيَّ عِتْقَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَإِنْ كُنْت تَرَى هَذِهِ مُؤْمِنَةً أَأَعْتِقُهَا ؟ فَقَالَ لَهَا : أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ , قَالَ : أَتَشْهَدِينَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ , قَالَ : أَتُؤْمِنِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ , قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَاعْتِقْهَا } . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ امْتِحَانِ الْكَافِرِ عِنْدَ إسْلَامِهِ بِالْإِقْرَارِ بِالْبَعْثِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ , وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً , فَقَالَ لَهَا . أَيْنَ اللَّهُ ؟ . فَأَشَارَتْ إلَى السَّمَاءِ بِإِصْبَعِهَا , فَقَالَ لَهَا : فَمَنْ أَنَا ؟ . فَأَشَارَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى السَّمَاءِ - يَعْنِي أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ - فَقَالَ : اعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ } . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ جَدِّي فَذَكَرَهُ , وَ فِي اللَّفْظِ مُخَالَفَةٌ كَثِيرَةٌ , وَسِيَاقُ أَبِي دَاوُد أَقْرَبُ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ , إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ أَنَّهَا خَرْسَاءُ , وَفِي كِتَابِ السُّنَّةِ لِأَبِي أَحْمَدَ الْعَسَّالِ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ : عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ , قَالَ : { جَاءَ حَاطِبٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ لَهُ , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً فَهَلْ يُجْزِئُ هَذِهِ عَنِّي , قَالَ : أَيْنَ رَبُّك ؟ . فَأَشَارَتْ إلَى السَّمَاءِ . فَقَالَ : اعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ } . وَرَوَى أَحْمَدُ , وَأَبُو دَاوُد , وَالنَّسَائِيُّ , وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْد قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّي أَوْصَتْ أَنْ يُعْتَقَ عَنْهَا رَقَبَةٌ , وَعِنْدِي جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ , قَالَ : اُدْعُ بِهَا } . - الْحَدِيثَ - وَفِي الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْمِنْهَالِ وَالْحَكَمِ , عَنْ سَعِيدٍ , عَنْ عَبَّاسٍ : { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً , وَعِنْدِي جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ أَعْجَمِيَّةٌ . . . } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ , وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ . قَوْلُهُ : وَلِأَنَّهُ لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ , هُوَ حَدِيثٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ . قَوْلُهُ : وَالِاعْتِبَارُ بِمُدِّ رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ , وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ , تَقَدَّمَ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ . قَوْلُهُ : وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِعِرْقٍ مِنْ تَمْرٍ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا } . الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ , وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ , فَأُتِيَ بِعِرْقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا , وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ سَلْمَانَ بْنَ صَخْرٍ , فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهِ : وَهُوَ مِكْتَلٌ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ صَاعًا .انتهى
فالحافظ يصرّح بأنّ في لفظ الحديث مُخالفة كثيرة ؛ فتارةً رويَ الحديث بلفظ : " أين الله " و تارةً رويَ بلفظ : "أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ " ممّا يدلُّ على تصرّف الرواة في اللّفظ و هو ما يعرفُ بالحديث المُضطرب...
قال الإمام النووي في " التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير " عند تعريفه للحديث المُضطرب :
المُضطرب : هو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها أو كثرة صحبته المروي عنه أو غير ذلك : فالحكم للراجحة و لا يكون مضطرباً و الإضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعاره بعدم الضبط و يقع في الإسناد تارة و في المتن أخرى و فيهما من راو أو جماعة والله أعلم.انتهى
و الحافظ ليس بدعًا في هذا فقد سبقهُ اليه حفّاظ فطاحل كالحافظ البيهقي و غيره...
ثمّ إنّ الرواية بلفظ " أَتَشْهَدِينَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ " مُوافقة لما تواتر عن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه و سلّم من أنّهُ كان يُسلم النّاس على يديه بالإقرار بالشهادتين و ليس بأنّ الله في السماء ! و كذالك الخلفاء الراشدون و فعل الأمة من بعدهم فلا يزال المسلمون يجاهدون أعداء الله حتى يُقرّوا بالشهادتين و ليس بأنّ الله في السماء !
أمّا عن فهم أئمّة الإسلام للرواية بلفظ " أين الله ؟ " فقد ذكروا أنّ السؤال بـ " أين " كان عن المكانة و ليس عن المكان و لا غروَ في هذا فعلوّ الله مطلق غيرُ مُقيدٍ لا بزمان و لا بمكان و ليس علوّه سبحانهُ علوّاً حسّيًّا فيكون كعلوّ الأجسام لهذا قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح البخاري :
وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْن جِهَتَيْ الْعُلُوّ وَالسُّفَّل مُحَال عَلَى اللَّه أَنْ لَا يُوصَف بِالْعُلُوِّ لِأَنَّ وَصْفه بِالْعُلُوِّ مِنْ جِهَة الْمَعْنَى وَ الْمُسْتَحِيل كَوْن ذَلِكَ مِنْ جِهَة الْحِسّ ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي صِفَته الْعَالِي وَالْعَلِيّ وَالْمُتَعَالِي وَلَمْ يَرِد ضِدّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْء عِلْمًا جَلَّ وَعَزَّ.انتهى
قال قاضي قضاة المالكية الإمام ابن العربي في [ " المَسالك في شرح موطأ مالك " ؛ الجزء السادس صفحة 518 ] عند كلامه عن حديث الجارية :
( فإن قيل ) :
فهل يثبتُ الإيمانُ عندكم بهذه الصّفات التي اعتبرها النبيّ صلى الله عليه و سلّم أم بغيرها ؟
( قُلنا ) :
يثبتُ الإيمان بما أثبتهُ النبيّ صلى الله عليه و سلّم و هي شهادة الحقّ : " لا إله إلاّ الله مُحمّدٌ رسولُ الله " و النبيّ عليه السلام قد اختبر هذا كلّه من حالها ، و علم من حالها أنّها كانت مُتعلقة بمعبودٍ في الأرض ، فأراد أن يقطع علاقة قلبها بكلِّ إلهٍ في الأرض.
( فإن قيل ) :
فقد قال لها : أين الله ؟ و أنتم لا تقولون بالأَيْنِيَّة و المكان ؟!
( قُلنا ) : أما المكان فلا نقول به ، و أمّا السؤال عن الله بأين فنقول بها ، لأنّها عن " المكان " و " المكانة " التي يُسأَل عنه بأين ، و لم يجز أن يُريد المكان لأنّهُ مُحالٌ عليه.
...
وأمّا قولها : " في السّماء ؟ " فإنّها أرادت وَصفهُ بالعلوّ و لذالك يقالُ : فلانٌ في السّماء ، بمعنى : عُلُوَّهُ و شَرَفَهُ. انتهى
فمن أثبت أنّ لفظ " أين " في الحديث هو سؤال عن ((( المكان !!!))) فقد نسب لله ما يليق و قاس وجود الخالق بوجود المخلوق - و هو قياسٌ باطلٌ - و يلزمهُ الإشكال : أين كان الله قبل خلق المكان ؟!!!
و من أثبت أنّ لفظ " أين " في الحديث هو سؤال عن المكانة فقد وافق الصواب و لم يأتِ بالعُجاب و فهمهُ موافقٌ لفهم أولي الألباب.
قال العلامة محمد عليش المالكي في " منح الْجَلِيل شَرْح مُخْتَصَر خَلِيل " :
وَقَوْلُهَا فِي " فِي السَّمَاءِ " أَيْ الْعُلُوِّ وَ الِارْتِفَاعِ الْمَعْنَوِيِّ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَيْنَ اللَّهُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُسْأَلُ عَنْهُ بِأَيْنَ وَلَهُ تَأْوِيلَاتٌ .
وَلِأَبِي الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيِّ عَلَيْهِ كَلَامٌ حَسَنٌ مِنْهُ : السُّؤَالُ بِأَيْنَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ , اثْنَانِ جَائِزَانِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى وَوَاحِدٌ لَا يَجُوزُ :
الْأَوَّلُ : السُّؤَالُ بِقَصْدِ اخْتِبَارِ الْمَسْئُولِ لِمَعْرِفَةِ عِلْمِهِ وَإِيمَانِهِ كَسُؤَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمَةَ .
الثَّانِي : السُّؤَالُ عَنْ مُسْتَقَرِّ مَلَكُوتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَوْضِعِ سُلْطَانِهِ كَعَرْشِهِ وَكُرْسِيِّهِ وَمَلَائِكَتِهِ , كَسُؤَالِ الْقَائِلِ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ خَلْقِهِ الْعَالَمَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ , وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ } . فَهَذَا السُّؤَالُ فِيهِ حَذْفٌ , وَإِنَّمَا سَأَلَ عَنْ مُسْتَقَرِّ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ خَلْقِهِ وَالْعَمَاءُ هُوَ السَّحَابُ . وَإِذَا جَازَ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ إذَايَةِ أَوْلِيَائِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { يُحَارِبُونَ اللَّهَ } وَيُؤْذُونَ اللَّهَ , جَازَ أَنْ يُعَبَّرَ بِاسْمِهِ عَنْ مَلَائِكَتِهِ وَعَرْشِهِ وَسُلْطَانِهِ وَمِلْكِهِ قُلْت هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ . . . الْحَدِيثَ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ , قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : الْعَمَاءُ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ ا هـ وَهَذَا يُغْنِي عَنْ تَأْوِيلِ السُّهَيْلِيِّ .
