مناقشة شمس الدين في هجومه على العلماء
وإذا كان "شمس الدين" هذا هو موقفه من أحد علماء السنة المشهود له بالعلم والفضل، فلا تتعجب إذا رأيته يمدح علماء التأويل ويصفهم بالربانيين والإصلاحيين وخذ لذلك مثال:
ورد في جريدة الخبر اليومية في رُكن "شموع من بلادي" وكان المقال عبارة عن ترجمة لرجل وصفه شمس الدّين بـ"الإمام العلامة" و"من العلماء الأعلام المُصلحين في النّصف الأوّل من القرن العشرين" اسمُ هذا الشيخ كما هو مُدوّنٌ في أعلى المقال "محمّد الحفناوي بديار" وبعد أن أطنَبَ شمس الدين في مدح هذا الشيخ قال: وقد عرّف الإمام الحفناوي نفسه في دفتر يومياته فقال: "مالكيُّ المذهب، أشعري العقيدة، خَلْوَتيُّ الطريقة" ثمّ انتقل شمس الدّين إلى ذكر مؤلّفات هذا الإمام الطرقي الأشعري فقال: "وله مخطوط سمّاهُ "تشويقُ المُحبّين"، تحدّث في الباب الرابع منه عن الفرق الضالّة كالمُعتزلة والقدرية والجبرية والحَشَويّة والباطنية والحلولية وأثنَى على أهل السنّة" ومن المعلوم عند كلّ ذي لبّ أنّ المقصود بأهل السنّة هنا هم "الأشاعرة المؤوّلة" ولا يتبادر إلى ذهنك ولو للحظة أنّه بكلامه هذا يقصد "أهل الحديث والأثر" من أمثال سعيد بن المسيّب وسعيد بن جُبير والأئمّة الأربعة والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والبخاري ومسلم والرازيَين وابن عبد البر وابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم كثير، فهؤلاء كلّهم عند هذا الشيخ "الحفناوي بديار" و"شمس الدين بوروبي" من"الحشوية الضالين".
معنى الحشوية:
الحشو من الكلام: الفضل الذي لا يُعتَمَد عليه. وكذلك هو من الناس، فحشوة الناس: رذالتهم.
معنى هذا أنّ حشو الناس هم رذالتهم أو الذين لا قيمة لهم، واسم الحشوية "ليس هو اسماً لطائفة معينة لها رئيس قال مقالة فاتبعته، كالجهمية، والكلابيّة، والأشعريّة، ولا اسماً لقولٍ معين من قاله كان كذلك. والطائفة إنما تتميز بذكر قولها، أو بذكر رئيسها"
فلفظ الحشوية إذا أطلقته المعتزلة فهي تعني به كل من قال بالصفات وأثبت القدر، وإذا أطلقته الرافضة فإنها تعني بذلك الجمهور أو كل من قال بحب الصحابة وترضَّى عنهم، وإذا أطلق هذا اللفظ القرامطة الباطنية فهم يعنون بذلك كل من اعتقد صحة ظاهر الشريعة، فمن قال عندهم بموجب الصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحج البيت، وتحريم الفواحش والمظالم والشرك ونحو ذلك، سمّوه حشوياً، وإذا أطلقته الفلاسفة فإنها تعني به كلّ من أقرّ بالمعاد الجسمي والنعيم الحسّي. وإذا أطلقته الأشاعرة فإنها تعني به كلّ من قال بالصفات، فمن أثبت الصفات التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله من دون تحريف أو تأويل أو تشبيه سَمَّوهُ حشويًّا، وإذا ذكر هذا اللفظ ذلك المدعو "شمس الدين" "مفتي الجرائد" فإنه يعني بذلك ما تعنيه الأشاعرة بالتمام والكمال، فكلّ من أثبت الصفات قال عنه حشوي، ولكنّه لا يستطيع أن يرمي بهذا اللفظ علماء الجزائر الممثلين لجمعية علماء المسلمين الجزائريين فقد قال رئيسهم الإمام عبد الحميد ابن باديس رحمه الله في عقيدته "نثبتُ لله تعالى ما أثبته لنفسه على لسان رسوله، من ذاته، وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، وننتهي عند ذلك، ولا نزيد عليه، وننزهه في ذلك عن مماثلة أو مشابهة شيء من مخلوقاته، ونثبت الاستواء والنزول ونحوهما، ونؤمن بحقيقتهما على ما يليق به تعالى بلا كيف، وبأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد".
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة قال العلامة ابن عبد البر المالكي رحمه الله "أهل السنّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلّها في القرآن والسنّة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلاّ أنّهم لا يكيّفون شيئا من ذلك، ولا يجحدون فيه صفة محصورة.
وأمّا أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلّهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أنّ من أقرّ بها مشبّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود والحقّ فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنّة رسوله، وهم أئمة الجماعة والحمد لله".
هذا... "ولم يتورّع أهل الباطل في إطلاق مختلف الأسماء الذميمة والألقاب الباطلة على أهل الحق ليُنَفّروا الناس عنهم وعن عقيدتهم الصافية، وهو نفس المسلك الذي كان عليه المشركون تجاه النبي حيث أطلقوا عليه أنه ساحر شاعر مجنون....إلخ
ورغم تلك الدعايات الكاذبة ضد الرسول وضد أنصاره وأتباعه فإن الحق بقي دائما يتلألأ فوق رؤوسهم ويجذب الناس إليهم زرافات ووحدانا وبقي أهل الباطل وأهله في تقهقر وذلة.
وسوف لا يزال الأمر كذلك، ولأهل السنة أسوة برسول الله وما دام وقد ظهر فضل أهل السنة واضحا جليا فإنّ ذامّهم يدل على نقصه على حدّ ما قيل:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأنّي فاضل
كما أنّ سبّ الصالحين بغير ذنب فيه زيادة لهم في الأجر وفيه رفع لدرجاتهم عند الله تعالى وقد تلمس المخالفون للسلف حججا واهية وأقوالا كاذبة لفقوها ضد السلف وجاؤوا إلى أحسن الصفات عند السلف وجعلوها ذمًّا لهم وصدق من قال:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
ولهذا فقد أصبح من علامات أهل البدع سبّهم لأهل السنة والتشهير بهم واختراع الألقاب الباطلة لهم، بل لم يقف نبز أهل الباطل لأهل السنة فحسب بل تعدوا في باطلهم إلى نبز رب العالمين من حيث يشعرون أو لا يشعرون، ذلك أنّ الله تعالى حينما أطلق على نفسه صفات وأوصافا تمدّح بها فإذا بأهل الأهواء يخترعون لها مفاهيم وأسماء باطلة شنيعة تنفّر من يسمعها من اعتقادها إذا لم يكن بمعرفة بأباطيلهم.
قال أبو عبد الله الحاكم النيسابوري "وعلى هذا عهدنا في أسفارنا وأوطاننا: كلُّ من يُنسب إلى نوع من الإلحاد والبدع لا يَنظُر إلى الطائفة المنصورة إلا بعين الحقارة، ويسميها الحشوية ...".
وقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني في اعتقاده المشهور "وعلامة أهل البدع شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم واحتقارهم لهم وتسميتهم إياهم "حشوية" و"جهلة" و"ظاهرية" و"مشبهة".
وقال الإمام أبي حاتم الرّازي رحمه الله "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل السنة حشوية، يريدون إبطال الآثار".
وقال الكرمي رحمه الله "فالروافض تسمي أهل السنة نواصب، والقدرية يسمونهم مجبرة، والمرجئة يسمونهم شكاكا، والجهمية يسمونهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حشوية، والمتصوفة يسمونهم محجوبين كما كانت قريش تسمي النبي صلى الله عليه وسلم تارة مجنونا وتارة شاعرا وتارة كاهنا وتارة مفتريا وهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة".
وقال الشيخ حمد بن ناصر عند ذكره لأهل الحديث "قد اشتهر عنهم إثبات الصفات ونفي التكييفات، فمذهبهم بين الناس مشهور، وفي كتبهم مسطور، وكلامهم في هذا الباب أشهر من أن يذكر، وأكثر من أن يسطر، ولهذا كان أهل البدع يسمونهم الحشوية لأنهم قد أبطلوا التأويل واتبعوا ظاهر التنزيل وخالفوا أهل البدع والتأويل".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينا أوّل من أطلق هذا الاسم"هذا اللفظ أول من ابتدعه المعتزلة، فإنهم يسمون الجماعة والسواد الأعظم الحشو، كما تسميهم الرافضة الجمهور، وحشو الناس هم عموم الناس وجمهورهم، وهم غير الأعيان المتميزين، يقولون هذا من حشو الناس، كما يقال هذا من جمهورهم، وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد وقال، كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه حشويا فالمعتزلة سموا الجماعة حشوا كما تسميهم الرافضة الجمهور".
وقال أيضا رحمه الله "أوّل من عُرف أنّه تكلّم في الإسلام بهذا اللفظ: عمرو بن عبيد رئيس المعتزلة، فقيههم وعابدهم، فإنّه ذُكر له عن ابن عمر شيء يُخالف قوله فقال: كان ابن عمر حشوياً؛ نسبه إلى الحشو، وهم العامّة والجمهور".
معنى الوهابية:
اعلم أن هذا اللفظ يُطلقه أهل البدع والأهواء ويريدون بذلك أتباع الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله، وهذا خطأ واضح، لأنّ أتباعه إن كانوا حقيقة ينتسبون إليه ـ وهو غير صحيح ـ فينبغي تسميتهم باسمه وليس باسم أبيه، والشيخ محمد هو بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي صاحب الدعوة المشهورة.
قال الشيخ العلامة الألوسي رحمه الله "وكان الشيخ محمد من بيت علم في نواحي نجد. وكان أبوه الشيخ (عبد الوهاب) عالما فقيها على مذهب الإمام أحمد وكان قاضيا .. وله معرفة تامة بالحديث والفقه وغيرهما وله أسئلة وأجوبة. وكان والد عبد الوهاب (الشيخ سليمان) عالما فقيها بل أعلم علماء نجد في عصره، وله اليد الطولى في العلم، وانتهت إليه رياسة العلم في نجد، صنّف ودرس وأفتى، إلاّ أنّ (الشيخ محمد) لم يكن على طريقة أبيه وجدّه، بل كان شديد التعصّب للسنة، كثير الإنكار على من خالف الحق من العلماء" لذلك فكلّ من أطلق على أتباعه اسم الوهابية فهو مخطئ لأنهم أتباعه وليسوا أتباع أبيه، قال الألوسي رحمه الله "وخصومهم يسمون أتباعه (الوهابية) وهذه النسبة ليست بصحيحة والنسبة في الحقيقة إنما هي إلى "الشيخ محمد" لأنه هو الذي دعا الناس إلى ترك ما كانوا عليه من البدع والأهواء، ونَصَرَ السنة وأمر بإتباعها، وقد خالف أباه فيما كان عليه وجرت بينهما مناظرات"، وقال العلامة محمد حامد الفقي رحمه الله "الوهابية نسبة إلى الإمام المصلح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مجدّد القرن الثاني عشر، وهي نسبة على غير القياس العربي. والصحيح أن يقال "المحمدية" إذ أن اسم صاحب هذه الدعوة والقائم بها هو "محمد" لا "عبد الوهاب" " ثمّ إنّ الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يأتي بشيء جديد حتى يُنسب إليه، بل دعوته هي دعوة أهل السنة والجماعة وهذا ما صرح به في غير ما موضع حيث قال رحمه الله "لست ولله الحمد أدعوا إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعوا إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أول أمته وآخرهم وأرجوا أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي حاشا رسول الله صلى الله عليه فإنه لا يقول إلا الحق".
وقال أيضا رحمه الله "أُُشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم: أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله سبحانه وتعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا أٌلحد في أسمائه وآياته، ولا أكيّف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه ؛ لأنه تعالى لا سمي له، ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه". قال العلامة محمد حامد الفقي رحمه الله وهو يصف الوهابية "وإنهم لحنابلة متعصبون لمذهب الإمام أحمد في فروعه ككلّ أتباع المذاهب الأخرى، فهم لا يدّعون، لا بالقول ولا بالكتابة أنّ الشيخ ابن عبد الوهاب أتى بمذهب جديد، ولا اخترع علماً غير ما كان عند السلف الصالح، وإنّما كان عمله وجهاده لإحياء العمل بالدين الصحيح وإرجاع الناس إلى ما قرّره القرآن في توحيد الإلهية والعبادة لله وحده ذلاّ، وخضوعا، ودعاء، ونذرا وحلفا، وتوكلاً، وطاعة لشرائعه.
وفي توحيد الأسماء والصفات، فيؤمن بآياتها كما وردت، لا يحرّف ولا يؤوّل، ولا يشبّه، ولا يمثّل، على ما ورد في لفظ القرآن العربي المبين، وما جاء عن الرسول وما كان عليه الصحابة وتابعوهم والأئمّة المهتدون، من السلف والخلف رضوان الله عليهم، في كلّ ذلك، أنّ تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله لا يتمّ على وجهه الصحيح إلاّ بهذا".
ولبيان هذه المسألة جيداً يقول العلامة عبد المحسن العباد "وأهل السنّة والجماعة هم المتّبعون لما كان عليه رسول الله وأصحابه، ونسبتهم إلى سنّة الرسول التي حثّ على التمسّك بها بقوله "فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجد"، وحذّر من مخالفتها بقوله "وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة" وقوله " فمن رغب عن سنّتي فليس منّي"، وهذا بخلاف غيرهم من أهل الأهواء والبدع، الذين سلكوا مسالك لم يكن عليها الرّسول وأصحابه، فأهل السنّة ظهرت عقيدتهم بظهور بعثته، وأهل الأهواء ولدت عقيدتهم بعد زمنه، منها ما كان في آخر عهد الصحابة ومنها ما كان بعد ذلك، والرّسول أخبر أنّ من عاش من أصحابه سيدرك هذا التفرّق والاختلاف فقال "وإنّه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا" ثمّ أرشد إلى سلوك الصراط المستقيم وهو اتباع سنّته وسنة الخلفاء الراشدين، وحذّر من محدثات الأمور، وأخبر أنّها ضلال، وليس من المعقول ولا المنقول أن يحجب حقّ وهدى عن الصحابة رضي الله عنهم ويدخّر