تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: من روائع الرافعي ...
30-06-2008, 05:32 PM
يقول الاديب الكبير محمد صادق الرافعي كما في "اوراق الورد"

وهم الجمال ...... !!

" وبعد أن تكافأت مقادير نفسه واعتدلت من اضطرابها وأشرف على السلوان ، كتب هذه الرسالة ":

هذه رسالة احسبها برئت في معناها من السلوة والحب جميعا ، وخرجت بموضعها عن الرضا والغيظ معا ، ولم تجئ من برد على الكبد ولا من في الصدر ، فلا يخيل إلي فيها أني أنسكب في نعبيري كما كان يعتصرني هذا القلم في غيرها حنينا وغراما، أو سخطا وموجدة .

أكتبها وقد تكافأ جانبا الحب في نفسي هونا هونا ، واعتدلت مقاديرها شيئا شيئا ، فلا أعتد بسبب تصغر به الحقيقة الكبيرة ، أو تكبر الصغيرة ، أو يجاوز بعنى حده ، أو يقصر بمعنى آخر عن حقه ولا أحجر فيها على كلام صحيح أن يتصرف بقدر بقدر أدلته وبراهينه لما أخشى من سوء موقعه في الحب ، ولا أطلق فيها لكلام مزور أن يتزايد في مغالطته وكذبه لما أرجو من حسن أثره عند الحبيب .

وأكتبها وقد أصبحت أرى وجهها الذي تحمله كالصورة يحملها الحائط ، وعدت أراها هي وأمثالها من الحبيبات كفقاقيع الرغوة في ألوانها وجمالها واتفاخها ..... وفراغها، وصرت أعتقد ان الهول الهائل من النساء الجميلات إن هو إلا كذلك الرعب المخيف من جبال الثلج في القطب لا يمسك الجبل الشامخ بما حوله إلا خيوط واهنة من غزل الماء لو قطعتها نسمة لانهار وانكفأ.

وأكتبها وقد خرجت إلى دنيا الناس وكنت في الحب وإياها كالمنقطع في صحراء ضل فيها ضلال القفر ، واختب مكن خبال الوحشة ، فهو يرى اجتماع اثنين في ذلك التيه وقيامهما معا كأنه تكوين دولة من الدول العظمى ..

************

إن البلاغة التي كتبت بها رسائلي من قبل وما احتلت لها به وما صورت من فنونها ، هي بعينها التي تنتهي في هذه الرسالة إلى أن جمال المرأة الجميلة ليس في ذات نفسه إلا أسلوبا من الخداع ، كالذي يكون في تزويق الكلام وتمويه الحقيقة ببلاغة التركيب ، غير أنه أسلوب حي من لحم ودم ...ثم تزيد المرأة بفنونها تزويرا وتعمية لأن جمالها في صورة أخرى من صوره الكثيرة هو نفسه الرق والاستعباد محببا في خلقة جميلة ليطلب ويعشق . استعباد حي متى بدأ استمر يقوى ولا يضعف . وينمو ولا ينقص ومن هذا كان قيد الجمال لا ينفك أبدا إذا غل به أسيره من العاشق ، بل يكسر كسرا ، ويصبح فيه أمر العاشق من حبيبه كالاستقلال من الأمم المستعبدة : لا يعطي بل يأخذ ، ولا بد فيه من الجرأة والمصابرة والاقتحام وسلاح من الأسلحة أيها كان ، إما حاطما أو مفزعا أو متهددا أو محتالا أو سلاح الرضا أو سلاح الثمن . . . وما غليها لابد من سطوة ينقلب بها الأسير المستعبد إلا أن يكون ملكا بوجه من وجوه التملك في تلك المنطقة الإنسانية السحرية المسماة في لغات الناس بالحبيب . . .

******************

وفكر المحب كالسائل الذي يغلي ، فما دامت ناره من تحته فهو كله لا مقر له بين أعلاه واسفله / وما دام يهدر على فورته فكله في الأعلى وكله في الأسفل وكله بين ذلك ولا قرار له على وضع إلا أن ينكسر وينفثئ .

وكل شيء جميل في الطبيعة تراه يتخذ من هذا الأصل شبها عند متأمله والناظر فيه ، حتى لكأن الجمال يقول للإنسان : إذا أردت أن تسر أيها الإنسان وتبتهج بي فلا تفهمني في نفسي أنا بل في نفسك أنت ولا تأخذني على ما أنا للوجود والطبيعة بل على ما أكون لك ولأغراضك ولا تدعني لذاتي بل غيرني في وهمك وخواطرك ، فإنك إن غيرتني فقد خلقتني وإن خلقتني فقد جعلتني لك .

******************

وعلى ذلك فجمال المرأة المعشوقة إن هو إلا خرافة رجل من الناس وبكونها خرافة عادت لا حقيقة لجمالها وكأن الحب إن هو إلا زيادة شعاع في العين تنظر النفس به نظرا نظرا نافذا إلى موضع لذتها أو فكرها أو هواها ، فإذا خطف هذا الشعاع على من يضيء في وجهه بالحب ، نقل إليه النفس ببقيتها ووهمها جميعا فاختلط على تلك الصورة فهما هناك شيء واحد : الوهم هو اليقين واليقين هو الوهم ، فكل شيء من ذلك الجمال هو عقيدة ثابتة لا موضع فيها لجدل ولا مساغ لنقض ولا محل لرد ، وحينئذ لا يكون أكبر عمل المحبوب في سياسته وتدبيره إلا أن يلم أو يوفق بين عقله هو وبين جنون عاشقه ، وأن يحاول الملاءمة بين حياة الخيال الشارد في إرادة هذا الجنون وبين حياة الواقع الراهن فيه هو ، وبذلك فلن ترى حبيبا إلا هو من محبه بمنزلة الطبيب من مريضه يطب له أو يزيد في علته ، أو يهلكه . . .هذا حين ينبعث ذلك الشعاع فأما حين يخمد فمنذا الذي تراه مطيقا أن يصعد السماء إلى النجم الذي انطفأ ليضيئه كما كان يضيء ؟


************

والطفل يرى في أمه البداية والنهاية جميعا ، لأن طفولته ستار بينه وبين ما وراءها وكذلك العاشق يرى في حبيبته بداية ونهاية معا ، لأن حبه ستار بينه وبين ما عداه ويحصره بين أول وآخر في امرأة واحدة ، أفلا يكفي هذا دليلا على بلاهة العاشق وغرارته وأن الحب كالانتكاس إلى الطفولة في جهة واحدة من جهات النفس ؟
وترى الصغير إذا فارقته أمه نظر حوله ليستشف ما انفصل من آثارها المحبوبة على كل الأشياء التي يفيها حنين نفسه وكذلك يفعل المحب في كل ما مسته حبيبته ، حتى كل شيء عليه لمحة منها . . . حتى ليرى بعض الأشياء يكاد يبتسم له . . . وبعضها يكاد يرنو إليه وبعضها يكاد يتدلل ويصــــد .

**********************

خلقت المرأة لتلد الإنسان ، وهي تلد هذه الحقيقة في الإنسانية ولكن وجهها يلد في الإنسانية الضلالة .

****************

قال الشيطان : أنا لون هذه المرأة الجميلة حين أكون منافقا . . . ولون هذه المرأة القبيحة إذ أكون صريحا . .

قلنا : فلعله لذلك لا تتجمل إلا الجميلة ليتم بها نفاق الشيطان . .

*************************

والسلام عليـــــــــــــــــــــــــها
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية Hambraoui
Hambraoui
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-07-2008
  • الدولة : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين
  • المشاركات : 463
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • Hambraoui is on a distinguished road
الصورة الرمزية Hambraoui
Hambraoui
عضو فعال
رد: من روائع الرافعي ...
05-07-2008, 01:33 PM
وانا بدوري سأقدم لكم نبذة عن حياة هذا العملاق وأرجو أن تنال إعجابكم


ماذا أضفت للحياة؟
(أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة، لا أعمارنا ولا حظوظنا) الرافعي




سمو المعاني ودقة الألفاظ بالإضافة إلى سمات إسلامية بارزة ستقودك إلى أدب "الرافعي" وكتاباته، يبدو أنه كان محقًا عندما قال: (سيأتي يوم إذا ذُكر فيه "الرافعي" قال الناس: هو الحكمة العالية مصوغة في أجمل قالب من البيان).



مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن عبد القادر الرافعي وينتهي نسبه إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وفد جده الشيخ عبد القادر من الشام إلى مصر في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وعلى يده تخرج كبار علماء مصر. أبصرت عيناه النور في قرية بهتيم (محافظة القليوبية – مصر) في أوائل المحرم من عام 1291 من الهجرة، الموافق يناير 1880 ميلادي.



عمل والده عبد الرازق رئيساً للمحاكم الإسلامية الشرعية في كثير من الأقاليم، حتى عمل رئيساً لمحكمة طنطا الشرعية. عرف عنه الشدة في الحق، والورع الصادق، والعلم الغزير. أمه هي ابنة الشيخ الطوخي من أصول حلبية، وكان والدها تاجراً تسير قوافله ما بين الشام ومصر، وأقام في قرية بهتيم. عج منزل والده بالعلماء من كل حدب وصوب، وزخرت مكتبة والده بنفائس الكتب، وأتم حفظ القرآن قبل بلوغه العاشرة من عمره. انتسب إلى مدرسة دمنهور الابتدائية، ثم انتقل إلى مدرسة المنصورة الأميرية، التي حصل منها على الشهادة الابتدائية وعمره آنذاك سبع عشرة سنة.



أصابه مرض لم يتركه حتى أضعف سمعه وفي سن الثلاثين أضحى أصماً تماماً. اضطره المرض إلى ترك التعليم الرسمي، واستعاض عنه بمكتبة أبيه الزاخرة، إذ عكف عليها حتى استوعبها وأحاط بما فيها. عمل في عام 1899 ككاتب محكمة في محكمة طخا، ثم انتقل إلى محكمة طنطا الشرعية، ثم إلى المحكمة الأهلية، وبقي فيها حتى لقي وجه ربه الكريم.



في يوم الاثنين العاشر من مايو لعام 1937 استيقظ فيلسوف القرآن لصلاة الفجر، ثم جلس يتلو القرآن، فشعر بحرقة في معدته، تناول لها دواء، ثم عاد إلى مصلاه، ومضت ساعة، ثم نهض وسار، فلما كان بالبهو سقط على الأرض، ولما هب له أهل الدار، وجدوه قد فاضت روحه الطيبة إلى بارئها، وحمل جثمانه ودفن بعد صلاة الظهر إلى جوار أبويه في مقبرة العائلة في طنطا. مات مصطفى صادق الرافعي عن عمر يناهز 57 عاماً.



نظم الرافعي الشعر في بدايات شبابه، قبل بلوغه العشرين من عمره، وأصدر ديوانه الأول في عام 1903 الذي كان له صدى عظيماً بين كبار شعراء مصر، إذ كتب فيه البارودي والكاظمي وحافظ ابراهيم شعراً، كما أرسل له الشيخ محمد عبده وزعيم مصر مصطفى كامل له مهنئين.



تزوج الرافعي في عام 1904 من ابنة عائلة البرقوقي من مدينة المنصورة.



انقطع لتأليف كتاب تاريخ آداب العرب من منتصف عام 1909 إلى نهاية عام 1910 ليدخل به مسابقة الجامعة المصرية في تاريخ الأدب العربي، ثم طبعه على حسابه الخاص في عام 1911، وفي عام 1912 أصدر جزءه الثاني وعنونه إعجاز القرآن والبلاغة النبوية.



إصداره للجزء الثاني جعل الناس يعرفون ويتذوقون قدرة الرافعي على البلاغة وفنونها، وكتب له زعيم الأمة سعد زغلول مهنئاً إياه، ومعترفاً له بعلمه الغزير وأسلوبه.



رحل في عام 1912 إلى لبنان، حيث ألف كتابه حديث القمر، وصف فيه مشاعر الشباب وعواطفهم وخواطر العشاق في أسلوب رمزي على ضرب من النثر الشعري البارع.



بعد وقوع الحرب العالمية الأولى، ونزوع المستعمر إلى تحويل كل خيرات البلاد لهذه الحرب، ما ترك أهلها ضحايا للجوع والفقر، ما جعل أرقام هؤلاء تزيد عن ضحايا الحرب ذاتها. نظر الرافعي حوله فرأى بؤساً متعدد الألوان، مختلف الصور والأشكال، فانعكس ذلك كله في كتابه كتاب المساكين. في عام 1924 أخرج كتاب رسائل الأحزان، عن خواطر في الحب، ثم أتبعه بكتاب السحاب الأحمر والذي تحدث فيه عن فلسفة البغض وطيش الحب. تلى ذلك كتابه أوراق الورد. وعند الغاء المحاكم الشرعية في مصر في عهد الإشتراكيين اصدرة كتابة ثورة يوليو.



((أخي الكريم ثورة يوليو كانت سنة 1952 و الرافعي توفي سنة 1937 كما ورد في مقالك. فإما تاريخ وفاته في مقالك غير صحيح و إما أن هذه الملاحظه أنه لحق بعهد الإشتراكين غير صحيحه أو غير دقيقه.))



وجد الرافعي دعوة التجديد قناعاً للنيل من اللغة العربية مصورة في أرفع أساليبها (الشعر الجاهلي) وباباً يقصد منه الطعن في القرآن الكريم والتشكيك في إعجازه، ومدخلاً يلتمس فيه الزراية بالأمة منذ كان للعرب شعراً وبياناً. لذا ما أنفتأ يقاوم هذه الدعوة، جهاداً تحت راية القران، فجمع في كتابه تحت راية القرآن كل ما كتب عن المعارك التي دارت بين القديم وكل ما هو جديد، ما جعله أفضل الكتب العربية في النقد ومكافحة الرأي بالرأي، ما جعله أعلى كتبه مكانة بعد رائعته وحي القلم.



في عام 1934 بدأ الرافعي يكتب كل أسبوع مقالة أو قصة، ليتم نشرها أسبوعياً في مجلة الرسالة، والتي أجمع الأدباء والنقاد على أن ما نشرته الرسالة لهو أبدع ما كتب في الأدب العربي الحديث والقديم، جمع أكثرها في كتاب وحي القلم. == من وحي القلم ==الذي تكلم فيه في البداية عن حياته



ولد مصطفى صادق الرافعي على ضفاف النيل في قرية بهتيم من قرى مدينة القليوبية بمصر في يناير عام 1880م. لأبوين سوريَّين؛ حيث يتصل نسب أسرة والده بعمر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في نسب طويل من أهل الفضل والكرامة والفقه في الدين. وقد وفد من آل الرافعي إلى مصر طائفة كبيرة اشتغلوا في القضاء على مذهب الإمام الأكبر أبي حنيفة النعمان حتى آل الأمر أن اجتمع منهم في وقت واحدٍ أربعون قاضياً في مختلف المحاكم المصرية؛ وأوشكت وظائف القضاء أن تكون حِكراً عليهم، وقد تنبه اللورد كرومر لذلك وأثبتها في بعض تقارير إلى وزارة الخارجية البريطانية.



أما والد الرافعي الشيخ عبد الرزاق سعيد الرافعي فكان رئيساً للمحاكم الشرعية في كثير من الأقاليم المصرية، وقد استقر به المقام رئيساً لمحكمة طنطا الشرعية، وهناك كانت إقامته حتى وفاته، وفيها درج مصطفى صادق وإخوته لا يعرفون غيرها، ولا يبغون عنها حولاً.



أما والدته فهي من أسرة الطوخي وتُدعى " أسماء " وأصلها من حلب، سكن أبوها الشيخ الطوخي في مصر قبل أن يتصل نسبهم بآل الرافعي. وهي أسرة اشتهر أفرادها بالاشتغال بالتجارة وضروبها.



ثقافته وأدبه



لهذه الأسرة المورقة الفروع ينتمي مصطفى صادق وفي فنائها درج، وعلى الثقافة السائدة لأسرة أهل العلم نشأ؛ فاستمع من أبيه أول ما استمع إلى تعاليم الدين، وجمع القرآن حفظاً وهو دون العاشرة، فلم يدخل المدرسة إلا بعدما جاوز العاشرة بسنة أو اثنتين، وفي السنة التي نال فيها الرافعي الشهادة الابتدائية وسنه يومئذٍ 17 عاماً أصابه مرض التيفوئيد فما نجا منه إلا وقد ترك في أعصابه أثراً ووقراً في أذنيه لم يزل يعاني منه حتى فقد حاسة السمع وهو بعد لم يجاوز الثلاثين.



وكانت بوادر هذه العلة هي التي صرفته عن إتمام تعليمه بعد الابتدائية. فانقطع إلى مدرسته التي أنشأها لنفسه وأعد برامجها بنفسه؛ فكان هو المعلم والتلميذ، فأكبَّ على مكتبة والده الحافلة التي تجمع نوادر كتب الفقه والدين والعربية؛ فاستوعبها وراح يطلب المزيد، وكانت علته سببًا باعد بينه وبين مخالطة الناس، فكانت مكتبته هي دنياه التي يعيشها وناسها ناسه، وجوها جوه وأهلها صحبته وخلانه وسمّاره، وقد ظل على دأبه في القراءة والاطلاع إلى آخر يوم في عمره، يقرأ كل يوم 8 ساعات لا يكل ولا يمل كأنه في التعليم شادٍ لا يرى أنه وصل إلى غاية.





نتاجه الأدبي والفكري



استطاع الرافعي خلال فترة حياته الأدبية التي تربو على خمسٍ وثلاثين سنة إنتاج مجموعة كبيرة ومهمة من الدواوين والكتب أصبحت علامات مميزة في تاريخ الأدب العربي.



دواوينه الشعرية:



كان الرافعي شاعراً مطبوعاً بدأ قرض الشعر وهو في العشرين، وطبع الجزء الأول من ديوانه في عام 1903 وهو بعد لم يتجاوز الثالثة والعشرين، وقد قدّم له بمقدمة بارعة فصّل فيها معنى الشعر وفنونه ومذاهبه وأوليته. وتألق نجم الرافعي الشاعر بعد الجزء الأول واستطاع بغير عناء أن يلفت نظر أدباء عصره، واستمر على دأبه فأصدر الجزأين الثاني والثالث من ديوانه. وبعد فترة أصدر ديوان النظرات، ولقي الرافعي حفاوة بالغة من علماء العربية وأدبائها قلّ نظيرها، حتى كتب إليه الإمام محمد عبده قائلاً: " أسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفاً يمحق الباطل، وأن يقيمك في الأواخر مقام حسان في الأوائل ".



كتبه النثرية:



قلّ اهتمام الرافعي بالشعر عما كان في مبتدئه؛ وذلك لأن القوالب الشعرية تضيق عن شعوره الذي يعبر عن خلجات نفسه وخطرات قلبه ووحي وجدانه ووثبات فكره، فنزع إلى النثر محاولاً إعادة الجملة القرآنية إلى مكانها مما يكتب الكتاب والنشء والأدباء، أيقن أن عليه رسالة يؤديها إلى أدباء جيله، وأن له غاية هو عليها أقدر، فجعل هدفه الذي يسعى إليه أن يكون لهذا الدين حارساً يدفع عنه أسباب الزيغ والفتنة والضلال، وينفخ في هذه اللغة روحاً من روحه، يردّها إلى مكانها ويرد عنها فلا يجترئ عليها مجترئ، ولا ينال منها نائل، ولا يتندر بها ساخر إلا انبرى له يبدد أوهامه ويكشف دخيلته. فكتب مجموعة من الكتب تعبر عن هذه الأغراض عُدت من عيون الأدب في مطلع هذا القرن. وأهمها:



1-تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد: وهو كتاب وقفه –كما يقول- على تبيان غلطات المجددين الذي يريدون بأغراضهم وأهوائهم أن يبتلوا الناس في دينهم وأخلاقهم ولغتهم، وهو في الأصل مجموعة مقالات كان ينشرها في الصحف في أعقاب خلافه مع طه حسين الذي احتل رده على كتاب " في الشعر الجاهلي " معظم صفحات الكتاب.



2-وحي القلم: وهو مجموعة من مقالاته النقدية والإنشائية المستوحاة من الحياة الاجتماعية المعاصرة والقصص والتاريخ الإسلامي المتناثرة في العديد من المجلات المصرية المشهورة في مطلع القرن الماضي مثل: الرسالة، والمؤيد والبلاغ والمقتطف والسياسة وغيرها.



3-تاريخ الأدب العربي: وهو كتاب في ثلاثة أجزاء، الأول: في أبواب الأدب والرواية والرواة والشواهد الشعرية، والثاني: في إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، وأما الثالث: فقد انتقل الرافعي إلى رحمة ربه قبل أن يرى النور؛ فتولى تلميذه محمد سعيد العريان إخراجه؛ غير أنه ناقص عن المنهج الذي خطه الرافعي له في مقدمة الجزء الأول.



4-حديث القمر: هو ثاني كتبه النثرية وقد أنشأه بعد عودته من رحلة إلى لبنان عام 1912؛ عرف فيها شاعرة من شاعرات لبنان ( مي زيادة ) ، وكان بين قلبيهما حديث طويل، فلما عاد من رحلته أراد أن يقول فكان " حديث القمر ".



5-كتاب المساكين: وهو كتاب قدّم له بمقدمة بليغة في معنى الفقر والإحسان والتعاطف الإنساني، وهو فصول شتى ليس له وحدة تربطها سوى أنها صور من الآلام الإنسانية الكثيرة الألوان المتعددة الظلال. وقد أسند الكلام فيه إلى الشيخ علي الذي يصفه الرافعي بأنه: " الجبل الباذخ الأشم في هذه الإنسانية التي يتخبطها الفقر بأذاه "، وقد لقي هذا الكتاب احتفالاً كبيراً من أهل الأدب حتى قال عنه أحمد زكي باشاً: " لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير وهيجو كما للفرنسيين هيجو وجوته كما للألمان جوته ".