ثُمَّ قَالَ السُّهَيْلِيُّ :
وَ الثَّالِثُ : السُّؤَالُ بِأَيْنَ عَنْ ذَاتِ رَبِّنَا سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى , فَهَذَا سُؤَالٌ لَا يَجُوزُ وَهُوَ سُؤَالٌ فَاسِدٌ لَا يُجَابُ عَنْهُ سَائِلُهُ , وَإِنَّمَا سَبِيلُ الْمَسْئُولِ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ فَسَادَ السُّؤَالِ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ حِين قِيلَ لَهُ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ فأجاب : الَّذِي أيَّنَ الْأَيْنُ لَا يُقَالُ فِيهِ أَيْنَ ! فَبَيَّنَ لِلسَّائِلِ فَسَادَ سُؤَالِهِ بِأَنَّ الْأَيْنِيَّةَ مَخْلُوقَةٌ , وَ اَلَّذِي خَلَقَهَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ خَلْقِهَا لَا مَحَالَةَ , وَلَا أَيْنِيَّةَ لَهُ , وَصِفَاتُهُ تَعَالَى لَا تَتَغَيَّرُ فَهُوَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ الْأَيْنِيَّةَ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِهَا . وَإِنَّمَا مَثَلُ هَذَا السُّؤَالِ كَمَثَلِ مَنْ سَأَلَ عَنْ لَوْنِ الْعِلْمِ أَوْ عَنْ طَعْمِ الظَّنِّ وَالشَّكِّ , فَيُقَالُ مَنْ عَرَفَ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ ثُمَّ سَأَلَ هَذَا السُّؤَالَ فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ لِأَنَّ اللَّوْنَ وَالطَّعْمَ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ , وَقَدْ سَأَلْت عَنْ جِسْمٍ فَسُؤَالُك مُحَالٌ أَيْ مُتَنَاقِضٌ.انتهى
لهذا قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم :
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيْنَ اللَّه ؟ قَالَتْ فِي السَّمَاء قَالَ : مَنْ أَنَا ؟ قَالَتْ : أَنْتَ رَسُول اللَّه قَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَة )
هَذَا الْحَدِيث مِنْ أَحَادِيث الصِّفَات , وَفِيهَا مَذْهَبَانِ تَقَدَّمَ ذِكْرهمَا مَرَّات فِي كِتَاب الْإِيمَان :
أَحَدهمَا : الْإِيمَان بِهِ مِنْ غَيْر خَوْض فِي مَعْنَاهُ , مَعَ اِعْتِقَاد أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَتَنْزِيهه عَنْ سِمَات الْمَخْلُوقَات .
وَالثَّانِي : تَأْوِيله بِمَا يَلِيق بِهِ , فَمَنْ قَالَ بِهَذَا قَالَ : كَانَ الْمُرَاد اِمْتِحَانهَا , هَلْ هِيَ مُوَحِّدَة تُقِرّ بِأَنَّ الْخَالِق الْمُدَبِّر الْفَعَّال هُوَ اللَّه وَحْده , وَهُوَ الَّذِي إِذَا دَعَاهُ الدَّاعِي اِسْتَقْبَلَ السَّمَاء كَمَا إِذَا صَلَّى الْمُصَلِّي اِسْتَقْبَلَ الْكَعْبَة ؟ وَلَيْسَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مُنْحَصِر فِي السَّمَاء كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِي جِهَة الْكَعْبَة , بَلْ ذَلِكَ لِأَنَّ السَّمَاء قِبْلَة الدَّاعِينَ , كَمَا أَنَّ الْكَعْبَة قِبْلَة الْمُصَلِّينَ , أَوْ هِيَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان الْعَابِدِينَ لِلْأَوْثَانِ الَّتِي بَيْن أَيْدِيهمْ , فَلَمَّا قَالَتْ : فِي السَّمَاء , عَلِمَ أَنَّهَا مُوَحِّدَة وَلَيْسَتْ عَابِدَة لِلْأَوْثَانِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : لَا خِلَاف بَيْن الْمُسْلِمِينَ قَاطِبَة فَقِيههمْ وَمُحَدِّثهمْ وَمُتَكَلِّمهمْ وَنُظَّارهمْ وَمُقَلِّدهمْ أَنَّ الظَّوَاهِر الْوَارِدَة بِذِكْرِ اللَّه تَعَالَى فِي السَّمَاء كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء أَنْ يَخْسِف بِكُمْ الْأَرْض } وَنَحْوه لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرهَا , بَلْ مُتَأَوَّلَة عِنْد جَمِيعهمْ.انتهى
و ليُتدبّر جيّداً كلام الإمام السهيلي الذي ذكرَ آنفًا فإنّهُ جدُّ نفيس و قد تناقل كلامه رحمه الله أئمّة كثُر منهم الإمام محمد الخضر الجكني الشنقيطي مفتي المالكية بالمدينة المنورة كما تجدهُ في كتابه الماتع " استحالة المعيّة بالذّات و ما يضاهيها من متشابه الصّفات ".
|