رد: الإمام الغزالي ذو فكر منهجيّ فذّ واختصاصات علميّة شتّى
22-11-2008, 10:23 AM
يقول العلامة عبد الرحمن الوكيل رحمه الله في كتابه ( هذه هي الصوفية)
إله الغزالي
(هو محمد بن محمد بن أحمد الطوسي أبو حامد الغزالي مات سنة 505هـ)
ولعلم ما يقلق دهشتك، ويثير ثائرتك أن يقرن بأولئك هذا الذي افترى له الصوفية أضخم لقب في التاريخ، وهو "حجة الإسلام" ليفتكون بهذا اللقب الخادع بما بقي من ومضات النور الشاحبة في قلوب المسلمين. فاسمع إلى كاهن الصوفية – لا حجة الإسلام – يتحدث عن التوحيد ومراتبه "للتوحيد أربع مراتب ... والثانية: أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه، كما صدق به عموم المسلمين، وهو اعتقاد العوام!! (تدبر وصفه لعموم المسلمين بأنهم عوام في الاعتقاد!!). والثالثة: أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة، ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار(في هذه المرتبة يقرر وحدة الفاعل، بدليل ما سيقرره بعد، وهو أنه لا يشاهد إلا فاعلاً واحداً، فيلزمه نسبة فعل المجرم إلى ذلك الفاعل الواحد). والرابعة : ألا يرى في الوجود إلا واحداً (قرر فيما سبق وحدة الفاعل ولكنه لم ينف وجود غيره، أما في هذه، فيقرر وحدة الموجود أي وحدة الوجود، يقرر أن الذوات على كثرتها هي في الحقيقة ذات واحدة) وهي مشاهدة الصديقين، وتسميه الصوفية: الفناء في التوحيد، لأنه من حيث لا يرى إلا واحداً، فلا يرى نفسه أيضاً، وإذا لم ير نفسه؛ لكونه مستغرقاً بالتوحيد، كان فانياً عن نفسه في توحيده، بمعنى أنه فنى عن رؤية نفسه والخلق"
ثم يحدثنا الغزالي عن مقامات الموحدين في كل مرتبة، فيصف صاحب المرتبة الرابعة من التوحيد بقوله: "والرابع موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد، فلا يرى الكل من حيث إنه كثير، بل من حيث إنه واحد، وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد. فإن قلت. كيف يتصور ألا يشاهد إلا واحداً، يكون الكثير واحداً؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات (يكل المعرفة بأسمى مراتب التوحيد إلى علوم المكاشفات، فما تلك العلوم؟ إنها قطعاً شئ آخر غي الكتاب والسنة، إنها أساطير الصوفية التي استمدوها من "أذواقهم ومواجيدهم" ثم سجلوها في كتبهم، فكأن القرآن وسنة الرسول ليس فيهما ما يصل بالقلب إلى قدس الحق من التوحيد الخالص، فتدبر تجد الغزالي يهدف إلى صرف المسلمين عن هدي ربهم إلى خرافات الصوفية وضلالاتهم)، وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب (اقرأ بعد هذا قول الله تعالى "ما فرطنا في الكتب من شئ" وأهم شئ هو توحيد الله في ربوبيته وإلهيته، ولكن الغزالي يزعم أن حقيقة التوحيد الحق لا يجوز أن تسطر في كتاب، وهذا معناه أنها ليست في كتاب الله، وأنه لا يعرفها أحد إلا الصوفية أرباب الكشف!!) فقد قال العارفون: إفشاء سر الربوبية كفر (هذا معناه أنه هو وأمثاله من الصوفية يعرفون أسرار الربوبية، غير أنهم يضنون بها على الكتب، وأن المسلمين جميعاً لا يعرفون حقيقة التوحيد!! ومعناه مرة أخرى: أن كتاب الله ليس فيه الحق من التوحيد) ثم يضرب لنا مثلاً عن شهوة الوحدة في الكثرة بقوله : "كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه، وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد .. فكذلك كل مافي الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة فهو باعتبار من الاعتبارات واحد، وباعتبار أخر سواه كثير ومثاله الإنسان، وإن كان لا يطابق الغرض، ولكنه ينبه في الجملة على كيفية مصير الكثرة في حكم المشاهدة واحداً، ويستبين بهذا الكلام ترك الإنكار والجحود لمقام لم تبلغه، وتؤمن إيمان تصديق (بهذا الهراء يستدل الغزالي على الوحدة بين الخلق والخالق، ويحتم علينا الإيمان به!! كنا نحب أن يأتينا بآية من كتاب الله، أو أثارة من فكر صحيح وبرهان عقلي. بيد أنه لجأ إلى الخيال السقيم يشبه الوحدة بين الله وعباده بالوحدة بين الإنسان وأعضائه!!)، وإلى هذا أشار الحسين بن منصور الحلاج (صلب سنة 309هـ لثبوت زندقته) حيث رأى الخواص يدور في الأسفار فقال: فيماذا أنت؟ فقال : أدور في الأسفار؛ لأصحح حالتي في التوكل، فقال الحسين: قد أفنيت عمرك في عمران باطنك، فأين الفناء في التوحيد؟! فكأن الخواص (هو إبراهيم بن إسماعيل أبو اسحق الخواص مات 291هـ) كان في تصحيح المقام الثالث، فطالبه بالمقام الرابع (كل النصوص التي ذكرتها من كتاب الإحياء للغزالي جـ4 من ص 212 وما بعدها ط دار الكتب العربية. وعجيب أن يمجد الغزالي الحلاج، وهو يعلم أنه قائل هذه الأبيات:
سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهراً في صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقة كلحظة الحاجب بالحاجب
* * *
مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسك شئ مني فإذا أنت أنا في كل حال
الطواسين للحلاج ص 130، 142. عجيب أن يمجد العزالي صوفياً يزعم أن الله آكل شارب، يحب الحياة ويخاف الموت، ويمحقه العدم ويقتله الحزن، وتزل به الشهوات، لنه عين خلقه!! أمل يجد الغزالي من المؤمنين من يتمثل به في بلوغ أمسى مراتب التوحيد؟ أمل يعطفه توحيد أبي بكر وعمر، فينصرف عنهما إلى تمجيد زندقة الحلاج؟!)
أرأيت على من صنمته الصوفية باللقب الفخم الضخم؛ لتفتن به المسلمين عن هدي الله؟! أرأيت إلى الغزالي يدين بوحدة الوجود، أو الشهود؟! سمها بما شئت، فعند الكفر تلتقي الأسطورتان، لا تقل : إن وحدة الوجود أنشودة من البداية، ووحدة الشهود أغرودة عند النهاية، فكلتاهما بدعة صوفية بيد أنها غايرت بين الاسمين، وخالفت بين اللونين، ولكن البصر البصير لا يخدعه اسم الشهد سمي به السم الناقع!!
كلتاهما زعاف الرقطاء، غير أن واحدة منهما في كأس من زجاج، والأخرى في كأس من ذهب!!
ولقد فضح العزالي سره حين تمثل في إعجاب بتوحيد الحلاج. وهذا وحده كاف في إدانة الغزالي بالحلاجية، ولقد علمت ما هي!!
رأي في الغزالي
ولقد فطن إلى حقيقة دين الغزالي المستشرق نيكلسون، وإلى أنه النافث لجرثومة الصوفية، فقال: "إن الغزالي أوسع المجال لبعض صوفية وحدة الوجود أمثال ابن عربي وغير هؤلاء من طوائف الصوفية الذين كانوا إخوانا في ذلك الدين الحر بكل ما لكلمة الحر من معنى (ص 104"في التصوف الإسلامي" ترجمة الدكتور عفيفي.) ولقد كنا نحب أن يفطن إلى ذلك بعض من يمجدون الغزالي، كما فطن إليه المستشرق المسيحي (سبقه إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه، فكشف كشفاً صريحاً مؤيداً بالنصوص القاطعة عن صوفية الغزالي وإن كان لم يستشهد بتلك النصوص التي نقلتها من الإحياء فيما قرأت لشيخ الإسلام)!!
ويقول جولد زيهر : "وابن عربي الذي أشرنا من قبل إلى تأثره بالغزالي يخضع تفسيره الذي نحا فيه منحى التأويل إخضاعاً تاماً لوجهة النظر التي أخذ بها الغزالي (ص 259 مذاهب التفسير لجولد زيهر)!" ويقول: "خلص الغزالي الصوفية من عزلتها التي ألفاها عليها، وأنقذها من انفصالها عن الديانة الرسمية، وجعل منها عنصراً مألوفاً في الحياة الدينية، وفي الإسلام، ورغب في الاستعانة بالآراء والتعاليم بالتصوف، لكي ينفث في المظاهر الدينية الجامدة "كذا!!".. قوة روحية(ص 159 العقيدة والشريعة لجولد زيهر) ويقول: "إن الغزالي رفع من شأن الآراء الصوفية، وجعلها من العوامل الفعالة في الحياة الدينية في الإسلام (ص 161 نفس المصدر) وهكذا لم يعمل الغزالي للإسلام بل للصوفية، وبعد أن كان المسلمون على حذر من سمها، وفي انفصال تام عنها حملهم بسحر بيانه على أن يعتنقوا أساطيرها. ويقول كارل بكر "ولقد سادت روح "الغنوص" فرق صدر الإسلام كلها، ثم سادت التصوف الذي كان يعد في البدء بدعة خارجة عن الدين، ولكنه أصبح بفضل الغزالي خالياً من السم معترفاً به من أهل السنة (ص 10 التراث اليوناني ترجمة الدكتور بدوي) هذا هو خطر الغزالي!! صور التصوف للمسلمين رحيقاً خالياً من السم، فترشفوه، ففتك بهم.
رأي في خطر وحدة الوجود
يقول "نيكلسون" : "إن الإسلام يفقد كل معناه، ويصبح اسما على غير مسمى، لو أن عقيدة التوحيد المعبر عنها بـ "لا إله إلا الله" أصبح المراد بها: لا موجود- على الحقيقة إلا الله. وواضح أن الاعتراف بوحدة الوجود في صورتها المجردة قضاء تام على كل معالم الدين المنزل، ومحو لهذه المعالم محواً كاملاً" حقيقة ساطعة، يقررها مسيحي، ويكفر بها شيوخ كبار يزعمون أنهم أحبار الدين وأئمته!! وهل المقام الرابع للتوحيد في دين الغزالي إلا مقام القائلين "لا موجود إلا الله" ؟ بل إنها لتسبيحة الصوفية في العشايا والأبكار!! وإني لعلي بينة من أني بهذا الحق الذي اشهد به، أثير ثائرة الكبار من الشيوخ، فكتاب "الإحياء" قرآنهم الأول. وبما يهرف الغزالي فيه، يؤولون كتاب الله، ويحرفون آياته. وفي وجه الحق من هدي الله يرفعون صلالة الأساطير من "الإحياء" وخرافة الأوهام من "المشكاة"!!
ولكني أصرخ بالحق في وجوه الثائرين: رويدكم!! فما نؤله من دون الله أحداً، وما نتخذ كتاباً يهدينا غير كتابه، ولا قدوة غير رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نسجد لصنم، ولا ننعق بطاغوت، وإن يكن هو الغزالي، أو كتبه (يحاول السبكي في كتابه طبقات الشافعية تبرئة ساحة الغزالي بزعمه أنه اشتغل في أخريات أيامه بالكتبا والسنة. ونحن نسأل الله أن يكون ذلك حقاً، ولكن لا بد من تحذير المسلمين جميعاً من تراث الغزالي، فكل ماله من كتب في أيديهم تراث صوفي، ولم يترك لنا في أخريات أيامه كتاباً يدل على أنه اشتغل بالكتاب والسنة)!!
دندنة الغزالي بوحدة الوجود
يقول : "العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة، اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق، ولكن منهم من كان له هذه الحالة عرفانا علمياً (أي وصل إليها عن طريق الدليل والبرهان) ومنهم من صار ذوقاً وحالا (أي وصل إليها عن طريق الكشف والإلهام)، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا بالفردانية المحضة، فلم يبق عندهم إلا الله، فسكروا سكراً، وقع دونه سلطان عقولهم، فقال بعضهم: أنا الحق(قائلها طيفور البسطامي)!. وقال الآخر: سبحاني!. ما أعظم شأني(قائلها البسطامي)! وقال الآخر : مافي الجبة إلا الله (قائلها الحلاج) وكلام العشاق في حال السكر، يطوي، ولا يحكى (يصف الغزال هذه المجوسية الصوفية بأنها هتفات أرواح سكرت بعشق الله، ولم يجد الغزالي ما ينقد به هذه الصوفية – إن عددته نقداً – سوى قوله: وكلام العشاق يطوى ولا يحكى !! ولكن ما حكم الله يا غزالي؟ لا يجيب !!، ولكنه حكم من قبل بأن ذلك أسمى مراتب التوحيد!!) فلما خف عنهم سكرهم، وردوا إلى سلطان العقل، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد، بل يشبه الاتحاد، مثل قول العاشق في حال فرط العشق:
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا .. نحن روحان حللنا بدنا
(هذا البيت للحلاج وانظر ص 34 طواسين، والبيت الذي بعده.
فإذا أبصرتني، أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا
والغزالي يعرف أن ذلك للحلاج غير أنه يتستر على شيطان وحيه، والحلاج حلول يؤمن بثنائية الحقيقة الإلهية، فيزعم أن الإله: له وجهان، أو طبيعتان هما : اللاهوت والناسوت، وقد حل الأول في الاخر. فزوج الإنسان هي لاهوت الحقيقة الإلهية، وبدنه ناسوته. فإذا كان الغزالي قد رفض القول بالاتحاد، ودان بما يشبهه، فقد آمن بما هو أخبث منه، وهو الحلول. بدليل استشهاده بالبيت الذي عبر به الحلاج عن حلوليته!!) وتسمى هذه الحالة بالإضافة إلى المستغرق فيها بلسان المجاز: اتحاداً وبلسان الحقيقة توحيداًً. ووراء هذه الحقائق أسرار لا يجوز الخوض فيها (ص 122 مشكاة الأنوار للغزالي ط 1934م)" توحيد من؟؟ أتوحيد الرسول صلى الله عليه وسلم، أم توحيد البررة الأخيار من أصحابه؟ أجيبوا يا ضحايا الغزالي وسدنة الأصنام من كتبه؟
زمزمات بالوحدة
وأصخ إلى زمزمات الغزالي بأسطورة الوحدة : "الكل من نوره، بل هو لا هوية (الهوية عند الصوفية هي ك الحقيقة الباطنة للذات الإلهية، أو هي الذات قبل التعين في ماجة، يزعم بهذا أن كل ما تحقق من إثبات الوجود، فباطنها هوية اللهّّ!!) لغيره إلا بالمجاز، فإذن لا نور إلا هو، وسائر الأنوار أنوار من الوجه الذي تليه، لا من ذاتها، فوجه كل موجه إليه ومول شطره (أينما تولوا، فثم وجه الله)، فإذن لا إله إلا هو، فإن الإله عبارة عما الوجوه مولية نحوه بالعبادة، والتأليه، أعني وجوه القلوب، فإنها الأنوار والأرواح، بل كما لا إله إلا هو، فلا هو إلا هو، فإن هو: عبارة عما إليه الإشارة، وكيفما كان ، فلا إشارة إلا إليه، بل كلما أشرت، فهو بالحقيقة الإشارة إليه (ص 124 مشكاة الأنوار للغزالي. وتلك هي الطامة الغزالية؛ إذ يزعم أنك مهما أشرت إلى شئ ما، فإشارتك في الحقيقة واقعة على الله؛ لأنه عين ذلك الشئ المشار إليه!!)" فهو يفتري أن كل هوية في الوجود، هي عين هوية الله سبحانه، أي حقيقة!. ولذا لا يمكن أن تقع إشارة ما إلا عليه!. فإن أشرت إلى صنم، أو أوميت، فكلتا إشارتيك واقعة على رب الغزالي، ولم لا؟ وماهية الصنم أو حقيقته هي عين ماهية الرب الغزالي.
تلك هي الأسطورة التي ابتدعها الغزالي، ووصى بها كهنة الصوفية من بعده!! وإليك هينمة الموبذان بخرافة الوحدة مرة أخرى: "لا إلا الله توحيد العوام! ولا هو إلا هو توحيد الخواص (يزعم أن الإيمان بما توجبه كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" هو توحيد العوام!! لأنه يثبت لله وحده الربوبية والإلهية، وينفيهما عن غيره. ويثبت بالتالي وجود خلاق وخلق، وفي هذا، أي في إثبات وجودين، أو موجودين يغاير أحدهما الآخر ثنائية تناقض صرافة الوحدة، وهذا شرك عند الصوفية وكاهنهم. ولذا يبهت "لا إله إلا الله" بأنها توحيد العوام. يبهتها بذلك، وهي توحيد الرسل جميعاً!! أما توحيد الخواص عنده، فكلمته "لا هو إلا هو" لأنها تثبت وجوداً واحداً، وتنفي الغيرية والكثرة والتعدد، تثبت موجوداً واحداً تنوعت مظاهره، فسميت خلقاً، وتنفي المغايرة بين من نسميهم الخلق وبين من نسميه الخلاق!! وتثبت أن وجود الأول عين وجود الثاني، فكما أنه لا وجود إلا وجوده، فكذلك لا ذات إلا ذاته، أما تلك الكثرة الوهمية في الذوات، فيؤمن بها عمى القلوب!! هذا دين الغزالي.)! لأن ذلك أعمن وهذا أخص وأشمل وأحق وأدق، وأدخل بصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة. ومنتهى معراج الخلائق مملكة الفردانية، فليس وراء ذلك مرقاة! إذ الرقي لا يتصور إلا بكثرة، فإنه نوع إضافة يستدعي مامنه الارتقاء، وما إليه الارتقاء، وإذا ارتفعت الكثرة، حققت الوحدة، وبطلت الإضافة، وطاحت الإشارة، فلم يبق علو، ولا سفل(استعمل نفس هذا التعبير العطار الصوفي في تذكرة الأولياء جـ2 ص 216)، ولا نازل، ولا مرتفع، فاستحال الترقي، واستحال العروج، فليس وراء الأعلى علو ولا مع الوحدة كثرة، ولا مع انتفاء الكثرة عروج، فإن كان ثم تغيير من حال، فالنزول إلى السماء الدنيا، أعني بالإشراق من علو إلى اسفل، لأن الأعلى – وإن لم يكن له أعلى – فله أسفل، وهو من العلم الذي هو كنهه المكنون الذي لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به، لم ينكره إلا أهل الغرة بالله (ص 125 المصدر السابق، وأقول: إن الله سبحانه أخبر أنه استوى على عرشه، وأن الملائكة تعرج إليه، وأن العمل الصالح يرفعه إليه ولكن الغزالي أبى إلا أن يرفع في وجه الحق وفي حرمه أصنامه هو، فزعم استحالة العروج، ونفاه نفياً باتاً، لكيلا يتنقاض مع ما يدين به من الحوحدة المحضة، فالقول بعروج أحد إلى الله إثبات للتعدد أو للكثرة أو للغيرية، إذ يسلتزم وجود من منه العروج ووجود من إليه العروج، وهذه ثنائية تنقض أو تناقض الوحدة التي يؤمن بها الغزالي، وحدة الوجود، فإذا قيل بعروج مان فالقول به مجازي محض، إذ العروج، هو من الذات الإليهة نفسها بنفسها إلى نفسها، فالذي منه العروج عين من إليه العروج، وإذا ما قيل: نازل أو صاعدن فالنازل هو الصاعد إذ هما ذات واحدة، والنزول عين الصعود، إذ هما وصفان متحدان في الحقيقة؛ مختلفان بالاعتبار، توصف بهما ذات واحدة في حال واحدة في آن واحد هي الذات الإلهية. فالملائكة الذين يعرجون إلى الله (4:70 تعرج الملائكة والروح إليه) هم عين الذات الإلهية في أسماء أخر لها. والعمل الصالح الذي يرفعه الله إليه، هو عين الذات الإلهية في وصف آخر لها، وإلا قلت بالكثرة والتعدد، وبأن الله غير الخلق!1 هذا دين الغزالي فتدبره، وتمت لمقاك ابن عربي بما تعرفه منه، ولكن باسم جديد، وزي ساحر، ولقت كبير خادع).
ثم يتابع الغزالي الحديث عن الله، فيقول: "له نزول إلى سماء الدنيا وأن ذلك هو نزوله إلى استعمال الحواس، وتحريك الأعضاء، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: "صرت سمعه ... الحديث" فهو السامع والباصر والناطق إذن لا غيره، (ص 125 المصدر السابق)" والجملة الأخيرة وحدها صريحة في الكشف عن إيمان الغزالي بالوحدة بين الحق والخلق. إذ يقرر أن كل سامع وباصر وناطق هو الله! وما إخال مسلما يلمح إيماضة من الحق في تلك الأوهام، ولا شعاعة من التوحيد في تلك الأمشاج الغزالية، وإنما يحس بيحموم الوحدة الصوفية، يطعى بسواده هنا، وهناك، ويخنق الأنفاس حتى تحتضر! ولقد شعر الغزالي بما في مفترياته من شطط متجانف لإثم، فخاف على باطهل أن يقذف عليه بالحق أهله، فوصف المنكرين لأساطيره بأنهم : أهل غرة! ومن أهل الغرة؟ إنهم الذين يدينون دين الحق من القرآن، ويكفرون بأساطير الغزالي! ليكن يا كاهن الصوفية! فما أنت الذي نعرف منه فيصل التفرقة بين الكفر والزندقة – كما سميت كتاباً لك- وإنما نعرف ذلك من كتاب الله الذي يدينك، ويحم عليك بما يصعق عابديك وكهان دينك (لا تعجب حين ترى الغزالي يجنح في دهاء إلى السلفية في بعض ما كتبت، فللغزالي وجوه عدة كان يرائي بها صنوف الناس في عصره، فهو أشعري. لأن نظام الملك صاحب المدرسة النظامية أراده على ذلك، وهو عدو للفلسفة، لأن الجماهير على تلك العداوة، وهو متكلم، ولكنه يتراءئ بعداوته للكلاميين اتقاء غضب الحنابلة، أما هو في كتبه "المضنون بها على غير أهلها" فصوفي إشراقي من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وفي كتبه الأخرى تجسده أشعرياً تارة، وسلفياً مشوباً بأشعرية تارة أخرى. وهكذا كان يلقى كل فريق بالوجه الذي يعرف أنهم يحبونه لا يهمه أكان وجه حق، أم وجه باطل!!) انتهى كلامه رحمه الله .. ليعلم الخلق عن اي وجه كشفت سحابة الجهل!!
إله الغزالي
(هو محمد بن محمد بن أحمد الطوسي أبو حامد الغزالي مات سنة 505هـ)
ولعلم ما يقلق دهشتك، ويثير ثائرتك أن يقرن بأولئك هذا الذي افترى له الصوفية أضخم لقب في التاريخ، وهو "حجة الإسلام" ليفتكون بهذا اللقب الخادع بما بقي من ومضات النور الشاحبة في قلوب المسلمين. فاسمع إلى كاهن الصوفية – لا حجة الإسلام – يتحدث عن التوحيد ومراتبه "للتوحيد أربع مراتب ... والثانية: أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه، كما صدق به عموم المسلمين، وهو اعتقاد العوام!! (تدبر وصفه لعموم المسلمين بأنهم عوام في الاعتقاد!!). والثالثة: أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة، ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار(في هذه المرتبة يقرر وحدة الفاعل، بدليل ما سيقرره بعد، وهو أنه لا يشاهد إلا فاعلاً واحداً، فيلزمه نسبة فعل المجرم إلى ذلك الفاعل الواحد). والرابعة : ألا يرى في الوجود إلا واحداً (قرر فيما سبق وحدة الفاعل ولكنه لم ينف وجود غيره، أما في هذه، فيقرر وحدة الموجود أي وحدة الوجود، يقرر أن الذوات على كثرتها هي في الحقيقة ذات واحدة) وهي مشاهدة الصديقين، وتسميه الصوفية: الفناء في التوحيد، لأنه من حيث لا يرى إلا واحداً، فلا يرى نفسه أيضاً، وإذا لم ير نفسه؛ لكونه مستغرقاً بالتوحيد، كان فانياً عن نفسه في توحيده، بمعنى أنه فنى عن رؤية نفسه والخلق"
ثم يحدثنا الغزالي عن مقامات الموحدين في كل مرتبة، فيصف صاحب المرتبة الرابعة من التوحيد بقوله: "والرابع موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد، فلا يرى الكل من حيث إنه كثير، بل من حيث إنه واحد، وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد. فإن قلت. كيف يتصور ألا يشاهد إلا واحداً، يكون الكثير واحداً؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات (يكل المعرفة بأسمى مراتب التوحيد إلى علوم المكاشفات، فما تلك العلوم؟ إنها قطعاً شئ آخر غي الكتاب والسنة، إنها أساطير الصوفية التي استمدوها من "أذواقهم ومواجيدهم" ثم سجلوها في كتبهم، فكأن القرآن وسنة الرسول ليس فيهما ما يصل بالقلب إلى قدس الحق من التوحيد الخالص، فتدبر تجد الغزالي يهدف إلى صرف المسلمين عن هدي ربهم إلى خرافات الصوفية وضلالاتهم)، وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب (اقرأ بعد هذا قول الله تعالى "ما فرطنا في الكتب من شئ" وأهم شئ هو توحيد الله في ربوبيته وإلهيته، ولكن الغزالي يزعم أن حقيقة التوحيد الحق لا يجوز أن تسطر في كتاب، وهذا معناه أنها ليست في كتاب الله، وأنه لا يعرفها أحد إلا الصوفية أرباب الكشف!!) فقد قال العارفون: إفشاء سر الربوبية كفر (هذا معناه أنه هو وأمثاله من الصوفية يعرفون أسرار الربوبية، غير أنهم يضنون بها على الكتب، وأن المسلمين جميعاً لا يعرفون حقيقة التوحيد!! ومعناه مرة أخرى: أن كتاب الله ليس فيه الحق من التوحيد) ثم يضرب لنا مثلاً عن شهوة الوحدة في الكثرة بقوله : "كما أن الإنسان كثير إن التفت إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه، وهو باعتبار آخر ومشاهدة أخرى واحد .. فكذلك كل مافي الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة فهو باعتبار من الاعتبارات واحد، وباعتبار أخر سواه كثير ومثاله الإنسان، وإن كان لا يطابق الغرض، ولكنه ينبه في الجملة على كيفية مصير الكثرة في حكم المشاهدة واحداً، ويستبين بهذا الكلام ترك الإنكار والجحود لمقام لم تبلغه، وتؤمن إيمان تصديق (بهذا الهراء يستدل الغزالي على الوحدة بين الخلق والخالق، ويحتم علينا الإيمان به!! كنا نحب أن يأتينا بآية من كتاب الله، أو أثارة من فكر صحيح وبرهان عقلي. بيد أنه لجأ إلى الخيال السقيم يشبه الوحدة بين الله وعباده بالوحدة بين الإنسان وأعضائه!!)، وإلى هذا أشار الحسين بن منصور الحلاج (صلب سنة 309هـ لثبوت زندقته) حيث رأى الخواص يدور في الأسفار فقال: فيماذا أنت؟ فقال : أدور في الأسفار؛ لأصحح حالتي في التوكل، فقال الحسين: قد أفنيت عمرك في عمران باطنك، فأين الفناء في التوحيد؟! فكأن الخواص (هو إبراهيم بن إسماعيل أبو اسحق الخواص مات 291هـ) كان في تصحيح المقام الثالث، فطالبه بالمقام الرابع (كل النصوص التي ذكرتها من كتاب الإحياء للغزالي جـ4 من ص 212 وما بعدها ط دار الكتب العربية. وعجيب أن يمجد الغزالي الحلاج، وهو يعلم أنه قائل هذه الأبيات:
سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهراً في صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقة كلحظة الحاجب بالحاجب
* * *
مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسك شئ مني فإذا أنت أنا في كل حال
الطواسين للحلاج ص 130، 142. عجيب أن يمجد العزالي صوفياً يزعم أن الله آكل شارب، يحب الحياة ويخاف الموت، ويمحقه العدم ويقتله الحزن، وتزل به الشهوات، لنه عين خلقه!! أمل يجد الغزالي من المؤمنين من يتمثل به في بلوغ أمسى مراتب التوحيد؟ أمل يعطفه توحيد أبي بكر وعمر، فينصرف عنهما إلى تمجيد زندقة الحلاج؟!)
أرأيت على من صنمته الصوفية باللقب الفخم الضخم؛ لتفتن به المسلمين عن هدي الله؟! أرأيت إلى الغزالي يدين بوحدة الوجود، أو الشهود؟! سمها بما شئت، فعند الكفر تلتقي الأسطورتان، لا تقل : إن وحدة الوجود أنشودة من البداية، ووحدة الشهود أغرودة عند النهاية، فكلتاهما بدعة صوفية بيد أنها غايرت بين الاسمين، وخالفت بين اللونين، ولكن البصر البصير لا يخدعه اسم الشهد سمي به السم الناقع!!
كلتاهما زعاف الرقطاء، غير أن واحدة منهما في كأس من زجاج، والأخرى في كأس من ذهب!!
ولقد فضح العزالي سره حين تمثل في إعجاب بتوحيد الحلاج. وهذا وحده كاف في إدانة الغزالي بالحلاجية، ولقد علمت ما هي!!
رأي في الغزالي
ولقد فطن إلى حقيقة دين الغزالي المستشرق نيكلسون، وإلى أنه النافث لجرثومة الصوفية، فقال: "إن الغزالي أوسع المجال لبعض صوفية وحدة الوجود أمثال ابن عربي وغير هؤلاء من طوائف الصوفية الذين كانوا إخوانا في ذلك الدين الحر بكل ما لكلمة الحر من معنى (ص 104"في التصوف الإسلامي" ترجمة الدكتور عفيفي.) ولقد كنا نحب أن يفطن إلى ذلك بعض من يمجدون الغزالي، كما فطن إليه المستشرق المسيحي (سبقه إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه، فكشف كشفاً صريحاً مؤيداً بالنصوص القاطعة عن صوفية الغزالي وإن كان لم يستشهد بتلك النصوص التي نقلتها من الإحياء فيما قرأت لشيخ الإسلام)!!
ويقول جولد زيهر : "وابن عربي الذي أشرنا من قبل إلى تأثره بالغزالي يخضع تفسيره الذي نحا فيه منحى التأويل إخضاعاً تاماً لوجهة النظر التي أخذ بها الغزالي (ص 259 مذاهب التفسير لجولد زيهر)!" ويقول: "خلص الغزالي الصوفية من عزلتها التي ألفاها عليها، وأنقذها من انفصالها عن الديانة الرسمية، وجعل منها عنصراً مألوفاً في الحياة الدينية، وفي الإسلام، ورغب في الاستعانة بالآراء والتعاليم بالتصوف، لكي ينفث في المظاهر الدينية الجامدة "كذا!!".. قوة روحية(ص 159 العقيدة والشريعة لجولد زيهر) ويقول: "إن الغزالي رفع من شأن الآراء الصوفية، وجعلها من العوامل الفعالة في الحياة الدينية في الإسلام (ص 161 نفس المصدر) وهكذا لم يعمل الغزالي للإسلام بل للصوفية، وبعد أن كان المسلمون على حذر من سمها، وفي انفصال تام عنها حملهم بسحر بيانه على أن يعتنقوا أساطيرها. ويقول كارل بكر "ولقد سادت روح "الغنوص" فرق صدر الإسلام كلها، ثم سادت التصوف الذي كان يعد في البدء بدعة خارجة عن الدين، ولكنه أصبح بفضل الغزالي خالياً من السم معترفاً به من أهل السنة (ص 10 التراث اليوناني ترجمة الدكتور بدوي) هذا هو خطر الغزالي!! صور التصوف للمسلمين رحيقاً خالياً من السم، فترشفوه، ففتك بهم.
رأي في خطر وحدة الوجود
يقول "نيكلسون" : "إن الإسلام يفقد كل معناه، ويصبح اسما على غير مسمى، لو أن عقيدة التوحيد المعبر عنها بـ "لا إله إلا الله" أصبح المراد بها: لا موجود- على الحقيقة إلا الله. وواضح أن الاعتراف بوحدة الوجود في صورتها المجردة قضاء تام على كل معالم الدين المنزل، ومحو لهذه المعالم محواً كاملاً" حقيقة ساطعة، يقررها مسيحي، ويكفر بها شيوخ كبار يزعمون أنهم أحبار الدين وأئمته!! وهل المقام الرابع للتوحيد في دين الغزالي إلا مقام القائلين "لا موجود إلا الله" ؟ بل إنها لتسبيحة الصوفية في العشايا والأبكار!! وإني لعلي بينة من أني بهذا الحق الذي اشهد به، أثير ثائرة الكبار من الشيوخ، فكتاب "الإحياء" قرآنهم الأول. وبما يهرف الغزالي فيه، يؤولون كتاب الله، ويحرفون آياته. وفي وجه الحق من هدي الله يرفعون صلالة الأساطير من "الإحياء" وخرافة الأوهام من "المشكاة"!!
ولكني أصرخ بالحق في وجوه الثائرين: رويدكم!! فما نؤله من دون الله أحداً، وما نتخذ كتاباً يهدينا غير كتابه، ولا قدوة غير رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا نسجد لصنم، ولا ننعق بطاغوت، وإن يكن هو الغزالي، أو كتبه (يحاول السبكي في كتابه طبقات الشافعية تبرئة ساحة الغزالي بزعمه أنه اشتغل في أخريات أيامه بالكتبا والسنة. ونحن نسأل الله أن يكون ذلك حقاً، ولكن لا بد من تحذير المسلمين جميعاً من تراث الغزالي، فكل ماله من كتب في أيديهم تراث صوفي، ولم يترك لنا في أخريات أيامه كتاباً يدل على أنه اشتغل بالكتاب والسنة)!!
دندنة الغزالي بوحدة الوجود
يقول : "العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة، اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق، ولكن منهم من كان له هذه الحالة عرفانا علمياً (أي وصل إليها عن طريق الدليل والبرهان) ومنهم من صار ذوقاً وحالا (أي وصل إليها عن طريق الكشف والإلهام)، وانتفت عنهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا بالفردانية المحضة، فلم يبق عندهم إلا الله، فسكروا سكراً، وقع دونه سلطان عقولهم، فقال بعضهم: أنا الحق(قائلها طيفور البسطامي)!. وقال الآخر: سبحاني!. ما أعظم شأني(قائلها البسطامي)! وقال الآخر : مافي الجبة إلا الله (قائلها الحلاج) وكلام العشاق في حال السكر، يطوي، ولا يحكى (يصف الغزال هذه المجوسية الصوفية بأنها هتفات أرواح سكرت بعشق الله، ولم يجد الغزالي ما ينقد به هذه الصوفية – إن عددته نقداً – سوى قوله: وكلام العشاق يطوى ولا يحكى !! ولكن ما حكم الله يا غزالي؟ لا يجيب !!، ولكنه حكم من قبل بأن ذلك أسمى مراتب التوحيد!!) فلما خف عنهم سكرهم، وردوا إلى سلطان العقل، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد، بل يشبه الاتحاد، مثل قول العاشق في حال فرط العشق:
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا .. نحن روحان حللنا بدنا
(هذا البيت للحلاج وانظر ص 34 طواسين، والبيت الذي بعده.
فإذا أبصرتني، أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا
والغزالي يعرف أن ذلك للحلاج غير أنه يتستر على شيطان وحيه، والحلاج حلول يؤمن بثنائية الحقيقة الإلهية، فيزعم أن الإله: له وجهان، أو طبيعتان هما : اللاهوت والناسوت، وقد حل الأول في الاخر. فزوج الإنسان هي لاهوت الحقيقة الإلهية، وبدنه ناسوته. فإذا كان الغزالي قد رفض القول بالاتحاد، ودان بما يشبهه، فقد آمن بما هو أخبث منه، وهو الحلول. بدليل استشهاده بالبيت الذي عبر به الحلاج عن حلوليته!!) وتسمى هذه الحالة بالإضافة إلى المستغرق فيها بلسان المجاز: اتحاداً وبلسان الحقيقة توحيداًً. ووراء هذه الحقائق أسرار لا يجوز الخوض فيها (ص 122 مشكاة الأنوار للغزالي ط 1934م)" توحيد من؟؟ أتوحيد الرسول صلى الله عليه وسلم، أم توحيد البررة الأخيار من أصحابه؟ أجيبوا يا ضحايا الغزالي وسدنة الأصنام من كتبه؟
زمزمات بالوحدة
وأصخ إلى زمزمات الغزالي بأسطورة الوحدة : "الكل من نوره، بل هو لا هوية (الهوية عند الصوفية هي ك الحقيقة الباطنة للذات الإلهية، أو هي الذات قبل التعين في ماجة، يزعم بهذا أن كل ما تحقق من إثبات الوجود، فباطنها هوية اللهّّ!!) لغيره إلا بالمجاز، فإذن لا نور إلا هو، وسائر الأنوار أنوار من الوجه الذي تليه، لا من ذاتها، فوجه كل موجه إليه ومول شطره (أينما تولوا، فثم وجه الله)، فإذن لا إله إلا هو، فإن الإله عبارة عما الوجوه مولية نحوه بالعبادة، والتأليه، أعني وجوه القلوب، فإنها الأنوار والأرواح، بل كما لا إله إلا هو، فلا هو إلا هو، فإن هو: عبارة عما إليه الإشارة، وكيفما كان ، فلا إشارة إلا إليه، بل كلما أشرت، فهو بالحقيقة الإشارة إليه (ص 124 مشكاة الأنوار للغزالي. وتلك هي الطامة الغزالية؛ إذ يزعم أنك مهما أشرت إلى شئ ما، فإشارتك في الحقيقة واقعة على الله؛ لأنه عين ذلك الشئ المشار إليه!!)" فهو يفتري أن كل هوية في الوجود، هي عين هوية الله سبحانه، أي حقيقة!. ولذا لا يمكن أن تقع إشارة ما إلا عليه!. فإن أشرت إلى صنم، أو أوميت، فكلتا إشارتيك واقعة على رب الغزالي، ولم لا؟ وماهية الصنم أو حقيقته هي عين ماهية الرب الغزالي.
تلك هي الأسطورة التي ابتدعها الغزالي، ووصى بها كهنة الصوفية من بعده!! وإليك هينمة الموبذان بخرافة الوحدة مرة أخرى: "لا إلا الله توحيد العوام! ولا هو إلا هو توحيد الخواص (يزعم أن الإيمان بما توجبه كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" هو توحيد العوام!! لأنه يثبت لله وحده الربوبية والإلهية، وينفيهما عن غيره. ويثبت بالتالي وجود خلاق وخلق، وفي هذا، أي في إثبات وجودين، أو موجودين يغاير أحدهما الآخر ثنائية تناقض صرافة الوحدة، وهذا شرك عند الصوفية وكاهنهم. ولذا يبهت "لا إله إلا الله" بأنها توحيد العوام. يبهتها بذلك، وهي توحيد الرسل جميعاً!! أما توحيد الخواص عنده، فكلمته "لا هو إلا هو" لأنها تثبت وجوداً واحداً، وتنفي الغيرية والكثرة والتعدد، تثبت موجوداً واحداً تنوعت مظاهره، فسميت خلقاً، وتنفي المغايرة بين من نسميهم الخلق وبين من نسميه الخلاق!! وتثبت أن وجود الأول عين وجود الثاني، فكما أنه لا وجود إلا وجوده، فكذلك لا ذات إلا ذاته، أما تلك الكثرة الوهمية في الذوات، فيؤمن بها عمى القلوب!! هذا دين الغزالي.)! لأن ذلك أعمن وهذا أخص وأشمل وأحق وأدق، وأدخل بصاحبه في الفردانية المحضة والوحدانية الصرفة. ومنتهى معراج الخلائق مملكة الفردانية، فليس وراء ذلك مرقاة! إذ الرقي لا يتصور إلا بكثرة، فإنه نوع إضافة يستدعي مامنه الارتقاء، وما إليه الارتقاء، وإذا ارتفعت الكثرة، حققت الوحدة، وبطلت الإضافة، وطاحت الإشارة، فلم يبق علو، ولا سفل(استعمل نفس هذا التعبير العطار الصوفي في تذكرة الأولياء جـ2 ص 216)، ولا نازل، ولا مرتفع، فاستحال الترقي، واستحال العروج، فليس وراء الأعلى علو ولا مع الوحدة كثرة، ولا مع انتفاء الكثرة عروج، فإن كان ثم تغيير من حال، فالنزول إلى السماء الدنيا، أعني بالإشراق من علو إلى اسفل، لأن الأعلى – وإن لم يكن له أعلى – فله أسفل، وهو من العلم الذي هو كنهه المكنون الذي لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به، لم ينكره إلا أهل الغرة بالله (ص 125 المصدر السابق، وأقول: إن الله سبحانه أخبر أنه استوى على عرشه، وأن الملائكة تعرج إليه، وأن العمل الصالح يرفعه إليه ولكن الغزالي أبى إلا أن يرفع في وجه الحق وفي حرمه أصنامه هو، فزعم استحالة العروج، ونفاه نفياً باتاً، لكيلا يتنقاض مع ما يدين به من الحوحدة المحضة، فالقول بعروج أحد إلى الله إثبات للتعدد أو للكثرة أو للغيرية، إذ يسلتزم وجود من منه العروج ووجود من إليه العروج، وهذه ثنائية تنقض أو تناقض الوحدة التي يؤمن بها الغزالي، وحدة الوجود، فإذا قيل بعروج مان فالقول به مجازي محض، إذ العروج، هو من الذات الإليهة نفسها بنفسها إلى نفسها، فالذي منه العروج عين من إليه العروج، وإذا ما قيل: نازل أو صاعدن فالنازل هو الصاعد إذ هما ذات واحدة، والنزول عين الصعود، إذ هما وصفان متحدان في الحقيقة؛ مختلفان بالاعتبار، توصف بهما ذات واحدة في حال واحدة في آن واحد هي الذات الإلهية. فالملائكة الذين يعرجون إلى الله (4:70 تعرج الملائكة والروح إليه) هم عين الذات الإلهية في أسماء أخر لها. والعمل الصالح الذي يرفعه الله إليه، هو عين الذات الإلهية في وصف آخر لها، وإلا قلت بالكثرة والتعدد، وبأن الله غير الخلق!1 هذا دين الغزالي فتدبره، وتمت لمقاك ابن عربي بما تعرفه منه، ولكن باسم جديد، وزي ساحر، ولقت كبير خادع).
ثم يتابع الغزالي الحديث عن الله، فيقول: "له نزول إلى سماء الدنيا وأن ذلك هو نزوله إلى استعمال الحواس، وتحريك الأعضاء، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: "صرت سمعه ... الحديث" فهو السامع والباصر والناطق إذن لا غيره، (ص 125 المصدر السابق)" والجملة الأخيرة وحدها صريحة في الكشف عن إيمان الغزالي بالوحدة بين الحق والخلق. إذ يقرر أن كل سامع وباصر وناطق هو الله! وما إخال مسلما يلمح إيماضة من الحق في تلك الأوهام، ولا شعاعة من التوحيد في تلك الأمشاج الغزالية، وإنما يحس بيحموم الوحدة الصوفية، يطعى بسواده هنا، وهناك، ويخنق الأنفاس حتى تحتضر! ولقد شعر الغزالي بما في مفترياته من شطط متجانف لإثم، فخاف على باطهل أن يقذف عليه بالحق أهله، فوصف المنكرين لأساطيره بأنهم : أهل غرة! ومن أهل الغرة؟ إنهم الذين يدينون دين الحق من القرآن، ويكفرون بأساطير الغزالي! ليكن يا كاهن الصوفية! فما أنت الذي نعرف منه فيصل التفرقة بين الكفر والزندقة – كما سميت كتاباً لك- وإنما نعرف ذلك من كتاب الله الذي يدينك، ويحم عليك بما يصعق عابديك وكهان دينك (لا تعجب حين ترى الغزالي يجنح في دهاء إلى السلفية في بعض ما كتبت، فللغزالي وجوه عدة كان يرائي بها صنوف الناس في عصره، فهو أشعري. لأن نظام الملك صاحب المدرسة النظامية أراده على ذلك، وهو عدو للفلسفة، لأن الجماهير على تلك العداوة، وهو متكلم، ولكنه يتراءئ بعداوته للكلاميين اتقاء غضب الحنابلة، أما هو في كتبه "المضنون بها على غير أهلها" فصوفي إشراقي من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وفي كتبه الأخرى تجسده أشعرياً تارة، وسلفياً مشوباً بأشعرية تارة أخرى. وهكذا كان يلقى كل فريق بالوجه الذي يعرف أنهم يحبونه لا يهمه أكان وجه حق، أم وجه باطل!!) انتهى كلامه رحمه الله .. ليعلم الخلق عن اي وجه كشفت سحابة الجهل!!
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
من مواضيعي
0 دعوةٌ تُصيبُ هذا الصنف من التجّار
0 تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي
0 في المعدل والجارح [ لبيان دقة علماء الحديث ]
0 اعتراض أهل البدع على النصوص الشرعية وضرورة مواجهتهم
0 مختارات من ردود الشيخ أبو اسحاق الحويني حفظه الله على الطائفة المخذولة
0 علم الرجال وأهميته
0 تاريخ الصراع العقدي مع الرافضة في بلاد المغرب الإسلامي
0 في المعدل والجارح [ لبيان دقة علماء الحديث ]
0 اعتراض أهل البدع على النصوص الشرعية وضرورة مواجهتهم
0 مختارات من ردود الشيخ أبو اسحاق الحويني حفظه الله على الطائفة المخذولة
0 علم الرجال وأهميته











