رد: صفة نزول الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا
09-11-2009, 05:38 PM
جاء في كتاب
الكلماتُ الحسانُ
في
بيانِ عُلُوِّ الرَّحْمَنِ
تأليف: عبد الهادي بن حسن وهبي
الخامسُ عَشرَ:
التصريحُ بنزوله سبحانه وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدنيا، والنُّزولُ المعقولُ عندَ جميعِ الأممِ إنَّما يكونُ من العُلُوِّ إلى أَسْفَلَ[1].
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟»[2].
اعلمْ رحمكَ الله بأنَّ حديثَ النزولِ «حديثٌ كبيرٌ جليلٌ، تنادي جلالتهُ وفخامتهُ وعظمتهُ على أنَّهُ قدْ خرجَ منْ مشكاةِ النبوةِ»[3]، و «هو قرَّةٌ لعيونِ أهلِ الإيمانِ، وشجىً في حلوقِ أهلِ التَّعطيلِ والبهتانِ»[4]، يجبُ الأخذُ بظاهرهِ منْ غيرِ تأويلٍ ولا يجبُ أنْ يستوحشَ منْ إطلاقِ مثلِ ذلكَ.
قالَ الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله (204هـ): «القولُ فِي السنَّةِ التي أنَا عليهَا ورأيتُ أصحابَنا عليها، أهلَ الحديثِ الذينَ رأيتهم فأخذتُ عنهم، مثلُ سفيانَ [بن عيينة] ومالكٍ وغيرهما:
الإقرارُ بشهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله.. وأنَّ اللهَ على عرشه في سمائهِ يقربُ منْ خلقهِ كيفَ شاء. وأنَّ الله تعالى ينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا كيفَ شاءَ»[5].
وقالَ الدَّارِمِيُّ رحمه الله (280هـ): «والآثارُ التي جاءتْ عنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي نزولِ الرَّبِّ تبارك وتعالى تدلُّ عَلَى أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ فوقَ السَّماواتِ عَلَى عرشهِ، بائنٌ منْ خلقهِ»[6].
وقالَ الإمامُ الطبريُّ رحمه الله (310هـ): «وأنَّهُ سبحانه وتعالى يهبطُ كلَّ ليلةٍ وينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا، لخبرِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»[7].
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْبَاقِي يَهْبِطُ اللهُ عزَّ وجلَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى سُؤْلَهُ؟ فَلاَ يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»[8].
وعقدَ الإمامُ ابنُ خزيمة رحمه الله (311هـ) بابًا في كتابِ «التوحيدِ» افتتحهُ بقولهِ: بابُ ذكرِ أخبارٍ ثابتةِ السَّندِ، صحيحةِ القوامِ، رواها علماءُ الحجازِ والعراقِ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في نزول الرَّبِّ جلَّ وعلا إلى السَّماءِ الدُّنيا كلَّ ليلةٍ.
نشهدُ شهادةَ مقرٍّ بلسانهِ، مصدِّقٍ بقلبهِ، مستيقنٍ بما في هذهِ الأخبارِ منْ ذكرِ نزولِ الرَّبِّ منْ غيرِ أنْ يصفَ الكيفيَّةَ لأنَّ نبيَّنا المصطفى صلى الله عليه وسلم لمْ يصفْ لنا كيفيَّةَ نزولِ خالقنَا إلى السَّماءِ الدنيا وأعلمنا أنَّهُ ينزلُ، والله جلَّ وعلا لمْ يتركْ ولا نبيَّهُ عليه السلام بيانَ ما بالمسلمينَ إليهِ الحاجة منْ أمرِ دينهم، فنحنُ قائلونَ مصدِّقونَ بما في هذهِ الأخبارِ منْ ذكرِ النزولِ غيرُ متكلِّفينَ القولَ بصفتهِ أو بصفةِ الكيفيَّةِ، إذِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمْ يصفْ لنا كيفيَّةَ النزولِ.
وفي هذهِ الأخبارِ ما بانَ وثبتَ وصحَّ أنَّ الله جلَّ وعلا فوقَ سماء الدُّنيا - الذي أخبرنا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أنَّهُ ينزلُ إليها - إذْ محالٌ في لغةِ العربِ أنْ يقولَ: ينزلُ منْ أسفلَ إلى أعلى، ومفهومُ الخطابِ أنَّ النزولَ منْ أعلى إلى أسفلَ[9].
وقالَ أبو العبَّاس السرَّاج رحمه الله (313هـ): «منْ لم يُقِرَّ ويؤمنْ بأنَّ اللهَ تعالى يعجَبُ، ويضحَكُ، وينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيقولُ: «منْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيه؟» فهو زنديـقٌ كافرٌ، يستتابُ، فإنْ تابَ وإلَّا ضُرِبَتْ عنقهُ، ولا يُصَلَّى عليهِ ولا يُدْفنُ في مقابرِ المسْلمينَ»[10].
قالَ الذهبيُّ معقِّبًا عَلَى هَذَا الأثرِ: «قلتُ: إنَّما يكفرُ بعدَ علمهِ بأنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم قالَ ذلكَ، ثمَّ إنَّهُ جحدَ ذلكَ ولمْ يؤمنْ بهِ»[11].
وقالَ أبو بكرٍ بن أبي داودَ محدِّثُ بغدادَ (316هـ):
تَمَسَّكْ بِحَبْلِ الله واتّبع الهُدى وَلاَ تَكُ بِدْعيًّا لَعَلَّكَ تُفْلِـحُ
وَدِنْ بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَنِ الّتِي أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُووَتَرْبَحُ
وَقُلْ: يَنْزِلُ الْجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِلا كَيْفَ، جَلَّ الْوَاحِدُ الْمُتَمَدَّحُ
إِلَى طَبَقِ الْدُّنْيَا يمُنُّ بِفَضْلِهِ فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ
يَقُولُ: أَلا مُسْتَغْفرٌ يَلْقَ غَافِرًا وَمُسْتَمْنِحُ خَيْرًَا وَرِزْقًَا فَيُمْنَحُ
رَوَى ذَاكَ قَـوْمٌ لاَ يُرَدُّ حَديثُهُم ألاَ خَابَ قـَوْمٌ كَذَّبُوهُم وَقُبِّحـُوا[12]
وقالَ أبو الحسن الأشعريُّ (324هـ): «ونصدِّقُ بجميعِ الرواياتِ التي يثبتهَا أهلُ النَّقلِ مِنَ النزولِ إلى السَّماءِ الدُّنيا، وأنَّ الرَّبَّ عزَّ وجلَّ يقولُ: هلْ منْ سائلٍ؟ هلْ منْ مستغفرٍ؟ وسائر ما نقلوهُ وأثبتوهُ خلافًا لما قالهُ أهلُ الزَّيغِ والتَّضليلِ.
ونعوِّلُ فيمَا اختلفنَا فيهِ على كتابِ ربِّنا وسنِّةِ نبيِّنا وإجماعِ المسلمينَ ومَا كانَ في معناه.
ولا نبتدعُ في دينِ الله ما لمْ يأذنْ بهِ لنا، ولا نقولُ على الله ما لا نعلم»[13].
وقالَ رحمه الله: «وممَّا يؤكِّدُ أنَّ الله عزَّ وجلَّ مستوٍ على عرشهِ دونَ الأشياءِ كلِّها ما نقلهُ أهلُ الروايةِ عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وذكرَ حديثَ النزولِ بالسندِ عنْ ثلاثةٍ منَ الصحابةِ وهم: جبيرُ بنُ مطعمٍ وأبو هريرة ورفاعةُ الجهنيُّ رضي الله عنهم»[14].
وقالَ الإمامُ المشهورُ ابنُ أبي زمنين رحمه الله (399هـ) تعليقًا علَى حديثِ النزولِ: «هذا الحديثُ بيِّنٌ أنَّ الله عزَّ وجلَّ على عرشهِ في السَّماءِ دونَ الأرضِ، وهو أيضًا بيِّنٌ في كتابِ الله، وفي غيرِ ما حديثٍ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. ثمَّ ذكرَ آياتٍ دالَّةً على علوِّ الله تعالى»[15].
وقالَ الإمامُ أبو عمرو الداني رحمه الله (444هـ): «ومنْ قولهم: إنَّ الله جلّ جلاله وتقدَّست أسماؤهُ: ينزلُ في كلِّ ليلةٍ إلى السَّماء الدنيا في الثلثِ الباقي مِنَ الليلِ، فيقولُ: «هَلْ مِنْ دَاعٍ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وهلْ منْ سَائِلٍ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، وهلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» حتَّى ينفجرَ الصُّبْحُ، على ما صحَّتْ بهِ الأخبارُ، وتواترتْ بهِ الآثارُ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. نزولهُ تبارك وتعالى كيفَ شاءَ، بلا حَدٍّ، ولا تكييفٍ.
وهذا دينُ الأُمَّةِ، وقولُ أهلِ السُّنَّةِ في هذه الصِّفاتِ أنْ تُمَرَّ كما جاءتْ بغيرِ تكييفٍ، ولا تحديدٍ، فمنْ تجاوزَ المَرْوِيَّ فيها وكَيَّفَ شيئًا منها ومَثَّلَها بشيءٍ منْ جوارحِنا وآلَتِنا فقدْ ضلَّ واعْتَدَى، وابتدعَ في الدينِ ما ليسَ منهُ، وخَرَقَ إجماعَ المسلمينَ، وفارقَ أئمَّةَ الدِّينِ»[16].
وقالَ رحمه الله:
فمِنْ صَحِيح ما أَتَى به الأثر وَشَاعَ فِي النَّاسِ قَدِيمًَا وانْتَشَرْ
نُزُولُ رَبِّنَا بلا امْتِراء فِي كلِّ ليلةٍ إِلى السّماءِ
مِـنْ غَـيرِ مَا حَدٍّ وَلاَ تَكْيِـيفِ سُـبْحَانَـهُ مِنْ قَادرٍ لَطـيف[17].
وقالَ ابنُ عبد البرِّ رحمه الله (463هـ) تعليقًا على حديثِ النزولِ: «هَذَا حديثٌ ثابتٌ منْ جهةِ النَّقلِ، صحيحُ الإسنادِ، لا يختلفُ أهلُ الحديثِ في صحَّتهِ، وفيهِ[18] دليلٌ على أنَّ الله عزَّ وجلَّ في السَّماءِ على العرشِ منْ فوقِ سبعِ سماواتٍ، وعلمهُ في كلِّ مكانٍ كمَا قالتِ الجماعةُ أهلُ السنَّةِ أهلُ الفقهِ والأثرِ[19]، ثمَّ ذكرَ آياتٍ دالَّةً على علوِّ الله تعالى[20].
قال: وأمَّا قولهُ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ: «يَنْزِلُ رَبُّنا»، فالذي عليهِ أهلُ العلمِ منْ أهلِ السنَّةِ والحقِّ الإيمانُ بمثلِ هذا وشِبْهِهِ مِنَ القرآنِ والسُّننِ دونَ كيفيَّةٍ فيقولونَ: ينزلُ ولا يقولونَ كيفَ النزولُ ولا يقولونَ كيفَ الاستواءُ ولا كيفَ المجيءُ في قولهِ عزَّ وجلَّ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا *} [الفجر: 22]، ولا كيفَ التجلِّي في قولهِ: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143] »[21].
وقالَ الإمامُ أبو إسماعيل الصابوني رحمه الله (449هـ) «ويثبتُ أصحابُ الحديثِ نزولَ الرَّبِّ سبحانه وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدنيا، منْ غيرِ تشبيهٍ لهُ بنزولِ المخلوقينَ، ولا تمثيلٍ ولا تكييفٍ، بلْ يثبتونَ ما أثبتهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وينتهونَ فيهِ إليهِ، ويُمِرُّونَ الخبرَ الصحيحَ الواردَ بذكرهِ على ظاهرهِ»[22] - إلى أنْ قالَ:
«فلمَّا صحَّ خبرُ النزولِ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أقرَّ بهِ أهلُ السنَّةِ، وقبلوا الخبرَ، وأثبتوا النزولَ على مَا قالهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولمْ يعتقدوا تشبيهًا لهُ بنزولِ خلقهِ، ولمْ يبحثوا عنْ كيفيَّتهِ إذْ لا سبيلَ إليها بحالٍ، وعلموا وتحقَّقوا واعتقدوا أنَّ صفاتِ الله سبحانه وتعالى لا تشبهُ صفاتِ الخلقِ كما أنَّ ذاتَهُ لا تشبهُ ذواتَ الخلقِ، تعالى الله عمَّا يقولُ المشبِّهةُ والمعطِّلةُ علوًّا كبيرًا، ولعنهم لعنًا كثيرًا»[23].
وقالَ الإمامُ الإسماعيليُّ رحمه الله (469هـ): «وأنَّه عزَّ وجلَّ ينزلُ إلى السَّماء الدنيا على ما صحَّ بهِ الخبرُ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بلا اعتقادِ كيفيَّةٍ»[24].
وقالَ أبو الخطَّاب الكلْواذَاني رحمه الله (510هـ) في عقيدتهِ:
قالوا: النزولُ؟ فقلتُ: ناقلُه لنا قومٌ تَمَسُّكُهُمْ بشرعِ محمَّدٍ
قالوا: فكيفَ نزولٌ؟ فأَجَبْتُهُـم لم يُنْقَلِ التكييفُ لي فِي مُسْنَـدٍ[25]
وقَالَ الشيخ عبدُ الله بن محمد الأندلسي القحطاني المالكي رحمه الله:
وَاللهُ يَنْزِلُ كُلَّ آخِرَ لَيْلَةٍ لِسَمَائِهِ الدُنْيَا بِلا كِتْمَانِ
فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُجِيبهُ فَأَنَا القَرِيبُ أُجِيبُ مَنْ نَادَانِي
حَاشَا الإِلَهَ بِأَنْ تُكَيَّفَ ذَاتُهُ فَالْكَيفُ وَالتَّمْثِيلُ مُنْتَفِيَانِ
وَالأَصْـلُ أَنَّ اللهَ لَيـْسَ كَمِثْلـِهِ شَيءٌ تَعَالَى الرَّبُّ ذُو الإِحْسَانِ[26]
وقال أبو الطيِّبُ: حضرتُ عندَ أبي جعفرٍ الترمذيِّ (295هـ) فسألهُ سائلٌ عنْ حديثِ نزولِ الرَّبِّ، فالنزولُ كيفَ هو يبقى فوقُه علوٌّ؟ فقالَ: «النزولُ معقولٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسؤالُ عنهُ بدعةٌ»[27].
قالَ الإمامُ الذهبيُّ معقِّبًا: «صدقَ فقيهُ بغدادَ وعالمها في زمانهِ، إذِ السُّؤالُ عَنِ النزولِ ما هوَ؟ عِيٌّ، لأنَّهُ إنَّمَا يكونُ السؤالُ عنْ كلمةٍ غريبةٍ في اللُّغةِ، وإلَّا فالنزولُ والكلامُ والسمعُ والبصرُ والعلمُ والاستواءُ عباراتٌ جليةٌ واضحةٌ للسَّامعِ، فإذا اتَّصفَ بها منْ ليسَ كمثلهِ شيءٌ، فالصِّفةُ تابعةٌ للموصوفِ، وكيفيَّةُ ذلكَ مجهولةٌ عندَ البشرِ»[28].
وقالَ ابنُ القيِّم رحمه الله:
وَكَذَا نُزُولِ الرَّبِّ جلَّ جلاله فِي النِّصْفِ مِن لَيْل وَذَاكَ الثَّاني
فَيَقُولُ لَسْتُ بِسَائِلٍ غَيْرِي بِأحْـ ـوَالِ العِبَادِ أنَا العَظِيمُ الشَّانِ
من ذاكَ يَسْألُنِي فَيُعْطى سُؤْلَهُ مَنْ ذَا يَتُوبُ إلَيَّ مِنْ عِصْيَانِ
من ذاكَ يَسْألُنِي فَأغْفِر ذَنْبَهُ فَأَنَا الوَدُودُ الوَاسِعُ الغُفْرَانِ
مَنْ ذَا يُريدُ شِفَاءَهُ مِنْ سُقْمِهِ فَأَنَا القَرِيبُ مُجِيبُ مَنْ نَادَانِ
ذَا شَأنُهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ حَتَّى يَكُونَ الفَجْرُ فَجْرًا ثَانِ
يَا قَومُ لَيْسَ نُزُولُهُ وَعُلوُّهُ حَقًّا لَدَيْكُمْ بَلْ هُمَا عَدَمَانِ
وَكَذَاكَ يَقُولُ لَيْسَ شَيْئًا عِنْدَكُمْ لاَ ذَا وَلاَ قَوْلًا سِوَاهُ ثانِ
كـلٌّ مَـجَازٌ لاَ حَـقِيقَةَ تَـحْتَهُ أوِّلْ وَزِدْ وَانْقُـصْ بِلاَ بُرْهَانِ[29]
.................................................. ....................
[1] إعلام الموقعين (2/301).
[2] رواه البخاري (1145 و 6321 و 7494)، ومسلم (758) وهو حديث متواتر.
[3] زاد المعاد (3/677).
[4] مختصر الصواعق (2/237).
[5] الوصية (ص54)، تحقيق: الشيخ سعد الدين الكبي حفظه الله تعالى - طبعة المكتب الإسلامي.
[6] الرد على الجهمية (ص73) [طبعة دار ابن الأثير - الكويت، الطبعة الثانية].
[7] التبصير في معالم الدين (ص136).
[8] رواه ابن خزيمة (89)، وأحمد (1/388 و403 و446)، والآجُرِّيُّ (312) بسند صحيح.
[9] التوحيد (ص125 - 126).
[10] العلوّ (ص534).
[11] العلوّ (ص214). وانظر: «سير أعلام النبلاء» (14/396).
[12] السير (13/233 - 234).
[13] الإبانة (ص29 - 30) [طبعة دار الأنصار - القاهرة، الطبعة الأولى].
[14] الإبانة (ص110 - 112).
[15] أصول السنة (ص113 - 114)، طبعة مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية - الطبعة الأولى.
[16] الرسالة الوافية (ص134 - 138).
[17] الأرجوزة المنبِّهة (ص194)، للحافظ: أبي عمرو الداني رحمه الله.
[18] التمهيد (7/128).
[19] الاستذكار (8/148).
[20] التمهيد (7/129).
[21] الاستذكار (8/151 - 152).
[22] عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص32).
[23] عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص46).
[24] اعتقاد أئمة أهل الحديث (ص62).
[25] إتمام المنَّة بشرح اعتقاد أهل السنَّة (ص71)، دار السنة - الخبر - الطبعة الأولى.
[26] نونية القحطاني (ص96 - 97)، دار الهجرة - القاهرة - الطبعة الأولى.
[27] رواه الذهبي في «العلو» (ص1229)، وصححه الألباني رحمه الله في «مختصر العلو» (ص231).
[28] العلو (ص1229).
[29] الكافية الشافية (ص110).
الكلماتُ الحسانُ
في
بيانِ عُلُوِّ الرَّحْمَنِ
تأليف: عبد الهادي بن حسن وهبي
الخامسُ عَشرَ:
التصريحُ بنزوله سبحانه وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدنيا، والنُّزولُ المعقولُ عندَ جميعِ الأممِ إنَّما يكونُ من العُلُوِّ إلى أَسْفَلَ[1].
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟»[2].
اعلمْ رحمكَ الله بأنَّ حديثَ النزولِ «حديثٌ كبيرٌ جليلٌ، تنادي جلالتهُ وفخامتهُ وعظمتهُ على أنَّهُ قدْ خرجَ منْ مشكاةِ النبوةِ»[3]، و «هو قرَّةٌ لعيونِ أهلِ الإيمانِ، وشجىً في حلوقِ أهلِ التَّعطيلِ والبهتانِ»[4]، يجبُ الأخذُ بظاهرهِ منْ غيرِ تأويلٍ ولا يجبُ أنْ يستوحشَ منْ إطلاقِ مثلِ ذلكَ.
قالَ الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله (204هـ): «القولُ فِي السنَّةِ التي أنَا عليهَا ورأيتُ أصحابَنا عليها، أهلَ الحديثِ الذينَ رأيتهم فأخذتُ عنهم، مثلُ سفيانَ [بن عيينة] ومالكٍ وغيرهما:
الإقرارُ بشهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله.. وأنَّ اللهَ على عرشه في سمائهِ يقربُ منْ خلقهِ كيفَ شاء. وأنَّ الله تعالى ينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا كيفَ شاءَ»[5].
وقالَ الدَّارِمِيُّ رحمه الله (280هـ): «والآثارُ التي جاءتْ عنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي نزولِ الرَّبِّ تبارك وتعالى تدلُّ عَلَى أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ فوقَ السَّماواتِ عَلَى عرشهِ، بائنٌ منْ خلقهِ»[6].
وقالَ الإمامُ الطبريُّ رحمه الله (310هـ): «وأنَّهُ سبحانه وتعالى يهبطُ كلَّ ليلةٍ وينزلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا، لخبرِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»[7].
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْبَاقِي يَهْبِطُ اللهُ عزَّ وجلَّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى سُؤْلَهُ؟ فَلاَ يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»[8].
وعقدَ الإمامُ ابنُ خزيمة رحمه الله (311هـ) بابًا في كتابِ «التوحيدِ» افتتحهُ بقولهِ: بابُ ذكرِ أخبارٍ ثابتةِ السَّندِ، صحيحةِ القوامِ، رواها علماءُ الحجازِ والعراقِ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في نزول الرَّبِّ جلَّ وعلا إلى السَّماءِ الدُّنيا كلَّ ليلةٍ.
نشهدُ شهادةَ مقرٍّ بلسانهِ، مصدِّقٍ بقلبهِ، مستيقنٍ بما في هذهِ الأخبارِ منْ ذكرِ نزولِ الرَّبِّ منْ غيرِ أنْ يصفَ الكيفيَّةَ لأنَّ نبيَّنا المصطفى صلى الله عليه وسلم لمْ يصفْ لنا كيفيَّةَ نزولِ خالقنَا إلى السَّماءِ الدنيا وأعلمنا أنَّهُ ينزلُ، والله جلَّ وعلا لمْ يتركْ ولا نبيَّهُ عليه السلام بيانَ ما بالمسلمينَ إليهِ الحاجة منْ أمرِ دينهم، فنحنُ قائلونَ مصدِّقونَ بما في هذهِ الأخبارِ منْ ذكرِ النزولِ غيرُ متكلِّفينَ القولَ بصفتهِ أو بصفةِ الكيفيَّةِ، إذِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لمْ يصفْ لنا كيفيَّةَ النزولِ.
وفي هذهِ الأخبارِ ما بانَ وثبتَ وصحَّ أنَّ الله جلَّ وعلا فوقَ سماء الدُّنيا - الذي أخبرنا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أنَّهُ ينزلُ إليها - إذْ محالٌ في لغةِ العربِ أنْ يقولَ: ينزلُ منْ أسفلَ إلى أعلى، ومفهومُ الخطابِ أنَّ النزولَ منْ أعلى إلى أسفلَ[9].
وقالَ أبو العبَّاس السرَّاج رحمه الله (313هـ): «منْ لم يُقِرَّ ويؤمنْ بأنَّ اللهَ تعالى يعجَبُ، ويضحَكُ، وينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، فيقولُ: «منْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيه؟» فهو زنديـقٌ كافرٌ، يستتابُ، فإنْ تابَ وإلَّا ضُرِبَتْ عنقهُ، ولا يُصَلَّى عليهِ ولا يُدْفنُ في مقابرِ المسْلمينَ»[10].
قالَ الذهبيُّ معقِّبًا عَلَى هَذَا الأثرِ: «قلتُ: إنَّما يكفرُ بعدَ علمهِ بأنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم قالَ ذلكَ، ثمَّ إنَّهُ جحدَ ذلكَ ولمْ يؤمنْ بهِ»[11].
وقالَ أبو بكرٍ بن أبي داودَ محدِّثُ بغدادَ (316هـ):
تَمَسَّكْ بِحَبْلِ الله واتّبع الهُدى وَلاَ تَكُ بِدْعيًّا لَعَلَّكَ تُفْلِـحُ
وَدِنْ بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَنِ الّتِي أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُووَتَرْبَحُ
وَقُلْ: يَنْزِلُ الْجَبَّارُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِلا كَيْفَ، جَلَّ الْوَاحِدُ الْمُتَمَدَّحُ
إِلَى طَبَقِ الْدُّنْيَا يمُنُّ بِفَضْلِهِ فَتُفْرَجُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُفْتَحُ
يَقُولُ: أَلا مُسْتَغْفرٌ يَلْقَ غَافِرًا وَمُسْتَمْنِحُ خَيْرًَا وَرِزْقًَا فَيُمْنَحُ
رَوَى ذَاكَ قَـوْمٌ لاَ يُرَدُّ حَديثُهُم ألاَ خَابَ قـَوْمٌ كَذَّبُوهُم وَقُبِّحـُوا[12]
وقالَ أبو الحسن الأشعريُّ (324هـ): «ونصدِّقُ بجميعِ الرواياتِ التي يثبتهَا أهلُ النَّقلِ مِنَ النزولِ إلى السَّماءِ الدُّنيا، وأنَّ الرَّبَّ عزَّ وجلَّ يقولُ: هلْ منْ سائلٍ؟ هلْ منْ مستغفرٍ؟ وسائر ما نقلوهُ وأثبتوهُ خلافًا لما قالهُ أهلُ الزَّيغِ والتَّضليلِ.
ونعوِّلُ فيمَا اختلفنَا فيهِ على كتابِ ربِّنا وسنِّةِ نبيِّنا وإجماعِ المسلمينَ ومَا كانَ في معناه.
ولا نبتدعُ في دينِ الله ما لمْ يأذنْ بهِ لنا، ولا نقولُ على الله ما لا نعلم»[13].
وقالَ رحمه الله: «وممَّا يؤكِّدُ أنَّ الله عزَّ وجلَّ مستوٍ على عرشهِ دونَ الأشياءِ كلِّها ما نقلهُ أهلُ الروايةِ عنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وذكرَ حديثَ النزولِ بالسندِ عنْ ثلاثةٍ منَ الصحابةِ وهم: جبيرُ بنُ مطعمٍ وأبو هريرة ورفاعةُ الجهنيُّ رضي الله عنهم»[14].
وقالَ الإمامُ المشهورُ ابنُ أبي زمنين رحمه الله (399هـ) تعليقًا علَى حديثِ النزولِ: «هذا الحديثُ بيِّنٌ أنَّ الله عزَّ وجلَّ على عرشهِ في السَّماءِ دونَ الأرضِ، وهو أيضًا بيِّنٌ في كتابِ الله، وفي غيرِ ما حديثٍ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. ثمَّ ذكرَ آياتٍ دالَّةً على علوِّ الله تعالى»[15].
وقالَ الإمامُ أبو عمرو الداني رحمه الله (444هـ): «ومنْ قولهم: إنَّ الله جلّ جلاله وتقدَّست أسماؤهُ: ينزلُ في كلِّ ليلةٍ إلى السَّماء الدنيا في الثلثِ الباقي مِنَ الليلِ، فيقولُ: «هَلْ مِنْ دَاعٍ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وهلْ منْ سَائِلٍ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، وهلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» حتَّى ينفجرَ الصُّبْحُ، على ما صحَّتْ بهِ الأخبارُ، وتواترتْ بهِ الآثارُ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم. نزولهُ تبارك وتعالى كيفَ شاءَ، بلا حَدٍّ، ولا تكييفٍ.
وهذا دينُ الأُمَّةِ، وقولُ أهلِ السُّنَّةِ في هذه الصِّفاتِ أنْ تُمَرَّ كما جاءتْ بغيرِ تكييفٍ، ولا تحديدٍ، فمنْ تجاوزَ المَرْوِيَّ فيها وكَيَّفَ شيئًا منها ومَثَّلَها بشيءٍ منْ جوارحِنا وآلَتِنا فقدْ ضلَّ واعْتَدَى، وابتدعَ في الدينِ ما ليسَ منهُ، وخَرَقَ إجماعَ المسلمينَ، وفارقَ أئمَّةَ الدِّينِ»[16].
وقالَ رحمه الله:
فمِنْ صَحِيح ما أَتَى به الأثر وَشَاعَ فِي النَّاسِ قَدِيمًَا وانْتَشَرْ
نُزُولُ رَبِّنَا بلا امْتِراء فِي كلِّ ليلةٍ إِلى السّماءِ
مِـنْ غَـيرِ مَا حَدٍّ وَلاَ تَكْيِـيفِ سُـبْحَانَـهُ مِنْ قَادرٍ لَطـيف[17].
وقالَ ابنُ عبد البرِّ رحمه الله (463هـ) تعليقًا على حديثِ النزولِ: «هَذَا حديثٌ ثابتٌ منْ جهةِ النَّقلِ، صحيحُ الإسنادِ، لا يختلفُ أهلُ الحديثِ في صحَّتهِ، وفيهِ[18] دليلٌ على أنَّ الله عزَّ وجلَّ في السَّماءِ على العرشِ منْ فوقِ سبعِ سماواتٍ، وعلمهُ في كلِّ مكانٍ كمَا قالتِ الجماعةُ أهلُ السنَّةِ أهلُ الفقهِ والأثرِ[19]، ثمَّ ذكرَ آياتٍ دالَّةً على علوِّ الله تعالى[20].
قال: وأمَّا قولهُ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ: «يَنْزِلُ رَبُّنا»، فالذي عليهِ أهلُ العلمِ منْ أهلِ السنَّةِ والحقِّ الإيمانُ بمثلِ هذا وشِبْهِهِ مِنَ القرآنِ والسُّننِ دونَ كيفيَّةٍ فيقولونَ: ينزلُ ولا يقولونَ كيفَ النزولُ ولا يقولونَ كيفَ الاستواءُ ولا كيفَ المجيءُ في قولهِ عزَّ وجلَّ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا *} [الفجر: 22]، ولا كيفَ التجلِّي في قولهِ: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143] »[21].
وقالَ الإمامُ أبو إسماعيل الصابوني رحمه الله (449هـ) «ويثبتُ أصحابُ الحديثِ نزولَ الرَّبِّ سبحانه وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدنيا، منْ غيرِ تشبيهٍ لهُ بنزولِ المخلوقينَ، ولا تمثيلٍ ولا تكييفٍ، بلْ يثبتونَ ما أثبتهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وينتهونَ فيهِ إليهِ، ويُمِرُّونَ الخبرَ الصحيحَ الواردَ بذكرهِ على ظاهرهِ»[22] - إلى أنْ قالَ:
«فلمَّا صحَّ خبرُ النزولِ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، أقرَّ بهِ أهلُ السنَّةِ، وقبلوا الخبرَ، وأثبتوا النزولَ على مَا قالهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولمْ يعتقدوا تشبيهًا لهُ بنزولِ خلقهِ، ولمْ يبحثوا عنْ كيفيَّتهِ إذْ لا سبيلَ إليها بحالٍ، وعلموا وتحقَّقوا واعتقدوا أنَّ صفاتِ الله سبحانه وتعالى لا تشبهُ صفاتِ الخلقِ كما أنَّ ذاتَهُ لا تشبهُ ذواتَ الخلقِ، تعالى الله عمَّا يقولُ المشبِّهةُ والمعطِّلةُ علوًّا كبيرًا، ولعنهم لعنًا كثيرًا»[23].
وقالَ الإمامُ الإسماعيليُّ رحمه الله (469هـ): «وأنَّه عزَّ وجلَّ ينزلُ إلى السَّماء الدنيا على ما صحَّ بهِ الخبرُ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بلا اعتقادِ كيفيَّةٍ»[24].
وقالَ أبو الخطَّاب الكلْواذَاني رحمه الله (510هـ) في عقيدتهِ:
قالوا: النزولُ؟ فقلتُ: ناقلُه لنا قومٌ تَمَسُّكُهُمْ بشرعِ محمَّدٍ
قالوا: فكيفَ نزولٌ؟ فأَجَبْتُهُـم لم يُنْقَلِ التكييفُ لي فِي مُسْنَـدٍ[25]
وقَالَ الشيخ عبدُ الله بن محمد الأندلسي القحطاني المالكي رحمه الله:
وَاللهُ يَنْزِلُ كُلَّ آخِرَ لَيْلَةٍ لِسَمَائِهِ الدُنْيَا بِلا كِتْمَانِ
فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُجِيبهُ فَأَنَا القَرِيبُ أُجِيبُ مَنْ نَادَانِي
حَاشَا الإِلَهَ بِأَنْ تُكَيَّفَ ذَاتُهُ فَالْكَيفُ وَالتَّمْثِيلُ مُنْتَفِيَانِ
وَالأَصْـلُ أَنَّ اللهَ لَيـْسَ كَمِثْلـِهِ شَيءٌ تَعَالَى الرَّبُّ ذُو الإِحْسَانِ[26]
وقال أبو الطيِّبُ: حضرتُ عندَ أبي جعفرٍ الترمذيِّ (295هـ) فسألهُ سائلٌ عنْ حديثِ نزولِ الرَّبِّ، فالنزولُ كيفَ هو يبقى فوقُه علوٌّ؟ فقالَ: «النزولُ معقولٌ، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسؤالُ عنهُ بدعةٌ»[27].
قالَ الإمامُ الذهبيُّ معقِّبًا: «صدقَ فقيهُ بغدادَ وعالمها في زمانهِ، إذِ السُّؤالُ عَنِ النزولِ ما هوَ؟ عِيٌّ، لأنَّهُ إنَّمَا يكونُ السؤالُ عنْ كلمةٍ غريبةٍ في اللُّغةِ، وإلَّا فالنزولُ والكلامُ والسمعُ والبصرُ والعلمُ والاستواءُ عباراتٌ جليةٌ واضحةٌ للسَّامعِ، فإذا اتَّصفَ بها منْ ليسَ كمثلهِ شيءٌ، فالصِّفةُ تابعةٌ للموصوفِ، وكيفيَّةُ ذلكَ مجهولةٌ عندَ البشرِ»[28].
وقالَ ابنُ القيِّم رحمه الله:
وَكَذَا نُزُولِ الرَّبِّ جلَّ جلاله فِي النِّصْفِ مِن لَيْل وَذَاكَ الثَّاني
فَيَقُولُ لَسْتُ بِسَائِلٍ غَيْرِي بِأحْـ ـوَالِ العِبَادِ أنَا العَظِيمُ الشَّانِ
من ذاكَ يَسْألُنِي فَيُعْطى سُؤْلَهُ مَنْ ذَا يَتُوبُ إلَيَّ مِنْ عِصْيَانِ
من ذاكَ يَسْألُنِي فَأغْفِر ذَنْبَهُ فَأَنَا الوَدُودُ الوَاسِعُ الغُفْرَانِ
مَنْ ذَا يُريدُ شِفَاءَهُ مِنْ سُقْمِهِ فَأَنَا القَرِيبُ مُجِيبُ مَنْ نَادَانِ
ذَا شَأنُهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ حَتَّى يَكُونَ الفَجْرُ فَجْرًا ثَانِ
يَا قَومُ لَيْسَ نُزُولُهُ وَعُلوُّهُ حَقًّا لَدَيْكُمْ بَلْ هُمَا عَدَمَانِ
وَكَذَاكَ يَقُولُ لَيْسَ شَيْئًا عِنْدَكُمْ لاَ ذَا وَلاَ قَوْلًا سِوَاهُ ثانِ
كـلٌّ مَـجَازٌ لاَ حَـقِيقَةَ تَـحْتَهُ أوِّلْ وَزِدْ وَانْقُـصْ بِلاَ بُرْهَانِ[29]
.................................................. ....................
[1] إعلام الموقعين (2/301).
[2] رواه البخاري (1145 و 6321 و 7494)، ومسلم (758) وهو حديث متواتر.
[3] زاد المعاد (3/677).
[4] مختصر الصواعق (2/237).
[5] الوصية (ص54)، تحقيق: الشيخ سعد الدين الكبي حفظه الله تعالى - طبعة المكتب الإسلامي.
[6] الرد على الجهمية (ص73) [طبعة دار ابن الأثير - الكويت، الطبعة الثانية].
[7] التبصير في معالم الدين (ص136).
[8] رواه ابن خزيمة (89)، وأحمد (1/388 و403 و446)، والآجُرِّيُّ (312) بسند صحيح.
[9] التوحيد (ص125 - 126).
[10] العلوّ (ص534).
[11] العلوّ (ص214). وانظر: «سير أعلام النبلاء» (14/396).
[12] السير (13/233 - 234).
[13] الإبانة (ص29 - 30) [طبعة دار الأنصار - القاهرة، الطبعة الأولى].
[14] الإبانة (ص110 - 112).
[15] أصول السنة (ص113 - 114)، طبعة مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية - الطبعة الأولى.
[16] الرسالة الوافية (ص134 - 138).
[17] الأرجوزة المنبِّهة (ص194)، للحافظ: أبي عمرو الداني رحمه الله.
[18] التمهيد (7/128).
[19] الاستذكار (8/148).
[20] التمهيد (7/129).
[21] الاستذكار (8/151 - 152).
[22] عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص32).
[23] عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص46).
[24] اعتقاد أئمة أهل الحديث (ص62).
[25] إتمام المنَّة بشرح اعتقاد أهل السنَّة (ص71)، دار السنة - الخبر - الطبعة الأولى.
[26] نونية القحطاني (ص96 - 97)، دار الهجرة - القاهرة - الطبعة الأولى.
[27] رواه الذهبي في «العلو» (ص1229)، وصححه الألباني رحمه الله في «مختصر العلو» (ص231).
[28] العلو (ص1229).
[29] الكافية الشافية (ص110).
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة










