الحكم الإسلامي على ساب أمهات المؤمنين الطاهرات
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد :
إن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن داخلات في عموم الصحابة
رضي الله عنهم ، لأنهن منهم ، و كل ما جاء في تحريم سب الصحابة
من آيات قرآنية و أحاديث نبوية فإن ذلك يشملهن ،
و لما لهن من المنزلة العظيمة و قوة قرابتهن من سيد الخلق
صلى الله عليه وسلم ، ولم يغفل أهل العلم عن حكم سابهن و عقوبته ،
بل بينوا ذلك أوضح بيان في أقوالهم المأثورة و مؤلفاتهم المختلفة .
أقول : إن أهل العلم من أهل السنة والجماعة أجمعوا قاطبة على أن
من طعن في عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه وبما رماها به
المنافقون من الإفك فإنه كافر مكذب بما ذكره الله في كتابه
من إخباره ببراءتها وطهارتها ، و قالوا إنه يجب قتله .
و قد ساق أبو محمد بن حزم الظاهري بإسناده إلى هشام بن عمار
قال : سمعت مالك بن أنس يقول من سب أبا بكر و عمر جلد ،
و من سب عائشة قتل ، قيل له : لم يقتل في عائشة ؟ قال :
لأن الله تعالى يقول في عائشة رضي الله عنها
{يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين }،
قال مالك فمن رماها فقد خالف القرآن ، و من خالف القرآن قتل .
قال أبو محمد رحمه الله : قول مالك هانا صحيح و هي ردة تامة
و تكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها.(1)
و حكى أبو الحسن الصقلي أن القاضي أبا بكر الطيب قال :
إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون
سبح نفسه لنفسه ، كقوله {و قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه }،
و ذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال
{ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك } ،
سبح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبح نفسه في تبرئته من السوء ،
و هذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة ،
ومعنى هذا و الله أعلم أن الله لما عظم سبها كما عظم سبه
وكان سبها سباً لنبيه ، و قرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى ،
وكان حكم مؤذيه تعالى القتل ، كان مؤذي نبيه كذلك.(2)
و قال أبو بكر بن العربي : إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة
بالفاحشة فبرأها الله ، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله ،
و من كذب الله فهو كافر ، فهذا طريق قول مالك ،
و هي سبيل لائحة لأهل البصائر ولو أن رجلاً سب عائشة بغير
ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب .(3)
و ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعض الوقائع التي قتل فيها
من رماها رضي الله عنها بما برأها الله منه ، حيث يقول :
و قال أبو بكر بن زياد النيسابوري : سمعت القاسم بن محمد
يقول لإسماعيل بن إسحاق أتى المأمون بالرقة برجلين شتم
أحدهما فاطمة و الآخر عائشة ، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة
و ترك الآخر ، فقال إسماعيل : ما حكمهما إلا أن يقتلا
لأن الذي شتم عائشة رد القرآن .
قال شيخ الإسلام : وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم
من أهل البيت وغيرهم .
قال أبو السائب القاضي : كنت يوماً بحضرة الحسن بن زيد الدعي
بطبرستان ، و كان بحضرته رجل فذكر عائشة
بذكر قبيح من الفاحشة ، فقال : يا غلام اضرب عنقه ، فقال له العلويون :
هذا رجل من شيعتنا ، فقال : معاذ الله إن هذا رجل طعن على
النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى
{ الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات ، والطيبات للطيبين
و الطيبون للطيبات ، أولئك مبرءون مما يقولون ، لهم مغفرة و رزق كريم