رد: التأويل عند الحشوية
14-06-2009, 08:54 PM
التعقيب على مقال " التأويل عند الحشوية " للشيخ شمس الدين المنشور بجريدة الخبر الأسبوعية العدد : 518 بتاريخ 28 إلى 3 فيفري 2009 .
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على خير خلق الله نبينا محمد و على آله و صحبه و من والاه و بعد،،،
اطلعت على ما كتبه الشيخ شمس الدين في مقال له بعنوان " التأويل عند الحشوية " المنشور بجريدة الخبر الأسبوعية العدد : (518 بتاريخ 28 إلى 3 فيفري 2009 ) ، فوجدت الشيخ قد جانب الصواب في كثير من المسائل التي قررها و نسبها إلى أهل السنة ، و انطلقا من واجب النصيحة كتبت هذا التعقيب إلى إخواني في الله تعالى ، لما في الصحيح عن جرير بن عبد الله البجلي قال : " بايعت رسول الله عليه الصلاة و السلام على إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة ، و النصح لكل مسلم " .و عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الدين النصيحة ، ثلاثا قالوا : لمن قال : لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم "
أسأل المولى سبحانه بأسمائه الحسنى و صفاته العلى أن يرينا الحق حقا و يرزقنا اتباعه و يرينا الباطل باطلا و يرزقنا اجتنابه و لا يجعله ملتبسا علينا ، فإنه وحده تقدس الهادي إلى سواء السبيل بفضله و منه كرمه سبحانه و تعالى .
قال الشيخ " و يزعم المتمسلفة الحشوية أنهم لا يؤولون ، وأن من أساسيات مذهبهم نفي التأويل و إنكاره ، و أنهم يؤمنون بظاهر آيات القرآن بلا تأويل و لا تعطيل ... "
بداية و قبل التعقيب على كلامه لابدّ لنا من ضبط بعض المصطلحات التي ذكرها الشيخ لأن الحكم على الشيء كما قال أهل العلم فرع عن تصوره ، ومن المصطلحات التي ركز عليها الشيخ " التأويل" و"الحشوية" كما يظهر ذلك جليا من عنوان مقالته"التأويل عند الحشوية ".
معنى التأويل و أقسامه :
فأما معنى التأويل فيطلق على ثلاثة معان و ينقسم إلى صحيح وفاسد كما ذكر أهل العلم رحمهم الله تعالى .
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي المالكي رحمه الله تعالى في رسالته " منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات " :
" اعلموا أن التأويل يطلق في الاصطلاح مشتركا بين ثلاثة معان :
1- يطلق على ما تؤول إليه حقيقة الأمر في ثاني حال وهذا هو معناه في القرآن نحو قوله تعالى (ذلك خير لكم وأحسن تأويلا ) النساء 59 .
2- ويطلق التأويل بمعنى التفسير وهذا قول معروف كقول ابن جرير القول في تأويل قوله تعالى كذا أي تفسيره .
3- أما في اصطلاح الأصوليين فالتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لدليل وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه له عند علماء الأصول ثلاث حالات :
أ - إما أن يصرفه عن ظاهره المتبادر منه لدليل صحيح من كتاب أو سنة وهذا النوع من التأويل صحيح مقبول لا نزاع فيه .
ب- الثاني هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه لشيء يعتقده المجتهد دليلا وهو في نفس الأمر ليس بدليل فهذا يسمى تأويلا بعيدا ويقال له فاسد .
جـ - أما حمل اللفظ على غير ظاهره لا لدليل فهذا لا يسمى تأويلا في الاصطلاح بل يسمى لعبا لأنه تلاعب بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم ومن هذا النوع صرف آيات الصفات عن ظواهرها إلى محتملات ما أنزل الله بها من سلطان كقولهم استوى بمعنى استولى فهذا لا يدخل في اسم التأويل لأنه لا دليل عليه البتة وإنما يسمى في اصطلاح أهل الأصول لعبا لأنه تلاعب بكتاب الله جل وعلا من غير دليل ولا مستند فهذا النوع لا يجوز لأنه تهكم على كلام رب العالمين والقاعدة المعروفة عند علماء السلف أنه لا يجوز صرف شيء من كتاب الله ولا سنة رسوله عن ظاهره المتبادر منه إلا بدليل يجب الرجوع إليه." إهــ
إذا فالتأويل المذموم و الفاسد الذي أنكره أهل السنة و الجماعة رحمهم الله تعالى هو التأويل القائم على غير دليل أو دليل غير صحيح ، وهاذين القسمين و لله و الحمد ليس من منهج أهل السنة و الجماعة رحمهم الله تعالى بل هو من منهج أهل البدع و الضلال.
- معنى مصطلح " الحشوية " :
وأما لفظ (الحشوية) فهذا اللفظ ليس له مسمى معروف لا في الشرع، ولا في اللغة، ولا في العرف العام، وليس فيه ما يدل على شخص معين، ولا مقالة معينة، فلا يدرى من هم هؤلاء ،وأصل ذلك أن كل طائفة قالت قولاً تخالف به الجمهور والعامة فإنها تنسب قول المخالف لها إلى أنه قول الحشوية: أي الذين هم حشوٌ في الناس ليسوا من المتأهلين عندهم.فالمعتزلة تسمي من أثبت القدر حشوياً، والجهمية يسمون مثبتة الصفات حشوية، والقرامطة يسمون من أوجب الصلاة والزكاة والصيام والحج حشوياً.
ونحن لا يهمنا معرفة من هم الحشوية ولا غيرهم من أهل البدع و الضلال بقدر ما يهمنا مذهب أهل السنة و الجماعة رحمهم الله تعالى و الذي سنبيه لاحقا .
قال الشيخ " و يزعم المتمسلفة الحشوية أنهم لا يؤولون ، وأن من أساسيات مذهبهم نفي التأويل و إنكاره ، و أنهم يؤمنون بظاهر آيات القرآن بلا تأويل و لا تعطيل ... "
ما ذكره الشيخ ليس مذهبا لمن سماهم بالمتمسلفة و الحشوية بل هو عين مذهب أهل السنة و الجماعة رحمهم الله وهو إثبات ما أثبته الله لنفسه و أثبته له رسوله صلى الله عليه و سلم من الأسماء و الصفات إثباتا يليق بكماله سبحانه تعالى و جلاله لا يماثله أحد في خصائص صفاته تعالى و تقدس كما دل على ذلك ظاهر القرآن و السنة ( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) إثبات بلا تشبيه و تنزيه بلا تعطيل و تحريف .
قال الإمام أو حنيفة رحمه الله تعالى : ( لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء بل يصفه بما وصف به نفسه ولا يقول فيه برأيه شيئاً تبارك الله وتعالى رب العالمين ) جلاء العينين ص368
و قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ( نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ووردت بها السُّنة وننفي التشبيه عنه كما نفى عن نفسه فقال ( ليس كَمِثْلِه شيء) السير 20/341 .
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : " لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو صفه به رسوله صلى الله عليه و سلم لا نتجاوز القرآن و السنّة "مناقب الإمام أحمد ص221.
ولقد لخص الإمام الخطابي هذا المذهب ودلل عليه بعبارة موجزة يقول : (مذهب السلف إجراء آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، إذ الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذي فيه حذوه، ويتبع مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات تكييف.) إهــ . " الغنية عن الكلام وأهلها " .
ثانيا أورد الشيخ حديث الجارية و ذكر أن الحشوية تأولوه و حرفوا ظاهر معناه حيث أثبتوا به لله تعالى ما سماه بالمكان العدمي تقدس الله سبحانه و تعالى عن قول الظالمين و الملحدين علوا كبيرا .
وما ذكره الشيخ ليس من مذهب أهل السنة و الجماعة في شيء ،فحديث الجارية أورده أهل السنة رحمهم الله في مصنفاتهم باعتباره من أدلة السنة النبوية في إثباث صفة العلو لله تعالى كما دلت على ذلك نصوص الكتاب و السنة المتواترة و إجماع سلف الأمة من أنه سبحانه فوق السماء عال على خلقه علو ذات وهو بائن منهم مستو على عرشه كما يليق بكماله وجلال عظمته سبحانه وتعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصر)، ولم يقل أحد منهم أن الله تعالى في مكان عدمي بل هو من قول أهل البدع و الضلال .
وهنا لا بد أن نذكر للقارئ الأدلة الشرعية و العقلية و الفطرية و إجماع السلف رحمهم الله تعالى في إثبات صفة العلو لله تعالى و كلامهم رحمهم الله تعالى في حديث الجارية ، و يُستحسن بداية أن نستهل بمقدمة في بيان القواعد والأسس التي اعتمدها أهل السنة و الجماعة رحمهم في فهم باب أسماء الله تعالى و صفاته .
قواعد و أسس أهل السنة و الجماعة في فهم أسماء الله تعالى صفاته:
قال الشيخ الفقيه الأصولي المفسر محمد الأمين الشنقيطي المالكي رحمه الله تعالى صاحب " أضواء البيان " في رسالته " منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات " :
" أولا اعلموا أن كثرة الخوض والتعمق في البحث في آيات الصفات وكثرة الأسئلة في ذلك الموضوع من البدع التي يكرهها السلف ، و اعلموا أن مبحث آيات الصفات دل القرآن العظيم أنه يتركز على ثلاثة أسس من جاء بها كلها فقد وافق الصواب وكان على الاعتقاد الذي كان عليه النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه والسلف الصالح ومن أخل بواحد من تلك الأسس الثلاثة فقد ضل وكل هذه الأسس الثلاثة يدل عليها قرآن عظيم .
أحد هذه الأسس الثلاثة :
( الأساس الأول ) : هو تنزيه الله جل وعلا على أن يشبه بشيء من صفاته شيئا من صفات المخلوقين وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى ( ليس كمثله شيء) الشورى 11 ( ولم يكن له كفوا أحد ) الإخلاص 4 ( فلا تضربوا لله الأمثال) النحل 74 .
( الأساس الثاني ) : الإيمان بما وصف الله به نفسه لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله ( ءأنتم أعلم أم الله) البقرة 14 ، والإيمان بما وصفه به رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي قال في حقه ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) النجم 3-4 فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله الله صلى الله عليه و سلم وينزه ربه جل وعلا عن أن تشبه صفته صفة المخلوقين وحيث أخل بأحد هذين الأصلين وقع في هوة ضلال ..فمن ظن أن صفة ربه تشبه شيئا من صفة الخلق فهذا مجنون ضال ملحد لا عقل له يدخل في قوله تعالى عن المشركين ( تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين) الشعراء 97-98 ، ومن يسوي رب العالمين بغيره فهو مجنون.
....إلى أن قال رحمه الله تعالى : " والله جل وعلا يقول في كتابه " إن الله على كل شيء قدير" البقرة 20 ، ونحن نقطع أنه تعالى متصف بصفة القدرة على الوجه اللائق بكماله وجلاله كذلك وصف بعض المخلوقين بالقدرة قال ( إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ) المائدة 34 ، فأسند القدرة لبعض الحوادث ونسبها إليهم ونحن نعلم أن كل ما في القرآن حق وأن للمولى جل وعلا قدرة حقيقية تليق بكماله وجلاله كما أن للمخلوقين قدرة حقيقية مناسبة لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم وبين قدرة الخالق وقدرة المخلوق من المنافاة والمخالفة كمثل ما بين ذات الخالق وذات المخلوق.....
( الأساس الثالث ) :
أن تقطعوا أطماعكم عن إدراك حقيقة الكيفية لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل وهذا نص الله عليه في سورة طه حيث قال(يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما)،... والمعنى لا إحاطة للعلم البشري برب السموات والأرض فينفي جنس أنواع الإحاطة عن كيفيتها ، فالإحالة المسندة للعلم منفية عن رب العالمين فلا يشكل عليكم بعد هذا صفة نزول ولا مجيء ولا صفة يد ولا أصابع ولا عجب ولا ضحك لأن هذه الصفات كلها من باب واحد فما وصف الله به نفسه منها فهو حق وهو لائق بكماله وجلاله لا يشبه شيئا من صفات المخلوقين وما وصف به المخلوق منها فهو حق مناسب لعجزهم وفنائهم وافتقارهم وهذا الكلام الكثير أوضحه الله في كلمتين (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)...، ليس كمثله شيء التنزيه الكامل الذي ليس فيه تعطيل ،وهو السميع البصير الإيمان بجميع الصفات الذي ليس فيه تمثيل فأول الآية تنزيه وآخرها إثبات ومن عمل بالتنزيه الذي في ليس كمثله شيء والإيمان الذي في قوله وهو السميع البصير وقطع النظر عن إدراك الكنه والحقيقة المنصوص في قوله ولا يحيطون به علما طه 110 خرج سالما .
إلى أن قال ...وختاما يا إخواني نعود فنوصيكم وأنفسنا بتقوى الله وأن تتمسكوا بهذه الكلمات الثلاث:
- أن تنزهوا ربكم عن مشابهة صفات الخلق.
- أن تؤمنوا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه و سلم إيمانا مبنيا على أساس التنزيه على نحو ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
- وتقطعوا الطمع في إدراك الكيفية لأن الله يقول ولا يحيطون به علما." إهـ
إجماع أهل السنة على إثبات علو لله سبحانه و تعالى على مخلوقاته و استوائه على عرشه وذكر أدلتهم الشرعية و العقلية و الفطرية .
قال شارح الطحاوية الإمام ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى:
" والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه ، وكونه فوق عباده ، التي تقرب من عشرين نوعا :
- التصريح بالفوقية مقرونا بأداة " من " المعينة للفوقية بالذات ، كقوله تعالى : { يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } سورة النحل آية 50 .
- التصريح بالعروج إليه نحو : { تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ } سورة المعارج آية 4 ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم » .
الرابع : التصريح بالصعود إليه . كقوله تعالى : { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } سورة فاطر آية 10 .
-التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه ، كقوله تعالى : { بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ } سورة النساء آية 158 ، وقوله : { إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } ة آل عمران آية 55 .
- التصريح بالعلو المطلق ، الدال على جميع مراتب العلو ، ذاتا وقدرا وشرفا ، كقوله تعالى : { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ } سورة البقرة آية 255 ، { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } سورة سبأ آية 23 .
- التصريح بتنزيل الكتاب منه ، كقوله تعالى : { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } سورة غافر آية 2 ، { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } سورة الزمر آية 1 .
- التصريح بأنه تعالى في السماء ، وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين : إما أن تكون " في " بمعنى " على " ، وإما أن يراد بالسماء العلو ، لا يختلفون في ذلك ، ولا يجوز الحمل على غيره .
- التصريح بالاستواء مقرونا بأداة " على " مختص بالعرش ، الذي هو أعلى المخلوقات ، مصاحبا في الأكثر لأداة " ثم " الدالة على الترتيب والمهلة .
-التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى ، كقوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا . »
- الإشارة إليه حسا إلى العلو ، كما أشار إليه من هو أعلم بربه وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر ، لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله ، في اليوم الأعظم ، في المكان الأعظم ، قال لهم : « أنتم مسئولون عني ، فماذا أنتم قائلون ؟ » قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت ، فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعا لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء ، قائلا : « اللهم اشهد » . فكأنا نشاهد تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله ، وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع أصبعه إليه : اللهم اشهد ، ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين ، وأدى رسالة ربه كما أمر ، ونصح أمته غاية النصيحة ، فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين ، وحذلقة المتحذلقين! والحمد لله رب العالمين .
- التصريح بلفظ " الأين " كقول أعلم الخلق به ، وأنصحهم لأمته ، وأفصحهم بيانا عن المعنى الصحيح ،و شهادته صلى الله عليه وسلم لمن قال إن ربه في السماء بالإيمان .
- إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ، ليطلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السماوات ، فقال : { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ }{ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا } سورة غافر الآيتان 36 - 37 . فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني ، ومن أثبته فهو موسوي محمدي .
- إخباره صلى الله عليه وسلم : أنه تردد بين موسى عليه السلام وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة ، فيصعد إلى ربه ثم يعود إلى موسى عدة مرات .
....وهذه الأنواع من الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل ، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله! وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك !" إهــ
إلى أن قال رحمه الله تعالى :
" وعلوه سبحانه وتعالى كما هو ثابت بالسمع ، ثابت بالعقل والفطرة .
أما ثبوته بالعقل :
فإنه سبحانه لما خلق العالم ، فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجا عن ذاته ، والأول باطل : أما أولا : فبالاتفاق ، وأما ثانيا : فلأنه يلزم أن يكون محلا للخسائس والقاذورات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . والثاني : يقتضي كون العالم واقعا خارج ذاته ، فيكون منفصلا ، فلزمت المباينة .
وأما ثبوته بالفطرة :
فإن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء ، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى . وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمذاني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين ، وهو يتكلم في نفي صفة العلو ، ويقول : كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان! فقال الشيخ أبو جعفر : أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ؟ فإنه ما قال عارف قط : يا الله ، إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو ، لا يلتفت يمنة ولا يسرة ، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا ؟ قال : فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل ، وأظنه قال : وبكى! وقال : حيرني الهمذاني حيرني! أراد الشيخ : أن هذا أمر فطر الله عليه عباده ، من غير أن يتلقوه من المرسلين ، يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو ." إهـ
وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جدا ، من ذلك ...
قول الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى :
قال :"من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض ؟ فقال : قد كفر ؛ لأن الله يقول : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } وعرشه فوق سبع سماوات ، قلت : فإن قال : إنه على العرش ، ولكن يقول : لا أدري العرش في السماء أم في الأرض ؟ قال : هو كافر ، لأنه أنكر أنه في السماء ، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر . وزاد غيره : لأن الله في أعلى عليين ، وهو يدعى من أعلى ، لا من أسفل ." إهـ (كتاب الفاروق لإسماعيل الأنصاري).
قول الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى :
قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد:"أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن أحمد أن ابن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: حدثنا شريح بن النعمان قال: حدثنا عبد الله بن نافع قال: قال مالك بن أنس: الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه مكان.
قال: وقيل لمالك " الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى " كيف استوى؟.
فقال مالك رحمه اللّه تعالى: استواؤه معقول وكيفيته مجهولة وسؤالك عن هذا بدعة وأراك رجل سوء. "
قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى :
قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى :"القول في السُّنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يَقرُب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء " العلو للذهبي ص120 .
قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه تعالى :
قال يوسف بن موسى القطان شيخ أبي بكر الخلال قيل لأبي عبد الله : " الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه بكل مكان، قال : " نعم هو على عرشه ولا يخلو شيء من علمه "
و قال الإمام مالك الصغير أبي محمد عبد اللّه بن أبي زيد القيرواني:
قال في خطبته برسالته المشهورة باب ما تنطق به الألسنة و تعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات: ومن ذلك الإيمان بأن الله إله واحد لا إله غيره، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا شريك له، ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخرته انقضاء، ولا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمرِه المتفكرون، يعتبر المتفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته " ولا يُحيطون بشَيْءٍ مِنْ عِلْمه إلاَّ بمَا شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السمواتِ والأرْض وَلا يَؤُدهُ حِفْظُهُما وهُوَ العَليُّ العَظيم " سورة البقرة آية 255. وهو العليم الخبير، المدبّر القدير السميع البصير العلي الكبير، وإنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو بكل مكان بعلمه.خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى"
قال الإمام أبو بكر بن محمد بن موهب القبري الأندلسي المالكي ( تفرد في وقته بالإجازة من الفقيه بن أبي زيد القيرواني وصحبه واختص به وحمل عنه تواليفه توفي سنة 406 هـ):
قال في شرحه على الرسالة لابن أبي زيد رحمه اللّه عليهما وهو أولى بفهم كلام شيخه و غيره من شرّاح الرسالة :
وأما قوله: " إنه فوق عرشه المجيد بذاته فإن معنى فوق وعلا عند جميع العرب واحد، وفي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تصديق ذلك... ثم ساق الآيات في إثبات العلو وحديث الجارية إلى أن قال: وقد تأتي في لغة العرب بمعنى فوق وعلى ذلك قوله تعالى: " فامْشُوا في مَنَاكِبِها " سورة الملك آية 15. يريد فوقها وعليها، وكذلك قوله تعالى: " ولأصلِبَنّكم في جُذوع النخل " سورة طه آية 71. يريد عليها، وقال تعالى: " أأمِنْتم مَنْ في السّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ " سورة الملك آية 16. الآيات، قال أهل التأويل العالمون بلغة العرب: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه عن جماعة ممن أدرك من التابعين، مما فهموه عن الصحابة رضي الله عنهم، مما فهموه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله في السماء بمعنى فوقها وعليها، فلذلك قال الشيخ أبو محمد: إنه فوق عرشه المجيد بذاته، ثم بيّن أن علوه على عرشه إِنما هو بذاته لأنه بائن عن جميع خلقه بلا كيف، وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته، إذ لا تحويه الأماكن، لأنه أعظم منها.إلى أن قال: وقوله: " على العَرْشِ اسْتَوَى " سورة طه آية 5، فإنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك الذي ظنته المعتزلة، ومن قال بقولهم: إنه بمعنى الاستيلاء.
وبعضهم يقول: إنه على المجاز دون الحقيقة. قال: ويبين سوء تأويلهم في استوائه على عرشه على غير ما تأولوه من الاستيلاء وغيره ما قد علمه أهل العقول أنه لم يزل مستولياً على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها، وكان العرش وغيره في ذلك سواء، فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاء وملك وقهر وغلبة.
قال: وكذلك بيّن أيضاً أنه على الحقيقة بقوله عز وجل: " ومَنْ أصْدَقُ مِنَ اللهِ قيلاً " سورة النساء آية 122. فلما رأى المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه بعد خلق سمواته وأرضه وتخصيصه بصفة الاستواء، علموا أن الاستواء هنا غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بصفة الاستواء على عرشه، وأنه على الحقيقة لا على المجاز لأنه الصادق في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله، إذ ليس كمثله شيء من الأشياء." إهــ
قال إمام الأندلس الحافظ أبو عمر ابن بن عبد البر المالكي رحمه الله تعالى في كتابه التمهيد:
قال في شرحه لحديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ينزل ربنا في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له؟ "
قال :" هذا الحديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد لا يختلف أهلُ الحديث في صحته، وفيه دليل على أنّ اللَّهَ عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إنّ اللّه في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قال أهلُ الحق في ذلك قوله تعالى: " الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوى " سورة طه آية 5.
وقوله تعالى: " ثمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْش ما لَكُم مِن دُونهِ من وليٍّ وَلا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذكّرون " سورة السجدة آية 4.
إلى أن قال.. وأما قوله: " أءَمِنْتُم مَنْ في السّماءِ " سورة الملك آية 16. فمعناه: مَنْ في السماء، يعني على العرش، وقد تكون في بمعنى على ألا ترى إلى قوله تعالى: " فَسِيحُوا في الأرْض " سورة التوبة آية 2. أي على الأرض.
وكذلك قوله تعالى: " ولأصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوع النّخْل " سورة طه آية 71. وهذا كله يعضده قوله تعالى: " تَعْرُجُ الملائِكَةُ والرُّوحُ إليهِ " سورة المعارج آية 4.
وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الإستيلاء في اللغة: المغالبة، والله تعالى لا يغالبه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حقّ الكلام أن يُحْمَلَ على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا تعالى إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام اللّه عزوجل على الأشهر والأظهر، من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مُدَّعٍ ما ثبت شيء من العبادات، وجَلَّ اللَّهُ أن يخاطبَ إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكّن فيه.
...ومن الحجة أيضاً في أنه عز وجل على العرش فوق السموات السبع: أن الموحدين يجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمرٌ، أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء يستغيثون اللّه ربهم تبارك وتعالى، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطراري لم يخالفهم فيه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم للأمة التي أراد مولاها عتقها، إن كانت مؤمنة، فاختبرها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بأن قال لها: " أين اللّه. " فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: " من أنا " قالت: أنت رسول الله. قال: " أعتقها فإنها مؤمنة " فاكتفى رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم منها برفع رأسها إلى السماء واستغنى بذلك عما سواه." إهــ
و قال الإمام القرطبي في شرحه " شرح الأسماء الحسنى " :
" وقد كان الصدر الأول لا ينفون الجهة بل نطقوا هم والكافة بإثباتها للّه تعالى، كما نطق كتابه وأخبر رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة، وخص العرش بذلك دون غيره، لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته، كما قال مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن الكيف بدعة، وكذلك قالت أم سلمة. إلى أن قال : وقال جميع الفضلاء الأخيار: إن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من جميع خلقه. هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات."إهـ
و قال الإمام العلامة أبو عمر الطلمنكي المالكي الأندلسي :
قال في كتابه في الأصول: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن اللّه استوى على عرشه بذاته حقيقة لا على المجاز... ثم ساق بسنده عن مالك قوله: اللّه في السماء وعلمه في كل مكان.
وقال : وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: " وهُوَ مَعَكُم أيْنَما كُنْتُم " سورة الحديد آية 4. ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه، وأن اللّه فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء. " إهـ
وقال إمام السنة في زمانه محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد أبو عبد الله الإلبيري المعروف بابن أبي زَمَنِين الأندلسي المالكي رحمه الله تعالى ( ت 399 هـ ) :
في كتابه أصول السنة ...باب في الإيمان بصفات الله وأسمائه
قال محمد: واعلم أن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يخبر به تبارك وتعالى عن نفسه علما، والعجز عما لم يدع إيمانا، وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه، وعلى لسان نبيه .
و قال محمد: فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. لم تره العيون فتحده كيف هو كينونيته، لكن رأته القلوب في حقائق الإيمان به.
قال محمد: وهذا الحديث ( أي حديث النزول ) بين أن الله عز وجل على عرشه في السماء دون الأرض، وهو أيضا بين في كتاب الله، وفي غير ما حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الله عز وجل: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه و قال: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض و قال: أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا و قال: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه.وقال: وهو القاهر فوق عباده وقال لعيسى: إني متوفيك ورافعك إلي و قال: بل رفعه الله إليه.
وحدثني سعيد بن فحلون عن العكي، عن أبي بكير قال: حدثنا مالك، عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن عمر بن الحكم أنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن جارية لي كانت ترعى غنما لي فجئتها وقد فقدت شاة من الغنم فسألتها عنها فقالت: أكلها الذئب فأسفت عليها وكنت من بني آدم فلطمت وجهها، وعلي رقبة أفأعتقها؟ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ فقالت: في السماء فقال: من أنا؟ قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتقها .
قال محمد: والحديث مثل هذا كثير جدا فسبحان الله من علمه بما في الأرض كعلمه بما في السماء لا إله إلا هو العلي العظيم." إهــ
و قال الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني الشافعي والد إمام الحرمين المتوفى عام 438هـ في رسالته العظيمة " إثبات الاستواء والفوقية " :
" العبد إذا أيقن أن الله تعالى فوق السماء عالٍ على عرشه بلا حصر ولا كيفية، وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه، صار لقلبه قبلة في صلاته، وتوجهه، ودعائه، ومن لا يعرف ربه بأنه فوق سماواته على عرشه فإنه يبقى ضائعاً لا يعرف وجهة معبوده، لكن لو عرفه بسمعه، وبصره، وقدمه، وتلك بلا هذا معرفة ناقصة بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء، فإذا دخل في الصلاة وكبر توجه قلبه إلى جهة العرش، منزهاً ربه تعالى عن الحصر، مفرداً له كما أفرده في قدمه وأزليته، عالماً أن هذه الجهات من حدودنا ولوازمنا، ولا يمكننا الإشارة إلى ربنا في قدمه، وأزليته إلا بها، لأنا مُحدَثُون والمحدث لا بد له من في إشارته إلى جهة فتقع تلك الإشارة إلى ربه كما يليق بعظمته، لا كما يتوهمه هو من نفسه، ويعتقد أنه في علوه قريب من خلقه، هو معهم بعلمه، وسمعه، وبصره، وإحاطته، وقدرته، ومشيئته، وذاته فوق الأشياء، فوق العرش، ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة، أو التوجه أشرق قلبه واستنار، وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان، وغشيت أشعة العظمة على عقله وروحه ونفسه فانشرح لذلك صدره، وقوي إيمانه، ونزه ربه عن صفات خلقه من الحصر والحلول، وذاق حينئذٍ شيئاً من أذواق السابقين المقربين بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده، وتكون الجارية راعية الغنم أعلم بالله منه، فإنها قالت: ((في السمــــاء))، عرفته بأنه على السمــاء؛ فإن في تأتي بمعنى على كقوله تعالى: {يتيهون في الأرض} أي على الأرض. وقوله: {لأصلبنكم في جذوع النخل} أي على جذوع النخل ، فمن تكون الراعية أعلم بالله منه لكونه لا يعرف وجهة معبوده فإنه لا يزال مظلم القلب لا يستنير بأنوار المعرفة والإيمان، ومن أنكر هذا القول فليؤمن به، وليجرب، ولينظر إلى مولاه من فوق عرشه بقلبه مبصراً من وجه، أعمى من وجه، كما سبق مبصراً من جهة الإثبات والوجود والتحقيق، أعمى من جهة التحديد، والحصر، والتكييف، فإنه إذا عمل ذلك وجد ثمرته إن شاء الله تعالى، ووجد نوره، وبركته عاجلاً وآجلاً {ولا ينبؤك مثل خبير}. "
حديث الجارية
فهذه النصوص من الكتاب والسنة و إجماع سلف الأمة رحمهم الله تعالى عبرة لمن اعتبرَ، وذكرى لمن ادّكر، وبيان لمن كان له قلبٌ أو ألقَى السمعَ وهو شهيد.
ثم حديث الجارية الذي أورده الشيخ اعتبره أهل السنة من أدلة السنة النبوية الصحيحة في إثبات علو الله على خلقه سبحانه و تعالى و أنه فوق السماء و فوق جميع مخلوقاته مستو على عرشه بائن من خلقه وليس في كل مكان أو في مكان عدمي خلافا لأهل أهل البدع .
و حديث الجارية صحيح رواه مالك رحمه الله تعالى و أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم .
قال الإمام الذهبي رحمه الله في كتابه " العلو للعلي الغفار" :
فمن الأحاديث المتواترة الواردة في العلو،حديث معاوية بن الحكم السلمي قال كانت لي غنم بين أحد والجوانية فيها جارية لي فاطلعتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة وأنا رجل من بني آدم فأسفت فصككتها فأتيت النبي فذكرت ذلك له فعظم ذلك علي ، فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها قال ادعها فدعوتها فقال لها أين الله قالت في السماء ، قال من أنا قالت أنت رسول الله ، قال أعتقها فإنها مؤمنة " هذا حديث صحيح رواه جماعة من الثقات عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية السلمي أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم يمرونه كما جاء ولا يتعرضون له بتأويل ولا تحريف "
و قال رحمه الله تعالى :"وهكذا رأينا كل من يسأل أين الله يبادر بفطرته ويقول في السماء ، ففي الخبر مسألتان إحداهما شرعية قول المسلم أين الله وثانيهما قول المسئول في السماء فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى صلى الله عليه و سلم "
مسألة المكان العدمي :
وصف الله سبحانه وتعالى بأنه في مكان عدمي ليس من عقائد أهل السنة و الجماعة رحمهم الله تعالى بل هو مناقضة صريحة لنصوص الكتاب و السنة ولما أجمع عليه سلف الأمة من أن الله عال على جميع مخلوقاته بائن منهم مستو على عرشه كما يليق به سبحانه و تعالى.
أما ما نقله عن الشيخ بن عثيمين و الشيخ خليل هراس لم يكن منهما تقريرا لعقيدة السلف و إنما كان في معرض الرد على من زعم أن شيء من مخلوقات الله تعالى حال فيه تعالى و تقدس أو يحيط به لأنه سبحانه عال على خلق مستو على عرشه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته و لا في ذاته شيء من مخلوقاته تعالى و تقدس .
و الشيخ بن عثيمين فسر كلامه بقوله " و المرأة أجابت بـ" في" الدالة على الظرفية ، لكن الظرفية العدمية نعني ما فيه شيء يحيط بالله ما ثم فوق المخلوقات إلا الله "
فالشيخ فسر الظرفية العدمية بقوله " نعني ما فيه شيء يحيط بالله ما ثم فوق المخلوقات إلا الله " هو عين ما ذكره السلف رحمهم الله تعالى من أن الله سبحانه بائن من خلقه أي ليس في مخلوقاته شيء من ذاته و لا في ذاته شيء من مخلوقاته تعالى و تقدس ، بل هو عال على جميع مخلوقاته .
و هو عين ما ذكره الشيخ خليل هراس بقوله " فله العلو المطلق على سائر خلقه بحيث يكون شيء منها حاصرا له أو محيطا به ، فهو سبحانه ليس في جهة وجودية من هذه الجهات الواقعة داخل العالم ، و لكن الجهات كلها بالنسبة إليه عدمية "
فاتضح لنا و لله الحمد أن مقصودهم رحمهم الله تعالى ليس إثبات جهة عدمية لله تعالى فهذا يناقض صراحة ما أجمع عليه السلف من إثبات العلو لله تعالى و استوائه على عرشه ، و لكن مرادهم أن الجهات الواقعة داخل العالم بالنسبة إلى الله تعالى عدمية كونها لا تحيط بالله تعالى و تقدس و لا تحصره لأنه بائن من خلقه أي ليس في مخلوقاته شيء من ذاته و لا في ذاته شيء من مخلوقاته تعالى و تقدس ، وهو واضح لمن تأمله .
و يؤيد و يفسر كلام الشيخ هراس ما ذكره في موضع آخر أقصد في شرحه للواسطية :
قال :" فأهل السنة والجماعة يؤمنون بما أخبر به سبحانه عن نفسه من أنه مستو على عرشه ، بائن من خلقه بالكيفية التي يعلمها هو جل شأنه ؛ كما قال مالك وغيره : ( الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ) .
وأما ما يشغب به أهل التعطيل من إيراد اللوازم الفاسدة على تقرير الاستواء ؛ فهي لا تلزمنا ؛ لأننا لا نقول بأن فوقيته على العرش كفوقية المخلوق على المخلوق .
وأما ما يحاولون به صرف هذه الآيات الصريحة عن ظواهرها بالتأويلات الفاسدة التي تدل على حيرتهم واضطرابهم ؛ كتفسيرهم : ( استوى ) ب ( استولى ) ، أو حملهم ( على ) على معنى ( إلى ) ، و ( استوى ) ؛ بمعنى : ( قصد ) ...
وليت شعري ! ماذا يريد هؤلاء المعطلة أن يقولوا ؟ ! أيريدون أن يقولوا : ليس في السماء رب يقصد ، ولا فوق العرش إله يعبد ؟ ! فأين يكون إذن ؟ ! ولعلهم يضحكون منا حين نسأل عنه بـ ( أين ) ! ونسوا أن أكمل الخلق وأعلمهم بربهم صلوات الله عليه وسلامه قد سأل عنه بـ ( أين ) حين قال للجارية : ( أين الله ؟ ) ، ورضي جوابها حين قالت : في السماء .
...ولم يرو عنه أنه زجر السائل ، ولا قال له : إنك غلطت في السؤال .
إن قصارى ما يقوله المتحذلق منهم في هذا الباب : إن الله تعالى كان ولا مكان ، ثم خلق المكان ، وهو الآن على ما كان قبل خلق المكان .
فماذا يعني هذا المخرف بالمكان الذي كان الله ولم يكن ؟ ! هل يعني به تلك الأمكنة الوجودية التي هي داخل محيط العالم ؟ ! فهذه أمكنة حادثة ، ونحن لا نقول بوجود الله في شيء منها ؛ إذ لا يحصره ولا يحيط به شيء من مخلوقاته .
وأما إذا أراد بها المكان العدمي الذي هو خلاء محض لا وجود فيه ؛ فهذا لا يقال إنه لم يكن ثم خلق ؛ إذ لا يتعلق به الخلق ، فإنه أمر عدمي ، فإذا قيل : إن الله في مكان بهذا المعنى ؛ كما دلت عليه الآيات والأحاديث ؛ فأي محذور في هذا ؟ ! بل الحق أن يقال : كان الله ولم يكن شيء قبله ، ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وكان عرشه على الماء ، ثم استوى على العرش ، وثم هنا للترتيب الزماني لا لمجرد العطف ." إهــ
أما ما نقله الشيخ شمس الدين عن الدكتور أحمد بن عطية علي الغامدي بقوله " لأن الجهة التي أثبتناها لله تعالى إنما جهة عدمية لا وجودية " باطل ليس من عقيدة أهل السنة و الجماعة في شيء بل من كلام أهل البدع و الضلال .
- قصة عبد الله بن الحسين المصيصي :
أورد الشيخ شمس الدين قصة غريبة لعبد الله بن الحسين المصيصي و زعم أن الشيخ أبو يعلى الفراء الحنبلي ذكرها في كتابه " إبطال التأويلات" .
أولا كتاب " إبطال التأويلات" لا تصح نسبته لأبي يعلى الفراء رحمه الله تعالى كما ذكر ذلك بعض أهل العلم ، ثم ما دلت عليه هذه القصة باطل لم يقل به أحد من أهل السنة و الجماعة بل هو مخالف لصريح القرآن و السنة التي دلت على أن الله سبحانه فوق خلقه مستو على عرشه بائن من خلقه .
و القصة بهذا اللفظ رواها أبو بكر الشافعي في كتابه"الغيلانيات"والإمام الطبراني في معجمه الكبير وهي قصة موضوعة رواها عبد الله بن الحسين المصيصي وهو لا يحتج به عند أهل الحديث لأنه يقلب الأخبار و يسرقها .
قال الحافظ بن حجر في " كتابه الإصابة في معرفة الصحابة "
" قال الطبراني في الكبير: حدثنا عبد الله بن الحسين قال: دخلت طرسوس فقيل لي: ها هنا امرأة قد رأت الجن الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت إليها فإذا امرأة مستلقية على قفاها وحولها جماعة فقلت لها: ما اسمك؟ قالت: منوسة فقلت لها: هل رأيت أحداً من الجن الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم حدثني سمحج واسمه عبد الله قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: " كان على حوت من نور يتلجلج في النور " .
قلت: وعبد الله بن الحسين المصيصي من شيوخ الطبراني وقد ذكره ابن حبان في كتاب الضعفاء فقال: يقلب الأخبار ويسرقها لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. ثم ذكر عن أحمد بن مجاهد عنه حديثين من روايته عن محمد بن المبارك وقال: له نسخة أكثرها مقلوبة." إهــ
الخاتمة
نصيحة مشفق إلى كل جاهل لم يقدر الله حق قدره من الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى :
" التعطيل سببه اعتقاد التشبيه أولا فاسمعوا أيها الأخوان نصيحة مشفق واعلموا أن كل هذا الشر إنما جاء من مسألة هي نجس القلب وتلطخه وتدنسه بأقذار التشبيه فإذا سمع ذو القلب المتنجس بأقذار التشبيه صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه كنزوله إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الأخير وكاستوائه على عرشه وكمجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال أول ما يخطر في ذهن المسكين أن هذه الصفة تشبه صفة الخلق فيكون قلبه متنجسا بأقذار التشبيه لا يقدر الله حق قدره ولا يعظم الله حق عظمته حيث يسبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق فيكون أولا نجس القلب متقذره بأقذار التشبيه فيدعوه شؤم هذا التشبيه إلى أن ينفي صفة الخالق جل وعلا عنه بادعاء أنها تشبه صفات المخلوق فيكون أولا مشبها وثانيا معطلا فصار ابتداء أو انتهاء متهجما على رب العالمين ينفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق واعلموا أن هنا قاعدة أصولية أطبق عليها من يعتد به من أهل العلم وهي أن النبي صلى الله عليه و سلم لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا سيما في العقائد ولو مشينا على فرضهم الباطل أن ظاهر آيات الصفات الكفر فالنبي صلى الله عليه و سلم لم يؤول الاستواء ب الاستيلاء ولم يؤول شيئا من هذه التأويلات ولو كان المراد بها هذه التأويلات لبادر النبي صلى الله عليه و سلم إلى بيانها لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة فالحاصل أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد هذا الاعتقاد الذي يحل جميع الشبه ويجيب عن جميع الأسئلة وهو أن الإنسان إذا سمع وصفا وصف به خالق السموات والأرض نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه و سلم فليملأ صدره من التعظيم ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين فيكون القلب منزها معظما له جل وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه فتكون أرض قلبه قابلة للإيمان والتصديق بصفات الله التي تمدح بها وأثنى عليه بها نبيه صلى الله عليه و سلم على غرار ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) الشورى 11 والشر كل الشر في عدم تعظيم الله وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق فيضطر المسكين أن ينفي صفة الخالق بهذه الدعوى الكاذبة الخائنة ." إهـ من رسالته منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات .
أسأل المولى سبحانه بأسمائه الحسنى و صفاته العلى أن يرينا الحق حقا و يرزقنا اتباعه و يرينا الباطل باطلا و يرزقنا اجتنابه و لا يجعله ملتبسا علينا ، فإنه وحده تقدس الهادي إلى سواء السبيل بفضله و منه كرمه سبحانه و تعالى .
هذا والله من وراء القصد
جمعه و رتبه / أبو عبد الله أحمد المالكي