وجـــــــــــــــــــــــــــــــه
02-04-2017, 06:16 PM
.gif)
.gif)
.gif)
.gif)
وجــــــــــــــــــــــــــــ ـــــه
وجه توشك فيه التجاعيد أن تصرخ من ثنايا هذه البشرة السمراء لتروي له يوميات كتبت بغبار الزمن..
محراث السنين و حده كفيل أن يختط في إصرار و أناة تلك الخطوط الغائرة ،التي تذكر الإنسان بساعة النهاية القادمة يوما ما . .
انه وجه العم مسعود الذي كافح رياح التاريخ و تعاقب الأحداث و الوقائع .
الأخاديد تكاد تنفذ إلى عظام الجمجمة المترعة بهواء الريف النقي و بشمسه الدافئة...
جمجمة تحبس بين أعظمها الرقيقة بحرا من التجارب الطويلة و الحكايا اللذيذة و نزق الطفولة الأول و صفحات خالدة من قصة الحياة...
عم مسعود سوف يسلخ عقده الثامن قريبا.
يتبرم من هذه الحقيقة المؤكدة التي تذكره بها زوجه أم أحمد إذا ما دب الخلاف بينهما .
( يا شيخ سوف تطل على الثمانين قريبا و أنت لا تزال تعبث مثل عبث الصبية )..
تلك الحقيقة توغل في إيلامه كلما تذكرها..
و تلتف تلك التجاعيد حول حلقتين غائرتين وسط جبينه العريض...عينان متوثبتان أبدا مثل أعين الطيور الكاسرة.
لقد شهدت تلكم العينان أياما زاهرة و مواقف باهرة من حياته الحافلة بالأحداث..
و يتذكر أنهما كانتا أيضا مصرع كثير من الصبايا أيام الشباب. لقد كانتا رمز وسامته و أناقته و بهاءه..
و لكنهما في الوقت نفسه ذرفتا الدموع الغزيرة مرة و مرة ..حارة أحيانا و باردة أحيانا أخرى.
لقد كان عم مسعود يحفظ عن ظهر قلب مقولة والدته:
( الأحزان دموعها حارة و الأفراح دموعها باردة)....
أهداب طويلة (أو بقايا أهداب)..بيضاء ناصعة مثل حبات البرد. إنها تحيط هذين الحلقتين في أدب و طاعة .
كانت الأهداب أجنادا بحق..تتوشح السلاح و الحراب للذود عن هاتين البحيرتين الوسيعتين ، تضمن سلامتهما من المياه الغريبة أو الحشرات التي تسعى جاهدة لتلويثهما و تكدير صفوهما...
و تستمر الأخاديد في رحلتها غير المباركة طبعا. تحاصر بضراوة أنفا ضخما و شامخا، معقوف المقدمة قليلا ليتحدى في كبرياء الأمواج المتلاطمة التي تسعى للإطاحة به في أقرب مستنقع . يبددها في يسر حينا و في عنف أحيانا.
أنف لم يعرف يوما الانحناء أمام العواصف العاتية ..أو الإحجام دون النوائب و الأرزاء.
أنف جبار لا يحفل للتملق أو الانبطاح أو المسكنة أو الاستسلام...
نمتطي مجددا قطار التجاعيد لغزو هذه الدائرة التي تقبع أسفل الأنف في خجل.
طبعا ليس غزوا مسلحا بالبوارج و الدبابات لأن العم مسعود لا يمكن اجتياحه بقوة السلاح و العسكر و هو الرجل الذي دوخ فرنسا الاستعمارية و أذاقها ألوانا من الألم و المذلة و الخطوب..
انه الفارس المغوار الذي نعتته الصحف الاستعمارية يوما و بلا محاملة :
– مسعود ثعلب الجبال –
ثغر مبتسم أبدا حتى في أحلك الظروف و أقساها فتكا و مرارة...
الشيخ يعلم جيدا أن الابتسام كفيل أن يفتح كل الأسوار التي تطبق على القلوب و كفيل أيضا أن يذيب كل الجليد المترسب بإصرار في العقول المتحجرة...
ثغر لا يجيد لغة المنافقين و لا يتقن لهجة الالتواء و لا يزور عن قول الحقيقة مهما كانت ثقيلة على الأسماع.. .
ليس بعيدا عن الثغر الجميل تندثر الأخاديد فجأة و تفسح المجال أمام هذا الكساء الرباني الأبيض الذي يبث الوقار في سحنة الشيخ..
لحية مهذبة و مكتنزة تنم عن أناقة العم مسعود و أبهته رغم عجلة الشيخوخة التي تطوي العمر في ضراوة.
تلك اللحية البيضاء هي سر الوقار الذي يملكه الشيخ...
- ضع رأسك برفق على المخدة يا عماه –
هتف صوت أنثوي عميق و دافئ و عطوف . كان صوت الطبيبة و هي تمسك رأس الشيخ في رفق و أناة ..
. شكرا يا بنيتي..صدقيني إنني متوتر كثيرا - هتف الشيخ أخيرا بصوت متهدج
- لا داعي للتوتر. لا تخش شيئا ،ما زال الشباب ينبض في عروقك - أجابته في ابتسامة آسرة.
قلبت المرأة عينيه بمصباح يدوي دقيق...فحصت أسنانه وألقت ببصرها الثاقب في أذنيه الكبيرتين.
بحركات مدروسة راحت تقيس ضغطه..نقرت أضلاعه بأناملها اللطيفة.
وجست صدره و ظهره ثم راقبت أصابع قدميه.
(طن..طن..طن) انتفضت الساعة الحائطية ...أعلنت تمام العاشرة. و نطق الشيخ الممدد فوق السرير في محاولة لكسر الصمت المطبق على الحجرة:
- كانت الساعة العاشرة تصادفني دوما في الحقل رفقة زوجتي أم أحمد –
سكت قليلا و أردف.
- كنا نرتشف الشاي في هذا الموعد - ...ابتسم و أغمض عينيه.
فرغت الطبيبة من الفحص...و ابتسمت راضية عن النتيجة.
- أنت بصحة يحسدك عليها الفتيان يا عماه..فقط هي نزلة البرد و الدواء كفيل بردعها في أيام فلا داعي للقلق –
أخذت تملأ الوصفة الطبية و الشيخ يرنو في أبوة صادقة إلى هذا الوجه الملائكي الذي يحمل الشفاء إلى الأجساد العليلة.
- هل معك و صفة لآخر فحص يا عماه – هتفت الطبيبة و هي تدون النتائج على جهاز الحاسوب.
أفرج الشيخ عن ابتسامة كأنها نبتت للتو من قلبه الطيب... وقال بعد لأي:
- ليست لدي وصفات يا سيدتي -
ردت الطبيبة في ذهول واضح :
- أقرانك من الشيوخ يصطحبون معهم حزمة من الوصفات و الأشعة لتسهل على الطبيب مهمة الفحص. على أية حال لا تكترث للأمر يا شيخ –
قال عم مسعود مودعا الطبيبة و هو يستلم الوصفة من يدها:
- ببساطة هذه أول مرة في حياتي أزور فيها عيادة الطبيب –.gif)
.gif)
.gif)
وجه توشك فيه التجاعيد أن تصرخ من ثنايا هذه البشرة السمراء لتروي له يوميات كتبت بغبار الزمن..
محراث السنين و حده كفيل أن يختط في إصرار و أناة تلك الخطوط الغائرة ،التي تذكر الإنسان بساعة النهاية القادمة يوما ما . .
انه وجه العم مسعود الذي كافح رياح التاريخ و تعاقب الأحداث و الوقائع .
الأخاديد تكاد تنفذ إلى عظام الجمجمة المترعة بهواء الريف النقي و بشمسه الدافئة...
جمجمة تحبس بين أعظمها الرقيقة بحرا من التجارب الطويلة و الحكايا اللذيذة و نزق الطفولة الأول و صفحات خالدة من قصة الحياة...
عم مسعود سوف يسلخ عقده الثامن قريبا.
يتبرم من هذه الحقيقة المؤكدة التي تذكره بها زوجه أم أحمد إذا ما دب الخلاف بينهما .
( يا شيخ سوف تطل على الثمانين قريبا و أنت لا تزال تعبث مثل عبث الصبية )..
تلك الحقيقة توغل في إيلامه كلما تذكرها..
و تلتف تلك التجاعيد حول حلقتين غائرتين وسط جبينه العريض...عينان متوثبتان أبدا مثل أعين الطيور الكاسرة.
لقد شهدت تلكم العينان أياما زاهرة و مواقف باهرة من حياته الحافلة بالأحداث..
و يتذكر أنهما كانتا أيضا مصرع كثير من الصبايا أيام الشباب. لقد كانتا رمز وسامته و أناقته و بهاءه..
و لكنهما في الوقت نفسه ذرفتا الدموع الغزيرة مرة و مرة ..حارة أحيانا و باردة أحيانا أخرى.
لقد كان عم مسعود يحفظ عن ظهر قلب مقولة والدته:
( الأحزان دموعها حارة و الأفراح دموعها باردة)....
أهداب طويلة (أو بقايا أهداب)..بيضاء ناصعة مثل حبات البرد. إنها تحيط هذين الحلقتين في أدب و طاعة .
كانت الأهداب أجنادا بحق..تتوشح السلاح و الحراب للذود عن هاتين البحيرتين الوسيعتين ، تضمن سلامتهما من المياه الغريبة أو الحشرات التي تسعى جاهدة لتلويثهما و تكدير صفوهما...
و تستمر الأخاديد في رحلتها غير المباركة طبعا. تحاصر بضراوة أنفا ضخما و شامخا، معقوف المقدمة قليلا ليتحدى في كبرياء الأمواج المتلاطمة التي تسعى للإطاحة به في أقرب مستنقع . يبددها في يسر حينا و في عنف أحيانا.
أنف لم يعرف يوما الانحناء أمام العواصف العاتية ..أو الإحجام دون النوائب و الأرزاء.
أنف جبار لا يحفل للتملق أو الانبطاح أو المسكنة أو الاستسلام...
نمتطي مجددا قطار التجاعيد لغزو هذه الدائرة التي تقبع أسفل الأنف في خجل.
طبعا ليس غزوا مسلحا بالبوارج و الدبابات لأن العم مسعود لا يمكن اجتياحه بقوة السلاح و العسكر و هو الرجل الذي دوخ فرنسا الاستعمارية و أذاقها ألوانا من الألم و المذلة و الخطوب..
انه الفارس المغوار الذي نعتته الصحف الاستعمارية يوما و بلا محاملة :
– مسعود ثعلب الجبال –
ثغر مبتسم أبدا حتى في أحلك الظروف و أقساها فتكا و مرارة...
الشيخ يعلم جيدا أن الابتسام كفيل أن يفتح كل الأسوار التي تطبق على القلوب و كفيل أيضا أن يذيب كل الجليد المترسب بإصرار في العقول المتحجرة...
ثغر لا يجيد لغة المنافقين و لا يتقن لهجة الالتواء و لا يزور عن قول الحقيقة مهما كانت ثقيلة على الأسماع.. .
ليس بعيدا عن الثغر الجميل تندثر الأخاديد فجأة و تفسح المجال أمام هذا الكساء الرباني الأبيض الذي يبث الوقار في سحنة الشيخ..
لحية مهذبة و مكتنزة تنم عن أناقة العم مسعود و أبهته رغم عجلة الشيخوخة التي تطوي العمر في ضراوة.
تلك اللحية البيضاء هي سر الوقار الذي يملكه الشيخ...
- ضع رأسك برفق على المخدة يا عماه –
هتف صوت أنثوي عميق و دافئ و عطوف . كان صوت الطبيبة و هي تمسك رأس الشيخ في رفق و أناة ..
. شكرا يا بنيتي..صدقيني إنني متوتر كثيرا - هتف الشيخ أخيرا بصوت متهدج
- لا داعي للتوتر. لا تخش شيئا ،ما زال الشباب ينبض في عروقك - أجابته في ابتسامة آسرة.
قلبت المرأة عينيه بمصباح يدوي دقيق...فحصت أسنانه وألقت ببصرها الثاقب في أذنيه الكبيرتين.
بحركات مدروسة راحت تقيس ضغطه..نقرت أضلاعه بأناملها اللطيفة.
وجست صدره و ظهره ثم راقبت أصابع قدميه.
(طن..طن..طن) انتفضت الساعة الحائطية ...أعلنت تمام العاشرة. و نطق الشيخ الممدد فوق السرير في محاولة لكسر الصمت المطبق على الحجرة:
- كانت الساعة العاشرة تصادفني دوما في الحقل رفقة زوجتي أم أحمد –
سكت قليلا و أردف.
- كنا نرتشف الشاي في هذا الموعد - ...ابتسم و أغمض عينيه.
فرغت الطبيبة من الفحص...و ابتسمت راضية عن النتيجة.
- أنت بصحة يحسدك عليها الفتيان يا عماه..فقط هي نزلة البرد و الدواء كفيل بردعها في أيام فلا داعي للقلق –
أخذت تملأ الوصفة الطبية و الشيخ يرنو في أبوة صادقة إلى هذا الوجه الملائكي الذي يحمل الشفاء إلى الأجساد العليلة.
- هل معك و صفة لآخر فحص يا عماه – هتفت الطبيبة و هي تدون النتائج على جهاز الحاسوب.
أفرج الشيخ عن ابتسامة كأنها نبتت للتو من قلبه الطيب... وقال بعد لأي:
- ليست لدي وصفات يا سيدتي -
ردت الطبيبة في ذهول واضح :
- أقرانك من الشيوخ يصطحبون معهم حزمة من الوصفات و الأشعة لتسهل على الطبيب مهمة الفحص. على أية حال لا تكترث للأمر يا شيخ –
قال عم مسعود مودعا الطبيبة و هو يستلم الوصفة من يدها:
- ببساطة هذه أول مرة في حياتي أزور فيها عيادة الطبيب –
.gif)
.gif)
.gif)









