قصة أقربيش الكتّاب
26-10-2011, 08:30 AM
سلام الله عليكم أعزائي
اليوم جئتكم بحكاية الأقربيش مزيج من الذكريات والشوق إلى زمن جميل وفخر بحضارة كوّنت أجيال من المتفوقين والحافظين لكتاب الله والمعلين رؤوس أمتهم في السماء البعيده.

لن أطيل وأترككم مع حكاية الأقربيش

مع كل يوم جديد نستيقظ على صوت الفجر وكلنا شوق إلى "أقربيش" وبقلوب ملؤها الفرحة والسعادة نتسابق للوصول إلى هذا الصرح العتيد .
كان هذا في أيام الصّبا حيث مع أوّل ما يتعلم الطفل أبجديات الكلام وأولى أحرفه في مجتمع الصحراء الجزائري يسرع به أبواه إلى "الأقربيش" أو الجامع . . تسميات متعددة كانت تطلق على الكتّاب الذي يعد مدرسة اجتماعية متكاملة فيها يتربى النشا على الأصول والنحو دون أن ننسى الهدف الأول وهوا حفظ القرآن
كنا أطفالا بعمر الزهور حين يأخذننا أبوينا أيامنا الأولى إلى "الأقربيش" .
إذ هي عادات وتقاليد توارثها مجتمعنا فحكمته وسار على نهجها كل أجياله حيث يكون يوم دخول الطفل للمسجد يوم فرح كبير في العائلة يستدعي المباركة وإطعام الطعام على الفقراء والمساكين وهذا بعد أن يذهب الأب مع ابنه إلى المسجد ويقدمه للشيخ أو "الطّالَب" حيث يعمل على خلق الجو المناسب لترغيب ابنه في القران وكذلك يعمل من حوله على جعل الأمر جميلا .
يكرم الأب الشيخ بما تيسر من مال أو طعام ولا حرج في ذلك إن لم يكن موجودا . .والإكرام يمتد للطلاب والتلاميذ في المسجد حيث يقدم ما يسمى –بالفتوح- وهو هذا الطعام الذي يقدم للطلاب حيث يشكله في الأغلب التمر والحليب .
لوح صغير يحرص الأب على إحضاره لأبنه بالإضافة إلى مدواة تقليدية تصنعها الأم بالأسفنج والصمغ والماء ،وقلم من القصب نُجِر بإتقان . . هي أدوات التلميذ من أول يوم يدخل فيه "الأقربيش".

يتعلم الطفل أول ما يتعلم الحروف الأبجدية ثم بمجرد إتقانه الحروف ينتقل إلى سورة الفاتحة
ومنها إلى الناس تصاعديا في سور كتاب الله ويعمل الشيخ على تحديد عدد الآيات التي يكتبها التلميذ في لوحه حيث يراعي -الشيخ- السن والقدرة على الحفظ فالصغار الصغار يبدؤون بآيتين إلى ثلاث وهكذا بالتدريج كل ما نمت قدرة المتعلم على الاستيعاب والحفظ زاده المدرّس عدد الآيات التي يكتبها في لوحه حيث تكون الكتابة في الصباح و الحفظ في المساء.
آيات في اللوح :

يكبر الطفل على هذا الحال إذ يكبر اللوح معه وينموا في صدره القرآن وهو بين كل ختمة لربع من القرآن الكريم يعيد - الفتوح – ليزداد حماسة وإرادة وليفرح الجميع ويفخروا بالتقدم المنجز ومن بينهم الشيخ المعلم .
و مع وصول التلميذ مرحلة متقدمة في كتابة الله يبدأ -الشيخ- بتلقينه المتون الشعرية في النحو والعقيدة ومسائل الدين حتى ينشا الطفل سويا بشخصية قرآنية صالحة ومصلحة في مجتمعها.
ويكون ذلك في يوم الأربعاء من كل أسبوع حيث يكرر التلاميذ سورهم في الصباح ويدارسون الأحاديث والمتون في المساء.

آه كم كانت أياما جميلة . .

يكبر الطفل ومعه الحلم يكبر وبمرور السنوات يصل التلميذ مرحلة ختم حفظ القرآن الكريم. . إنها بحق أعظم مرحلة في حياة التلميذ وأروع إنجاز يقدمه لعائلته ولأهله وبطبيعة الحال لشيخه الذي عمل على تدريسه.
فببلوغ الحافظ سورة البقرة ووصوله إلى ختمتها يبدأ العد التنازلي للحدث الكبير.
"حافيض" أو "الحفاضة" مراسيم حفل تقام لحافظ كتاب الله في جو بهيج مهيب حيث يتم فيه عزم الأهل والأقارب والأصدقاء إلى المسجد إن لم نقل تحضر كل القرية صباحا إلى الجامع أو "الأقربيش" . في مراسيم "الحفاضة" يلبس الحافظ ملابس جديدة، عباءة بيضاء وعمامة وبرنس أبيضا وأحذية بيضاء جديدة كالعريس يختال بهدوء ووقار متقدما نحو شيخه ليقبل يديه، وجبينه في قمة العرفان وتذكار الجميل والسعادة في نفس الوقت .
يقوم الشيخ بإلباسه عمامته البيضاء في حضور الحافظين السابقين لكتاب الله وكذا الشيوخ ومدرسي القرآن هناك حيث يرسم كل منهم في لوح الطالب آية حتى يمتلأ اللوح هذا من وجه ومن الوجه الآخر يكون اللوح مزخرفا زخرفة جميلة مكتوب فيه الفاتحة بخط الحافظ وإمضاء -الطالب- حيث تعتبر ذكرى عن المسجد أو كشهادة حفظ للقرآن الكريم وسام على صدر الزمن ومفخرة للحافظ وعائلته.
يقوم الحضور بترديد ترانيم إنشادية على شاكلة:- بسم الله يا فتاح القلوب علمنا يا علام الغيوب –
-نستفتح باسم الله وهو خير الفاتحين نصر من الله وفتح قريب وبشر المومنين-يردده كل من كان في المسجد .
بعد أن تتم مراسيم "الحفاضة " يقدم الأكل للحضور ويتم ذلك في جو من الفرح والسرور حيث لا يخلوا المشهد من تبادل التباريك خاتمين كل ذلك بالفاتحة وحمد الله عز وجل والدعاء لمن تبقى من المسلمين بحفظ كتاب الله العزيز.
يخرج الحافظ من المسجد وذلك الجمع محيط به مترنمين ومنشدين قصيدة:
الحق جاء و به أقول * * * وما محمد إلى رسول
كلام الله واجب علينا * * * وما محمد إلا نبينا
أفضل ما يتلى وما يقال * * * وخير ما ينفق فيه المال
قراءة القرآن عند الناس * * * كما روى أئمة القيــاس
إلى غاية إتمامها.
عند باب المسجد يكون الخيل بانتظار حافظ القرآن حيث يمتطي جوادا جميل المنظر ممسكا لوحه بكلتا يديه في جو ومنظر أقل ما يقال عنهما أنهما قمة في الروعة ومشاهد الجمال .
يوصل الجمع الحافظ إلى بيتهم بالإنشاد والتهليل والتكبير بترانيم غنائية جميلة حيث تكون أمه باستقباله وعائلته أجمعها من أخوال وأعمام وأهل وأقارب حيث يجلس إلى أمه ويقبلها في مشهد يجسد طاعة الوالدين والتقدير والشكر للأم. تقوم الأم بسقاية ابنها حليبا وتمرا وتباركه وتحمد الله على حفظ ابنها كتاب الله العزيز. .
لن تنته القصة هنا فبعد ذلك يبقى الحافظ في البيت ليومين على الأقل لاستقبال التهاني والتبريكات وقلمه ومدواته بقربه يكتب لمن يأتي آيات بيّنات في قصاصة من الورق للتبرّك.
هذه قصة الأقربيش ذلك المعلم النوراني حيث تنبعث منه حضارة مجتمع بأكمله نهل منه الدين والعلم ،وساهم دوره في بناء أجيال من الشبان الأسوياء .
فرحم الله شيخا عمل على تربية هذا النشا ورحم أبا أدخل ابنه المسجد ورحم أما حرصت على وصول ابنها درجات، العلى والرقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

مصطلحات في القصة :
الأقربيش : الكُتّاب أو الجامع أو المسجد
الطالَب: الشيخ المدرّس
الحفاضة : مراسيم ختام مشوار التلميذ في الأقربيش –الكتّاب-
حافيض : هو حافظ كتاب الله .
دمتم بود أعزائي
تحيات يوسف جزائري
اليوم جئتكم بحكاية الأقربيش مزيج من الذكريات والشوق إلى زمن جميل وفخر بحضارة كوّنت أجيال من المتفوقين والحافظين لكتاب الله والمعلين رؤوس أمتهم في السماء البعيده.

لن أطيل وأترككم مع حكاية الأقربيش

مع كل يوم جديد نستيقظ على صوت الفجر وكلنا شوق إلى "أقربيش" وبقلوب ملؤها الفرحة والسعادة نتسابق للوصول إلى هذا الصرح العتيد .
كان هذا في أيام الصّبا حيث مع أوّل ما يتعلم الطفل أبجديات الكلام وأولى أحرفه في مجتمع الصحراء الجزائري يسرع به أبواه إلى "الأقربيش" أو الجامع . . تسميات متعددة كانت تطلق على الكتّاب الذي يعد مدرسة اجتماعية متكاملة فيها يتربى النشا على الأصول والنحو دون أن ننسى الهدف الأول وهوا حفظ القرآن
كنا أطفالا بعمر الزهور حين يأخذننا أبوينا أيامنا الأولى إلى "الأقربيش" .
إذ هي عادات وتقاليد توارثها مجتمعنا فحكمته وسار على نهجها كل أجياله حيث يكون يوم دخول الطفل للمسجد يوم فرح كبير في العائلة يستدعي المباركة وإطعام الطعام على الفقراء والمساكين وهذا بعد أن يذهب الأب مع ابنه إلى المسجد ويقدمه للشيخ أو "الطّالَب" حيث يعمل على خلق الجو المناسب لترغيب ابنه في القران وكذلك يعمل من حوله على جعل الأمر جميلا .
يكرم الأب الشيخ بما تيسر من مال أو طعام ولا حرج في ذلك إن لم يكن موجودا . .والإكرام يمتد للطلاب والتلاميذ في المسجد حيث يقدم ما يسمى –بالفتوح- وهو هذا الطعام الذي يقدم للطلاب حيث يشكله في الأغلب التمر والحليب .
لوح صغير يحرص الأب على إحضاره لأبنه بالإضافة إلى مدواة تقليدية تصنعها الأم بالأسفنج والصمغ والماء ،وقلم من القصب نُجِر بإتقان . . هي أدوات التلميذ من أول يوم يدخل فيه "الأقربيش".

يتعلم الطفل أول ما يتعلم الحروف الأبجدية ثم بمجرد إتقانه الحروف ينتقل إلى سورة الفاتحة
ومنها إلى الناس تصاعديا في سور كتاب الله ويعمل الشيخ على تحديد عدد الآيات التي يكتبها التلميذ في لوحه حيث يراعي -الشيخ- السن والقدرة على الحفظ فالصغار الصغار يبدؤون بآيتين إلى ثلاث وهكذا بالتدريج كل ما نمت قدرة المتعلم على الاستيعاب والحفظ زاده المدرّس عدد الآيات التي يكتبها في لوحه حيث تكون الكتابة في الصباح و الحفظ في المساء.
آيات في اللوح :

يكبر الطفل على هذا الحال إذ يكبر اللوح معه وينموا في صدره القرآن وهو بين كل ختمة لربع من القرآن الكريم يعيد - الفتوح – ليزداد حماسة وإرادة وليفرح الجميع ويفخروا بالتقدم المنجز ومن بينهم الشيخ المعلم .
و مع وصول التلميذ مرحلة متقدمة في كتابة الله يبدأ -الشيخ- بتلقينه المتون الشعرية في النحو والعقيدة ومسائل الدين حتى ينشا الطفل سويا بشخصية قرآنية صالحة ومصلحة في مجتمعها.
ويكون ذلك في يوم الأربعاء من كل أسبوع حيث يكرر التلاميذ سورهم في الصباح ويدارسون الأحاديث والمتون في المساء.
آه كم كانت أياما جميلة . .

يكبر الطفل ومعه الحلم يكبر وبمرور السنوات يصل التلميذ مرحلة ختم حفظ القرآن الكريم. . إنها بحق أعظم مرحلة في حياة التلميذ وأروع إنجاز يقدمه لعائلته ولأهله وبطبيعة الحال لشيخه الذي عمل على تدريسه.
فببلوغ الحافظ سورة البقرة ووصوله إلى ختمتها يبدأ العد التنازلي للحدث الكبير.
"حافيض" أو "الحفاضة" مراسيم حفل تقام لحافظ كتاب الله في جو بهيج مهيب حيث يتم فيه عزم الأهل والأقارب والأصدقاء إلى المسجد إن لم نقل تحضر كل القرية صباحا إلى الجامع أو "الأقربيش" . في مراسيم "الحفاضة" يلبس الحافظ ملابس جديدة، عباءة بيضاء وعمامة وبرنس أبيضا وأحذية بيضاء جديدة كالعريس يختال بهدوء ووقار متقدما نحو شيخه ليقبل يديه، وجبينه في قمة العرفان وتذكار الجميل والسعادة في نفس الوقت .
يقوم الشيخ بإلباسه عمامته البيضاء في حضور الحافظين السابقين لكتاب الله وكذا الشيوخ ومدرسي القرآن هناك حيث يرسم كل منهم في لوح الطالب آية حتى يمتلأ اللوح هذا من وجه ومن الوجه الآخر يكون اللوح مزخرفا زخرفة جميلة مكتوب فيه الفاتحة بخط الحافظ وإمضاء -الطالب- حيث تعتبر ذكرى عن المسجد أو كشهادة حفظ للقرآن الكريم وسام على صدر الزمن ومفخرة للحافظ وعائلته.
يقوم الحضور بترديد ترانيم إنشادية على شاكلة:- بسم الله يا فتاح القلوب علمنا يا علام الغيوب –
-نستفتح باسم الله وهو خير الفاتحين نصر من الله وفتح قريب وبشر المومنين-يردده كل من كان في المسجد .
بعد أن تتم مراسيم "الحفاضة " يقدم الأكل للحضور ويتم ذلك في جو من الفرح والسرور حيث لا يخلوا المشهد من تبادل التباريك خاتمين كل ذلك بالفاتحة وحمد الله عز وجل والدعاء لمن تبقى من المسلمين بحفظ كتاب الله العزيز.
يخرج الحافظ من المسجد وذلك الجمع محيط به مترنمين ومنشدين قصيدة:
الحق جاء و به أقول * * * وما محمد إلى رسول
كلام الله واجب علينا * * * وما محمد إلا نبينا
أفضل ما يتلى وما يقال * * * وخير ما ينفق فيه المال
قراءة القرآن عند الناس * * * كما روى أئمة القيــاس
إلى غاية إتمامها.
عند باب المسجد يكون الخيل بانتظار حافظ القرآن حيث يمتطي جوادا جميل المنظر ممسكا لوحه بكلتا يديه في جو ومنظر أقل ما يقال عنهما أنهما قمة في الروعة ومشاهد الجمال .
يوصل الجمع الحافظ إلى بيتهم بالإنشاد والتهليل والتكبير بترانيم غنائية جميلة حيث تكون أمه باستقباله وعائلته أجمعها من أخوال وأعمام وأهل وأقارب حيث يجلس إلى أمه ويقبلها في مشهد يجسد طاعة الوالدين والتقدير والشكر للأم. تقوم الأم بسقاية ابنها حليبا وتمرا وتباركه وتحمد الله على حفظ ابنها كتاب الله العزيز. .
لن تنته القصة هنا فبعد ذلك يبقى الحافظ في البيت ليومين على الأقل لاستقبال التهاني والتبريكات وقلمه ومدواته بقربه يكتب لمن يأتي آيات بيّنات في قصاصة من الورق للتبرّك.
هذه قصة الأقربيش ذلك المعلم النوراني حيث تنبعث منه حضارة مجتمع بأكمله نهل منه الدين والعلم ،وساهم دوره في بناء أجيال من الشبان الأسوياء .
فرحم الله شيخا عمل على تربية هذا النشا ورحم أبا أدخل ابنه المسجد ورحم أما حرصت على وصول ابنها درجات، العلى والرقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

مصطلحات في القصة :
الأقربيش : الكُتّاب أو الجامع أو المسجد
الطالَب: الشيخ المدرّس
الحفاضة : مراسيم ختام مشوار التلميذ في الأقربيش –الكتّاب-
حافيض : هو حافظ كتاب الله .
دمتم بود أعزائي
تحيات يوسف جزائري















