تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: من هو محمد ابن عبد الوهاب
16-07-2008, 06:41 PM
الأستاذ الأديب محمد السعيد الزاهري - رحمه الله -
( ت 1375 هـ - 1956 م )


1 - قام الأستاذ الزاهري - رحمه الله - بنشر مقال لصاحب المعالي العلامة الفقيه محمد الحجوي - وزير المعارف بالمغرب الأقصى - بعنوان ( الوهابيون سنيون حنابلة ) ؛ في ( العدد 3 ) من جريدة " الصراط السوي " ( 5 جمادى الثانية 1352 هـ / 25 سبتمبر 1933 م ، ص 3 ) ، قال في التقديم له ما نصه : ( كتب معالي الأستاذ الحجوي فصلا قيِّما عن الوهابية والوهابيون أردنا أن نتحف به قراءنا ليطلعوا على ما يقول العلماء الأعلام في الوهابية ، وعلى ما يتمنون لها من سعة الانتشار ، ونحن ننشر هذا الفصل كرد على لغط هؤلاء المشاغبين المغرضين الذين لا يزالون يرموننا بأننا وهابية ، ويرمون الوهابية بالكفر والمروق من الدين ) .

ومما جاء في مقال الشيخ الحجوي ( ت 1376 هـ ) - رحمه الله - قوله : ( عقيدته [ أي ابن عبد الوهاب ]
السنة الخالصة على مذهب السلف المتمسكين بمحض القران والسنة ، لا يخوض التأويل والفلسفة ولا يدخلهما في عقيدته .

وفي الفروع مذهبه حنبلي غير جامد على تقليد الإمام أحمد ولا من دونه ، بل إذا وجد دليلا أخذ به وترك أقوال المذهب ، فهو مستقل الفكر في العقيدة والفروع معا
) .

إلى أن قال : ( وهو [ أي مذهبه ] نبذ التعلق بالقبور وعدم نسبة التأثير في الكون للمقبور ، بل منع التوسل بالمخلوق وهدم الأضرحة التي تشييدها سبب هذه الفكرة ، وقد فصلت ذلك في رسالتي " بيان مذهب الوهابية " وفي كتاببي " برهان الحق " (1) ، وأعظم خلاف بينهم وبين أهل السنة هو مسألة التوسل وتكفيرهم من يتوسل بالمخلوق ، فالخلاف في الحقيقة ليس في الأصول التي ينبني عليها التكفير أو التبديع ، وإنما هو في أمور ثانوية وأهمها هذه ) .

إلى أن قال : ( وهذا المذهب مؤسسه في الحقيقة ابن تيمية ، ولكن حاز الشهرة محمد بن عبد الوهاب ، وإليه نسبوه حيث توفق لإظهاره بالفعل ، ونشره بالقوة ، و تمكن من إحلاله محلا مقبولا من قلوب النجديين الذين قاتلوا عليه ) .

ثم ختم بقوله : ( وعاد اليوم لهم ظهور وانتشار ، ووقع التفاهم بين علماء الإسلام وزالت غشاوة كل الأوهام ، وعلم كل فريق ما هو حق وما حاد فيه عن الطريق ، وكادت أن لا تبقى نفرة بين علماء نجد وبقية علماء الآفاق ، لا سيما بوجود الملك عبد العزيز آل سعود - ملك نجد والحجاز والحرمين وملحقاتها الحالي - الذي ظهرت منه كفاءة تامة ونصرة للسنة بعد العهد بها ممن لدن أهل الصدر الأول ، واعتدال في الأفكار ونشر للأمن ووحدة الإسلام والغيرة العربية والعدل في الأحكام ، فهو من أفذاذ ملوك الإسلام العظام ذوي السياسة الإسلامية القويمة ، والكعب المعلى في الصرامة والحزم والشدة في الرفق والعزم قبل الضيق ، والسير على سنن السلف ، بما شهد له المحب والعدو ، أكثر الله في الإسلام أمثاله ، وأطال عمره ، وأطال يده على أعدائه ، وزاده تأييدا وتسديدا وثباتا في مبدئه القويم المعتدل ، وبلغه مناه ، حتى نرى الحرمين الشريفين والحجاز أرقى بلاد الإسلام ) . وهذا الفصل تجده - بتمامه - في كتاب منشئه " الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي " ( 2 / 445 - 448 ) .

2 - وفي ( العدد 5 ) من " الصراط السوي " ( 26 جمادى الثانية 1352 هـ / 16 أكتوبر 1933 م ، ص 4 - 5 ) كتب الزاهري مقالا بعنوان ( الوهابيون سنيون حنابلة - إيضاح وتعليق - ) قال فيه ما نصه : ( في كلام الوزير من الحقائق الثابتة ما لا يخفى على أي منصف لم يعمه الغرض والهوى ، فهو يقرر كما هو الواقع " أن الإمام أبا عبد الله محمد بن عبد الوهاب الزعيم الأكبر ؛ قد برع في علوم الدين واللسان وفاق الأقران ، واشتهر بالتقوى وصدق التدين ، عقيدته السنة الخالصة على مذهب السلف المتمسكين بمحض القرآن والسنة ، لا يخوض التأويل والفلسفة ولا يدخلهما في عقيدته ، وفي الفروع مذهبه حنبلي غير جامد .." ، ويقرر أيضا - كما هو الواقع - أن مبادئ الوهابية " التمسك بالسنة وإلزام الناس بصلاة الجماعة وترك الخمر وإقامة الحد على متعاطيها ، ومنعها منعا كليا من مملكتهم ... وغير ذلك من التشديدات التي لا يراها المتساهلون المترخصون ( !!! ) وكل هذا لا يخالف السنة ... " .

ولكنه مع إثباته لهذه الحقائق قال : " ... وأعظم خلاف بينهم وبين أهل السنة هو مسألة التوسل ، وتكفيرهم من يتوسل بالمخلوق .. " ، وهذا وهم وهمه سعادة الوزير ، فإنه لا يوجد في نفس الأمر أدنى خلاف بين الوهابيين وبين أهل السنة إلا ما هو موجود بين أهل السنة أنفسهم ، فالوهابيون حنابلة سنيون بأتم معنى الكلمة ، وحسبك أنه ليس لهم كتب مذهبية للمذهب الوهابي مثلا ، بل كتبهم هي كتب الحنابلة نفسها .. ) .

إلى أن قال : ( وهنا مسألة جوهرية لا بأس بالإشارة إليها ، وهي أن كتب الحنابلة التي يقرؤها الوهابية وغيرهم هي كتب سنة وحديث أكثر مما هي كتب فقهية حنبلية ، وهم لا يزالون يؤلفونها على طريقة السلف الصالح وأئمة هذا الدين الحنيف ... ولا يخفى أن كتب السنة والحديث تجعل قارئها سنيا سلفيا شديد الاتصال بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وشديد الاتصال بالسلف الصالح ، وبعيدا كل البعد عن التقليد والجمود ، وبعيدا عن البدع ومحدثات الأمور ، ومن هنا جاء الخلاف بين الوهابية من أهل السنة الآخرين ( كذا في الأصل ) - إن كان هنالك خلاف - ...

والوهابية أو حنابلة نجد لا يقولون بكفر من يتوسل التوسل الشرعي ، بل يقولون بكفر من يدعو مع الله إلها آخر ، ومن معاني " التوسل " عند الجامدين ( من أهل السنة ) أنهم يدعون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ! وأحسب أن من يطالع كتاب " التوسل والوسيلة " لشيخ الإسلام ابن تيمية يرى صدق ما نقول . وهذه العقيدة ليست عقيدة حنابلة نجد وحدهم بل هي عقيدة السلف الصالح وعقيدة أهل السنة جميعا - ما عدا الجامدين منهم والمتساهلين - .. ) .

وقال - رحمه الله - في نفس المقال أيضا : ( الأتراك هم الذين سموا حنابلة نجد باسم " الوهابية " ، وهم الذين نشروا عنهم التهم والأكاذيب في العالم الإسلامي ، واستأجروا الفقهاء في جميع الأقطار ليؤلفوا ويكتبوا ويكذبوا على حنابلة نجد ، وهم الذين ألفوا كتابا ضد الوهابية ونسبوه إلى الشيخ سليمان بن عبد الوهاب - شقيق الإمام محمد بن عبد الوهاب - ، وهم الذين أخذوا ابن سعود أسيرا إلى الآستانة ولكنهم نكثوا العهد الذي عاهدوه فقتلوه غيلة وغدرا ، وأنا أعتقد أن للأجانب يدا في هذه الحرب التي أثارها الأتراك العثمانيون على ابن سعود ؛ فإنه يسوؤهم أن يستولي ابن سعود على الحجاز ويسوؤهم أن ينشر فيه الأمن والعدل والرحمة وأن يحكم فيه بما أنزل الله ، وكان الحجاز على عهد الأتراك مباءة فوضى وقطع طرق ، فلما جاء الوهابية أمنوا سبله ونشروا فيه الطمأنينة والعدل ) .

ثم قال : ( بقي شيء واحد وهو قول الوزير : " إن مؤسس هذا المذهب هو شيخ الإسلام ابن تيمية ، واشتهر به ابن عبد الوهاب " ، والواقع أن مؤسس هذا المذهب ليس هو ابن تيمية ولا ابن عبد الوهاب ولا الإمام أحمد ولا غيرهم من الأئمة والعلماء ، وإنما مؤسسه هو خاتم النبيين سيدنا محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ، على أنه في الحقيقة ليس مذهبا ، بل هو دعوة إلى الرجوع إلى السنة النبوية الشريفة وإلى التمسك بالقران الكريم ، وليس هناك شيء آخر غير هذا ) .


====

(1) أرجو لو يتفضل أحد طلبة العلم من المغرب الأقصى بالإفادة حول هذين الكتابين .
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: من هو محمد ابن عبد الوهاب
16-07-2008, 06:42 PM
الشيخ العلامة الطيب العقبي - رحمه الله -
( ت 1379 هـ - 1960 م )


1 - قال الشيخ الطيب العقبي - رحمه الله - في مقال له بعنوان ( يقولون وأقول ) نشر في ( العدد 119 ) من جريدة " الشهاب " ( 30 ربيع الثاني 1346 هـ / 27 أكتوبر 1927 م ، ص 14 ) : ( يقولون لي : إن عقائدك هذه هي عقائد الوهابية ، فقلت لهم : إذن الوهابية هم الموحدون ) .


2 - وقال - رحمه الله - في ( العدد 2 ) من جريدة " السنة " ( 22 ذي الحجة 1351 هـ / 17 أبريل 1933 م ، ص 7 ) : ( هذا وإن دعوتنا الإصلاحية - قبل كل شيء وبعده - هي دعوة دينية محضة ، لا دخل لها في السياسة ألبتة ، نريد منها تثقيف أمتنا وتهذيب مجتمعنا بتعاليم دين الإسلام الصحيحة ، وهي تتلخص في كلمتين : أن لا نعبد إلا الله وحده ، وأن لا تكون عبادتنا له إلا بما شرعه وجاء من عنده ...

ثم ما هي هذه الوهابية التي تصورها المتخيلون أو صورها لهم المجرمون بغير صورتها الحقيقة ؟
أهي حزب سياسي ؟ ... أم هي مذهب ديني وعقيدة إسلامية كغيرها من العقائد والمذاهب التي تنتحلها وتدين بها مذاهب وجماعات من المسلمين ؟

وإذا كانت الوهابية : هي عبادة الله وحده بما شرعه لعباده ، فإنها هي مذهبنا وديننا وملتنا السمحة التي ندين الله بها وعليها نحي وعليها نموت ونبعث إن شاء الله من الآمنين ) .


3 - ونذكر هنا أن من الكتب التي درسها الشيخ العقبي - رحمه الله - في مجالسه العلمية كتاب " كشف الشبهات " للشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - (1) .


====

(1) انظر كتاب " الطيب العقبي ودوره في الحركة الوطنية الجزائرية " ( ص 89 ) للأستاذ أحمد مريوش .
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: من هو محمد ابن عبد الوهاب
16-07-2008, 06:42 PM
الشيخ العلامة الأديب محمد البشير طالب الإبراهيمي - رحمه الله -
( ت 1385 - 1965 م )


1 - قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي - رحمه الله - في مقال له نشر في ( العدد 9 ) من جريدة " السنة " ( 11 صفر 1352 هـ / 5 يونيو 1933 م ، ص 3 ) : ( ويقولون عنا إننا وهابيون ، كلمة كثر تردادها في هذه الأيام الأخيرة حتى أنست ما قبلها من كلمات : عبداويين وإباضيين وخوارج . فنحن بحمد الله ثابتون في مكان واحد وهو مستقر الحق ، ولكن القوم يصبغوننا في كل يوم بصبغة ، ويسموننا في كل لحظة بسمة ، وهم يتخذون من هذه الأسماء المختلفة أدوات لتنفير العامة منا وإبعادها عنا ، وأسلحة يقاتلوننا بها وكلما كلت أداة جاءوا بأداة ، ومن طبيعة هذه الأسلحة الكلال وعدم الغناء ، وقد كان آخر طراز من هذه الأسلحة المفلولة التي عرضوها في هذه الأيام كلمة "وهابي" ، ولعلهم حشدوا لها ما لم يحشدوا لغيرها وحفلوا بها ما لم يحفلوا بسواها ، ولعلهم كافئوا مبتدعها بلقب ( مبتدع كبير ) .

إن العامة لا تعرف من مدلول كلمة " وهابي " إلا ما يعرفها به هؤلاء الكاذبون ، وما يعرف منها هؤلاء إلا الاسم وأشهر خاصة لهذا الاسم وهي أنه يذيب البدع كما تذيب النار الحديد ، وأن العاقل لا يدري مم يعجب ! أمن تنفيرهم باسم لا يعرف حقيقته المخاطب منهم ولا المخاطب ، أم من تعمدهم تكفير المسلم الذي لا يعرفونه نكاية في المسلم الذي يعرفونه ، فقد وجهت أسئلة من العامة إلى هؤلاء المفترين من ( علماء السنة !! ) عن معنى "الوهابي" ؛ فقالوا هو الكافر بالله وبرسوله ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .

أما نحن فلا يعسر علينا فهم هذه العقدة من أصحابنا بعد أن فهمنا جميع عقدهم ، وإذ قد عرفنا مبلغ فهمهم للأشياء وعلمهم بالأشياء ، فإننا لا نرد ما صدر منهم إلى ما يعلمون منه ولكننا نرده إلى ما يقصدون به ، وما يقصدون بهذه الكلمات إلا تنفير الناس من دعاة الحق ، ولا دافع لهم إلى الحشد في هذا إلا أنهم موتورون لهذا الوهابية التي هدمت أنصابهم ومحت بدعهم فيما وقع تحت سلطانها في ارض الله وقد ضج مبتدعة الحجاز فضج هؤلاء لضجيجهم - والبدعة رحم ماسة - ، فليس ما نسمعه هنا من ترديد كلمة " وهابي " تقذف في وجه كل داع إلى الحق إلا نواحا مرددا على البدع التي ذهبت صرعى هذه الوهابية ، وتحرقا على هذه الوهابية التي جرفت البدع ، فما أبغض الوهابية إلى نفوس أصحابنا ، وما أثقل هذا الاسم على أسماعهم ، ولكن ما أخفه على ألسنتهم حين يتوسلون به إلى التنفير من المصلحين ، وما أقسى هذه الوهابية التي فجعت المبتدعة في بدعهم - وهي أعز عزيز لديهم - ، ولم ترحم النفوس الولهانة بحبها ولم ترث للعبرات المراقة من أجلها ) .

وقال ( 6 ) : ( يا قوم إن الحق فوق الأشخاص ، وإن السنة لا تسمى باسم من أحياها ، وإن الوهابيين قوم مسلمون يشاركونكم في الانتساب إلى الإسلام ، ويفوقونكم في إقامة شعائره وحدوده ، ويفوقون جميع المسلمين في هذا العصر بواحدة وهي أنهم لا يقرون البدعة ، وما ذنبهم إذا ما أنكروا ما أنكره كتاب الله وسنة رسوله ، وتيسر لهم من وسائل الاستطاعة ما قدروا به على تغيير المنكر ؟

أإذا وافقنا طائفة من المسلمين في شيء معلوم من الدين بالضرورة ، وفي تغيير المنكرات الفاشية عندنا وعندهم - والمنكر لا يختلف حكمه باختلاف الأوطان - تنسبوننا إليهم تحقيرا لنا ولهم ، وازدراء بنا وبهم ، وإن فرقت بيننا وبينهم الاعتبارات ؛ فنحن مالكيون برغم أنوفكم ، وهم حنبليون برغم أنوفكم ، ونحن في الجزائر وهم في الجزيرة . ونحن نعمل في طرق الإصلاح الأقلام ، وهم يعملون فيها الأقدام ، وهم يعملون في الأضرحة المعاول ونحن نعمل في بانيها المقاول ) (1) .

2 - وقال - كما في " آثاره " ( 1 / 198) - : ( نسمع نغمات مختلفة ونقرؤها في بعض الأوقات كلمات مجسمة - صادرة من بعض الجهات الإدارية أو الجهات الطرقية - تحمل عليها الوسوسة وعدم التبصر في الحقائق من جهة ، والتشفي والتشهير من جهة أخرى ، هذه النغمات هي رمي جمعية العلماء تارة بأنها شيوعية ، وتارة بأنها محركة بيد خفية أجنبية ،
وتارة بأنها تعمل للجامعة الإسلامية أو العربية أو تعمل لنشر الوهابية ، والطرقيون لا تهمهم إلا هذه الكلمة الأخيرة ، فهي التي تقض مضاجعهم وتحرمهم لذيذ المنام ، وحالهم معها على الوجه الذي يقول فيه القائل :

فإذا تنبه رُعتَه وإذا غفا * سلت عليه سيوفَكَ الأحلامُ

وكيف لا يحقدون عن هادمة أنصابهم ، وهازمة أحزابهم ؟ فتراهم لاضطغانهم عليها يريدون أن يسبوها فيسبوننا بها من غير أن يتبينوا حقيقتها أو حقيقتنا ، والقوم جهال ملتخون من الجهل ، وحسبهم هذا
) (2) .

3 – وقال وهو يتحدث عن صديقه الشيخ محمد نصيف - رحمهما الله – في " آثاره " ( 4 / 125 ) : ( إذا لم ينصف الحجاز شيخه ومخلد مجده ورافع رايته أستاذنا الشيخ نصيفا ، فإن العالم الإسلامي كله ينصفه ، فكلنا ألسنة شاهدة بأنه مجموعة فضائل نعد منها ولا نعددها ، وأنه مجمع يلتقي عنده علماء الإسلام وقادته وزعماؤه فيردون ظماء ويصدرون رواء ، وإنني أقولها بصيحة صريحة ، وأؤديها شهادة للحق والتاريخ بأنه محيي السنة في الحجاز من يوم كان علماؤه – ومنهم أشياخنا – متهورين في الضلالة ، وأنه صنع للسلفية وإحياء آثارها ما تعجز عنه الجمعيات بل والحكومات ، وأنه أنفق عمره وماله في نصرها ونشرها ، في هدوء المخلصين وسكون الحكماء ، وسيسجل التاريخ العادل آثاره في عقول المسلمين ، وسيشكر له الله غزوه للبدع بجيوش السنن المتمثلة في كتبها وعلوم أئمتها ، وجميعة العلماء نفسها مدينة له ، فإن الكتب السلفية لم تصلنا إلا عن يده ) (3) .

4 – وللشيخ الإبراهيمي - رحمه الله - أرجوزة بعثها لبعض علماء نجد ، قال فيها :

إنَّا إذا ما ليلُ نجدٍ عسعسا * وغربت هذي الجواري خُنَّسا
والصبح عن ضيائه تنفَّسا * قمنا نؤدِّي الواجب المقدَّسا
ونقطع اليوم نناجي الطُّرُسا * وننتحي بعد العشاء مجلسا
موطَّداً على التقى مؤسَّسا * في شِيخةٍ حديثهم يجلو الأسى
***
وهمم غُرٌّ تعاف الـَّنسا * وذممٌ طهر تجافي النَّجَسا
يُحْيُون فينا مـالكاً وأنسا * والأحمدين والإمام المؤتسا (4)
***
بوركتِ يا أرضٌ بها الدين رسا * وَأَمِنَتْ آثـاره أن تَدْرُسا
والشرك في كلِّ البلاد عرَّسا * جذلان يتلو كُتْبَه مُدرِّسا
مصاولاً مواثباً مفترسا * حتى إذا ما جاء جَلْساً جَلَسَا (5)
منكمشاً مُنخذلاً مقْعَنسسا * مُبَصْبصاً قيل له اخْسأْ فخسا
شيطانه بعد العُرَام خنسا * لما رأى إبليسه قد أبلسا
ونُكِّستْ راياته فانتكسا * وقام فـي أتباعه مبتئسا
مُخَافِتاً مِنْ صوته محترسا * وقال إنَّ شيخكم قد يئسا
من بلد فيها الهدى قد رأسا * ومعْلَمُ الشرك بها قد طُمِسا
ومعهدُ الـعلم بها قد أسسا * ومنهلُ التوحيد فيها انبجسا
***
يا عمر الحَقِّ وقيتَ الأبؤسا * ولا لقيت - ما بقيت – الأَنْحُسا (6)
لك الرضى إنَّ الشباب انتكسا * وانتابه داءٌ يحاكي الهَوَسَا
وانعكستْ أفكاره فانعكسَا * وفُتحت له الكُوَى فأسلسا
فإن أبت نجدٌ فلا تأبى الحسا * فاقْسُ على أشْرَارِهم كما قسا
سميُّك الفاروق (فالدين أُسى) * نَصرُ بْن حجَّاج الفتى وما أسا
غـرَّبَـهُ إذ هتفتْ به النِّسا * ولا تُبال عاتِباً تغطرسا
أوْ ذا خَبالٍ للخنا تَحَمَّسا * أو ذا سُعارٍ بالزِّنَى تَمرَّسا
شيطانه بالمُنديات وسوسا * ولا تُشَّمِّت مِنهمُ من عطسَا
***
يا شَيْبَةَ الحَمْدِ رئيس الرُّؤَسَا * وَوَاحِدَ العصرِ الهُمَامَ الكَيِّسَا (7)
ومفتيَ الدِّينِ الذي إنْ نَبَسَا * حَسِبْتَ في بُرْدَتهِ شيخَ نَسَا
راوي الأحاديثِ مُتُوناً سُلَّسَا * غُرّاً إذا الراوي افترى أو دَلَّسَا
وصَادِقَ الحَدْسِ إذا ما حَدَسَا * ومُوقِنَ الظَّنِّ إذا تَفَرَّسَا
وصادعاً بالحقِّ حين هَمَسَا * به المُرِيبُ خائفاً مُخْتَلِسَا
***
فتحتَ بالعلمِ عيوناً نُعَّسَا * وكان جَدُّ العلم جَداً تَعِسَا
وسُقْتَ للجهل الأُسَاَة النُّطُسَا * وكان داءُ الجهلِ داءً نَجَسَا
رمى بك الإلحادَ رامٍ قَرْطَسَا * وَوَتَرَتْ يد الإلهِ الأَقْوُسَا
وجَدُّكَ الأعْلَى اقْتَرَى وأَسَّسَا * وتركَ التَّوحيدَ مَرْعِيَّ الْوَسَا (8)
حَتَّى إذا الشركُ دَجَا وَاسْتَحْلَسَا * لُحْتَ فكنتَ في الدَّيَاجِي القَبَسَا
ولم تَزَلْ تَفْرِي الْفَرِيَّ سَائِسَا * حتى غدا الليلُ نهاراً مُشْمِسَاً

انظر الأرجوزة كاملة - مع شرح غريبها - في " آثار الإبراهيمي " ( 4 / 126 - 130 ) .

5 – وقال في قصيدة أخرى إلى بعض علماء نجد - أيضا - :

قد كنت في جِنِّ النَّشَاط والأشرْ * كأنَّني خرجتُ عَن طورِ البَشَر
وكنت نَجْدِىَّ الهوى من الصغرْ * أهيمُ في بَدْر الدُّجى إذا سَفَرْ
***
وقائدي في الدين آيٌ وأَثَر * صَحَّ بَرَاوٍ ما وَنَى وَلا عَثَر
وَمَذهبي حُبُّ عَلِيٍّ وَعُمَر * والخلفاءِ الصَّالحين في الزُّمرْ
هذا وَلا أحْصُرُهُمْ في اثني عَشَر * لا ولا أَرْفَعُهمْ فوق البّشر
وَلا أنَالُ وَاحداً مِنهم بِشَرْ * ( وشيعتي في الحاضرينَ ) مَنْ نَشَر
دَينَ الهُدَى وذبَّ عَنهُ وَنَفَر * لِعِلْمِهِ وَفـقَ الـدَّليل المُستَطَرْ
حَتَّى قَضَى من نُصْرة الحقِّ الوطر * هم شِيْعَتِي في كلِّ ما أَجدَى وضَرْ
وَمَعشَري في كل ما ساءَ وَسَرّ * وَعُصبتي في كلِّ بدوٍ وحضَر
أمَّا إذا صَبَبْتُ هذه الـزُّمر * في وَاحدٍ يجمعُ كلَّ ما انتثر
( فَخُلَّتِي مَنْ بينهم أخٌ ظهَرْ ) * في الدَّعوةِ الكُبرى فَجَلَّى وبَهَرْ
وَجَال في نَشرِ العُلُومِ وقَهَرْ * كَتَائبَ الجَهل المغيرِ وانتصر
( عبداللطيف ) المُرتَضَى النَّدبُ الأبر * سُلالَةُ الشَّيْخ الإمام المُعْتَبرْ (9)
مَنْ آلِ بيت الشيخِ إنْ غابَ قمرْ * عَنِ الوَرَى خَلَفهُ منهم قَمَرْ
فَجَدُّهم نَقَّى التراب وبَذَرْ * ولَقِيَ الأَذَى شديداً فَصَبَرْ
على الأذى فكان عُقبَاه الظَّفَر * والابنُ والى السَّقيَ كي يَجْنِي الثَّمَرْ
( وإن أحفادَ الإمام ) لَزُمَر * ( محمدٌ ) من بينهم حَادِي الزُّمَرْ (10)
تقاسموا الأعمالَ فاختصَّ نَفَرْ * بما نهى محمدٌ وما أمـرْ
واختص بالتعليمِ قومٌ فازْدَهَر * يبني عقولَ النشءِ مِن غَيرِ خَوَرْ
قادَ جيوشَ العِلمِ لِلنَّصرِ الأغَر * كالسورِ يعلو حجراً فوقَ حجرْ

إلى آخر الأرجوزة الماتعة ، التي تجدها في " الآثار " ( 4 / 131 – 134 ) .

6 - وقال البشير الإبراهيمي - رحمه الله - في رسالة بعثها من القاهرة إلى الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم - رحمه الله - :

( حضرة الأخ الأستاذ الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، مفتي المملكة العربية السعودية ، أطال الله بقاءه .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أما بعد ، فإنني أكتب إليكم - كتب الله لنا ولكم السعادة والتوفيق ، وأدام علينا وعليكم نعمة الإيمان وأتمها - ، أذكركم ما لستم عنه غافلين من حال إخوانكم الجزائريين المجاهدين ، وما هم فيه من الشدة والحاجة إلى العون والإمداد ، وما أصبحت عليه الأمة الجزائرية كلها من ورائهم من البؤس والضيق .

أذكركم أن لكم بالجانب الغربي من وطن العروبة ومنابت الإسلام الأولى ومجرى سوابق المجاهدين الأولين لإخواناً في العروبة - وهي رحم قوية - ، وفي الإسلام - وهو سبب مرعي - ، وفي ذلك المعنى الخاص من الإسلام وهو السلفية التي جاهدتم وجاهد أسلافكم الأبرار في سبيل تثبيتها في أرض الله ، وقد لقوا من عنت الاستعمار وجبروته ما أهمَّهم وأهمَّ كل مسلم حقيقي يعلم أن الإسلام رحم شابكة بين بَنِيه أينما كانوا ، وأن أقل واجباته النجدة في حينها والتناصر لوقته ... ) ، انظرها - بتمامها - في " آثاره " ( 5 / 221 – 223 ) .

7 – وقال في رسالة مماثلة إلى الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ - رحمه الله - :

( حضرة صاحب الفضيلة الشيخ عمر بن حسن ، رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمملكة العربية السعودية .

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أما بعد ، فإني أحمد لكم الله الذي لا إله لا هو ، وأرجو أن يوزعني وإياكم شكر نعمائه ، وأن ييسرنا للقيام بما افترض علينا من الجهاد بجميع أنواعه في سبيل ديننا الذي أحاطت به الخرافات والأوهام في الداخل ، كما أحاط به الكفر والطواغيت في الخارج ، أذكركم بإخوانكم المجاهدين في الجزائر الذين أحيوا في الزمن الأخير فريضة عفا أثرها وانطمس رسمها في هذه العصور ، فنصرهم الله على ضعفهم وقلة عددهم وعُددهم وقوة عدوهم ، وتأييد الطواغيت له ...الخ ) ، انظرها كاملة في " آثاره " ( 5 / 224 – 225 ) .


=====

(1) انظر " آثار الإبراهيمي " ( 1/ 123 – 124 ) .

(2) وهذا الكلام نشرا - أولا - ضمن " سجل مؤتمر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين " ( ط قسنطينة 1935م ) .

(3) نشرت الكلمة في ( العدد 4 ) من مجلة " المنهل " ( ربيع الثاني 1372 هـ / يناير 1953 م ) .

(4) يريد بالأحمدين : الإمام أحمد بن حنبل ، وشيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، وبالإمام المؤتسى : الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - .

(5) جلس : بلاد نجد ، قاله في " القاموس المحيط " ( ص 560 ط دار الكتب العلمية ) .

(6) يريد صاحب الفضيلة الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ - رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آنذاك - رحمه الله - .

(7) يريد سماحة المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - .

(8) جدك الأعلى : يريد به الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - .

(9) يعني به الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ ، وبالإمام المعتبر : الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

(10) يعني به الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ .
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: من هو محمد ابن عبد الوهاب
16-07-2008, 06:43 PM
الشيخ الفقيه أحمد حماني - رحمه الله -
( ت 1419 هـ - 1998م )


1 - قال الشيخ أحمد حماني - رحمه الله - في كتابه " صراع بين السنة والبدعة " ( 1/ 50-51 ) : ( أول صوت ارتفع بالإصلاح والإنكار على البدعة والمبتدعين ووجوب الرجوع إلى كتاب الله والتمسك بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونبذ كل ابتداع ومقاومة أصحابه ، جاء من الجزيرة العربية وأعلنه في الناس الإمام محمد بن عبد الوهاب أثناء القرن الثامن عشر ( 1694 _ 1765 ) وقد وجدت دعوته أمامها المقاومة الشديدة حتى انضم إليها الأمير محمد بن السعود وجرد سيفه لنصرتها والقضاء على معارضيها فانتصرت .

ولما كانت نشأة هذه الدعوة في صميم البلاد العربية ونجحت على خصومها الأولين في جزء منها ، وكانت مبنية على الدين وتوحيد الله - سبحانه - في ألوهيته وربوبيته ومحو كل آثار الشرك - الذي هو الظلم العظيم - والقضاء على الأوثان والأنصاب التي نصبت لتعبد من دون الله أو تتخذ للتقرب بها إلى الله ، ومنها القباب والقبور في المساجد والمشاهد - لما كان كذلك فقد فهم أعداء الإسلام قيمتها ومدى ما سيكون لها من أبعاد في يقظة المسلمين ونهضة الأمة العربية التي هي مادة الإسلام وعزه ، إذ ما صلح أمر المسلمين أول دولتهم إلا بما بينت عليه هذه الدعوة ، وقد قال الإمام مالك : ( لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ) .

لهذا عزموا على مقاومتها وسخروا كل إمكانياتهم المادية والفكرية للقضاء عليها ، وحشدوا العلماء القبوريين الجامدين أو المأجورين للتنفير منها وتضليل اعتقاداتها ، وربما تكفير أهلها ، كما جندوا لها الجنود وأمدوها بكل أنواع أسلحة الفتك والدمار للقضاء عليها .

تحرش بها الإنكليز والعثمانيون والفرس ، واصطدموا بها ، وانتصر عليهم السعوديون في بعض المعارك ، فالتجأت الدولة العثمانية إلى مصر ، وسخرت لحربها محمد علي وأبناءه - وهو الذي كانوا سخروه لحرب دولة الخلافة وتهوينها - وكان قد جدد جيشه على أحدث طراز عند الأوروبيين آنذاك ، فاستطاع الجيش المصري أن يقضي على هذه القوة الناشئة ، وظنوا أنهم استراحوا منها ، وكان من الجرائم المرتكبة أن أمير هذه الإمارة السلفية المصلحة اسر وذهب به إلى مصر ، ثم إلى إسطمبول حيث اعدم كما يعدم المجرمون .

وهكذا يكون هذا الأمير المسلم السلفي المصلح من الذين سفكت دماؤهم في نصر السنة ومقاومة البدعة رحمه الله ) .

2 - وقال - رحمه الله - في " فتاويه " ( 2/ 500-501 ) : ( وما ذكره الشوكاني [ من انتشار الشرك بين المسلمين وصمت أكثر العلماء عن إنكار ذلك ] معروف مشاهد – منذ أجيال – في كل بلاد المسلمين ، وما رواه من تقاعس العلماء والمتعلمين والأمراء والوزراء دون الواقع بكثير ، فان الفتنة الكبرى والبلاء الأعظم جاء المسلمين من مشاركة بعض العلماء في الحج إلى هذه القبور ودعاء أصحابها ، واعتقادهم في ( الأولياء ) من ساكنيها ، فيوم أن زرت القاهرة في أواخر السبعينات وصادف إقامة ( مولد سيدي أحمد البدوي ) ( والحج إليه ) فذكرت الصحف أن عدد ( الحجاج ) زاد على مليونين اثنين ، وكان في طليعتهم شيخ الجامع الأزهر ، ووزير الأوقاف ( الشؤون الدينية ) وكلاهما من أشهر علماء الأزهر ، والثاني مكث في الجزائر بضع سنوات ، و أحيا فيها ما كانت قضت عليه الحركة الإصلاحية ودعوة عبد الحميد بن باديس وجمعية العلماء المسلمين ، قبل حظر نشاط نظامها وعملها كمنظمة . فمسؤولية العلماء أعظم من مسؤولية الحكام والأمراء والوزراء ، ذلك أن العامة قد لا تفتن بهم ولا تتخذهم قدوة في الدين ، وإن كان من أوكد واجباتهم حماية وصيانة المسلمين في أموالهم وأرواحهم وأنفسهم ودينهم ودنياهم . غير أن كثيرا من علماء المسلمين - أزهريون وغير أزهريين - قدماء ومحدثين - أدوا واجبهم ، وأحيوا سنة نبيهم ، وبصروا المسلمين بما جاء به دينهم ، وحذروهم من البدع والضلالات ومن فتنة القبور والمشاهد ، وعلى راس هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية ، وأبو إسحاق الشاطبي ، وابن عبد الوهاب والشوكاني ، وفي هذا العصر محمد عبده ، ومحمد رشيد رضا ومحمد النخلي ، وعبد الحميد بن باديس وإخوانه بالجزائر ، بذلوا جهودهم بالدروس والكتابة والخطابة حتى قضوا على كثير من مظاهر الشرك والضلال وكان لعملهم أثر حميد في انتصار الإسلام ) .

ثم قال - موضحا- ( ص 508 ) : ( بعض علماء الأزهر وهو الشيخ الشعراوي بث أثناء زيارته للجزائر كثيرا من الضلالات ؛ منها تقديس القبور ، والخضوع للقبوريين ، وقد تولى من بعد الوزارة لشؤون الدين في مصر ، فلم يحذف ما يقع في المواليد القبورية بل ذهب وزارها وعظمها ) .
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: من هو محمد ابن عبد الوهاب
16-07-2008, 06:46 PM
النقول عن مشاركة للاخ الكريم فريد المرادي زاده الله توفيقا وبعد ما تقدم لا يسعني الا ان اقول ...... سلام عليكم
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

  • ملف العضو
  • معلومات
عبد الله ياسين
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 07-10-2007
  • المشاركات : 918
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • عبد الله ياسين is on a distinguished road
عبد الله ياسين
عضو متميز
رد: من هو محمد ابن عبد الوهاب
16-07-2008, 07:53 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عايدة مشاهدة المشاركة

السلام عليكم


يا أخي عندما يحذف موضوع تصل رسالة آلية إلى صاحب الموضوع تنبهه بأن موضوعه حذف و فيها إسم المشرف الذي حذف الموضوع فمن المستحيل أن يكون ضميراً مستتراً .
الأخت "عايدة" تلقيت رسالة بحذف مُشاركة من موضوع آخر و ليس الموضوع الذي نتكلم عنه !


  • ملف العضو
  • معلومات
عبد الله ياسين
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 07-10-2007
  • المشاركات : 918
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • عبد الله ياسين is on a distinguished road
عبد الله ياسين
عضو متميز
رد: من هو محمد ابن عبد الوهاب
17-07-2008, 08:42 AM
هذه النقولات الطويلة المُتشعبة لا تغيّر من الحقيقة المُسجّلة في كتب التاريخ ؛ فالعبرة عند العُقلاء بالحقائق المبثوثة في تراث الوهابية أنفسهم و ليس بثناء من أثنى على الوهابية.

فليس موضوعنا بحث من أثنى على الوهابية و من ذمّها ! ؛ وإنما موضوعنا عرض تاريخ محمد ابن عبد الوهاب و الوهابية على الميزان العلمي لإستخلاص الحقائق و كشف الدقائق.

و لو كان الأمر كذالك لسردنا نقولات عن علماء كبار ذموا محمد ابن عبد الوهاب و الوهابية حيثُ شهادتهم في ميزان البحث تفوق شهادة من أثنوا عليه لكونهم عاصروا الوهابية و عرفوها عن كَتب و عايشوها على غرار غيرهم.

هكذا يكون التأصيل العلمي للحقائق و سيأتي المزيد!
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: من هو محمد ابن عبد الوهاب
17-07-2008, 10:01 AM
دَعْوة التّوحيــــــد والسُــــنَّة




تأليف

علامة العراق

محمد بهجة الأثري –رحمه الله-



عضو المجمع العلمي العراقي
والمصري والسوري والمغربي

بغداد – العراق











قام بصف هذا الكتاب ونشره موقع [إسلامية لا وهابية]







بسم الله الرحمن الرحيم


الحمدُ لله وحدَه ُ، بيده ناصيتي ، وله الأمرُ كلُّهُ... والصّلاة والسّلام على خير خلقه محمد بن عبدالله ، وعلى آله وصحابته ومن والاه.

أمّا بعدُ،

فإن عنوان الأسماء العالية في التاريخ العربي الإسلامي الحديث ، كالشمس يُذْكَرُ غير ملقّب، لأنّه يسمو على التلقيب بالألقاب ، والتحلية بالنّعوت.

إنّه لا يعرف بها ، ولكن هي تعرف به.
وإنّ حلية مثله لفي عَطَلِه.
والجواهرُ تُذكرُ أسماءً مجرّدة ، ولا توصف ؛ لأنّ معانيها هي أوصافها.

ويقال "الشّمسُ" و "القمرُ" ولا يُحَلَّيان ، لأنّ حليتهما في كمالهما وتمامهما.

ما كلام الأنامِ في الشّمس، إلا *** أنّها الشمسُ، ليس فيها كلام!

وقديماً أنكرت طباع العرب أن يعرَّف المشهور في الأمْلاء ، فقال قائلهم:

"قد عرفناه ، وهل يخفى القمر

وإنّ من الأسماء نكراتٍ ، مُغْرِقةً في التّنكير، حُلّيت بالألقاب ، ورُصَّت لها ألفاظ التّفخيم والتّعظيم رصّاً سطوراً بعد سطور ، لِتُعَرَّفَ فَتُعْرَفَ ، فما زادتها إلا تنكيراً وضموراً وخفاءً ، ومات أصحابها وما ذُكِروا.

وقد يموتُ أُناسٌ لا تُحسُّهُمُ *** كأنهم من هَوانِ الخَطْب ما وُجِدُوا

لقد نزعت الأصالة العربية إلى التجريد ، وتعلقت بالجواهر والمعاني , فسَمَّتْ عظماءها أيام العزّة بأسمائهم المجردة ، ولم تغرقهم بالألقاب.

ولمّا استحل بعضُ الطِّباع ، أيّامَ تغلّب البُغاة الطُّغاة على ديار العرب والإسلام ، استحلى المستدرَجُون المستكينون ما حلاهم به من الألقاب البراقة ، واستعذبوا ما أذاقوهم من حلاوات الرُّتَب المُعْلِيِة المُدْنِية.

وفي سِمات أيام العزّة جمالٌ وجلالٌ فطرّيان ، عليهما من الصّدق والصّفاء رونق ورُواء ، وبالمعاني تشاد المعالي ويرفع البنيان.

فلا عَلَيَّ أن أُسمّي "محمد بن عبدالوهاب" ولا ألقّبه.

إنه معنى كريم .. استقرّ في الضّمائر ، وليس جسداً تطوف حوله الأجساد . في حروف اسمه القلائل الصِّغار ، خِصال عبقرّية كِبار .. ائتلفتْ فأنشأتْ مزاجاً فرداً ، عجيباً في أخذه وعطائه.

ذهنيّةٌ عبقرّبة ، في تكوينٍ سَوِيّ ، من طِراز خارق للمألوف قياساً إلى العادة والزمان والمكان ، وفي حاقِّ الجِبِلَّة والتّكوين.

وقوّةٌ نفسيّة وثقى ، متوثّبة ومتحدّية .. تفرض الهزيمة على القُوَى المضادّة فرضاً ، وتثبت ثباتَ طَمّاحِ الذوائب الأشمّ بوجه الأعاصير ، تتناوح من عن يمينه وشماله ، ومن أمامه ومن خلفه ، تريد زحزحته ، فترتدّ عنه وتبيد ، وهو(هُوَ)غير مضار.

وقِيَمٌ خُلُقية صافية صفاءَ ألق الضّياء في يوم الصحو البهيج ، ليس دونه حجاب .. ترفعت على شهوات النفس ، وتحلت بالإيثار ، يصرّفها عقل دَرّاك وقلب يَقِظُ ، وترفدها الرَّكانة والزَّكانة ، والتصوُّرُ الشُّموليّ الذي يخرج من دائرة الفكر المحدود ليبسط أبعاده على الآفاق.

وقد يكون الإنسان صاحب ذهنّية عبقريّة ، ولكنه لا يملك القوّة النّفسيّة المتوثّبة المتحدّية . فيكون منه صاحبُ تصورات فكريّة ، وليس صاحب قوّة فاعلة ، وقد يُغْنِي في مجال الفكر ، ولا يُغْنِي في مجال الفعل.

وقد يكون صاحبَ قوّة نفسيّة ، ولكنّه لا يملك القوّة الذهنيّة العبقريّة التي تصرِّف القوّة على مَسار السَّداد والتّوفيق ، فتتعطل قوته ، فلا يأتي بأمر ذي بال.

وقد يكون صاحبَ ذهنيّة عبقريّة وقوّة نفسيّة متوثّبة ، ولكنّه يفتقد القيم الخلقيّة الرفيعة ، فلا تُجْديهِ خاصِّيَّتاه ، أو يفتقد العقل الشّموليّ ، فيحبس جهده على أفق خاص يدور في دائرته الضَّيِّقة ، محدوداً بحدودها ، لا يخرج منها إلى ما وراءها من آفاق وأبعاد .. فلا يكون منه أمر كبير.

ولقد جمع الله في (محمّد بن عبدالوهاب) هذه الخصالَ جمعاء ، متمازجةً متحابّة ، ومترافدة ، ليجيء منه الإنسان العظيم ، الذي يصنع العظيم.


وهنا يجيء السؤال الكبير:
ما الصنع العظيم الذي صنعه (محمّد بن عبدالوهّاب

الجوابُ عن هذا السؤال الكبير ، يصوغه واقع التاريخ وحقائقه ، ولست أنا من يصوغه.

واقع التاريخ ، يقرر في صراحة ووضوح بيان أنه الرجل الذي أيقظ العملاق العربي المسلم من سُبات في جزيرة العرب دام دهراً داهراً ، وأشعره وجوده الحي الفاعل ، وأعاد إليه دينه الصحيح ، ودولته العزيزة المؤمنة ، ودفعه إلى الحياة الفاعلة ليعيد سيرة الصدر الأول عزائمَ وعظائمَ وفتوحاً..

ويقرر غيرَ مُنازَع أنّه رجل التوحيد والوحدة ، والثائر الأكبر الذي رفض التفرق في الدين رفضاً حاسماً ، فلم يكن من جنس من يأتون بالدعوات ليضيفوا إلى أرقام المذاهب والطرائق المِزَقِ رقماً جديداً ، يزيد العدد ويكثّره ، ولكنّه أوجب إلغاءَ هذه الأرقام ، ودعا لتحقيق "الرقم الفرد" وحدَهُ: الرقم الذي لا يقبل التجزئة كالجوهر الفرد ، ألا وهو(الإسلام).

والإسلام ، طريقة واحده ، لا تتفرّع ، ولا تتعدّد.

وقد جاءت البينات كفلق الصباح بأن هذا "الرقم الفرد" هو الذي استقام به أمر العرب ، وكوّن الوحدة الكبرى ، والدولة العظمى وقد انضوى تحت لوائها الخفّاق أهل الأرض من كل جنس مابين مشرقٍ للشمس ومغيب ، متآخين في الله ، متساوين في الحقوق ، لا فضل فيها لأحد على أحد إلا بتقواه ، متعاونين على بناء حضارة أخلاقيّة جديدة تجمع إلى مطالب المادة مُسْتَشْرَفات الروح.

فلمّا أُفِسد التّوحيد ، وزالت الوحدة ، ذهب التفرق في العقيدة بهذا المجد العظيم .. فجاء (محمّد بن عبد الوهّاب) داعياً للعودة إلى الأصل الذي قام عليه ذلك المجد وعلا سمكه وعزّ وطال ، وقد حقق ما أراده في جزيرة العرب ، وأشاع اليقظة في العالم المسلم ، وكان لدعوته في كلِّ صُقعٍ أثرٌ مشهود..

فهذا هو الصنع العظيم ، الذي صنعه الرجل العظيم.



*****




جاء (محمد بن عبد الوهّاب) على فترة من المصلحين الكبار أصحابِ الأصوات الجهيرة في الإصلاح والدعوة إلى التوحيد والوحدة ، وحين ظُنَّتِ الظَّنون بالعرب وبالمسلمين ، إذ اكتنف الظلام جِواءَ العالم المسلم ، وانبهمت المطالع ، وركدت ريح العرب في ديارهم ، و تفرّقت كلمة المسلمين ، فضعفوا ، وهان شأنهم على الأقوياء، فطمع فيهم الطامعون من كل جنس.

وكان إشراق النور الجديد من قلب هذا الظلام ، من الأرض القفرة ، عجباً العجب، ومثار دهشة الغرب خاصة ، إذْ كانت دُوَلُه بعد عصر (الرّينصانص) والثورة الصناعية ، تُعِدّ العُدَد ، وتتآمر فيما بينها على العالم المسلم ، وتتحالف للسيطرة على ينابيع ثرواته العظيمة .. تغني بها فقرها.

وكان قد استقرّ عند هذه الدّول أن العالم المسلم قد صار جثة هامدة لا حراك بها ، فلا بد من أن تكون هي وارثة أرضه وكنوزه ومعادنه وخيراته.

فلما سمعت صيحة الإسلام الجديدة المدوّية تنطلق من بين رمال الجزيرة دهشت، فأسرعت تراجع ظنونها الخائبة ، وارتدت إلى أذهانها صيحة الإسلام الأولى وانبعاثه من هذه الجزيرة العربية نفسها كالأَتِيَّ يتحدّر دفّاقاً من مَخارِمِ الجبال إلى أطراف المعمورة فتحا وإنشاء وإعماراً ، لا أَجَلَّ منه ولا أروعَ.

فانتصبت لهذا الأمر الجديد .. ترصد أخباره ، وتتعرّف مَوارِدَهُ ومَصادِرَه ، وتتبين مبادئه وغاياته ، عسى أن يكون فجره كاذبا ً، وأن يعود نشوره موتاً.

حتى إذ كذّب الواقع أمالها ، طفِقت تحاول إبطاله ، فأوحت إلى وسائل إعلامها أنْ تُلقي الشبهات عليه ، وتشوّه صورته ، فرمته ورمتِ الناهضَ به بالعضاهة ، وخلّطت ما شاءت لها الأهواء أن تخلّط مما يعرفه العارفون وما بنا حاجة إلى ترديده ، وقلّصتِ الشأنَ كلَّه حين وضعت هذا الأمر الجديد العظيم في بؤرة الطائفية التي تزيد أرقام الطوائف رقماً جديداً ، أي عكست الحال ، فنبزته بالوَهّابية "wahhabism" وأذاعت هذا النَّبْزَ الأنباءُ الجوائب ، فتلقفته الأسماع ، وردَّدَته الألسنة ، ودونته الصحف والمجلات والكتب ودوائر المعارف الكبرى بكل لسان.

وراق الدولة العثمانية هذا النَّبْزُ ، فأجرته على ألسنة الدراويش ومرتزقة طعام التكايا والزوايا من تنابلة السلطان ، وأفرطت في إلقاء الشبهات عليه وتشويهه ، ولا سيما بعد استفحال شأنه ، وقيام دولة التوحيد والسُّنّة في جزيرة العرب على أساسه وقواعده ، فلم يكن نبز أشنع من نبز الوهابيّة في طول ممالكها وعرضها ، ودام ذلك أمداً ، ووعينا إبّانَ الطفولة وهو يقرن في بلادنا بما يسمونه "الفرمصونية" و"البُرْتكيشية" و"المسقوفيّة" ويعنون "الماسونية" لكفرها ، و"البرتغالية" لسوء أفعال البرتغال إبان احتلالهم بلاد الخليج العربي وعُمان وغيرها ، و"الروس" لحروبهم الدولة الإسلامية ومآتيهم المنكرة في هذه الحروب!.

ذلك فعل السياسة ، وفي مثله يستوي الطامعون من كل جنس وملّة عند تساوي المقاصد والأغراض ، والسياسة الفاسدة لا ضمير لها ولا خُلُق ، ولطالما استعاذ بالله العقلاء من (ساس) ومشتقاته ، ومن الجهل جُنْديّة الأعمى البصيرة الذي يلقَفُ ما تأفِكه السياسة ، ويُرجِف بما تلقيه إليه ، ليذيعه غيرَ عالم بالمقاصد والنيات والغايات.

لقد نظرت السياسات إلى هذا الأمر الجديد في الجزيرة العربية بمنظارها الخاصّ ، ورصدته بعينها اليسرى العوراء ، لا بعين الحقيقة الصحيحة ، فصوّرته بما يحقق مقاصدها وأغراضها ، ومن وراء ذلك يراد الذهاب بريح العرب ، وهم مادّة الإسلام.

وكذلك وقف رؤساء العصبيات ، وهي مختلفة الألوان والمشارب ، موقف هذه السياسات من هذا الأمر الجديد..

إنّهم تنكّروا له أشدَّ التنكّر ، وأوحوا إلى أتباعهم أن يتنكّروا له كذلك ، ويذيعوا قول السوء عنه ، فقالوا فيه ، وهو النور الذي يهديهم ، ما لم يقله (مالك) في الخمر ، فكانوا أعواناً للسياسة في تشويهه وحربه ، وقد امتزج في فكرهم الحرصُ على الموروث من الآباء بالخوف من زوال زعامتهم ، وسقوطِ الامتيازات التي يتمتعون بها ، هم وحدَهُم دونَ الأتباع الجهلاءِ المساكين المستضعفين المنقادين للرؤساء بأزمة الشعبذات ، وبالشعبذات يُسْحَرُ الجهلاء غير واعين ولا دارين.

شِنْشِنة معهودة في مجتمعات النّاس كافةً ، تقترن بانغلاق الأذهان ، وتنطوي علي حفظ المصالح والامتيازات الخاصَّة ، ومنها ينشأ الصراع الدائم في كل زمان ومكان ، وعند كل جيل وقبيل ، في شرق وفي غرب ، ولن تجد لسُنّة الله تبديلاً.

وأعظم هذا الصراع في التاريخ العربي ، هو ذلك الصراع الرهيب بين الإســلام والوثنية ، وفي الإسلام الحياةُ والنّورُ ، وفي الوثنيّة الضمور والظَّلام.

والغلب في نواميس التكوين ، إنما يكون للأصلح دائماً مع طول الجهاد والصبر ، وهو قانون لا يختلف إلا من علة غير منظورة.

وواضح أنّ الطمع والحرص على احتواء النعم والامتيازات يُلقيان في رُوع أصحاب السياسات والامتيازات ما ليس له وجود في الواقع ، وهم حين يُدعون إلى الصلاح في أي شأن من شؤون الحياة ، يتوهمون الخسران وضياع المكانات ، وفقدان الامتيازات ، فيقاومون ويقاتلون بغير عقل.

ولننظر ماذا خسر رؤساء المشركين من العرب حين تركوا شركهم ، ودخلوا في الإسـلام .. ألم ينتفعوا به هم والفقراء المستضعفون من أتباعهم في دنيا ودين؟ ألم يصبح خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسـلام؟

إن لحقيقة الأزليّة الخالدة في نواميس الحياة ، قد تصيبها السياسات والعصبيّات بشيء من الضُّرِّ ، ولكنِّها في جميع الأحوال تعجز عن طمسها أو إزالة معالمها .. ثم هي ، وأعني السياسات والعصبيات ، لا تملك الفصل في شأنها ، وليس ما تصوّره تزييناً أو تقبيحاً هو واقع الحقائق ، وإنما يفصل فيها العلم وحده بتجرده المطلق ونزاهته وموضوعيته الخالصة من الشوائب والأهواء . إنّه يَعنِيه من الأشيـاء في كل شأن يعرِض له ، تعرُّف الحقائق في عُرْيها وسفورها كيفما كانت الحال ، وفي أي صورة تكون عليها ، وإذا كانت السياسات والعصبيات تبني أحكامها على الأهواء ، والأغراض الخاصّة ، لا تحيد عنها ، فإنّ العلم يبنى تصوراته وأحكامه على البيِّنات غيرَ متحيّز ولا متحرِّف ، وهو يستمد هذه البيانات من الوثائق الأصلية الصحيحة مما يدوّنه الإنسان بنفسه خاصّة ، لأنها فصل الخطاب والحُجَّة البالغة . ومن هذه الوثائق الأصلية ونحوها يستنبط العلم التصوّرات ، ويهتدي إلى مقاطع الحق فيوقن ، ثم يرسل أحكامه التي لا تستؤنف ولا تميّز كما يقول القضاة.




*****




على هَدْي من هذه الوثائق , التمستُ مقاطع الحقّ , في هذا الأمر الجديد وصاحبِه, من معادنها , غيرَ متأثّر بسياسة من السياسات , أو عصبيّة من العصبيّات.

وبين كلِّ أمرٍ وصاحبِه , تقوم علاقة وآصرة , وتَعَرُّفُ صاحب الأمر يتقدَّم تعَرُّفَ أمره ؛ لأنه هو مصدره , وإليه يؤول.

وقد تعرّفت سيرةَ (محمّد بن عبدالوهّاب) في كتب المقربين إليه , والقريبين منه زماناً ومكاناً , فهم أعرف به , ولم ألتمس شيئاً من أمر في كتب مؤرخيه الثانويين ونحوهم.

وتعرّفتُ دعوتََه , والعِلم الّذي طُبِعت به , من مؤلفاته , وهي أنواع .. سيرة نبويّة, وتفسير , وحديث , وأحكام , وتوحيد , ومما هو أدلّ منها على طبيعة فكره واستقبال رأيه , أعني فتاواه ورسائلَه ومجادلاته ومراسلاته مع العلماء والرؤساء في جزيرة العرب وما رواء جزيرة العرب في شأن دعوته: مَناشِئِها , ومبادئها , وغاياتها , وأصولها , وأدلتها. والمرء وما يقوله ويقره ويفصح عنه من نيّته وعلمه ، لا ما يقوله خصومه فيه.

وأشهد مخلصاً أن بين سيرة (محمّد بن عبدالوهاب) ودعوته, ولأسمِّها: الدعوة التجديدية , رحماً واشجة , وآصرة وثيقة محكمة , يبدوان من غير تكلف للرؤية في هذا التطابق التام بين الفكر والتطبيق , وبين ضلاعة الدعوة وضلاعة صاحب الدعوة وشخصيه المتميزة بأنواع من الصفات الأصلية , ومنها ضلاعة تكوينه البدني , وضلاعة إيمانه , وصلابته , وتمسكه بالسنة.

والآثارُ عامّةً ، في حال قوتها أو ضَعْفها , نتيجة حال المؤثر ومزاجه كما هو معروف في مدركات العقل ومسلماته , وما خلا أدبنا العربي الأصيل من الإشارة إلى هذه الحقيقة المسلمة ومن ملحظ العلائق بين الإنسان وما يصدر عنه من شيء.


ألم يقل أحمد بن الحسين أبو الطيب قبل ألف عام:

على قَدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ ** وتأتي على قدر الكرم المكـارم؟

وضلاعة (محمّد بن عبدالوهاب) في تكوينه الجسمانيّ , وفي مواهبه وملكاته .. عجب من العجب فإن كل شيء فيه على غاية من القوة والبروز.

ضلاعته في تكوين الجسماني , تبدو في الرجولة الناضجة التي باكرت صِباه , وفي الاحتلام الذي أسرع إليه قبل إكماله الثـانيـــــة عشرة من عمره , فأحصن من فوز احتلامه.

واقترنت بهذه الضلاعة الجسمانية ضلاعة نفسية بالغة , فإذا هو يتحمل تَبِعات الزوجية , ويتصـــــرف بنفسه فرداً في هذه السنّ الطفولية , فيَعْرَوْرِي فِجـــاج الأرضيين الموحشة البعيدة المُنْتَأَى بين العيينة ومكة المباركة , فيؤدي فريضة الحج, ويؤم المدينة النبوية الطيبة المباركة , فيقيم بها شهرين متتابعين , مصلياً بالمسجـد النبوي طلباً للأجر المضاعف , ثم متشرفاً بسنة الزيارة: زيارة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم , والسلام عليه , ومستنشقاً أرج النبوة من كتب , ومستفيداً من سماع الدروس في المسجد النبوي المبارك , ثم يعود من متع الروح والقلب , مَزْهوّاً بحجه وزيارته وصلواته , وفرحاً بما شاهد من منازل الوحي وبما سمع من علماء الحرمين.

وإلى جانب هذه الضلاعة النفسية العجيبة , تبدت ضلاعته الذهبية في سرعة حفظه وحدّةِ فطنته ويَقَظَةِ قلبه وعمق فهمه ، ومن بيّنات ذلك أنه حفظ القرآن العظيم عن ظهر القلب قبل بلوغه العاشرة من العمر ، فأدهش الناس من حوله ، وقرأ الفقه على أبيه (القاضي عبدالوهاب بن الشيخ الفقيه سليمان التميمي) ، وأقبل على كتب التفسير والحديث والعقيدة يلتهمها التهاماً ، وطالبُ العلم النجيب نَهِمٌ لا يشبَعُ ، وفي اللغة العربية ما في عيون المها من السحر الحلال ، وما يأخذ بمجامع الأفئدة من الإيقاع والفتون ، وفي كتب التفسير والسُّنّة الصحيحة المطهرة والفقه والتوحيد ، الزّادُ الطَّيّب الذي يغذي العقول ، وينوّر البصائر ، ويشرح الصدور ، ويفقّه النفوس بما لها وما عليها ، لتقول طيّباً ، وتعمل صالحاً ، وفيها العلم العظيم الذي لا أجلَّ منه في علوم فقه الحياة جمعاء.

ومن هذا الفناء في العلم ، في أصغر سن ، بلغ الصّبيّ العبقريّ ما لا يبلغه كبــار السن في الأمد البعيد ، وفاض على قلمه ما وعاه فؤاده ، فإذا هو في سرعة الكتابة مثله في سرعة الحفظ: يكتب في المجلس الواحد كرّاسةً من غير تعب ، فما أشبهه في حالاته العجيبة بـ(تقيّ الدين بن تيميّة) العظيم في طفولته في الخوارق النفسية والذهنية وسرعة الحفظ وسرعة الكتابة وحدة الفطنة وكثرة الاستيعاب ، الذي أدهش دنيا الشام من حوله ، وصار مَثَلاً مضروباً في عبقرية المواهب العالية ؛ فلا تثريب على (عبدالوهّاب) الفقيه القاضي وإمام الجماعة في بلده أن يطير سروراً وإعجاباً بصبيه العبقري النجيب ، وأن يتحدث لأصحابه عن مدركاته ، وأن يعلن أنه استفاد منه فوائد في الأحكام قبل بلوغه ، بل لا تثريب عليه أنْ رآه أهلاً للصلاة بالجماعة ، وهذه رجولته ومعرفته بالأحكام وحفظه وديانته وعقله ، فقدّمه إماماً يؤم المصلّين ، فارتضوه معجبين.

وما يلبث الصّبي الرَّجل طالبُ العلم الناشئ أن يدفعه وعيه العميق إلى الموازنة بين ما يقرأ من مسائل التوحيد الخالص وما عليه ناس ببلده من مخالفة له في بعض تعبّداتهم، ومن تعلقهم بالبِدع ومحدثات الأمور، فيثور ثائرة .. يردَعُ العامّة عن منكراتهم، وينكر على العلماء أنهم يرون الاعوجاج ولا يقوِّمونه.

كان ذلك بدء الإشارة إلى ما سيكون عليه شأنه في الإصلاح في مستقبله.

وقد كبُرَ على القوم نكيرهُ، فضحِكوا منه، فارتدَّ إلى نفسه مفكِّراً في الأمر، فتحدّثه أنّه لن يتمَّ له تغيير الحال في مثل سنه، وأنه لابُدَّ له من أشياء يحققها لتكون ظهيره: من علم أوسع من العلم الذي ملك، وتجاربَ وحنكة ما ظفر منها بشيء بعدُ، وسنٍّ أكبر يطاع في مثلها إذا جهر بالحق وصدع به، فعزم أن يبدأ.

إنّ مثل هذه الرؤية الصحيحة في هذه السنّ الصغيرة، لا تكون إلا من شيخ محنّك حكيم، أو عبقريّ مُوَفَّق ومُلْهَم.. وقد كانَهُ هذا الصَّبِيُّ الرَّجلُ!.

ولكأنّه في بؤرة تصوُّره العميق لحاضر أمره ومستقبله، قد حضرت ملكاته كلها، وظل الشأن موقوفاً على إنفاذ العزم.

فإذا عزيمته حاضرة عنده، تتوثَّب به، وتحدوه على المضي بِداراً إلى غايته، وقد فعل.

ومن المرجح أنّ ذلك كان قبل بلوغه العشرين.

غادر مسقط رأسه إلى حيثُ يتاح له أن يعدّ نفسه إعداداً كاملاً للاضطلاع بالأمر الكبير الذي ينوي تحقيقه.

فإلى أي ناحية اتّجه ورحل؟.

قَصرَ مؤرّخوه المقرّبون مواضعَ رحلته على البصرة والأحسـاء والحرمين، وأضاف مؤرّخوه الثانويّون أقطاراً ومدناً كثيرة.. أضافوا مصر والقدس ودمشق وحلب واسلامبول وبغداد وكردستان وهمذان وأصفهان والرّيَّ وقُمْ، وسمِعتْ بأخرة من يقول أنه قرأ في كتاب مخطوط لشيخ من الموصل يقول فيه: إنّه (أي محمد بن عبدالوهاب) أخذ عنه. والأدلة، لتصحيح هذه المضافات إلى الأقطار الثلاثة، ليست متوافرة.

ويعنينا من هذه الرحلات أن نعرف ماذا أفاد من علم، وكسب من تجاربَ، وخبر من أحوال هذه المجتمعات في شرقي جزيرة العرب وغربيها وشماليها، وماذا انعكس من هذا كلّه على فكره من تصورات، وارتسم في ذهنه من خطوط الإصلاح ومساره.

كانت هذه المدن التي رحل إليها طلباً للعلم، أكبر مباءات العلوم العربية والشرعية في جزيرة العرب، يفد على مدارسها الطلابُ من نجد ومن الأقطار الإسلامية.

وفي البصرة، وقد أمّها مرَّتين وكانت إقامته فيها أطول إقامة قضاها خارج بلده، لقي جماعة من العلماء، سُمِّيَ منهم واحدٌ وهو (الشيخ محمّد المجموعيّ) ، تلقى عليهم النحو فأتقنه، ودرس الحديث والفقه، وفقهُ البصرة في الغالب فقه مدرسة أبي حنيفة.

وفي الأحساء وجد فقهاء، منهم الحنبليّ ومنهم المالكيّ ومنهم الشافعيّ، وهي نسب إلى مدارس سُنّيّة متشابهة، وليست مذاهب متدابرة، وعند بعض هؤلاء الفقهاء وجد استقلالاً في النظر، وصَوْرةً إلى الترجيح، وجراءة على كلّ المخالفين، ووجد عند آخر ميلاً إلى كتابة التاريخ، كما وجد "من يفتي الرجل بقول إمام، والثاني بقول آخر، والثالث بخلاف القولين ويعدّ ذلك فضيلة وعلماً، ويقال: هذا يفتي في مذهبين أو أكثر"، وينكر محمد بن عبدالوهاب ذلك ويقول فيه:

"ومعلوم عند الناس أنّ مراد هذا الفقيه، هو العلو والرياء وأكل أموال الناس بالباطل".

وقد اقتبس من خيار هؤلاء، وتذاكر معهم في شؤون من التفسير والحديث والتوحيد وأصول الإسلام، أخذاً وعطاءً.

وفي المدينة النّبويَّة، التي باكرها في صِباه، وعَرَفَها ملتقى طلاب العلم من الأقطار المسلمة، رأى حياة تختلف عن حياة الناس في البصرة والأحساء، ووجد علماء يحسنون أنواعاً من العلوم والفنون، وطرائقَ في الدروس والإقراء لا عهد له بمثلهم في بلده، وحضر دروس هؤلاء في المسجد النّبويّ، ونَهَلَ من موارد العلم الذي يفيضون فيه، ومن كلٍ أفاد وانتفع، لكنه اصطفى منهم عالمين اثنين انجذب إليهما طبعه وفكره، فوثّق من صلته بهما.

أصاب عند هذين العالمين الفكر الإصلاحيّ، والدعوة إلى التوحيد الخالص والتزام عمود الكتاب والسنة، ورفض التفرق في العقيدة، وإبطال البدع والمحدثات التي تلصق بالإسلام، فتشوّه محاسنه وتبطل قوته، والإسلام منها بريء ولها منكر.

وقد أفاد من أحدهما (وهو عبدالله بن إبراهيم بن سيف:عالم نجدي، آثرت أُسرته المجاورة، فصار مدنياً) إرشادَهُ إيّاه إلى مؤلفات تقي الدين بن تيمية علامة الإسلام المنقطع النظير، والمفكر الأصيل الكبير العقل الواسع الرواية والعميق الدّراية، والثائر الأكبر على الفساد والانحراف، والمؤلف المبتكر الذي بلغت مؤلفاته نحواً من أربع مائة كتاب وفي كل كتابٍ من العلم والفكر والنظر الصادق ما لا يظفر بشبيه له أو قريب منه إلا عند كبار أصحابه وتلاميذه، وفي مقدمتهم شمس الدين ابن القيّم الجوزية، وقد برع وفاق فكان قمّة شامخة في العلم والفكر والنظر والإخلاص. وهكذا فتح له (ابن سيف) الطريق الأفيح إلى عُباب المعارف، وقاده إلى النَّهَل والعَلّ من أصفى ينابيع المفاهيم الإسلامية، والتضلُّع من ريّها الشافي، ووصل أفقه بأفق الإصلاح الذي ينشده، وسدّده على النهج القويم المستقيم.

وأفاد من الآخر (وهو الشيخ محمّد حياة السندي: عالم نيّر العقل سديد الرّأي، من أهل السند) تبصيراً بالاستقلال في الفهم وجدواه، وتنفيراً من التقليد والتعصب لمذهب بعينه من هذه المذاهب الفقهية، أو المدارس الفقهية في الأصح، وإرشاداً إلى الدَّوَران مع الحق حيث كان، استدلالاً عليه بالأدلة القواطع من صحيح النقل وصريح العقل، ذلك أن الله تعالى قد هدى إلى التبصُّر والتفكر واستعمال العقل لتبيُّنِ كلّ أمر، وبشَّرَ عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووصفهم بأنّهم هم الذين هداهم الله وهو أولو الألباب.



*****




تلك جمل من محصول (محمد بن عبدالوهاب)، تصف أواناً من المنازع العقلية والمعتقدات والمشارب، وقد أحاط بكل شيء منها علماً، ووعياً عميقاً، تمثله فكره تمثيلاً تاماً، فأفاد منها حُظوظاً من العلم والفكر والنظر الجديد.. وانضاف إلى ذلك علْم آخر من أحوال هذه المجتمعات، التي عاش فيها في شرقي جزيرة العرب وغربيّها، وفي البصرة، وقد لابس فيها الناس، وبَلا معتقداتهم وتعبّداتهم، وما هم عليه من حق ومن باطل، ووجد البلوى – بلوى الانحراف عن أصول الإسلام الصحيح في المعتقدات والتعبدات والمعاملات، وفي النزوع إلى التجسيد، والتلبس بالبدع ومحدثات الأمور- بلوى عامّةً، وهو في البصرة والأحساء والحرمين مثلها في العيينة بلده.

وكان قد حسب في صِباه الشأن خاصّاً ببلده، فإذا هو أكبر ممّا كان يظنّ.

وقد خرج من العيينة، ليعود إليها يصلح معتقدات ناسها، ويقيمهم على شرائع الإسلام الصحيح، ويقوّم المنآد المعوجّ من الأفكار والأعمال.

ولكنهُ انتهى آخر الأمر، بفضل ما اكتسب في هذه الرحلات العلمية الواعية المستوعبة، إلى التفكير في إصلاح أهل (جزيرة العرب) أجمع، وبسط سلطان فكره على ما وراء جزيرة العرب من أوطان الإسلام.

استصفى ذهنه الناقد الممحص المحضَ واللُّباب، وطرح الزُّؤان والزَّيْف وشخّص الداء، وعيّن الدَّواء، وأوفى من ذلك على الغاية.

ثم رسم الخطوط العريضة للإصلاح ومساراته على بيّنة من العلم ونهجه القويم، وقد وَقَر في قرارة نفسه أن يحقق في (جزيرة العرب) أمرين عظيمين متلازمين، لا ينفصم أحدهما من الآخر، ولا يقوم أحدهما بدون الآخر:

إنشــاء مجتمع مسلم مُوَحِّد ومُوَحَّد رفيعِ الفكر، صالحِ العمل، حيّ قوي دفاق، متحرك ومتوثب في سبيل الخير الإنساني العام، تُطَبّق فيه أحكام الشريعة العادلة السمحة في جميع الحالات.

وتكوين دولة مؤمنة عادلة قوية الشكيمة، تنتظم (جزيرة العرب) تحت راية القرآن، وتقضي على تعدد الإمارات والامتيازات، وتذيب الفروق، وتقيم الصلاح بالإسلام: تحوط به المجتمع وترعاه أحسنَ ما تكون الحياطة والرعاية، صدقاً وعدلاً وإخلاصاً وبرّاً وعملاً، والدولة عنده الولاية، وسوف أذكر كلامه فيها.

استوحى نهجه هذا من الإسلام وتاريخه، ففكّر ثم قدر ثم عمل، واتبع مساره العلمي والعملي خُطا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم خطوةً خطوةً، وما حاد عن هذا المسار القويم قِيدَ شعرة في شيءٍ ما من عقيدته ومن عمله.

إنه نظر إلى الإسلام في بدايته، وكيف صَلُح به الناس، وكيف قامت دولته العظمى الإنسانية العادلة الرحيمة في الأرض، لأول مرة في تاريخ البشرية المعروف.

ثم نظر إلى ما صار إليه المسلمون من بعدُ، من التفرُّق والفساد وزوال السلطان، والتمس العلّة في ذلك، فاستحال في عقله أن يكون من السبب الواحد مُسَبَّبانِ متباينان: ارتقاء وهبوط، وتوحد وتفرّق، عزة وذلة.. إلى آخر ما هنالك من الأضداد، ووجد العلّة كلّ العلّة فيما تدنّى إليه المسلمون كامنةً في هذا الانحراف عن أصلي الإسلام العظيمين: كتاب الله، وسنة رسوله.

تولى كبر جريمة هذا الانحراف أناس دخلوا في الإسلام ظاهراً، وأَسَرُّوا الكيد له باطناً على غاية من سوء النية والمكر والدهاء، بعد أن عجزوا عن القضاء عليه مواجهة. وقد ذهب هؤلاء في أعمالهم الباطنية الرهيبة طرائق قدداً، ولبسوا لَبُوساً متعدد الألوان والأسماء، ولكنّ المقاصد تحته واحدة.. وتوصلوا على تراخي الزمن إلى ما أرادوه. لقد جعلوا القرآن (عمود الإسلام الأكبر) عِضِينَ، وأدخلوا إلى العقول فيما أدخلوه أنه ذو وجهين: وجه لفظي ظاهر غير مراد، ووجه معنوي باطني والواجب العمل به في المعتقد وفي التعبّد، وتأولوا آياته بأهوائهم فصرفوا الألفاظ عن دلالاتها، وحرّفوا وبدّلوا، وبذروا بذور الشرك الخفي والجليّ، فأبطلوا بذلك التوحيدَ الخالصَ وهو سر الوحدة والقوة والعزة، ووضعوا مقادير لا تحصى من الأحاديث المنكرة الواهية السخيفة، وعقلُ الرسول القرآنيُّ يُجَلُّ عن مثلها، ودسُّوا الإسرائيليات وخُرافات يهودَ في التفسير وشروح الحديث وكتب التاريخ.. إلى آخر ما يعرفه أهل العلم من الأفاعيل الخبيثة، مما أفسد العقول، ونشر الضلال والفساد، وفرّق الوحدة، ومزّق الشمل، حتى تعددت الفرق وتدابرت، فلم يكن الناس يلتقون إلا على قتال أو شحناء...

من الحالة الأولى، ولد العرب ولادتهم الجديدة التاريخيّة وصاغوا تلك الدولة العظيمة وما استتبعت من إنشاء حضارة عربية مسلمة، انتظمت أجناس الناس تحت راية الإســلام على مثال من الإخوة والعدالة والمساواة غيرِ معهود في تواريخ الحضارات قديمها وحديثها.

ومن الحالة الثانية كان المنقلب.

وإذن فلا معدى عن العودة إلى الأصل القويم.. إلى منبعه الصافي ومشربه العذب: تتشرّبه العقول، وتتضلع بريّه النفوس، لتحيا كما شاء لها الله أن تحيا كريمة عزيزة.

ذلك ما قام في فكر (محمّد بن عبدالوهّاب)، وخامر فؤاده.

وإنه لمطلب في مَناط الثريا، ولن يناله إنسان قاعداً غير قائم، ولا غير مجاهد، فلابُدّ لمن أراد مثله من العمل وطول الجهاد والمثابرة والصبر.

ووجد (محمد بن عبدالوهاب) القدوة الحسنة في سيرة رسول الله وعمله وجهاده وصبره، فالتزمها بكل شراشِرِه تطبيقاً جاداً، مثابراً ستين عاماً إلى أن لقي وجه ربّه، وقد أطبق جفنيه وراية القرآن ترفرف على جزيرة العرب ودولة التوحيد قائمة تنتظم البلاد.

ذلك مطلب كان في مناط الثريا، فأنزله بين يديه، ورفع به أمر الحياة.

أنزله لا بعلمِهِ وحدَهُ، فإنّ العلم في الناس كثير، ولكن ما قيمة العلم مدوناً في الكتب لا يعمل به؟ لقد أُلِّفت ملايين من الكتب في كل علم وفنّ، فماذا أجدت المسلمين في تفرقهم وهَوان شأنهم وزوال سلطانهم من الأرض؟

أنزله ومعه العلم والعمل الدائب الذي لا يفتر لحظة من اللحظات.

على أنّ العلم والعمل الدائب، لا يجديان في تحقيق المطامح الكبيرة ما لم يُرْفَدا بخصلة عظيمة تصرّف العلم والعمل، تلك هي خصلة العلم الكُلّي بالسياسة الشرعية، وقد حباه الله جلَّ وعزّ هذا الرجل، فكملت له بها صفات الزعامة المطلقة، وتيسر له بها وهو يصرّف جهاده أن ينزل الثريا من مناطها وهو قائم غير قاعد.

إنّ كل خصاله العبقريّة المتحابّة، ما كانت لتبلغه غايته، لولا امتلاكه هذه الخصلة من العلم الكلّي بالسياسة الشرعية، وتصريفه شؤون الدعوة بها في كل حالاته.

تقوم هذه الخصلة العظيمة عند صاحب الحظ العظيم على الفكر العميق الذي يتعلق بالكليات أكثر مما يتعلق بالجزئيات، ويطلب الجوهر لا العرض، واللباب لا القشور، ويلتمس له في كل ذلك أسبا الحكمة وحسن التلقّي والعطاء.

تأملت في المنظور والمسموع من سيرة (محمّد بن عبدالوهّاب)، وفي إدارته دفّة ثورته التجديدية ستين عاماً، فوجدته يتمتع من هذه الخصلة بحظّ عظيم، وأنّ علمه كلّه الذي اكتسب قد ارتبط عنده بالبصيرة والتفكّر والتدبر والحكمة، وبصيرته تدين لطبعه السليم ووعيه، ووعيه وعي كونيّ في أعماقه العقيدة في الله راسخة الجذور وتامّة الحضور، وقد قامت عنده على سواء الإيمان العميق بالذات الإلهيّة، وعلى سواء الحق والنزاهة والإخلاص، ومُدْركاتُه تشير إلى النظر المحيط والتصفية والتيقظ للجوهر وطلبه. وجدته وهو ينقل هذه المدركات من أصول العلم الكلي بالسياسة الشرعية إلى تلاميذه والدعاة الذين أعدهم على سواء العلم والعمل والخلق، ويلزمهم العمل بها دائماً وأن لا يفارقوها بحال من الأحوال.

كتب رحمه الله لبعض من كاتبهم ناصحاً ومرشداً ومعلماً (ولينظر إلى يُسْر تعابيره وإلى صدقه فيما يقرر كيف يعزو الرأي إلى صاحبه ولا يدّعيه لنفسه، ثم إلى التفقّه في الشيء قبل العمل به، وإلى لزوم ربط العلم بالعمل وبالسياسة الشرعية في منطلقاته)، قال:
"وأهل العلم يقولون: الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث: أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، وأن يكون رفيقاً فيما يأمر به وينهى عنه، صابراً على ما جاءه من الأذى، وأنتم محتاجون للحرص على هذا الفهم والعمل به، فإنّ الخلل إنّما يدخل على صاحب الدين من قلّة العمل بهذا أو قلّة فهمه، وأيضاً يذكر العلماء أنّ إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق، لم يَجُزْ إنكاره، فالله الله في العمل بما ذكرت لكم، والتفقّه فيه، فإنّكم إن لم تفعلوا، صار إنكاركم مَضرَّةً على الدين، والمسلم [لا] يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه".

وفي رسالة ثانية، نجده يتواضع فيما يقرره، ويدعو لمذاكرته ونصيحته فيما يُظنّ أنّه على غير جادّة الحق، فيقول:

"وإنْ تفضَّلَ الله عليك بفهم ومعرفة، فلا تعذر لا عند الله ولا عند خلقه من الدخول في هذا الأمر. فإنْ كان الصواب معنا، فالواجب عليك الدعوة إلى الله وعداوة من صرح بسبِّ دين الله ورسوله. وإن كان الصواب معهم أو معنا في شيء من الحق وشيء من الباطل، أو معنا غلوٌّ في بعض الأمور، فالواجب منك مذاكرتنا ونصيحتنا، [ودلالتنا على آراء] أهل العلم، لعَلَّ الله أن يردّنا إلى الحق.. وبالجملة فالأمر عظيم، ولا نعذرك من تأمّل كلامنا وكلامهم، ثم تعرضه على كلام أهل العلم، ثم تبيّن في الدعوة إلى الحق وعداوة من حادّ الله ورسوله منّا أو من غيرنا".

ومن هذه البابة من سياستِهِ الشرعيّة، وإيثاره الحق، أشياء كثيرة في كلامه. وقد كتب إلى ابن فقيه كان أبوه يراسله، ثم حبس عن رسائله، وأعطاها بعض الناس يقرؤونها على الملأ، قال:

"فإن كان يرى أنّ هذا ديانة، ويعتقده من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأنا – ولله الحمد- لم آت الذي أتيت بجهالة، وأشهد الله وملائكته أنّه إن أتاني منه، أو ممّن دونه في هذا الأمر، كلمة من الحق، لأقبلنّها على الرأس والعين، وأترك قول كل إمام اقتديت به، حاشا الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يفارق الحق".

وكتب إلى آخر، وهو يصف وعيه الكونيّ، والتزامه عمود الحق في كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال:

"وأما ما ذكر لكم عني، فإنّي لم آته بجهالة، بل أقول – ولله الحمد والمِنّة وبه القوّة-:إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيّماً مِلَّةَ إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، ولست –والحمد لله- أدعو إلى مذهبٍّ صوفيٍّ، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أُعظِّمهم.. بل أدعو إلى الله وحدَهُ لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أوّلَ أمته وآخرهم، وأرجو أنِّي لا أردّ الحَّ إذا أتاني، بل أُشهِد الله وملائكته وجميع خلقه إنْ أتانا منكم كلمة حق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتنا، حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّه لا يقول إلا الحق".

وأوصى تلاميذه الدّعاة "أن يَدْعُوا الناس إلى الله بالحكمة وبالموعظة الحسنة، وأن يجادلوهم بالحسنى، فقد أمر الله رسوليه: موسى وهارون، وأن يقولا لفرعون قولاً ليّناً، لعلّه يتذكّر أو يخشى، لأنه يريد من دعوته أن يجمع الناس على الهدى".

وكتب:
"إن بعض أهل الدين ينكر منكراً، وهو مصيب، لكنّه يخطئ في تغليظ الأمر إلى حدٍّ يوجب التفرقة بين الإخوان، والله تعالى يقول:
{ يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ، ولا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُسْلِمُونَ، واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ ولا تَفَرَّقُوا}

وكتب إلى آخر:
"فاغتن يا أخي هذا الفضلَ، وكن من أهله، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه:
"لأَنْ يَهدِيَ الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النّعَم" [أخرجه أحمد 5/238 من حديث معاذ بن جبل]، وعظَّم القول فيه.. "فاغتنم ذلك، وادْعُ إلى السُّنة حتى يكون لك بذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث، فيكونون أئمة بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء ف الأثر، فاعمل على بصيرة ونيّة حسنة، فيردّ اللهُ بك المبتدعَ المفتون الزائغ الحائر، فتكون خلفاً من نبيك صلى الله عليه وسلم فإنّك لن تلقى الله بعمل شبهة".

وقد بلغ وعيه القمة حين لاحظ أن تمام الدين بالدولة، وقد سماها الولاية، وقرر أن المصلحة فيها لا تتم إلا بالاجتماع، وإن هذا الاجتماع لا بد له من آمر وناه، فتلك هي الولاية، ولذلك سعى لها ليحفظ مقاصد الشرع ومصالح العباد، قال:

" جميع الولايات مقصودها أن يكون الدين كله لله، فإنّه سبحانه إنّما خلق الخلق لذلك، وذلك هو الخير والبِرّ والتقوى والحسنات والقربات والباقيات الصالحات والعمل الصالح، وإن كان بين هذه الأسماء فروق لطيفة، ولا تتمّ المصلحة في الدين والدنيا إلا بالاجتماع، وإذا اجتمعوا فلا بد من أمور يلتزمونها وأخرى يجتنبونها، ويقومون للأمر بها والنهي عنها، فلا بد من آمر وناهٍ. وإذا كان لا بد من ذلك، فدخول المرء تحت طاعة الله ورسوله الذي بأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، خير له. والله قد أنزل الكتاب بالحق والميزان، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، ليقوم الناس بالقسط. ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم أُمته بتولية ولاة الأمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يؤدّوا الأمانة، وأن يحكموا بالعدل، وأمر بطاعتهم".

أقول: على قواعد القرآن والسنة، وهذه المدارك الحكيمة الحصيفة العالية – وقد بلغت الغاية في الضلاعة والسّداد وإصابة الأهداف كما نرى- أقام الرجل بناء دعوته، وأفرغ في هذه الدعوة كل طاقاته وصفاء عقله وقلبه. فجاءت على مثاله ضلاعةً وسموّاً وجلالاً.



*****



وبدأ المرحلة التطبيقية العمليّة بعد عودته من المدينة النبويّة إلى العيينة، وهو في التاسعة والعشرين من عمره، ولكأني به حين أطلَّ على جزيرة العرب فرداً لا وَزَرَ له من أحد، ناجى الله جل وعلا أن لا يذره فرداً، وأن يمدَّه بعونه ورحمته، ويبلّغه ما يؤمّله.. لا لدنيا يصيبها لنفسه، ولكن لهداية قوم ضلّوا عن سواء السبيل، وانحرفوا على الصراط المستقيم، فأراد لهم الهداية والعزّة.

مضى في الدعوة في فتوته هذه، بقلب يملؤه الإيمان واليَقَظة والشجاعة، وعقل تعمره الحصافة والعلم والتجارب، وصدرٍ تتوثب فيه العزيمة الصُّلْبَة والإرادة الجارفة، وبصيرةٍ تتألق بالنور الذي يضيء له الدرب في ليل الناس البهيم.

استلهم [أي] القرآن، ووصل أفقه بأفقه غير حائد عنه، وتأسّى بسلوك الرسول عليه الصلاة والسلام في جميع مراحل الدعوة سَمْتاً بعد سَمْت، فبلَّغ كما بلّغ، وبشّرَ، وأنذر... بلّغ الأفراد والجماعات، وبلّغ الأغنياء والفقراء والرؤساء والمرؤوسين، وسيّر الرسل والدعاة إلى من دنا ومن بَعُدَ عن جزيرة العرب من أصحاب السلطان، وسمع الناس منه ومن دعاته كلاماً جديداً، مقروءاً ومسموعاً، لانت له عقول قوم فرفضوه، بل نصبوا له الحرب، ووقفوا دونه يصدون عنه الناس،ويسفهون الداعي وما يدعوا إليه من الحق، وتأَلَّبوا على الرجل، وحاولوا غِيلَتَهُ ليذهبوا الحقّ، ليدخلوا في دعوته، ويمنّيهم بالفوز بخيري الدنيا والآخرة إذا هم آزروه وناصروه. وقد ائتسى في هذا الشأن أيضاً بالرسول العظيم، عليه أفضل الصلوات والتسليم، فوفّق.

وأخذ البيعة من بعضهم ليضمن قيام "الولاية" كما كان يقول أو الدولة كما يقولون اليوم، ليحفظ بذلك مكاسب النصر [الديني] الذي استطاع أن يحققه في كثير من أرض الجزيرة. ولكنّ من بايعه على ذلك نقض البيعة، لأن سلطاناً أقوى منه فرض عليه أن يتخلّى عمّا التزمه من هذه البيعة ومن نصر الداعي.. وهنا كان الاختيار الصعب، وكان الموقف الحاسم الذي يقرر مصير الدعوة، وكان ذلك كله يتوقّف على القوة النفسية التي حَدَتْ بهذا الداعي الكبير على أن ينهض بهذا الأمر الكبير، وإذا هي عنده أثبت ثباتاً من الجبال، وعند الشدائد تظهر عزمات الرجال، فيما وهن عزمه، ولكنه ازداد قوة، ولا ضعف إيمانه ولكنه ازداد يقيناً بنصر الله له، وانتقل إلى حيث يأمل أن يدخل في دعوته من الأمراء ومن ينصره ويقيم "الولاية".


*****


وكأن الله ادّخر الخير كلّه لمن هو أهله من أمراء الجزيرة الكبار أصحاب الشوكة والصولة، لأمرٍ أراد الله سبحانه كونه ودوامه، فساقه التوفيق إلى (الدرعية)، وكم الله من إرادات يكتب بها لأنَاسِيَّ، ويحرمها أناسِيّ آخرين! وكأن أمير الدرعية (محمّد بن سعود) نائماً، فاحتضنته السعادة بقدوم هذا الرجل الكبير عليه، وكان ذلك قدراً من الله مقدوراً، ولله عاقبة الأمور.

قذف الله في قلب الأمير الموفق حبه وتصديقه واستجابته لما دعاه إليه من دعوته، فبايعه على أن ينصره نصراً مؤزراً، ويعز الإسلام ويحميه، ويعيد إليه رونقه وجلاله وقوّته الفاعلة في (جزيرة العرب) تحت (راية القرآن).

وأنشأ الله على يده قيام الدولة العربية المسلمة التوحيدية في (جزيرة العرب) بعد غياب عنها دام أكثر من ألف عام. وذلك لتعود (جزيرة العرب) كما بدأت مركز إشعاع على العالم، وليبقى الملك في عقب هذا القائد المؤمن الصادق إماماً بعد إمام، وما لزموا نهج الإسلام الصحيح، وأَعدُّوا ما استطاعوا من قوة، وبرُّوا واتّقوا وصَلَحُوا، وأصلحوا، وصاروا وصار العرب والمسلمون معهم يداً واحدة.

وفي هذا بلاغ، والله يفعل ما يشاء.

لقد كان التقاء (محمّد بن عبدالوهّاب) بـ(محمّد بن سعود) توفيق قدر لقدر، ولأمر أراد الله إنفاذه على يديهما معاً، ولست أدري أكان يتمّ لِــ(محمّد بن عبدالوهّاب) أمره لو لم ينهض (محمّد بن سعود) لبيعته ونصره؟ وكذلك ما كان يكون من رفعة الشأن لمحمد بن سعود وعقبه لو رفض دعوة (محمد بن عبدالوهّاب)، ولبث حيث هو أميراً على قرية؟ بل ما كان يكون عليه (جزيرة العرب) وأقدار (العرب) لو بقيت على عزلتها وغطيطها في نومها الطويل قبل صرخة (محمد بن عبدالوهاب)؟.

عقلان كبيران التقيا، وقلبان صافيان اتّحدا وروحان قويّان تحابّا وامتزجا، فأتيا بالعجل العجاب!

ولنترك أحداث التاريخ لكتب التاريخ، [وللنظر إلى جزيرة العرب المباركة] لنشاهد مواكب التوحيد موكباً إثرَ موكب، ترفرف عليها راية القرآن، وتحدوها أهازيج النصر بكلمة الله العليا: "لا إله إلا الله محمد رسول الله، والله أكبر" فيتلفّت الدهرُ، ويهتزّ الثرى، وتُردد الصَّدَى السماءُ، ولله العزّةُ ولرسوله وللمؤمنين، فقد صدق الله وعده، وأيّد جنده، ونصر حزبه، وحزبُ الله هم المنصورون.

وتطبق الأجفان على هذه المواكب، لتحفظ صورها الروائع في سواد العين، وهي مواكب خوالد، لا تبرح ذاكرة التاريخ، نظمها جهاد هذين العربيين المسلمين العظيمين ملاحمَ كالشعر، ترينا أكبر نقلة في هذا العصر الحديث من الخرافة إلى الحقيقة، ومن التّفرق إلى التوحّد، ومن الجمود إلى الحركة، ومن الانطواء إلى الانتشار، ومن الانغلاق إلى الانفتاح.

وليكن هذا شأن العرب والمسلمين إلى الأبد، وإذا شاؤوا أن يحيوا سادة في أوطانهم، وأحراراً أعزة.

لقد ظلت هذه الملاحم الخوالد إلى هذه الساعة دون أن تنال حظاً من التصوير البارع، فهي تستشرف القلمَ الصَّناع يرسم واقعها الخياليّ وخيالَها الواقعي، ويجسّد مواكبها ومعانيها في ألواح من النثر الفني البياني الرفيع والشعر "الشاعر" العبقري الأصيل، تحدث البهجة في النفوس، وتهيج العزائم للاقتداء.

فهل من فتى نابغ من أبناء هذه الجزيرة المتميزة، أُمَ البطولات والعطاء ومصدر الفصاحة والبيان، يُعِدّ مواهبه لهذا الخير، ويصوّر جلال هذه العبقريات التي أطلت بها على الدنيا في هذا العصر الحديث؟ إني لأطمع ولا أقطع الرجاء.

إنّ (محمّد بن عبدالوهّاب) لم يُعرف على حقيقته بفكره الكوني وآفاقه ومعناه.. إنه من معنى الإسلام كبيرٌ وكريم، والمعنى الكبير إنّما يحمله إلى العقول البيانُ الرفيع، فهل حمل روحَ الإِسلام وجماله وجلاله إلى أُمم الأرض من كل جنس ولون، غيرُ الإِعجاز البياني في كتاب الله والسّنة الصحيحة المطهرة؟.

نَضَّر الله وجه (محمّد بن عبدالوهّاب) .. ما أبهاه بين وجوه المصلحين المجددين الأفذاذ! وما أجلَّ جهاده في الله، وأكرم دعوته إلى الله .. إلى الصراط المستقيم!

{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقيماً فَاتَّبعُوهُ ولاَ تَتَّبعُوا السُّبُلَ فتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيِلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }.


محمد بهجة الأثَرِيّ
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية massi2007
massi2007
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 10-09-2007
  • المشاركات : 1,364
  • معدل تقييم المستوى :

    20

  • massi2007 is on a distinguished road
الصورة الرمزية massi2007
massi2007
عضو متميز
رد: من هو محمد ابن عبد الوهاب
17-07-2008, 10:58 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الله ياسين مشاهدة المشاركة
هذه النقولات الطويلة المُتشعبة لا تغيّر من الحقيقة المُسجّلة في كتب التاريخ ؛ فالعبرة عند العُقلاء بالحقائق المبثوثة في تراث الوهابية أنفسهم و ليس بثناء من أثنى على الوهابية.

فليس موضوعنا بحث من أثنى على الوهابية و من ذمّها ! ؛ وإنما موضوعنا عرض تاريخ محمد ابن عبد الوهاب و الوهابية على الميزان العلمي لإستخلاص الحقائق و كشف الدقائق.

و لو كان الأمر كذالك لسردنا نقولات عن علماء كبار ذموا محمد ابن عبد الوهاب و الوهابية حيثُ شهادتهم في ميزان البحث تفوق شهادة من أثنوا عليه لكونهم عاصروا الوهابية و عرفوها عن كَتب و عايشوها على غرار غيرهم.

هكذا يكون التأصيل العلمي للحقائق و سيأتي المزيد!
لما يتكلم عن العثمانيون في الجزائر
يقال انهم باعوها الى فرنسا
و لما يتكلم عن العثمانيون في السعودية
يقال انهم خرجوا على الخلافة الاسلامية
و الله هذا شيء عجاب
:rolleyes::rolleyes::rolleyes:
موضوع مغلق
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


الساعة الآن 04:38 AM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى