رد: مدارسة حول الحضارة الإسلامية العربية
08-09-2015, 09:32 PM
لقد مررنا منذ بدء نهضتنا بمراحل يقفو بعضها إثر بعض اقتفاء طبيعيا ، فقد استيقظنا على واقع مؤلم و استعمار جاثم ، فطردنا الاستعمار في بعض أقطارنا و نحن نوشك على طرده من أقطارنا الأخرى ، و بدأنا نتعلم و ننظم حياتنا وفق الحياة التي تفرضها الحضارة الحديثة ، و هي الحضارة الغالبة على مقدراتنا الفاتحة لبلادنا ، ثم بدأنا نسير في طريق القوة و استغلال ثروات بلادنا و الاستغناء بقدر ما نستطيع عن المنتجات الحضارية المصنوعة في الغرب ، و الهدف الذي نسعى إليه الآن هو اللحاق بركب الأمم المتحضرة حتى نقاربها في القوة و مستوى المعيشة ، و في هذه المرحلة ينبغي أن نصنع لأنفسنا مقياسا حضاريا نستمده من مقاييسنا الحضارية على ضوء مشكلات الحضارة الحديثة و حاجياتنا و ظروفنا ، كما يجب علينا ان نحدد خطوتنا المقبلة بعد الانتهاء من هذه المرحلة ، أهي أن نظل في فلك الحضارة الحديثة ، و نجري وراء الذين سبقونا بمئات السنين يأخذنا الإعياء من كل جانب و يكون كل همنا أن نلحق بهم و نكون مثلهم ؟ أم ان نرسم لأنفسنا طريقا آخر يقفز بنا إلى المقدمة من غير ان ينالنا نصب هذه الأمم المتحضرة و إعياؤها و آلامها و انهيارها ؟
نحن بحكم الواقع لا نستطيع أن نصل -في بضع السنوات القادمة- إلى مستوى القوة المادية التي وصل إليها الغربيون ، فليس من السهل أن تكون خلال هذه المدة أقمارا صناعية و صواريخا عابرة للقارات ، و هب أنا وصلنا إلى ذلك في بضع سنين ، فإن الغرب يكون قد سبقنا أشواطا أخرى في هذه الميادين.
فالطريق الصحيح هو أن نستمر في استكمال قوتنا إلى غاية ما نستطيع مع وضع مقياس حضاري جديد لنا و للإنسانية كلها ، و نحن نملك كل إمكانيات الاستقلال في تخير الطريق الصحيح للحضارة ، و معنا الوقت الكافي لدراسة مقاتلها و مشاكلها لا لننجو منها في مرحلتنا الحاضرة ، فهذا ما لا سبيل إليه ، بل لننجو منها و نخرج عن دائرة سيرها في مرحلتنا المقبلة ، و هذا ما نجد السبيل إليه ممهدا لو آمنا بما عندنا و بمقاييسنا التي أثبتت التجارب صحتها ، و بمن يتألف منهم ركبنا الحضاري ، أي بشعبنا العظيم الذي لم تمت فيه جذوة الطموح ، و لم تخب عنده نار النضال ، و لم يستسلم للغزاة رغم شدة الضربات و تكرر الغزوات و تعدد الخيانات!.
إننا إذ فعلنا ذلك نكون قد أوجدنا اكبر منعطف لتاريخ الإنسانية في عصرها الحديث ، و حسبنا اننا نسيطر بذلك على قارتينا الكبيرتين آسيا و افريقيا سيطرة روحية و أخلاقية تجعلهما أسعد من باقي القارات و أكثرها أمنا و اطمئنانا بغض النظر عن الحروب المستعرة بفعل أياد "خارجية" ، و يومئذ لابد من أن يلتفت إلينا العالم الغربي المنهوك القوى التائه الطريق ، و يأخذ عنا ما يخفف من شقائه و آلامه ، عبر افتعال الحروب ، التي ستكون سببا مستقبلا في أن تنتقل إلينا قيادة الحضارة و توجيه التاريخ قبل أن يقرر نهاية الإنسانية بعض "المجانين"!.
قد أكون مع هذا لا ازال مسترسلا وراء الخيال ، فحوادث التاريخ لا تسير سيرا رتيبا كما يقوم في أذهان الكاتبين ، و من يدري ماذا سيكون غدا ؟ فهذا العالم مليء بالمفاجآت ، و قد تقع حادثة في أقصى الأرض فتؤثر على من في الأرض في الطرف الآخر ، بيد أن هذا لا يمنع من أن نطالب بالتفكير في مستقبلنا تفكيرا مستقلا ، و حوادث التاريخ تصنعها يد الله بآراء المفكرين و صيحات الأنبياء و المصلحين.