رد: كفر الحاكم لا يلزم منه الخروج عليه
30-05-2011, 05:37 PM
أولا : دفاعا عن مقالة الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله بأن الخروج على الظلمة مذهب السلف، و رد على من قال بالإجماع في حكم الخروج على الحاكم الظالم.
قال ابنُ حزمٍ في ( الإجماع ) : ورأيتُ لبعضِ مَن نصَبَ نفسَه للإمامة والكلام في الدين , فصولاً , ذكر فيها الإجماع , فأتى فيها بكلام , لو سكت عنه , لكان أسلمَ له في أخراه , بل الخرسُ كانَ أسلمَ له , وهو ابنُ مجاهد البصري المتكلم الطائي , لا المقرئ , فإنه ادَّعى فيه الإجماعَ أنهم أجمعوا على أنه لا يُخرَجُ على أئمة الجَوْرِ , فاستعظمتُ ذلك , ولعمري إنه لعظيمٌ أن يكون قد عَلِمَ أنَّ مخالِفَ الإجماع كافرٌ , فيُلقي هذا إلى الناس , وقد عَلِمَ أنَّ أفاضلَ الصحابة وبقيَّة السلف يومَ الحرَّةِ خرجوا على يزيد بن معاوية , وأن ابن الزبير ومَن تابعه من خيار الناس خرجوا عليه , وأن الحسينَ بنَ عليٍّ ومَن تابعه من خيار المسلمين خرجوا عليه أيضاً , رضي الله عن الخارجين عليه , ولعن قَتَلَتَهم , وأن الحسن البصري وأكابرَ التابعين خرجوا على الحجاج بسيوفهم , أترى هؤلاء كفروا ؟ بل واللهِ مَن كفَّرهم , فهو أحقُّ بالكفرِ منهم , ولعمري لو كان اختلافاً - يخفى - لعذرناه , ولكنه مشهورٌ يعرفه أكثرُ مَن في الأسواق , والمخدَّراتُ في خُدورِهِنَّ لاشتهاره , ولكن يحقُّ على المرء أن يَخطِمَ كلامَه ويَزُمَّه إلا بعد تحقيق ومَيْزٍ , ويعلم أن الله تعالى بالمرصاد , وأن كلام المرءِ محسوبٌ مكتوبٌ مسؤول عنه يومَ القيامة مُقَلَّداً أجرَ مَنِ اتبعه عليه أو وزرَه . انتهى
وممن أنكر على ابنِ المجاهدِ دعوى الإجماعِ في هذه المسألةِ : القاضي عياضُ المالكي , فقال : وردَّ عليه بعضُهم هذا بقيام الحسين بن علي رضي الله عنه , وابنِ الزبير , وأهلِ المدينة على بني أُميَّة , وقيامِ جماعةٍ عظيمةٍ من التابعين , والصدرِ الأول على الحجاج مع ابنِ الأشعث .. وتأول هذا القائلُ قولَه : ( ألا ننازع الأمرَ أهلَه ) على أئمة العدل .. وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجّاج ليس بمجرد الفِسقِ , بل لِمَا غيَّرَ منَ الشرعِ , وأظهرَ منَ الكفرِ . انتهى
احتج البعضُ على جواز الخروج على الظَّلَمة مطلقاً , وقصره الآخرون على مَن فَحُشَ ظلمُه وغيَّرَ الشرعَ , ولَم يقلْ أحدٌ منهم : إن يزيدَ مصيبٌ , والحسينَ باغٍ .. ولا أعلمُ لأحدٍ من المسلمين كلاماً في تحسين ِقتلِ الحسين رضي الله عنه , ومَن ادّعى ذلك على مسلم , لَم يصدق , ومَن صح ذلك عنه , فليس من الإسلام في شيءٍ .
من ( العواصم والقواصم في الذَّبِّ عن سنَّةِ أبي القاسم 8 / 12 وما بعده , ط3 مؤسسة الرسالة 1415 ) للعلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني رحمه اللهُ تعالى.
ثانيا : ثلاثة أمثلة من أئمة أهل السنة و الجماعة : مالك، أبو حنيفة، الشافعي و دعمهم للثورات
1- نجم العلماء وإمام دار الهجرتين الإمام مالك قد أفتى الناس بالخروج على أبو جعفر المنصور وخلعه ومبايعة محمد النفس الزكية الذي خرج بالسيف رغم مبايعتهم لابي جعفر المنصور
حيث استفتى أهل المدينة الإمام مالك بن أنس في الخروج مع ذي النفس الزكية فأفتاهم مالك بالجواز؛ لأن بيعتهم لأبي جعفر المنصور كانت تحت الإكراه، ولا بيعة لمكره . ( وقال مقولته المشهورة لا بيعة على مكره )
فلما أفتاهم مال الناس مع محمد ذي النفس الزكية وبايعوه وخلعوا أبو جعفر وأسقطوه وقاتلوا مع النفس الزكية وقد عذب الإمام مالك لهذا السبب
(ذكر هذا الطبري .. بل وهو مشهور ومتواتر عنه ومعلوم )
2- وأما الإمام أبو حنيفة فهذا مشهور من مذهبه
وقد أفتى الناس للخروج مع زيد بن علي ومحمد وإبراهيم أخيه وأمد زيد بالمال ...
يقول أبو بكر الجصاص: (وكان مذهبه [يعني أبا حنيفة] رحمه الله مشهورا في
قتال الظلمة وأئمة الجور … وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة، وفي حمله المال إليه
وفتياه الناس سرا في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني
عبد الله بن حسن)
وهذا مذهب شيخه حماد بن أبي سليمان أيضاً ( إمام أهل الكوفة في عصره. )
وقال العلامة المعلمي في التنكيل : (كان أبو حنيفة يستحب أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالهم خيرا من قتال الكفار )
3- أما الإمام الشافعي ... فقد ذكر أهل العلم أن مذهبه كان جواز الخروج على حكام الجور ... وأبرز من ذكر ذلك بن حزم والتفتازاني والزبيدي وغيرهم
قال الشافعي رحمه الله: أخذتُ السيرة في قتال المشركين من النبي (عليه و آله الصلاة و السلام)، وفي قتال المرتدين من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي قتال البغاة، من عليّ رضي الله عنه.
ثالثا : للجمع بين الرأيين حول الخروج و عدم الخروج نعتقد أن الخروج السلمي دون السيف للضغط على حكام الجور أوسط الآراء بشرط أحكام الضرورة، فلا يستريح الجائر و يستمر في جوره و لا يسكت الناس عن الحق. و على قول الفاروق رضوان الله عليه : إن أخطأت فقوموني ... و لو بحد السيف.
رابعا : الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وحده من لا يجيز الخروج إطلاقا، حتى قال إن خرج على الحاكم فتولى الأمر ذلك الخارج بالقوة فلا يجوز أن ينام المسلم دون أن يبايعه، يعني يوجب مبايعة الخارج على الحاكم. و لذلك نفهم موقف أحد أئمة الحنابلة ابن تيمية رحمه الله و نقله القول بالإجماع.
أخيرا : الموضوع يتحدث عن الحاكم الكافر و هنا عندي إضافة فالعادة أن يتولى المسلمين كافر إما
أن يكون الحاكم الكافر مُحتَل هنا وجب الجهاد.
أن يكون الحاكم الكافر في أرض إسلام وجب الخروج عليه.
أن يكون مرتدا عن الإسلام بوضوح "كفر بواح" ... أعتقد أن الحكم واضح في المرتدين
أن يكون الحاكم الكافر تواليه عصابة من المسلمين أوصلته الحكم و دفعت عنه، قال تعالى : فمن تولهم منكم فهو منهم.
أن يكون الحاكم الكافر في أرض غير إسلامية "في أوروبا مثلا" المسألة لا تخص الموضوع.
أن يكون الحاكم مختلف في كفره المسألة تخص من صدر منه "كفر بواح" لا اختلاف فيه.
"ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلّى الحقيقة، فتتربّى همة الطالب وتعلو بكلا الجناحين، وبافتراقهما يتولد التعصب في الأولى والحيل والشبهات في الثانية"لبديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله.