[ نقولات من إبطال التأويلات (2) ]
( التدلي ) !!
استدل أبو يعلى بقوله تعالى : ( ثم دنا فتدلى ) على أن المتدلي هو الله !! فقال في 1/125 : (( فعلم أن المتدلي هو الذي يوحي وهو الله تعالى )) اهـ !! . يقول هذا مع أن أئمة اللغة قد أجمعوا على أن الضمائر تعود على ما يناسبها ولو بعدت .
( شاب ، أمرد ، أجعد ، في حلة حمراء ، عليه تاج ، ونعلان من ذهب ، وعلى وجهه فَرَاش من ذهب ) !!
أنفق أبو يعلى صفحات كثيرة من الكتاب 1/133 ليثبت هذه الأوصاف لله ـ تعالى وتقدس عن إفكه ـ وقد شحنها بالروايات الموضوعة ، ونقل في 1/144 أن من لم يؤمن بهذه الصفات العظيمة !! فهو : ( زنديق ) ، ( معتزلي ) ، ( جهمي ) ، ( لا تقبل شهادته ) ، ( لا يسلم عليه ) ، ( لا يعاد ) ، ثم قال أبو يعلى في 1/146 :
(( وليس في قوله : شاب وأمرد وجعد وقطط وموفور إثبات تشبيه ، لأننا نثبت ذلك تسمية كما جاء الخبر لا نعقل معناها ، كما أثبتنا ذاتا ونفسا ، ولأنه ليس في إثبات الفَرَاش والنعلين والتاج وأخضر أكثر من تقريب المحدث من القديم ، وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع وصفه بالجلوس على العرش .. )) اهـ !!!! .
وهذا الكلام ( 21 ) لو قاله المشركون ، أو اليهود ونحوهم فلا عجب ، فهم أهل هذه المخازي ، أما أن يقوله رجل من أتباع المذاهب الأربعة ، فهذا والله الخزي والعار علينا معشر المسلمين ، أن يكون قائل ذلك واحدا منا ، فيا شماتة الأعداء ، ويا فرحة الملاحدة والزنادقة بأفكار أبي يعلى هذه ، وأنا أخشى أن يُترجم هذا الكتاب إلى اللغات الأجنبية كما ترجموا غيره ، فيشنع به المتربصون الحاقدون على الإسلام والمسلمين .
في 1/178 و 2/328 لم يتورع أبو يعلى من إطلاق الشمال على الله ، والمحقق تظاهر في البداية بمخالفة أبي يعلى فقال : (( كلام المصنف رحمه الله يدل على أنه لا يرى بأسا في تسمية اليد الأخرى لربنا سبحانه بالشمال ، وقد أنكر هذا ابن خزيمة في كتابه التوحيد ص66 .. )) اهـ ، ثم بعد هذا تكلم المحقق بكلام وجاء بنصوص يضيع معها القارئ البسيط ، ولا يصل إلى نتيجة معينة من خلالها (22) .
( وطء الصخرة وأرض الطائف ) !!
ذكر أبو يعلى في 1/202 عن كعب الأحبار أنه قال : (( إن الله تعالى نظر إلى الأرض فقال : إني واط على بعضك ، فانتسفت إليه الجبال فتضعضعت الصخرة فشكر الله لها ذلك فوضع عليها قدمه )) اهـ ، والمحقق يقول : (( الخبر من الإسرائيليات )) اهـ ، لكن أبا يعلى لا يتورع عن إثبات صفات بمثل هذا ، ففي 2/377 يذكر أبو يعلى الرواية الواهية التالية : (( .. آخر وطأة وطئها رب العالمين بوَجّ (23 ) )) اهـ ، ثم يذكر قول كعب الأحبار ـ الذي ينقل عن كتب اليهود ـ 2/379 : (( وَجّ مقدس ، منه عَرَجَ الرب إلى السماء يوم قضى خلق الأرض )) اهـ !! ، ثم يقول أبو يعلى : (( اعلم أنه غير ممتنع على أصولنا ( 24) حمل هذا الخبر على ظاهره ، وأن ذلك على معنى يليق بالذات دون الفعل .. )) اهـ . وفي هذا النقل والفهم السقيم من أبي يعلى دليل على بطلان أصوله وقواعده التي بنى عليها ، فلا ينتج الباطلَ إلا باطلٌ مثله .
ومما يتعلق بهذا المقام أن أبا يعلى مغرم بنسبة كل شيء إلى الذات ! لا يتردد أبدا في ذلك فتراه يذكر في 1/227 رواية ( إن الله يدني العبد يوم القيامة ) فيقول : (( المراد من دنوه الدنو من الذات )) !! ، وفي 1/265 يذكر : (( نزول ذاته )) !! تعالى وتقدس ، يستدل لذلك بخبر موضوع : (( إن الله جل اسمه إذا أراد أن ينـزل نزل بذاته )) !! وفي 1/266 يذكر : (( هبوط الذات )) !! ، وفي 2/297 : (( الدنو والقرب من الذات )) !! وفي 2/334 : (( فأما التجلي فهو راجع إلى الذات )) !! وهكذا يختلق أبو يعلى أمورا لا صلة لها بكتاب الله ولا بسنة رسوله ولا بهدي السلف (25 ) .
(21 ) ـ ومع كل هذا الذي يدعيه أبو يعلى وأتباعه ، فإن المحقق يلوم أهل السنة لأنهم يقولون عن أفكار أبي يعلى هذه بأنها من الحشو !! وأن أصحاب هذه المقالات حشوية !! وما عسانا أن نقول فيمن فاه بهذا الهراء ؟! وأين الغضب لله ؟! وأين ذهبت عظمة الله من قلوب هؤلاء ؟! وهل الدفاع عن هذا الكتاب ومؤلفه وأشباهه مما يخدم منهج السلف الصالح ويؤيده ؟!! أم هي دعوة جديدة لإحياء التجسيم والتشبيه والشرك بالله بين المسلمين ؟؟!! .
( 23 ) ـ وج : اسم موضع بالطائف .
( 24 ) ـ قال ابن الجوزي ردا عليه في دفع الشبه ص51 : (( هذا الرجل يشير بأصولهم إلى ما يوجب التجسيم والتشبيه والانتقال والحركة ، وهذا مع التشبيه بعيد عن اللغة ومعرفة التواريخ وأدلة العقول .. )) اهـ .
( 25 ) ـ لا أدري كيف يجمع أبو يعلى وطائفته بين قولهم عن الله بأنه وطأ الصخرة وأرض الطائف وأنه ينـزل ويهبط بذاته إلى السماء الدنيا كل ذلك على الظاهر والحقيقة ، كيف يجمعون بين هذا وبين صفة العلو التي يثبتونها على الظاهر والحقيقة أيضا !! ، علو ونزول وهبوط ووطء في آن واحد وكل ذلك على الظاهر والحقيقة ، فسبحان الله ، كيف ضاعت الحقائق عند هؤلاء الناس ؟؟!! .
يُتبع,,,,,