رد: تعصب لا يمكن أن يأتي إلا من جهل :
10-03-2008, 11:25 PM
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
1- اعتاد المسلمون منذ قرون على الإحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف بتلاوة السيرة العطرة لمولده عليه الصلاة والسلام وذكر الله وإطعام الطعام والحلوى حُباً في النبي صلى الله عليه وسلم وشكراً لله تعالى على نعمة بروز النبي صلى الله عليه وسلم .
من العلماء من قال بأنه يحرم الإحتفال بالمولد ويعتبر ذلك بدعة سيئة وفسقا وضلالة ولا أصل له في الدين .وقول هؤلاء العلماء محترم ويجب أن نضعه على الرأس والعين لأنه قول قال به كثيرون قديما وحديثا , ولأنه قول له أدلته الشرعية المحترمة سواء كانت راجحة أو مرجوحة , قوية أو ضعيفة , ولأن نية القائلين به طيبة ومباركة بإذن الله .
ولكن هذا القول ليس هو القول الوحيد بل هناك قول آخر ينص على أن الاحتفال بالمولد ( بشروط معينة ) جائز بل قد يكون مستحبا . هذا مع وجود التأكيد على أننا نحتفل بالمولد ( إن احتفلنا ) كعادة لا كعبادة , وإلا أصبح الاحتفال بدعة محرمة بلا خلاف بين عالمين مسلمين .
2- من حقك أن تعتبر – كما قال بعضُ العلماء – بأن البدعةَ نوعٌ واحد كله مذمومٌ وكله شرٌّ , وكله مكروهٌ أو حرامٌ.أما ما كان جائزا في الدين أو مستحبا فلا يسمى بدعة بل يسمى استحسانا أو مصالح مرسلة أو...أو أي شيء آخر , إلا أن يوصف بأنه بدعة . من حقك أن تأخذ بهذا الرأي وتعتز به وتدافع عنه وتنشره وتنتقد الرأي المخالف و... ولكن ليس من حقك أبدا أن تعتبر بأن هذا هو الرأي الوحيد في هذه المسألة أو أن تتعصب ضد من يأخذ برأي آخر أو تُجرِّح شخصه.وذلك لأن بعضَ العلماء من القدامى (منهم الشاطبي رحمه الله ) ومن المعاصرين ( منهم أبو زهرة رحمه الله والقرضاوي وغيرهم كثيرون ) قالوا بأن البدعة نوعان :
أول : بدعة لغوية , بمعنى كل شيء لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يتعلق خصوصا بالمعاملات . وهذه تنطبقُ عليها الأحكامُ الخمسة : الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والحرمة.
وثاني : بدعة شرعية , متعلقة أساسا بالعبادات , وهذه هي البدعة المذمومة دوما "كل بدعة ضلالة , وكل ضلالة في النار" , وهي دوما إما مكروهة وإما حرام .
وعلى رأي هؤلاء العلماء فإن الاحتفال – مثلا - بالمولد النبوي الشريف إذا قصدنا به التعبد لله أي احتفلنا به على اعتبار أن الاحتفال من الدين وأنه سنة متبعة فإن الاحتفال يعتبر عندئذ بدعة شرعية سيئة لأن فيها إدخالُ ما ليس من الدين في الدين . وأما إذا احتفلنا بالمولد على اعتبار أن الاحتفال عادة متبعة نقوم بها لتذكر ( وتذكير الناس ) السيرة النبوية والسنة النبوية ليس إلا , فإن الاحتفال يصبح لا حرج فيه ويصبح عادة لا عبادة , وحتى إذا اعتبرناه بدعة فإن البدعة تكون هنا لغوية مباحة أو مستحبة , على رأي هؤلاء العلماء بطبيعة الحال .
3- عند بعض العلماء : من البدع الحسنة الاحتفال بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا العمل لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا فيما يليه ، إنما أحدث في أوائل القرن السابع للهجرة ، وأول من أحدثه ملك إربل وكان عالمًا تقيًّا شجاعًا يقال له المظفر . جمع لهذا كثيرًا من العلماء فيهم من أهل الحديث والمجاهدين الصادقين , فاستحسن ذلك العـمل العلماء في مشارق الأرض ومغاربها ، منهم الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني ، وتلميذه الحافظ السخاوي ، وكذلك الحافظ السيوطي وغيرهم . وذكر الحافظ السخاوي في فتاويه أن عمل المولد حدث بعد القرون الثلاثة ، ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار في المدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ، ويعتنون بقراءة مولده الكريم ، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم .
وللحافظ السيوطي رسالة سماها "حسن المقصد في عمل المولد "، قال : " فقد وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع ؟ وهل هو محمود أو مذموم ؟ وهل يثاب فاعله أو لا ؟ والجواب عندي : أن أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس ، وقراءة ما تيسر من القرءان ، ورواية الأخبار الواردة في مبدإ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها لما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف" .ا.هـ.
قال ابن كثير في تاريخه : " كان يعمل المولد الشريف - يعني الملك المظفر - في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً ، وكان شهمًا شجاعًا بطلاً عاقلاً عالمًا عادلاً رحمه الله وأكرم مثواه . قال : وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب ابن دحية مجلدًا في المولد النبوي سماه " التنوير في مولد البشير النذير" فأجازه على ذلك بألف دينار ، وقد طالت مدته في المُلك إلى أن مات وهو محاصر للفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة محمود السيرة والسريرة" . ا.هـ .
ويذكر سبط ابن الجوزي في مرءاة الزمان أنه كان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء .
قال الحافظ السيوطي: "وقد استخرج له - أي المولد - إمام الحفاظ أبو الفضل أحمد بن حجر أصلاً من السنة ، واستخرجت له أنا أصلاً ثانيًا... " ا.هـ .
ومما تقدم فإن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة حسنة فلا وجه لإنكاره ، بل هو جدير بأن يسمى سنة حسنة لأنه من جملة ما شمله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء" وإن كان الحديث واردًا في سبب معين وهو أن جماعة أدقع بهم الفقر جاءوا إلى رسول الله وهم يلبسون النِّمار مجتبيها أي خارقي وسطها ، فأمر الرسول بالصدقة فاجتمع لهم شىء كثير فسرّ رسول الله لذلك فقال : " من سنَّ في الإسلام ..." الحديث .
وذلك لأن العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين . ومن أنكر ذلك فهو مكابر ولا حجة ولا عبرة بكلامه , ثم إن الإحتفال بالمولد فرصة للقاء المسلمين على الخير وسماع الأناشيد المرققة للقلوب
وإن لم يكن في الإجتماع على المولد إلا بركة الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه و سلم لكفى .
يتبع : ...
اللهم اغفر لأهل منتديات الشروق وارحمهم واجعلهم جميعا من أهل الجنة