اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة علي قسورة الإبراهيمي
... / ...
بسم الله الرحمن الرحيم
ولأواصل ما وعدتُ به، بعد أن تخلل المقال بعض التوقف، كان يُراد به الإتجاه في منحى آخر لجدال لا أحسنه، ولم أدرسه ولا حتى أطلعتُ عليه.
أتوكل على ثم أقول:
وحتى نخرج من كل الإشكالات.
ذهب أهل الفكر وقالوا لنفرض جدلاً أن هناك مفهوم جديد ـــ كما يدعيه أدعياء السلفية ـــ ومحصلّته أن مصطلح " السلف " لهُ مفهومان؛ مفهوم أو تعريف زمني تاريخي ومفهوم أو تعريف منهجي، أي أن هناك " سلفية زمنية "، وسلفية منهجية"
فالسلفية الزمنية:
هم أصحاب القرون الأولى من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ــــ رضوان الله عليه جميعًا ـــ الذين أتبعوا الكتاب والسنة، بشرط ألا يدخل معهم من خالف الكتاب والسنة من أهل الأهواء.
( فمن خالف رأيه الكتاب والسنة فليس بسلفيٍّ وإن عاش بين أظهر الصحابة والتابعين)
كما جاء في " لومع الأنوار البهية" للسفاريني الحنبلي، ومن أراد التعمق أكثر فليعود إليه.
كما أنه إضافة إلى الرعيل الأول أقوال من قال:
( لا يعني هذا حصر مذهب السلف في هؤلاء، لأنّ كلّ من قال بقولهم فهو على السلف وإن تأخر)
وهذا ما قال به ابن تيمية في " موقف ابن تيمية من الاشاعرة " لمؤلفه عبد الرحمن بن صالح بن صالح المحمود ومن يريد أن يتأكد من ذلك فليعود إليه.
والسلفية المنهجية:
"هم من سار على منهج السلف الصالح وسلك دربهم، فالسلفية صار يُقصد بها من هو على طريقة الرعيل الأول ومن يقتدون بهم، ولم يعد محصورًا في إطار تاريخي معين"
كما جاء في كتاب: " منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل لمؤلفه/ جابر إدريس علي أمير.
وعلى ضوء المفهومين بنى قال أدعياء السلفية: أن ابن تيمية قصد بالسلفية المنهجية، فلا يعترض عليه بأن السلف تعبير عن مدة زمنية، وأهل السنة تعبير عن منهج، لأن السلف أيضا له إطلاق زمني وإطلاق منهجي، وهذا ما يدندن به أدعياء السلفية.
وهنا وقفة .. وكأني بهم يشهرون ثم يظهرون للناس أنّ من ينقد ــــ ( أقول ينقد، ولم يأتِ في كلامي ينتقد، يظهر أن حتى بعضهم عندما شغل فكره وهمه بفرض ما برأسه، اهمل حتى فقه العربية وبيان مفرداتها) ـــــ السلفية يأتيك من يقول " هناك سلفية منهجية " كذلك.
وكأن الآخر قال أو يقول أمورًا أخرى.
مع أن أهل العلم قالوا: أن أهل السنة والجماعة يطلق على السلف كما يطلق على الخلف، ولا فرق بينهما ما دام كل واحد منهج كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ألا يعني هذا أن ما ذهب غيرهم من أدعياء السلفية الذين قالوا ـــــ بما فيهم ابن تيمية نفسه :
أن السلفَ كانوا على هدى، والخلف كانوا على ضلال.
وليت من يريد أن يظهر مذهب أو معتقده أن يقبل بالاحتكام إلى الكتاب والسنة وجعل ذلك هما المعيار والمقياس ولا شيء غيرهما، فمن وافقهما فهو على حق
وما الاسماء فليست هي " نياشين ولا حتى صكوك غفران"، ومن خالف الكتاب والسنة فهو على باطل، حتى وإن تسمى بـ " السلفي "
بل أن من أهل العلم من قال: إنّ العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالقوالب والمصلطحات والمباني.
والصحيح الذي يقول به العقلاء من طلبة العلم في دور العلم
أنه النظر إلى خلق الله من المسلمين وتقسيمهم إلى موافق للكتاب والسنة ومخالف لهما، يكون من السهولة بمكان أن يكون هناك إثبات أن أحدًا ما أو فرقة من الفرق توافق أو تخالف الكتاب والسنة.
وليست هناك عصمة لأحدٍ كان من كان إلاّ المعصوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما غيره فهو يصيب ويخطئ
وعلى ضوء هذا يجب أن يكون البحث أو النقاش والمناظرة والحجج.
ولا شيء غير هذا.
اللهم أجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه... آمين
... يتبع
|
تعقيبات على مقال: "تحليل السلفية ونقدها بداية من منبعها (5)
أستاذنا الفاضل علي قسورة الإبراهيمي..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
حفظك الله تعالى من كل سوء..ووفقك لكل خير..
أحمد الله تعالى أن آبت إليك نفسك..وسكت عنك الغضب..ومضيت في الجدال الذي تحسنه..
لدي تعقيبات على ما تفضلت به، أعرضها عليك وعلى المتابعين لهذا الموضوع في النقاط التالية:
المعيار الزمني والمعيار المنهجي لضبط مفهوم السلف ومنهجهم..أهما متضاربان؟
أضع بين يدي المتابعين ما ذكره عبد الرحمن المحمود (1) في كتابه: "موقف ابن تيمية من الأشاعرة" بنصه، لما رأيت الأستاذ يحيل عليه، ويناقش أطروحته في مفهوم "للسلفية"، قال (ص39-41):
"...ومما ينبغي ملاحظته أنا إذا أردنا أن نبين القول الصحيح في تحديد من هم الذين يصدق علهم اسم السلف، تبرز بعض الملاحظات والاعتراضات:
أ) فمثلا: حين نقول: إن السلف هم الصحابة والتابعون والتابعون لهم للحديث الوارد: " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم.. " ، يرد الاعتراض بأن التفرق والاختلاف نشأ في عهد هؤلاء، فالخوارج والشيعة والقدرية وجدوا في عهد الصحابة، وكذا بقية الفرق بعد هؤلاء بقليل، فهل وجود هؤلاء في هذه الفترة الزمنية التى هي خير القرون يعطيهم صفة السلفية المفضلة؟، وإذا كان الجواب قطعا بالنفي فلابد من التقييد لمثل هذا الإطلاق في تحديد من هم السلف بحيث لا يقتصر على التحديد الزمني فقط.
ب) وكذلك حينما يقال: إن السلف هم الذين يعتمدون في أقوالهم على الكتاب والسنة، يبرز اعتراض خلاصته: من الذي يعتمد عليه في فهم الكتاب والسنة؟ خاصة وأن الفرق كلها تدعي الاعتماد على القرآن والسنة؟، فالإطلاق هكذا يحتاج إلى بيان وإيضاح.
ج-) وكذلك حين يحصر البعض مذهب السلف! بالأئمة الأربعة:
أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فمن كان قبل هؤلاء من الصحابة والتابعين أليسوا أوفى بوصف السلف!؟.
لذلك لابد من التحديد الدقيق للتعريف بالسلف بحيث يشمل:
أولا: التحديد الزمني: ليشمل الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان، وهذا لبيان المنطلق والبداية لمذهب السلف، وفائدة هذا التحديد الرجوع إلى أقوال رجال هذا الزمن وإلى فهمهم عند الاختلاف الذي قد ينشأ فيمن بعدهم. وهذه مسألة مهمة جدا؟ إذ الخلاف الحاصل بعد القرون المفضلة بين من يتمسك بمذهب السلف ومن عداهم من أهل الأهواء والبدع لا يمكن حسمه إلا بالاتفاق على مثل هذا التحديد التاريخي ليحتكم إلى إجماعهم- إذا أجمعوا- أو أقوالهم، أو فهمهم للنصوص.
ولا يعني هذا حصر مذهب السلف في هؤلاء، لأن كل من قال بقولهم فهو على السلف وإن تأخر.
ثانيا: ثم يأتي بعد ذلك بيان أن الفهم والمنطلق يجب أن يكون بما يوافق الكتاب والسنة، فمن ابتدع في أمر من الأمور واتخذ لبدعته منهاجا خاصا، لا يكون قوله قولا للسلف، ولو كان هذا في القرون الأولى، لأن وجوده في هذا الزمن لا يكفي للحكم عليه بأنه سائر على مذهب السلف.
ثالثا: بعد ظهور الافتراق يصبح مدلول " السلف " منطبقا على من حافظ " على العقيدة والمنهج الإسلامي، طبقا لفهم الأوائل الذين تلقفوه جيلا بعد جيل "، فمن سار على طريقة الصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، الذين اتبعوا ولم يبتدعوا فهو سائر على مذهب السلف، وهو أيضا بالنسبة لمن بعده من السلف.
والخلاصة أن مصطلح السلف صار له مدلولان:
* مدلول خاص: وهذا ينطق على مذهب الصحابة والتابعين، والتابعين لهم بإحسان، ممن لم يبتدعوا، وهذا فيه حصر تاريخي.
* ومدلول أعم: يشمل ما بعد هذه القرون المفضلة، وهذا شامل لكل من سار على طريقة ومنهج خير القرون، والتزم النصوص والفهم الذي فهموه." ا.هـ
وهذا الكلام غاية في التحرير، وبالغ مبلغه في "الجمع" والمنع" في حد "السلف" و"مذهبهم"=السلفية!
فـ"السلف" له مفهومان، خاص، ويقصد به أهل القرون الثلاثة المفضلة (معيار زمني!) ممن سلم من التغيير والتبديل والابتداع (معيار منهجي!)، وهذا المفهوم الخاص هو الأصل والمنطلق لمذهب السلف (السلفية).
ومفهوم عام، يقترب من المعنى اللغوى، وينسف فيه المعيار الزمني (المضيق)، وتبقى فيه القبلية المستفادة لغة فحسب، لكن يتأكد فيه المعيار المنهجي، وهو هنا الثبات على مذهب السلف (بالمعنى الخاص)، فهذا المفهوم هو كالفرع للمفهوم الخاص والتابع له.
فعلام يتخذ تعدد المعايير والقيود..مُذهبا لإحكام الحدود؟ وهل كل إيراد أورد على حد يضبط مفهوما يعتبر ويعبأ به؟ ...
فالمعياران –إذن- مترافقان متضافران..لا متناقضان متضاربان..والله أعلم.
من "الخلف" الذين يوصفون بالضلال؟
إذا اتفقنا أن الكلام في هذا الشأن عن المعنى الاصطلاحي للسلف (لا المعنى اللغوي)، فلنتفق –إذن- أننا نتكلم عن المعنى الاصطلاحي "للخلف" لا عن المعنى اللغوي، فإن "الخلف" (مثل السلف) من جهة اللغة، لا يقيد بهدى وضلال.
فإن فقهنا أن "الخلف" -في هذا الباب- هم من جُعلوا أندادا "للسلف" (اصطلاحا)، وأن "الخلفية" هي المنهج الذي اتخذ مضاهاة "للسلفية"..فحينئذ يُعلم وجه إقحام هذا المصطلح في هذا النقاش.
ونظير ذلك لفظة "الأقدمين" و"القدامى" والأوائل"..التي تراها في بعض كتب الفِرَق والتراجم..يوصف فلان أنه على مذهب القدامى...أو "اتهم" بأنه على عقيدة الأقدمين..والقدامى يقصد بهم بهذا "الاصطلاح" الفلاسفة الأوائل..لا مجرد القدم والأولية..أريت كيف يلحق الذم والمدح بالألفاظ إذا نقلت من عرف إلى عرف..وعلى هذا فليحرر معنى "الخلف" في هذا المضمار..وليفهم وجه "تضليل" من "ضللهم".
ألقاب تتنازعها الفرق..كيف يُحكم بينها؟
وما من فرقة من الفرق إلا وتدعي أنها على حق، وتتسمى بالأسماء الشريفة، وتتنازع الألقاب المزكية لاسيما ما جاء لفظه في الكتاب والسنة، سواء في ذلك الأشعرية والمعتزلة والخوارج والشيعة و..السلفية..ونقادها!
فالأشعرية وأهل الكلام عموما يسمون أنفسهم "أهل السنة والجماعة"
والمعتزلة يسمون أنفسهم "أهل العدل والتوحيد"
والخوارج يسمون أنفسهم "الشراة" والإباضية منهم يسمون أنفسهم "أهل الاستقامة" والدروز يسمون أنفسهم "الموحدين"
وأتباع منهج السلف يسمون أنفسهم بـ"أهل السنة والجماعة" وبـ"الفرقة الناجية" و"الطائفة المنصورة"...
وكل ذلك دعاوى تحتاج إلى دليل وتفتقر إلى برهان..والبرهان في ذلك إنما يكون في تدبر النصوص وفي العرض على الكتاب والسنة (كما تفضل به الأستاذ) لأن اللقب لا يغني أمام الله تعالى شيئا.
لكن مع هذا الذي تقرر..فلا أرى من الصواب أن يُحجر التشبع بهذه الألقاب الشريفة في مواضع..منها موضع المجادلة بالتي هي أحسن بين المتنازعين أيهما أقرب إلى الحق..لأن عمدة الجدال="قولي صواب يحتمل الخطأ..وقولك خطأ يحتمل الصواب"، ولولا هذه المقدمة لما كانت مجادلة ولا مناظرة..أو لصار كل جدالنا استدلالا بمحل النزاع..
وعلى هذا..فلا نقول لمن زعم اتباع منهج السلف وادعاه "كذبت في دعواك" إذا قال: نحن أهل السنة والجماعة والفرقة الناجية والطائفة المنصورة..ولا مثل ذلك لمن زعم مثله من الأشعرية مثلا..فتلك دعاوى في مقام الجدال والخصام..ينبغي أن تتبع بالاستدلال وإيراد الحجج ومناقشتها..
والآن..هل من ادعى السلفية وزعم اتباع منهج السلف ألقى دعوى فارغة عارية عن الدليل..أم أن وراء دعواه جيشا من الحجج والنقول والاستقراءات ..وأحمالا من التصانيف والمؤلفات؟ وهل إذا ادعى زاعم أنه على منهج السلف وأنه من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة دعوى فارغة بلا دليل ولا حجة ..فمعنى ذلك أن دعواه باطلة في نفس الأمر..أو أن كل من ادّعى ما ادعاه فهو مثله من عدم السعادة بالدليل؟
هدانا الله تعالى وإياك سواء السبيل
(1) اطلعت كذلك على ما ذكره صاحب:منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل وأثر المنهجين في العقيدة" (1/ص35-40) الذي أحال عليه الأستاذ وناقش أطروحته، ولم أنشط لنقله بحذافيره (غير موجود في المكتبة الشاملة)، وكلامه في بيان معنى السلف ومنهجهم يتوافق مع قاله المحمود في كتابه، ومن تدبر كلامهما اطمأن إلى تناغم معياري "السلفية"!
وهذا رابط الكتاب من "الوقفية" لمن أراد الاطلاع:
http://www.waqfeya.com/book.php?bid=1946