بوتفليفة.. بومدين.. ما الفرق؟
20-08-2009, 02:00 AM
بقلم: المواطن علي رحالية
الموضوع منشور على الجرائد "الخبر الأسبوعي" و لم نسمع عن متابعة قضائية للكاتب "فلا نكن ملكيين أكثر من الملك"
''ياسر ''.. هذا هو اسمه.. والأصح.. الاسم الذي يقول لي بأنه اسمه!
ياسر.. شاب جزائري في منتصف عقده الثالث، يحلم ويخطط، مثل كل الشباب المخدوع والمظلوم والمحڤور الذي سرقوا منه كل شيء ومنعوا عليه كل شيء وأغلقوا في وجهه كل الأبواب و النوافذ والمنافذ!.. ياسر يحلم ويخطط ككل شباب هذا البلد التعيس للهروب.. الهروب الكبير من ''الجحيم الجزائري'' بحثا عن بقعة أرضية لا يوجد فيها ولا عليها.. بوتفليقة..أويحيى.. بلخادم.. أبوجرة.. ولد عباس.. العربي بلخير.. خالد نزار.. العماري.. توفيق.. زرهوني.. علي بن حاج.. لعيايدة.. حسان حطاب.. سيدي السعيد.. حمراوي حبيب شوقي.. وباقي فريق ''الكابوس'' الجزائري و''المأساة'' الوطنية.. ياسر هو أيضا واحد من قراء ''الخبر الأسبوعي''، لأنها تمنحه فرصة ''استنشاق هواء نقي خال من جراثيم وميكروبات الشيتة''.. أما هواية ياسر، فهي الهواية التي يمارسها كل المواطنين.. ''سب وشتم النظام والحكومات''.
بإلحاح شديد و''سماطة'' أشد، لم يتوقف ياسر عن تعذيبي، وهذا منذ أن بدأت أخربش في هذه الجريدة، على سؤالي نفس السؤال.. ''ما الفرق بين بوتفليقة وبين بومدين؟''.. وأرد عليه ''لما توفي بومدين، كان عمري سبع سنوات''.. ويكتب لي ''وأنا لم أولد أصلا''! ثم يعود لطرح نفس السؤال بنفس الإلحاح ونفس ''السماطة''.. وأكتب إليه موضحا ''أنا لا أملك الإجابة.. كل ما عندي مجرد فكرة.. مجرد رأي، هو حصيلة مجموعة من المعلومات قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة.. مجموعة استنتاجات قد تكون منطقية، وقد لا تكون كذلك.. باختصار، ردي على سؤالك لن يكون أكثر من مجرد رأي.. من مجرد وجهة نظر.. ما مدى قربها وبعدها عن الحقيقة؟.. إجابتي وبكل صراحة.. لا أعرف''.
*******
تذكرت ياسر ودردشتنا وأنا أقرأ مقال الأستاذ والصديق ناصر جابي في ''الخبر'' اليومي الذي اختار له عنوان ''زبدة بومدين وماروتي بوتفليقة''، بمناسبة ''الجريمة'' الألف بعد المليون التي نفذها ''رجل المهمات القذرة'' وخادم النظام العفن والمتعفن أحمد أويحيى تحت الرعاية السامية لصاحب الفخامة عبد العزيز بوتفليقة، حفظه الله ورعاه وأبقاه.. بعد مصادقة مصالح الوزير الأول على قانون المالية التكميلي.. وأريد أن أضيف إلى كلام الأستاذ والصديق ناصر بأن بومدين لما قال ''من يريد أن يأكل الزبدة، فليذهب إلى الخارج، لأننا لا نملك الزبدة في الجزائر''.. والرجل لم يأكل الزبدة فعلا كأي مواطن، لا هو ولا أهله، وحتى الذين كانوا يأكلونها من حاشيته كانوا يفعلون ذلك في سرية تامة، وكأنهم يتعاطون الهيروين والكوكايين! وحتى الذين زايدوا عليه وراحوا يكتبون على الحيطان والجدران تحت جناح الليل ''لا زبدة.. إذا لا سيجار''!.. كان رده عليهم ''إن السيجار الذي أدخنه لا يكلف الدولة سنتيما واحدا لأنني أتلقاه هدية من فيدال كاسترو''!.. فهل يتنازل بوتفليقة ويركب ''ماروتي'' وهو واحد من عشاق سيارة المرسيدس؟!
وتذكرت ياسر وسؤاله وأنا أعيد قراءة الحوار الذي أجراه أخي كمال زايت مع لخضر بومدين المعتقل رقم 10005 في غوانتانامو، وقد توقفت عند كلام المعتقل السابق الذي يقول فيه بالحرف: ''رغم التعذيب النفسي والجسدي الذي كنت أتعرض له، إلا أنني صبرت والحمد لله، وقررت أن أرفع قضيتي أمام المحكمة العليا الفيدرالية، اخترت أن تحمل القضية التي كانت أيضا قضية معتقلين آخرين اسم بومدين، وذلك بعد أن أخبرني المحامي بأن القضية مرفوعة على الرئيس السابق جورج بوش، وأنه يستحسن أن تحمل اسم الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين لأن اسمه معروف''.. وماذا كانت النتيجة؟.. يجيب المعتقل السابق: ''..والحمد لله أني ربحت القضية، وذُكـِر اسم بومدين في كل وسائل الإعلام الأمريكية، وشعرت وكأن اسم بومدين يعاد للحياة من جديد''!..
إنه أمر غريب ومدهش فعلا.. بومدين الميت واليساري عدو الإمبريالية وعلى رأسها أمريكا.. يـُكـْسـِبُ معتقلا جزائريا قضية ضد بوش!.. وبوتفليقة الحي والليبرالي جدا وصديق الأمريكيين وصديق الجميع، ورئيس الجزائر ورئيس الجهاز التنفيذي والمتفرد الأوحد بالدبلوماسية والشؤون الخارجية، لم يستطع أن يقدم ويفعل له شيئا! بل أسوأ وأفظع من ذلك.. فالدولة التي قبلت باستقبال المعتقل الجزائري السابق على أرضها، لم تكن إلا فرنسا!
*******
تذكرت سؤال ياسر وأنا أسمع وأستمع إلى كل ذلك الكلام الذي قيل ولا يزال يقال عن ''حزب سعيد بوتفليقة''.. الحزب الذي سيركبه السعيد، بمباركة أخيه عبد العزيز وحاشيته التي عليها الطاعة فقط، ليخلف فخامة الرئيس على عرش الجمهورية المخطوفة.. فتذكرت السعيد بوخروبة، وهو الأخ الأصغر لبومدين.. فغرقت في الضحك.. فمجرد تخيل الموقف الذي تعرض له هذا التعيس أمام بومدين، يجعل المرء بعد المقارنة بين السعيدين يدخل في حالة من الضحك المخلوط بالبكاء الهستيري!.. عندما مرض بومدين وسافر إلى موسكو سرا للعلاج، وبعد طول الغياب وانتشار إشاعات عن انقلاب ضده وأخرى عن موته.. قلقت عائلة الرئيس وأهله.. ولحل هذا المشكل، وبمبادرة شخصية من طالب الإبراهيمي، طار هذا الأخير إلى موسكو وبرفقته السعيد.. وخلافا لما كان متوقعا، انزعج بومدين من إقحام وحشر عائلته في موضوع مرضه، وكان أول شيء فعله بومدين مع شقيقه هو سؤاله عن الجهة التي دفعت ثمن تذكرة مجيئه إلى موسكو.. فأخبره السعيد، وهو في غاية الحرج، بأن الرئاسة هي التي تكفلت بدفع مصاريف السفر، فما كان من بومدين إلا أن اتصل بعبد المجيد أعلاهم وأمره باقتطاع ثمن تذكرة السعيد من راتبه.. من راتب الرئيس شخصيا!.. هذا فارق آخر بين بوتفليقة وبومدين.. رئيس يحضر أخاه لخلافته على العرش، وآخر يحاسب أخاه على تذكرة سفر ويرسله رغم توسلات والدته لأداء الخدمة الوطنية، بالرغم من أن القانون كان يعطيه الحق في الإعفاء!.. وقد تذكرت والدة بومدين وأنا أستمع لبيانات التعزية في التلفزيون والراديو، وأتأمل وأقرأ صفحات الإشهار الكاملة التي نشرت كتعزية بعد وفاة والدة فخامته رحمها الله.. لقد توفيت والدة بومدين ولم نسمع أو نقرأ شيئا عن ذلك، وقد توفي والده وهو رئيس جمهورية ولم نسمع أو نقرأ شيئا عن ذلك أيضا! إلا صدور أوامر منه بعدم حشر مصالح الدولة، من البلدية إلى الرئاسة، أنفها في أمر جنازة والده.. وقد قيل وكتب الكثير عن والدة بوتفليقة وعلاقته بها وعلاقتها به.. والكلام الذي يكرره ويؤكده الجميع أن فخامة الرئيس، وكابن بار بوالدته، لم يكن يرفض طلبا لها رحمها الله.. بومدين ورغم حبه الشديد لوالدته، والتي كان يصرف عليها من راتبه الشخصي، إلا أنه ـ وعلى ما يبدو ـ لم يكن بارا مثل بوتفليقة.. ففي حديث جانبي بين بومدين وطالب الإبراهيمي عن الصحة والمرض وعلاقتهما بالأكل و بالشره في الطعام، قادتهما الدردشة إلى الحديث عن الأسعار عندما أخبر بومدين رفيقه وكأنه يدلي له باعتراف: ''تصور أنني يوم الأحد الماضي قد لمت لنفسي لأنني آخذت والدتي على شراء قطعة حلوى بسبعين دينارا''!.. وهذا ربما فارق آخر بين الرئيسين.
*******
وماذا أيضا؟
في كتابه ''رجال الخفاء'' لمؤلفه المجاهد والوزير والنائب السابق محمد لمقامي، لفتت انتباهي هذه الحادثة التي يرويها المؤلف وكله دهشة ''.. كنا تقريبا قرابة 15 فردا في هذه الدار(بقرية سيدي بوبكر على بعد مائة متر من الحدود الغربية) مجتمعين حول بومدين.. وبعد العشاء وبعد إنشاد مقاطع طويلة من شعر غنائي وطني وقبل أن نفترق للنوم، ألح بومدين على أن نواصل السهرة معه، كان يدخن ويشرب القهوة بدون انقطاع.. في تلك السهرة، ألقى بومدين علينا بسؤال طلب فيه منا أن نخبره في أي شيء يفكر كل واحد منا عندما يضع رأسه على الوسادة قبل أن ينام.. فأعطى كل واحد منا إجابته، فهذا يفكر في الدراسة، والآخر في الاستقلال، والآخر في والدته، والآخر في فيلم.. لم ترض إجاباتنا كلها بومدين على ما يبدو، فاقترح عندئذ سيناريو حقيقيا كما يلي.. إن كان عدد سكان الجزائر سيكون عشرة ملايين نسمة، وإذا كان كل جزائري قبل أن ينام كل مساء يفكر في نفس الموضوع ويعتبر بأن الحرب ستدوم على الأقل عشر سنوات، فغداة الاستقلال، سيصنف الجزائريون حسب الموضوع الذي فكروا فيه طويلا أثناء تلل السنوات العشر. وكل مجموعة تتفق على خلاصة معينة توضع في جهة، وهكذا سيشكل مجموع هذه الخلاصات سياسة الجزائر السيدة''.. وبمرور الزمن، يقول لمقامي ''لاحظنا أن هذه الفكرة التي راودت بومدين في شهر أوت 1957 هي تلك الفكرة التي ترجمت في الواقع بعد ثمانية عشر سنة، أي سنة 1975 من خلال مناقشات إثراء الميثاق الوطني، والذي لم يكن بالتأكيد إلا ثمرة تأمله الشخصي''!
.. بالمقابل، فِيمَ كان يفكر عبد العزيز بوتفليقة لما كان يعيش نفس ظروف بومدين.. أي لما كان على الجبهة؟.. فرحات عباس، أول رئيس للحكومة المؤقتة، لديه ذاكرة جيدة.. في كتابه ''الاستقلال المصادر'' وفي إحدى صفحاته وفي إحدى فقراته، يتحدث عن هذا الشاب الذي اسمه بوتفليقة ''قبل عودتنا إلى الجزائر(بعد إعلان الاستقلال)، خاطب بوتفليقة بعض الأصدقاء التوانسة على النحو التالي.. احفظوا جيدا اسمي، لأنكم ستسمعون عنه الكثير''. والمؤسف، يعلق فرحات عباس، أن ''لا أحد سمع عنه شيئا، في حين كان رجال في سنه يستشهدون في ساحة القتال''!
.. وربما هذا فارق آخر بين الرجلين وبين الرئيسين.. رجل كان يفكر في نوع وشكل وطبيعة الدولة التي ستبنى.. وآخر لم يكن انشغاله وكل همه سوى أن يصبح.. ''حاجة '' كبيرة.. وفقط.. بعد أن ''جابوه'' و''حطوه'' و''فخموه''!!.. إنه الفرق بين رجل دولة أمام المحروقات وسعر برميل البترول أقل من 3 دولار، ورئيس دولة شعبه يأكل من المزابل وسعر البرميل 140 دولار!!
.. وأقول للشاب ياسر وغيره من الشباب.. إن الرئيس في عهد بن بلة وبومدين كان يخاطب بصفة.. ''الأخ الرئيس''.. أما في عهد بوتفليقة، فلا يمكن مخاطبته أو وصفه إلا بـ.. ''فخامة رئيس الجمهورية''!
.. وهذا أيضا فارق آخر بين الرجلين والرئيسين.. كالفارق.. والبعد.. بين.. الأخ.. وصاحب الفخامة!
الموضوع منشور على الجرائد "الخبر الأسبوعي" و لم نسمع عن متابعة قضائية للكاتب "فلا نكن ملكيين أكثر من الملك"
''ياسر ''.. هذا هو اسمه.. والأصح.. الاسم الذي يقول لي بأنه اسمه!
ياسر.. شاب جزائري في منتصف عقده الثالث، يحلم ويخطط، مثل كل الشباب المخدوع والمظلوم والمحڤور الذي سرقوا منه كل شيء ومنعوا عليه كل شيء وأغلقوا في وجهه كل الأبواب و النوافذ والمنافذ!.. ياسر يحلم ويخطط ككل شباب هذا البلد التعيس للهروب.. الهروب الكبير من ''الجحيم الجزائري'' بحثا عن بقعة أرضية لا يوجد فيها ولا عليها.. بوتفليقة..أويحيى.. بلخادم.. أبوجرة.. ولد عباس.. العربي بلخير.. خالد نزار.. العماري.. توفيق.. زرهوني.. علي بن حاج.. لعيايدة.. حسان حطاب.. سيدي السعيد.. حمراوي حبيب شوقي.. وباقي فريق ''الكابوس'' الجزائري و''المأساة'' الوطنية.. ياسر هو أيضا واحد من قراء ''الخبر الأسبوعي''، لأنها تمنحه فرصة ''استنشاق هواء نقي خال من جراثيم وميكروبات الشيتة''.. أما هواية ياسر، فهي الهواية التي يمارسها كل المواطنين.. ''سب وشتم النظام والحكومات''.
بإلحاح شديد و''سماطة'' أشد، لم يتوقف ياسر عن تعذيبي، وهذا منذ أن بدأت أخربش في هذه الجريدة، على سؤالي نفس السؤال.. ''ما الفرق بين بوتفليقة وبين بومدين؟''.. وأرد عليه ''لما توفي بومدين، كان عمري سبع سنوات''.. ويكتب لي ''وأنا لم أولد أصلا''! ثم يعود لطرح نفس السؤال بنفس الإلحاح ونفس ''السماطة''.. وأكتب إليه موضحا ''أنا لا أملك الإجابة.. كل ما عندي مجرد فكرة.. مجرد رأي، هو حصيلة مجموعة من المعلومات قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة.. مجموعة استنتاجات قد تكون منطقية، وقد لا تكون كذلك.. باختصار، ردي على سؤالك لن يكون أكثر من مجرد رأي.. من مجرد وجهة نظر.. ما مدى قربها وبعدها عن الحقيقة؟.. إجابتي وبكل صراحة.. لا أعرف''.
*******
تذكرت ياسر ودردشتنا وأنا أقرأ مقال الأستاذ والصديق ناصر جابي في ''الخبر'' اليومي الذي اختار له عنوان ''زبدة بومدين وماروتي بوتفليقة''، بمناسبة ''الجريمة'' الألف بعد المليون التي نفذها ''رجل المهمات القذرة'' وخادم النظام العفن والمتعفن أحمد أويحيى تحت الرعاية السامية لصاحب الفخامة عبد العزيز بوتفليقة، حفظه الله ورعاه وأبقاه.. بعد مصادقة مصالح الوزير الأول على قانون المالية التكميلي.. وأريد أن أضيف إلى كلام الأستاذ والصديق ناصر بأن بومدين لما قال ''من يريد أن يأكل الزبدة، فليذهب إلى الخارج، لأننا لا نملك الزبدة في الجزائر''.. والرجل لم يأكل الزبدة فعلا كأي مواطن، لا هو ولا أهله، وحتى الذين كانوا يأكلونها من حاشيته كانوا يفعلون ذلك في سرية تامة، وكأنهم يتعاطون الهيروين والكوكايين! وحتى الذين زايدوا عليه وراحوا يكتبون على الحيطان والجدران تحت جناح الليل ''لا زبدة.. إذا لا سيجار''!.. كان رده عليهم ''إن السيجار الذي أدخنه لا يكلف الدولة سنتيما واحدا لأنني أتلقاه هدية من فيدال كاسترو''!.. فهل يتنازل بوتفليقة ويركب ''ماروتي'' وهو واحد من عشاق سيارة المرسيدس؟!
وتذكرت ياسر وسؤاله وأنا أعيد قراءة الحوار الذي أجراه أخي كمال زايت مع لخضر بومدين المعتقل رقم 10005 في غوانتانامو، وقد توقفت عند كلام المعتقل السابق الذي يقول فيه بالحرف: ''رغم التعذيب النفسي والجسدي الذي كنت أتعرض له، إلا أنني صبرت والحمد لله، وقررت أن أرفع قضيتي أمام المحكمة العليا الفيدرالية، اخترت أن تحمل القضية التي كانت أيضا قضية معتقلين آخرين اسم بومدين، وذلك بعد أن أخبرني المحامي بأن القضية مرفوعة على الرئيس السابق جورج بوش، وأنه يستحسن أن تحمل اسم الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين لأن اسمه معروف''.. وماذا كانت النتيجة؟.. يجيب المعتقل السابق: ''..والحمد لله أني ربحت القضية، وذُكـِر اسم بومدين في كل وسائل الإعلام الأمريكية، وشعرت وكأن اسم بومدين يعاد للحياة من جديد''!..
إنه أمر غريب ومدهش فعلا.. بومدين الميت واليساري عدو الإمبريالية وعلى رأسها أمريكا.. يـُكـْسـِبُ معتقلا جزائريا قضية ضد بوش!.. وبوتفليقة الحي والليبرالي جدا وصديق الأمريكيين وصديق الجميع، ورئيس الجزائر ورئيس الجهاز التنفيذي والمتفرد الأوحد بالدبلوماسية والشؤون الخارجية، لم يستطع أن يقدم ويفعل له شيئا! بل أسوأ وأفظع من ذلك.. فالدولة التي قبلت باستقبال المعتقل الجزائري السابق على أرضها، لم تكن إلا فرنسا!
*******
تذكرت سؤال ياسر وأنا أسمع وأستمع إلى كل ذلك الكلام الذي قيل ولا يزال يقال عن ''حزب سعيد بوتفليقة''.. الحزب الذي سيركبه السعيد، بمباركة أخيه عبد العزيز وحاشيته التي عليها الطاعة فقط، ليخلف فخامة الرئيس على عرش الجمهورية المخطوفة.. فتذكرت السعيد بوخروبة، وهو الأخ الأصغر لبومدين.. فغرقت في الضحك.. فمجرد تخيل الموقف الذي تعرض له هذا التعيس أمام بومدين، يجعل المرء بعد المقارنة بين السعيدين يدخل في حالة من الضحك المخلوط بالبكاء الهستيري!.. عندما مرض بومدين وسافر إلى موسكو سرا للعلاج، وبعد طول الغياب وانتشار إشاعات عن انقلاب ضده وأخرى عن موته.. قلقت عائلة الرئيس وأهله.. ولحل هذا المشكل، وبمبادرة شخصية من طالب الإبراهيمي، طار هذا الأخير إلى موسكو وبرفقته السعيد.. وخلافا لما كان متوقعا، انزعج بومدين من إقحام وحشر عائلته في موضوع مرضه، وكان أول شيء فعله بومدين مع شقيقه هو سؤاله عن الجهة التي دفعت ثمن تذكرة مجيئه إلى موسكو.. فأخبره السعيد، وهو في غاية الحرج، بأن الرئاسة هي التي تكفلت بدفع مصاريف السفر، فما كان من بومدين إلا أن اتصل بعبد المجيد أعلاهم وأمره باقتطاع ثمن تذكرة السعيد من راتبه.. من راتب الرئيس شخصيا!.. هذا فارق آخر بين بوتفليقة وبومدين.. رئيس يحضر أخاه لخلافته على العرش، وآخر يحاسب أخاه على تذكرة سفر ويرسله رغم توسلات والدته لأداء الخدمة الوطنية، بالرغم من أن القانون كان يعطيه الحق في الإعفاء!.. وقد تذكرت والدة بومدين وأنا أستمع لبيانات التعزية في التلفزيون والراديو، وأتأمل وأقرأ صفحات الإشهار الكاملة التي نشرت كتعزية بعد وفاة والدة فخامته رحمها الله.. لقد توفيت والدة بومدين ولم نسمع أو نقرأ شيئا عن ذلك، وقد توفي والده وهو رئيس جمهورية ولم نسمع أو نقرأ شيئا عن ذلك أيضا! إلا صدور أوامر منه بعدم حشر مصالح الدولة، من البلدية إلى الرئاسة، أنفها في أمر جنازة والده.. وقد قيل وكتب الكثير عن والدة بوتفليقة وعلاقته بها وعلاقتها به.. والكلام الذي يكرره ويؤكده الجميع أن فخامة الرئيس، وكابن بار بوالدته، لم يكن يرفض طلبا لها رحمها الله.. بومدين ورغم حبه الشديد لوالدته، والتي كان يصرف عليها من راتبه الشخصي، إلا أنه ـ وعلى ما يبدو ـ لم يكن بارا مثل بوتفليقة.. ففي حديث جانبي بين بومدين وطالب الإبراهيمي عن الصحة والمرض وعلاقتهما بالأكل و بالشره في الطعام، قادتهما الدردشة إلى الحديث عن الأسعار عندما أخبر بومدين رفيقه وكأنه يدلي له باعتراف: ''تصور أنني يوم الأحد الماضي قد لمت لنفسي لأنني آخذت والدتي على شراء قطعة حلوى بسبعين دينارا''!.. وهذا ربما فارق آخر بين الرئيسين.
*******
وماذا أيضا؟
في كتابه ''رجال الخفاء'' لمؤلفه المجاهد والوزير والنائب السابق محمد لمقامي، لفتت انتباهي هذه الحادثة التي يرويها المؤلف وكله دهشة ''.. كنا تقريبا قرابة 15 فردا في هذه الدار(بقرية سيدي بوبكر على بعد مائة متر من الحدود الغربية) مجتمعين حول بومدين.. وبعد العشاء وبعد إنشاد مقاطع طويلة من شعر غنائي وطني وقبل أن نفترق للنوم، ألح بومدين على أن نواصل السهرة معه، كان يدخن ويشرب القهوة بدون انقطاع.. في تلك السهرة، ألقى بومدين علينا بسؤال طلب فيه منا أن نخبره في أي شيء يفكر كل واحد منا عندما يضع رأسه على الوسادة قبل أن ينام.. فأعطى كل واحد منا إجابته، فهذا يفكر في الدراسة، والآخر في الاستقلال، والآخر في والدته، والآخر في فيلم.. لم ترض إجاباتنا كلها بومدين على ما يبدو، فاقترح عندئذ سيناريو حقيقيا كما يلي.. إن كان عدد سكان الجزائر سيكون عشرة ملايين نسمة، وإذا كان كل جزائري قبل أن ينام كل مساء يفكر في نفس الموضوع ويعتبر بأن الحرب ستدوم على الأقل عشر سنوات، فغداة الاستقلال، سيصنف الجزائريون حسب الموضوع الذي فكروا فيه طويلا أثناء تلل السنوات العشر. وكل مجموعة تتفق على خلاصة معينة توضع في جهة، وهكذا سيشكل مجموع هذه الخلاصات سياسة الجزائر السيدة''.. وبمرور الزمن، يقول لمقامي ''لاحظنا أن هذه الفكرة التي راودت بومدين في شهر أوت 1957 هي تلك الفكرة التي ترجمت في الواقع بعد ثمانية عشر سنة، أي سنة 1975 من خلال مناقشات إثراء الميثاق الوطني، والذي لم يكن بالتأكيد إلا ثمرة تأمله الشخصي''!
.. بالمقابل، فِيمَ كان يفكر عبد العزيز بوتفليقة لما كان يعيش نفس ظروف بومدين.. أي لما كان على الجبهة؟.. فرحات عباس، أول رئيس للحكومة المؤقتة، لديه ذاكرة جيدة.. في كتابه ''الاستقلال المصادر'' وفي إحدى صفحاته وفي إحدى فقراته، يتحدث عن هذا الشاب الذي اسمه بوتفليقة ''قبل عودتنا إلى الجزائر(بعد إعلان الاستقلال)، خاطب بوتفليقة بعض الأصدقاء التوانسة على النحو التالي.. احفظوا جيدا اسمي، لأنكم ستسمعون عنه الكثير''. والمؤسف، يعلق فرحات عباس، أن ''لا أحد سمع عنه شيئا، في حين كان رجال في سنه يستشهدون في ساحة القتال''!
.. وربما هذا فارق آخر بين الرجلين وبين الرئيسين.. رجل كان يفكر في نوع وشكل وطبيعة الدولة التي ستبنى.. وآخر لم يكن انشغاله وكل همه سوى أن يصبح.. ''حاجة '' كبيرة.. وفقط.. بعد أن ''جابوه'' و''حطوه'' و''فخموه''!!.. إنه الفرق بين رجل دولة أمام المحروقات وسعر برميل البترول أقل من 3 دولار، ورئيس دولة شعبه يأكل من المزابل وسعر البرميل 140 دولار!!
.. وأقول للشاب ياسر وغيره من الشباب.. إن الرئيس في عهد بن بلة وبومدين كان يخاطب بصفة.. ''الأخ الرئيس''.. أما في عهد بوتفليقة، فلا يمكن مخاطبته أو وصفه إلا بـ.. ''فخامة رئيس الجمهورية''!
.. وهذا أيضا فارق آخر بين الرجلين والرئيسين.. كالفارق.. والبعد.. بين.. الأخ.. وصاحب الفخامة!
"ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلّى الحقيقة، فتتربّى همة الطالب وتعلو بكلا الجناحين، وبافتراقهما يتولد التعصب في الأولى والحيل والشبهات في الثانية"لبديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله.
من مواضيعي
0 السلام عليكم ...
0 أنشودة موطني تتغير بتغير أوضاع الوطن العربي
0 دار الشورى أسبوع 28-10 إلى 3-11-2011
0 خبر عاجل ... خالد نزار متابع بتهمة جرائم حرب في سويسرا
0 خبر عاجل ... خالد نزار متابع بتهمة جرائم حرب في سويسرا
0 والدة أحد الإخوة هنا تحتاج لدعواتكم
0 أنشودة موطني تتغير بتغير أوضاع الوطن العربي
0 دار الشورى أسبوع 28-10 إلى 3-11-2011
0 خبر عاجل ... خالد نزار متابع بتهمة جرائم حرب في سويسرا
0 خبر عاجل ... خالد نزار متابع بتهمة جرائم حرب في سويسرا
0 والدة أحد الإخوة هنا تحتاج لدعواتكم











