اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مريم بنت الجزائر
ثانياً: وأما السنة فقد تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله وإقراره :
فمما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم في ذكر العلو والفوقية قوله ( سبحان ربي الأعلى ) كما كان يقول في سجوده وقوله في الحديث : ( والله فوق العرش ) .
|
( الفوقية ) التي تنسب لله تعالى في النصوص الشرعية يُراد بها الفوقية المُطلقة الغير مُقيّدة بزمان و لا مكان لأنّ الله كان و لا مكان و لا زمان و هو على ما عليه كان ؛ كما هو مذهب جماهير علماء الإسلام ما عدا المُشبّهة و المُجسّمة...
أمّا المُفتي فيُريد أن يستدلّ بظاهر هذه النّصوص ليُثبت أنّ ربّه في مكان "فوق" ؛ و معلوم عند العقلاء أنّ "فوق" ظرف مكان ! ؛ فنتيجة كلامه أنّ الله عزّ و جلّ - تعالى الله عن ذالك - مظروف !!!
فهو يعتقد أنّ وجود الله يفتقرُ الى مكان وجهة و نسي أنّ هذا شأن المخلوق المُحتاج و لا ينطبق هذا على الخالق الغنيّ عن العالَمين...
و عليه فالمُفتي يقيس الشاهد على الغائب و الغائب على الشاهد ؛ و هو قياسٌ باطل كما لا يخفى !
و نحنُ نسأل المُفتي : أين كان الله قبل خلق المكان و الزمان و الجهات ؟!!!
قال الإمام مفتي المسلمين بن جهبل الشافعي في ردّه على " الفتوى الحموية " لابن تيمية :
( الفوقية ) ترد لمعنيين :
أحدهما : نسبة جسم إلى جسم بأن يكون أحدهما أعلى والآخر أسفل بمعنى أن أسفل الأعلى من جانب رأس الأسفل و هذا لا يقول به من لا يُجسّم. و بتقدير أن يكون هو المراد وأنّه تعالى ليس بجسم فَلِمَ لا يجوز أن يكون ( من فوقهم ) صلة لـ ( يخافون ) ؟! و يكون تقدير الكلام : يخافون من فوقهم ربهم. أي أن الخوف من جهة العلو وأن العذاب يأتي من تلك الجهة.
و ثانيهما : بمعنى المرتبة كما يقال : " الخليفة فوق السلطان " و " السلطان فوق الأمير " و كما يقال: " جلس فلان فوق فلان " و " العلم فوق العمل " و " الصباغة فوق الدباغة " و قد وقع ذلك في قوله تعالى حيث قال : ( و رفعنا بعضهم فوق بعض درجات ) و لم يطلع أحدهم على أكتاف الآخر !!! و من ذلك قوله تعالى : ( و إنا فوقهم قاهرون ) وما ركبتِ القبطُ أكتاف بني إسرائيل ولا ظهورهم !!!.انتهى
أمّا عن معاني " فوق " في اللّغة و كلام أهل العلم في ذالك فقد ذكرنا فيما سبق ما يكفي و نزيد عليه :
روى البخاري في صحيحه عن ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِوَسَلَّمَ يَقُولُ اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ قَالَ أَنَسٌ لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ قَالَ فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح هذا الحديث كما تجده في الفتح :
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ قَوْله " فِي السَّمَاء " ظَاهِره غَيْر مُرَاد , إِذْ اللَّه مُنَزَّهٌ عَنْ الْحُلُول فِي الْمَكَان , لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ جِهَة الْعُلُوّ أَشْرَف مِنْ غَيْرهَا أَضَافَهَا إِلَيْهِ إِشَارَة إِلَى عُلُوّ الذَّات وَالصِّفَات , وَبِنَحْوِ هَذَا أَجَابَ غَيْره عَنْ الْأَلْفَاظ الْوَارِدَة مِنْ الْفَوْقِيَّة وَنَحْوهَا .
قَالَ الرَّاغِب " فَوْق " يُسْتَعْمَل فِي الْمَكَان وَ الزَّمَان وَ الْجِسْم وَالْعَدَد وَ الْمَنْزِلَة وَ الْقَهْر :
فَالْأَوَّل : بِاعْتِبَارِ الْعُلُوّ وَ يُقَابِلهُ تَحْت نَحْو ( قُلْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَث عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقكُمْ أَوْ مِنْ تَحْت أَرْجُلِكُمْ )
وَالثَّانِي : بِاعْتِبَارِ الصُّعُود وَ الِانْحِدَار , نَحْو ( إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنْكُمْ )
وَالثَّالِث : فِي الْعَدَد نَحْو ( فَإِنْ كُنَّ نِسَاء فَوْق اِثْنَتَيْنِ )
الرَّابِع : فِي الْكِبَر وَ الصِّغَر , كَقَوْلِهِ ( بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا )
وَ الْخَامِس : يَقَع تَارَة بِاعْتِبَارِ الْفَضِيلَة الدُّنْيَوِيَّة , نَحْو ( وَرَفَعْنَا بَعْضهمْ فَوْق بَعْض دَرَجَاتٍ ) , أَوْ الْأُخْرَوِيَّة نَحْو ( وَاَلَّذِينَ اِتَّقُوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة )
وَ السَّادِس : نَحْو قَوْله ( وَهُوَ الْقَاهِر فَوْق عِبَادِهِ ) ( يَخَافُونَ رَبّهمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ) اِنْتَهَى مُلَخَّصًا .انتهى
ففوقية الله هي فوقية قهر و ليست فوقية مكان كما ينوّه اليه المُفتي هداه الله.
و قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في موضعٍ آخر من " فتح الباري بشرح صحيح البخاري " :
قَالَ السُّهَيْلِيُّ : قَوْله : " مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ " مَعْنَاهُ أَنَّ الْحُكْمَ نَزَلَ مِنْ فَوْقِ , قَالَ وَ مِثْلُهُ قَوْل زَيْنَب بِنْت جَحْش " زَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ نَبِيِّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ " أَيْ نَزَلَ تَزْوِيجُهَا مِنْ فَوْقٍ , قَالَ وَ لَا يَسْتَحِيلُ وَصْفُهُ تَعَالَى بِالْفَوْقِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِهِ لَا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي يَسْبِقُ إِلَى الْوَهْمِ مِنْ التَّحْدِيدِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى التَّشْبِيهِ .انتهى
و نحنُ نُسائل المُفتي فنقول : روى الإمام البُخاري في صحيحه عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي
فأنتم تزعمون أنّ الله فوق العرش بمعنى الجهة و المكان ؛ فلو كان فهمكم صحيحًا فهذا يعني أنّ الكتاب الذي كتبه الله - { كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ } - يُشارك الله في علوّه الحسّي ؟!!!
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في " فتح الباري بشرح صحيح البخاري " :
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَاد بِالْكِتَابِ أَحَد شَيْئَيْنِ : إِمَّا الْقَضَاء الَّذِي قَضَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( كَتَبَ اللَّه لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) أَيْ قَضَى ذَلِكَ , قَالَ وَيَكُون مَعْنَى قَوْله " فَوْق الْعَرْش " أَيْ عِنْده عِلْم ذَلِكَ فَهُوَ لَا يَنْسَاهُ وَلَا يُبَدِّلهُ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فِي كِتَاب لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ) . وَإِمَّا اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي فِيهِ ذِكْر أَصْنَاف الْخَلْق وَبَيَان أُمُورهمْ وَآجَالهمْ وَأَرْزَاقهمْ وَأَحْوَالهمْ , وَ يَكُون مَعْنَى " فَهُوَ عِنْده فَوْق الْعَرْش " أَيْ ذَكَرَهُ وَعَلِمَهُ وَكُلّ ذَلِكَ جَائِز فِي التَّخْرِيج , عَلَى أَنَّ الْعَرْش خَلْق مَخْلُوق تَحْمِلهُ الْمَلَائِكَة , فَلَا يَسْتَحِيل أَنْ يُمَاسُّوا الْعَرْش إِذَا حَمَلُوهُ , وَإِنْ كَانَ حَامِل الْعَرْش وَحَامِل حَمَلَته هُوَ اللَّه , وَ لَيْسَ قَوْلنَا إِنَّ اللَّه عَلَى الْعَرْش أَيْ مُمَاسّ لَهُ أَوْ مُتَمَكِّن فِيهِ أَوْ مُتَحَيِّز فِي جِهَة مِنْ جِهَاته بَلْ هُوَ خَبَر جَاءَ بِهِ التَّوْقِيف , فَقُلْنَا لَهُ بِهِ وَ نَفَيْنَا عَنْهُ التَّكْيِيف إِذْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَ بِاَللَّهِ التَّوْفِيق.وَ قَوْله " فَوْق عَرْشه " صِفَة الْكِتَاب , وَقِيلَ إِنَّ فَوْق هُنَا بِمَعْنَى دُون , كَمَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى ( بَعُوضَة فَمَا فَوْقهَا ) وَهُوَ بَعِيدٌ , وَ قَالَ اِبْن أَبِي جَمْرَة يُؤْخَذ مِنْ كَوْن الْكِتَاب الْمَذْكُور فَوْق الْعَرْش أَنَّ الْحِكْمَة اِقْتَضَتْ أَنْ يَكُون الْعَرْش حَامِلًا لِمَا شَاءَ اللَّه مِنْ أَثَر حِكْمَة اللَّه وَقُدْرَته وَغَامِض غَيْبه لِيَسْتَأْثِر هُوَ بِذَلِكَ مِنْ طَرِيق الْعِلْم وَالْإِحَاطَة , فَيَكُون مِنْ أَكْبَر الْأَدِلَّة عَلَى اِنْفِرَاده بِعِلْمِ الْغَيْب , قَالَ : وَقَدْ يَكُون ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ ( الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْش اِسْتَوَى ) أَيْ مَا شَاءَهُ مِنْ قُدْرَته وَهُوَ كِتَابه الَّذِي وَضَعَهُ فَوْق الْعَرْش .انتهى
و قال الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي في " طرح التثريب في شرح التقريب " :
وَقَوْلُهُ { فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ } لَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ ظَاهِرِ لَفْظِهِ عِنْدَهُ ; لِأَنَّ مَعْنَاهَا حَضْرَةُ الشَّيْءِ وَ اَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الِاسْتِقْرَارِ وَالتَّحَيُّزِ وَالْجِهَةِ فَالْعِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ حَضْرَةِ الْمَكَانِ بَلْ مِنْ حَضْرَةِ الشَّرَفِ أَيْ وَضَعَ ذَلِكَ الْكِتَابَ فِي مَحَلٍّ مُعَظَّمٍ عِنْدَهُ.انتهى
فتأمّل !