الإخوان..السلفيون..من الذي "صعد" أولا؟
29-09-2012, 01:25 PM
سؤال سريع:
لو وُضعت بين ناظريك الصورتان الآتيتان: الأولى لـ"سلفي" له أوصاف "السلفي" المنقدحة في نفوسنا= لحية طويلة، وشارب مقصوص، وقميص إلى نصف ساقه... والثانية لـ"إخواني"، عليه سيما "الإخواني" المنطبعة في خيالنا، لحية "بيومترية" ، وطقم كلاسيكي، وربطة عنق... ثم سئلت: أي هذين كان له السبق في التأصيل والتنظير للـفكر الجهادي-باصطلاح العصر-، بمعنى التأصيل الشرعي للخروج على الحكام والبغي؟ لا شك أن كثيرا منا سيجيب أنه "السلفي" الذي يشبه "أسامة" و"أبا مصعب" و"أبا قتادة" و"أبا محمد" وغيرهم من "الآباء" الروحيين للفكر الجهادي، أما صورة "الإخواني" فمرتبطة عندنا بالنضال السياسي، والصدام البرلماني، وفي أعنف الأحوال: بالمسيرات والاعتصامات.
لكن هل هذه الفكرة صحيحة؟
الإخوان المسلمون..:
لا أحد ينكر مناقب "الإخوان المسلمين" وحسن بلائهم في نصرة الإسلام، لاسيما المتقدمين منهم، الذين كادوا أن يزيلوا "إسرائيل" من الوجود، لا أحد يسعه أن ينكر إخلاص الكثير منهم، وصدق سعيهم في تحكيم شرع الله تعالى، وكم قدموا في سبيل ذلك من تضحيات، لا أحد يسعه نفي ما قدمه "الإخوان" للفكر الإسلامي، مساهمتهم في رد الشبه، ودحض أهل الباطل من الطاعنين في الإسلام والشريعة.
فـ"الإخوان المسلمون" فرقة من الفرق الإسلامية أصابت في كثير من الأمور، وأخطأت أيضا-حسب رأيي- في الكثير مما يتعلق بفقه الدعوة إلى الله تعالى، وأنا أسأل الله تعالى أن يتقبل منهم ما أصابوا فيه، ويتجاوز عنهم ما أخطؤوا فيه، ويهديهم سواء السبيل .
من أبرز ما أخطأ فيه "الإخوان المسلمون" مقاربتهم في التعامل مع حكام المسلمين، التي تراوحت بين نقيضين حذر منهما سلفنا الصالح= "خروج" و"دخول"، أعني الخروج على حكام المسلمين، باللسان أو بالسلاح، أو الدخول على الحكام بمعنى الارتماء في أحضانهم، عن طريق المسابقة إلى البرلمانات، والانصهار في التحالفات، أو قبول الوظائف والولايات.
وهذا الانحراف بشقيه (دخولا وخروجا) كلف الحركة الإخوانية جحافل من إطاراتها، إما قتلا وسجنا ونفيا بالنسبة لانحراف الخروج، وإما تميعا وتدجينا وتحييدا بالنسبة لانحراف الدخول.
السلفيون..:
السلفيون نسبة إلى السلف، والمقصود بهم السلف الصالح رضي الله عنهم، وبمعنى أدق، الأجيال الثلاثة الأولى من عُمُر الإسلام، جيل الصحابة رضي الله عنهم، ثم جيل التابعين، ثم جيل أتباع التابعين، لماذا الانتساب إلى هذه الأجيال الثلاثة بالذات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت لها الخيرية والأفضلية بقوله عليه الصلاة والسلام:" خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، والحكمة في أفضلية هذه الأجيال الثلاثة كثرة الخير فيهم، وقلة الشر والبدع بينهم، فكان الإسلام بقالبه الأصلي الصحيح محفوظا بينهم، قبل أن يظهر التشتت والتفرق في الأمة الإسلامية بسبب الأهواء والبدع، مما يجعل إسلام تلك الأجيال الثلاثة مرجعا لنا، خاصة في فهم النصوص الشرعية، لذلك كان شعار السلفية: "فهم الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة."
وبعيدا عن الصورة الكاريكاتورية المغرضة التي تعطى للسلفيين، بتصويرهم على أنهم "فرقة" أو "طائفة" مارقة شاذة لها "طقوس" خاصة بها، أو "جالية!!" على حد تعبير بعض المسؤولين في بلادنا، وبعيدا عن الصورة النمطية التي تحصر السلفية في بعض المظاهر، أبرزها اللحية والقميص بالنسبة للرجال، والنقاب بالنسبة للنساء.
فإن "السلفية" ليست فرقة ولا نحلة ولا دينا جديدا، بل هو توجه قديم قدم الفكر الإسلامي، حاضر في الكثير من المذاهب والحركات الإسلامية، لاسيما الإصلاحية منها، ويخطئ من يحده بمظاهر معينة، أو بأماكن معينة، فقد يكون المرء حليق اللحية وهو منتسب إلى هذا الفكر، وقد يكون أطول الناس لحية وهو أبعد الناس عن السلفية.
فكل من انتسب إلى السلف الصالح في العقيدة والفقه والسلوك، بمعنى اتبع الكتاب والسنة على وفق فهم السلف الصالح في ذلك فهو "سلفي"، ولعله يتبع فهم السلف في بعض المسائل دون بعض أو في بعض العلوم الشرعية دون بعض، فتتبعض نسبته إلى هذا التوجه.
لذلك ينكر الكثير من كبار العلماء الموصوفين بـ"السلفية" استعمال لفظ" السلفية" أو نسبة الناس إلى هذا المصطلح، لأنه قد يصير سببا لتحزيب المسلمين وتفريقهم.
ولا غرابة أن تختلف فهوم المنتسبين لهذا التوجه في إدراك معنى "السلفية"، أو بعض قضاياه،فإن سنة الله تعالى في عباده أنهم لا يزالون مختلفين وإليك مثال عن اختلاف في فهم قضية من القضايا بين المنتسبين لمنهج السلف:
التعامل مع الحكام..:
نجد بوضوح في كتب العقائد على طريقة السلف عقيدة السلف (التي يعتنقها السلفيون) في التعامل من الحكام، وهي كما قال الطحاوي في عقيدته (أحد أبرز الكتب في العقيدة السلفية) ما نصه: "وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وإن جاروا، ولا ندعو عَلَيْهِمْ وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرِيضَةً مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ والمعافاة". وهذا الموقف المستقى من النصوص الشرعية ومن فهم السلف الصالح ليس معناه الرضا بظلم الحاكم، والخنوع لمنكراته، بل هو مراعاة لمصلحة الأمة في الاجتماع والاتحاد، ودرء لمفسدة الخروج من حروب أهلية وما ينتج عنها من سفك دماء وانتهاك أعراض وسلب أموال وتعطيل مصالح.
مع ذلك نجد عصابات وفرقا تنتسب إلى "السلفية"، بل وتتسمى بها، وهي تناقض هذا الأصل مناقضة واضحة بإعلان الحرب على الحكام الذي لا يحكمون بالشريعة.
لماذا "صعدوا"؟:
أما عن سبب" صعود" أولئك المنتسبين إلى السلفية إلى الجبال مع كون العقيدة السلفية تنهى عن ذلك، فمرده أمور، إما جهلهم بهذه العقيدة أصلا، أي لا يعلمون أن من أصول السلف عدم الخروج على الحاكم، وإما علمهم بهذا الأصل وتسويغهم مخالفته من أجل مطالب اجتماعية أو سياسية، إما عدم فهم نصوص بعض العلماء كابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب على وجهها في بعض القضايا المتعلقة بالحاكم وبالتكفير ، وإما تأثر أفراد من أصحاب التوجه السلفي بفكر "بعض التيارات الإسلامية"، وأقصد بـ "بعض التيارات الإسلامية" تيار "الإخوان المسلمين"!
أثر الإخوان:
فكر "الإخوان المسلمين" عموما، وفكر أحد أشهر منظريهم على وجه الخصوص، يمثل الدعامة الفكرية لمعظم الجماعات "الجهادية" في هذا العصر، إذ أدبيات الجماعة –قديما- قلما تخلو من عبارات التكفير والجاهلية والطاغوت... وسرد الملاحم والمواقف مع الحكام الظالمين، ونقل مشاهد التعذيب الوحشي في السجون لمنتسبي الحركات الإسلامية، وكل ما من شأنه استثارة عواطف الشباب المتدين الغيور على شرع الله تعالى من أشعار تنصدع لها القلوب، وتهمل لها العيون –أولا-، ثم تنشط لها الأبدان-بعد ذلك- خروجا وقتالا، والجذور الفكرية لـ" جماعة الإخوان" لدى العديد من "الجماعات الجهادية" تظهر في استدلالات تلك الجماعات وحماسياتها.
لذلك كثيرا ما يربط المعتنون بشأن الجماعات الجهادية أصول فكر هذه الجماعات ببعض أفكار منظري جماعة "الإخوان المسلمين"، وأن جماعات "جهادية" عديدة خرجت من رحمها، بل لعلك تعجب إذا علمت أن الفكر الإخواني في بعض مسائله يعد تطرفا ودعوة إلى "الإرهاب"..في المملكة السعودية بلد الوهابية والوهابيين الذين يعتبر الكثير فكرهم –غفلة أو تغافلا- أصل الفكر الجهادي التكفيري على وجه الحصر في هذا العصر.
إن الدعوة إلى الحكم بما أنزل الله تعالى والسعي إلى تحقيق ذلك أشرف وظيفة وأطهر غاية، والأمة الإسلامية ابتليت قديما وحديثا بكثير من الحكام الظالمين الطاغين، الذي بدلوا معالم الدين، وساهموا في نكبة المسلمين، و سلطوا زبانيتهم على خيرة شباب الأمة قتلا ونفيا وسجنا وتعذيبا، والتفكر في مثل ما ذكرنا يولد مشاعر جياشة، وعواطف قوية.
واللائق بالمسلم المتبع للكتاب والسنة وفهم السلف أن يضبط عواطفه بالضوابط الشرعية، والضوابط الشرعية للعاطفة المتولدة عما ذكرنا مفادها طاعة الحاكم في طاعة الله تعالى، والصبر على ظلمه وأذاه، والسعي إلى تطبيق شرع الله تعالى بالطريق الشرعي الوحيد الذي يجنب الأمة الفتن وسفك الدماء، طريق التصفية والتربية، تصفية المجتمعات وتزكيتها من المعاصي والرذائل وأمراض القلوب، وتربيتها بالطاعات والعبادات والقربات.
نعم، هو طريق طويل، ويحتاج إلى كظم عواطف متفجرة، وصبر على ظلم تنوء بحمله الجبال، لكنه عين المصلحة بدليل الشرع والعقل والتجارب.
لماذا هذا المقال؟:
ليس القصد من هذا المقال التأليب على "الإخوان المسلمين" ، أو الانتقاص من مساهمتهم في ثروة الفكر الإسلامي والعمل الدعوي، إنما كان القصد منه –أولا- النصيحة لهم بأن يضبطوا تلك الكفاءات الضخمة التي تزخر بها حركتهم، وتلك العواطف النبيلة التي تجيش بها قلوبهم بضوابط الكتاب والسنة، حينئذ سيكونون خير جماعة أخرجت للناس.
القصد من هذا المقال –كذلك- السعي إلى تصحيح بعض الأفكار الخاطئة عن جذور فكر البغي والخروج في بلاد المسلمين، إذ الشائع أنه متمخض عن الفكر السلفي أو الوهابي بشكل حصري، وأن السلفيون والوهابيون هم المتطرفون الإرهابيون، وأن "الإخوان المسلمين" هم المعتدلون الوسطيون، وهذا التصور الخاطئ يولد أخطاء في معالجة هذه المشكلة، فبعضهم يرى الحل في "حلق" السلفيين لحاهم، والآخر يرى في التضييق على دروسهم ودعاتهم وكتبهم، بينما ما تزال تتسلل نفس الأفكار التي هي أصل فكر البغي والخروج في كتب متداولة مطبوعة مرات ومرات، ولعلها ما تزال في أذهان كثير من منتسبي جماعة "الإخوان المسلمين".
القصد من هذا المقال أيضا، عتاب بعض إخواننا من "الإخوان" الذي إذا "أكرمهم" الله تعالى بالمناصب و"الحقائب"، يعاملون إخوانهم السلفيين معاملة "الإرهابي بالقوة"، وتصدر من بعضهم تصريحات وتلميحات تحاكي تصريحات الاستئصاليين والعلمانيين حتى يبعدوا عن أنفسهم تهمة "التطرف" ، ويعصبونها برؤوس السلفيين!
السبب الأصلي للإرهاب :
إن "صعود" بعض المنتسبين إلى السلفية أو بعض "الإخوان المسلمين" إلى الجبال، سعيا إلى تحقيق شرع الله تعالى، هو خطأ في منظور الشرع، ويؤدي إلى مفاسد رأيناها عيانا، لكن لا ينبغي أن ينسينا خطأُ أولئك الصاعدين جريمة صارت تستسيغها قلوبنا وتألفها نفوسنا، إنها محاربة شرع الله تعالى وتبديل معالم دينه، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى، هذه الجريمة النكراء-عند التأمل- هي سبب الإرهاب والخروج، لأن المحاربين لشرع الله تعالى امتحنوا مشاعر المؤمنين، واستفزوا عواطفهم، فانفلت التحكم فيها عند بعضهم فكان ما كان، ولو لم يكن تحكيم لغير شريعة الله تعالى لما كان خروج ولا بغي! فالمحاربون لشرع الله تعالى من علمانيين وغيرهم شركاء في جريمة "الإرهاب"، بل أصيلون فيها، وهم طرف من هذه المشكلة لا تحل إلا برجوعهم إلى الحق وتوبتهم إلى الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يهدينا لما اختُلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
لو وُضعت بين ناظريك الصورتان الآتيتان: الأولى لـ"سلفي" له أوصاف "السلفي" المنقدحة في نفوسنا= لحية طويلة، وشارب مقصوص، وقميص إلى نصف ساقه... والثانية لـ"إخواني"، عليه سيما "الإخواني" المنطبعة في خيالنا، لحية "بيومترية" ، وطقم كلاسيكي، وربطة عنق... ثم سئلت: أي هذين كان له السبق في التأصيل والتنظير للـفكر الجهادي-باصطلاح العصر-، بمعنى التأصيل الشرعي للخروج على الحكام والبغي؟ لا شك أن كثيرا منا سيجيب أنه "السلفي" الذي يشبه "أسامة" و"أبا مصعب" و"أبا قتادة" و"أبا محمد" وغيرهم من "الآباء" الروحيين للفكر الجهادي، أما صورة "الإخواني" فمرتبطة عندنا بالنضال السياسي، والصدام البرلماني، وفي أعنف الأحوال: بالمسيرات والاعتصامات.
لكن هل هذه الفكرة صحيحة؟
الإخوان المسلمون..:
لا أحد ينكر مناقب "الإخوان المسلمين" وحسن بلائهم في نصرة الإسلام، لاسيما المتقدمين منهم، الذين كادوا أن يزيلوا "إسرائيل" من الوجود، لا أحد يسعه أن ينكر إخلاص الكثير منهم، وصدق سعيهم في تحكيم شرع الله تعالى، وكم قدموا في سبيل ذلك من تضحيات، لا أحد يسعه نفي ما قدمه "الإخوان" للفكر الإسلامي، مساهمتهم في رد الشبه، ودحض أهل الباطل من الطاعنين في الإسلام والشريعة.
فـ"الإخوان المسلمون" فرقة من الفرق الإسلامية أصابت في كثير من الأمور، وأخطأت أيضا-حسب رأيي- في الكثير مما يتعلق بفقه الدعوة إلى الله تعالى، وأنا أسأل الله تعالى أن يتقبل منهم ما أصابوا فيه، ويتجاوز عنهم ما أخطؤوا فيه، ويهديهم سواء السبيل .
من أبرز ما أخطأ فيه "الإخوان المسلمون" مقاربتهم في التعامل مع حكام المسلمين، التي تراوحت بين نقيضين حذر منهما سلفنا الصالح= "خروج" و"دخول"، أعني الخروج على حكام المسلمين، باللسان أو بالسلاح، أو الدخول على الحكام بمعنى الارتماء في أحضانهم، عن طريق المسابقة إلى البرلمانات، والانصهار في التحالفات، أو قبول الوظائف والولايات.
وهذا الانحراف بشقيه (دخولا وخروجا) كلف الحركة الإخوانية جحافل من إطاراتها، إما قتلا وسجنا ونفيا بالنسبة لانحراف الخروج، وإما تميعا وتدجينا وتحييدا بالنسبة لانحراف الدخول.
السلفيون..:
السلفيون نسبة إلى السلف، والمقصود بهم السلف الصالح رضي الله عنهم، وبمعنى أدق، الأجيال الثلاثة الأولى من عُمُر الإسلام، جيل الصحابة رضي الله عنهم، ثم جيل التابعين، ثم جيل أتباع التابعين، لماذا الانتساب إلى هذه الأجيال الثلاثة بالذات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت لها الخيرية والأفضلية بقوله عليه الصلاة والسلام:" خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، والحكمة في أفضلية هذه الأجيال الثلاثة كثرة الخير فيهم، وقلة الشر والبدع بينهم، فكان الإسلام بقالبه الأصلي الصحيح محفوظا بينهم، قبل أن يظهر التشتت والتفرق في الأمة الإسلامية بسبب الأهواء والبدع، مما يجعل إسلام تلك الأجيال الثلاثة مرجعا لنا، خاصة في فهم النصوص الشرعية، لذلك كان شعار السلفية: "فهم الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة."
وبعيدا عن الصورة الكاريكاتورية المغرضة التي تعطى للسلفيين، بتصويرهم على أنهم "فرقة" أو "طائفة" مارقة شاذة لها "طقوس" خاصة بها، أو "جالية!!" على حد تعبير بعض المسؤولين في بلادنا، وبعيدا عن الصورة النمطية التي تحصر السلفية في بعض المظاهر، أبرزها اللحية والقميص بالنسبة للرجال، والنقاب بالنسبة للنساء.
فإن "السلفية" ليست فرقة ولا نحلة ولا دينا جديدا، بل هو توجه قديم قدم الفكر الإسلامي، حاضر في الكثير من المذاهب والحركات الإسلامية، لاسيما الإصلاحية منها، ويخطئ من يحده بمظاهر معينة، أو بأماكن معينة، فقد يكون المرء حليق اللحية وهو منتسب إلى هذا الفكر، وقد يكون أطول الناس لحية وهو أبعد الناس عن السلفية.
فكل من انتسب إلى السلف الصالح في العقيدة والفقه والسلوك، بمعنى اتبع الكتاب والسنة على وفق فهم السلف الصالح في ذلك فهو "سلفي"، ولعله يتبع فهم السلف في بعض المسائل دون بعض أو في بعض العلوم الشرعية دون بعض، فتتبعض نسبته إلى هذا التوجه.
لذلك ينكر الكثير من كبار العلماء الموصوفين بـ"السلفية" استعمال لفظ" السلفية" أو نسبة الناس إلى هذا المصطلح، لأنه قد يصير سببا لتحزيب المسلمين وتفريقهم.
ولا غرابة أن تختلف فهوم المنتسبين لهذا التوجه في إدراك معنى "السلفية"، أو بعض قضاياه،فإن سنة الله تعالى في عباده أنهم لا يزالون مختلفين وإليك مثال عن اختلاف في فهم قضية من القضايا بين المنتسبين لمنهج السلف:
التعامل مع الحكام..:
نجد بوضوح في كتب العقائد على طريقة السلف عقيدة السلف (التي يعتنقها السلفيون) في التعامل من الحكام، وهي كما قال الطحاوي في عقيدته (أحد أبرز الكتب في العقيدة السلفية) ما نصه: "وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وإن جاروا، ولا ندعو عَلَيْهِمْ وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرِيضَةً مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ والمعافاة". وهذا الموقف المستقى من النصوص الشرعية ومن فهم السلف الصالح ليس معناه الرضا بظلم الحاكم، والخنوع لمنكراته، بل هو مراعاة لمصلحة الأمة في الاجتماع والاتحاد، ودرء لمفسدة الخروج من حروب أهلية وما ينتج عنها من سفك دماء وانتهاك أعراض وسلب أموال وتعطيل مصالح.
مع ذلك نجد عصابات وفرقا تنتسب إلى "السلفية"، بل وتتسمى بها، وهي تناقض هذا الأصل مناقضة واضحة بإعلان الحرب على الحكام الذي لا يحكمون بالشريعة.
لماذا "صعدوا"؟:
أما عن سبب" صعود" أولئك المنتسبين إلى السلفية إلى الجبال مع كون العقيدة السلفية تنهى عن ذلك، فمرده أمور، إما جهلهم بهذه العقيدة أصلا، أي لا يعلمون أن من أصول السلف عدم الخروج على الحاكم، وإما علمهم بهذا الأصل وتسويغهم مخالفته من أجل مطالب اجتماعية أو سياسية، إما عدم فهم نصوص بعض العلماء كابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب على وجهها في بعض القضايا المتعلقة بالحاكم وبالتكفير ، وإما تأثر أفراد من أصحاب التوجه السلفي بفكر "بعض التيارات الإسلامية"، وأقصد بـ "بعض التيارات الإسلامية" تيار "الإخوان المسلمين"!
أثر الإخوان:
فكر "الإخوان المسلمين" عموما، وفكر أحد أشهر منظريهم على وجه الخصوص، يمثل الدعامة الفكرية لمعظم الجماعات "الجهادية" في هذا العصر، إذ أدبيات الجماعة –قديما- قلما تخلو من عبارات التكفير والجاهلية والطاغوت... وسرد الملاحم والمواقف مع الحكام الظالمين، ونقل مشاهد التعذيب الوحشي في السجون لمنتسبي الحركات الإسلامية، وكل ما من شأنه استثارة عواطف الشباب المتدين الغيور على شرع الله تعالى من أشعار تنصدع لها القلوب، وتهمل لها العيون –أولا-، ثم تنشط لها الأبدان-بعد ذلك- خروجا وقتالا، والجذور الفكرية لـ" جماعة الإخوان" لدى العديد من "الجماعات الجهادية" تظهر في استدلالات تلك الجماعات وحماسياتها.
لذلك كثيرا ما يربط المعتنون بشأن الجماعات الجهادية أصول فكر هذه الجماعات ببعض أفكار منظري جماعة "الإخوان المسلمين"، وأن جماعات "جهادية" عديدة خرجت من رحمها، بل لعلك تعجب إذا علمت أن الفكر الإخواني في بعض مسائله يعد تطرفا ودعوة إلى "الإرهاب"..في المملكة السعودية بلد الوهابية والوهابيين الذين يعتبر الكثير فكرهم –غفلة أو تغافلا- أصل الفكر الجهادي التكفيري على وجه الحصر في هذا العصر.
إن الدعوة إلى الحكم بما أنزل الله تعالى والسعي إلى تحقيق ذلك أشرف وظيفة وأطهر غاية، والأمة الإسلامية ابتليت قديما وحديثا بكثير من الحكام الظالمين الطاغين، الذي بدلوا معالم الدين، وساهموا في نكبة المسلمين، و سلطوا زبانيتهم على خيرة شباب الأمة قتلا ونفيا وسجنا وتعذيبا، والتفكر في مثل ما ذكرنا يولد مشاعر جياشة، وعواطف قوية.
واللائق بالمسلم المتبع للكتاب والسنة وفهم السلف أن يضبط عواطفه بالضوابط الشرعية، والضوابط الشرعية للعاطفة المتولدة عما ذكرنا مفادها طاعة الحاكم في طاعة الله تعالى، والصبر على ظلمه وأذاه، والسعي إلى تطبيق شرع الله تعالى بالطريق الشرعي الوحيد الذي يجنب الأمة الفتن وسفك الدماء، طريق التصفية والتربية، تصفية المجتمعات وتزكيتها من المعاصي والرذائل وأمراض القلوب، وتربيتها بالطاعات والعبادات والقربات.
نعم، هو طريق طويل، ويحتاج إلى كظم عواطف متفجرة، وصبر على ظلم تنوء بحمله الجبال، لكنه عين المصلحة بدليل الشرع والعقل والتجارب.
لماذا هذا المقال؟:
ليس القصد من هذا المقال التأليب على "الإخوان المسلمين" ، أو الانتقاص من مساهمتهم في ثروة الفكر الإسلامي والعمل الدعوي، إنما كان القصد منه –أولا- النصيحة لهم بأن يضبطوا تلك الكفاءات الضخمة التي تزخر بها حركتهم، وتلك العواطف النبيلة التي تجيش بها قلوبهم بضوابط الكتاب والسنة، حينئذ سيكونون خير جماعة أخرجت للناس.
القصد من هذا المقال –كذلك- السعي إلى تصحيح بعض الأفكار الخاطئة عن جذور فكر البغي والخروج في بلاد المسلمين، إذ الشائع أنه متمخض عن الفكر السلفي أو الوهابي بشكل حصري، وأن السلفيون والوهابيون هم المتطرفون الإرهابيون، وأن "الإخوان المسلمين" هم المعتدلون الوسطيون، وهذا التصور الخاطئ يولد أخطاء في معالجة هذه المشكلة، فبعضهم يرى الحل في "حلق" السلفيين لحاهم، والآخر يرى في التضييق على دروسهم ودعاتهم وكتبهم، بينما ما تزال تتسلل نفس الأفكار التي هي أصل فكر البغي والخروج في كتب متداولة مطبوعة مرات ومرات، ولعلها ما تزال في أذهان كثير من منتسبي جماعة "الإخوان المسلمين".
القصد من هذا المقال أيضا، عتاب بعض إخواننا من "الإخوان" الذي إذا "أكرمهم" الله تعالى بالمناصب و"الحقائب"، يعاملون إخوانهم السلفيين معاملة "الإرهابي بالقوة"، وتصدر من بعضهم تصريحات وتلميحات تحاكي تصريحات الاستئصاليين والعلمانيين حتى يبعدوا عن أنفسهم تهمة "التطرف" ، ويعصبونها برؤوس السلفيين!
السبب الأصلي للإرهاب :
إن "صعود" بعض المنتسبين إلى السلفية أو بعض "الإخوان المسلمين" إلى الجبال، سعيا إلى تحقيق شرع الله تعالى، هو خطأ في منظور الشرع، ويؤدي إلى مفاسد رأيناها عيانا، لكن لا ينبغي أن ينسينا خطأُ أولئك الصاعدين جريمة صارت تستسيغها قلوبنا وتألفها نفوسنا، إنها محاربة شرع الله تعالى وتبديل معالم دينه، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى، هذه الجريمة النكراء-عند التأمل- هي سبب الإرهاب والخروج، لأن المحاربين لشرع الله تعالى امتحنوا مشاعر المؤمنين، واستفزوا عواطفهم، فانفلت التحكم فيها عند بعضهم فكان ما كان، ولو لم يكن تحكيم لغير شريعة الله تعالى لما كان خروج ولا بغي! فالمحاربون لشرع الله تعالى من علمانيين وغيرهم شركاء في جريمة "الإرهاب"، بل أصيلون فيها، وهم طرف من هذه المشكلة لا تحل إلا برجوعهم إلى الحق وتوبتهم إلى الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يهدينا لما اختُلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
من مواضيعي
0 جُنُونِيَّاتٌ جَزَائِرِيّةٌ (2): الأَشِـــعَّــــةُ فَـــــــوْقَ الــــــنّـــــَهْـــــدِيَّــــــ
0 جُنُونِيَّاتٌ جَزَائِرِيّةٌ (1): دَوْلَــــةُ "الــــحَــــفْــــصِــــيّـــِيــــنَ"..
0 "حَافِظُ الأَحْلامِ"..
0 "دَاعِــشْ".. مَـا أَكْـثَـرَ "عِـيَـالَـكَ"!
0 "أَنــَــا مُـــــجْــــــرِمٌ!.."
0 قَـنَـوَاتُ الخـَيَـالِ.. "الـبَـطْـنِـيِّ"!
0 جُنُونِيَّاتٌ جَزَائِرِيّةٌ (1): دَوْلَــــةُ "الــــحَــــفْــــصِــــيّـــِيــــنَ"..
0 "حَافِظُ الأَحْلامِ"..
0 "دَاعِــشْ".. مَـا أَكْـثَـرَ "عِـيَـالَـكَ"!
0 "أَنــَــا مُـــــجْــــــرِمٌ!.."
0 قَـنَـوَاتُ الخـَيَـالِ.. "الـبَـطْـنِـيِّ"!