6-رسائل الأحزان: من روائع الرافعي الثلاثة؛ التي هي نفحات الحب التي تملكت قلبه وإشراقات روحه، وقد كانت لوعة القطيعة ومرارتها أوحت إليه برسائل الأحزان التي يقول فيها " هي رسائل الأحزان لا لأنها من الحزن جاءت؛ ولكن لأنها إلى الأحزان انتهت؛ ثم لأنها من لسان كان سلماً يترجم عن قلب كان حرباً؛ ثم لأن هذا التاريخ الغزلي كان ينبع كالحياة وكان كالحياة ماضياً إلى قبر ".



7-السحاب الأحمر: وقد جاء بعد رسائل الأحزان، وهو يتمحور حول فلسفة البغض، وطيش القلب، ولؤم المرأة.



8-أوراق الورد رسائله ورسائلها: وهو طائفة من خواطر النفس المنثورة في فلسفة الحب والجمال، أنشأه الرافعي ليصف حالةً من حالاته ويثبت تاريخاً من تاريخه، كانت رسائل يناجي بها محبوبته في خلوته، ويتحدث بها إلى نفسه أو يبعث بها إلى خيالها في غفوة المنى، ويترسل بها إلى طيفها في جلوة الأحلام.



9-على السَّفُّود: وهو كتاب لم يكتب عليه اسم الرافعي وإنما رمز إليه بعبارة إمام من أئمة الأدب العربي؛ وهو عبارة عن مجموعة مقالات في نقد بعض نتاج العقاد الأدبي.



الرافعي ومعاركه الأدبية



كان الرافعي ناقداً أدبياً عنيفاً حديد اللسان والطبع لا يعرف المداراة، ولا يصطنع الأدب في نضال خصومه، وكانت فيه غيرة واعتداد بالنفس، وكان فيه حرص على اللغة كما يقول: " من جهة الحرص على الدين إذ لا يزال منهما شيء قائم كالأساس والبناء لا منفعة بأحدهما إلا بقيامهما معاً ". وكان يهاجم خصومه على طريقة عنترة، يضرب الجبان ضربة ينخلع لها قلب الشجاع، فكانت له خصومات عديدة مع شخصيات عنيدة وأسماء نجوم في الأدب والفكر والثقافة في مطلع القرن، فكانت بينه وبين المنفلوطي خصومة ابتدأها هذا الأخير بسبب رأي الرافعي في شعراء العصر. وكانت له صولات مع الجامعة المصرية حول طريقة تدريس الأدب العربي، وجولات أخرى مع عبد الله عفيفي وزكي مبارك. على أن أكثر معاركه شهرةً وحدة هو ما كان بينه وبين طه حسين، وبينه وبين العقاد، بل لعلها أشهر وأقسى ما في العربية من معارك الأدب.



خصومته مع طه حسين:



كانت هذه الخصومة بسبب كتاب طه حسين " في الشعر الجاهلي " الذي ضمّنه رأيه في أن جُلّ الشعر الجاهلي منحول، وهي مقولة خطيرة تنبه لها الرافعي؛ فحمل عليه حملة شعواء في الصحافة المصرية واستعدى عليه الحكومة والقانون وعلماء الدين، وطلب منهم أن يأخذوا على يده وأن يمنعوه من أن تشيع بدعته بين طلاب الجامعة، وترادفت مقالاته عاصفة مهتاجة تفور بالغيظ والحميّة الدينية والعصبيّة للإسلام والعرب، كأن فيها معنى من معاني الدم، حتى كادت هذه الحملة تذهب بـ " طه " وشيعته؛ إذ وقف معقود اللسان والقلم أمام قوة قلم الرافعي وحجته البالغة، وقد أسرّ " طه " هذا الموقف للرافعي، فما سنحت له سانحة ينال بها من الرافعي إلا استغلها كي يرد له الصاع صاعين. غير أن الرافعي كان يقارعه حجة بحجة ونقداً بنقد حتى توفي رحمه الله.



خصومته مع العقاد:



وكان السبب فيها كتاب الرافعي " إعجاز القرآن والبلاغة القرآنية " إذ كان العقاد يرى رأياً مخالفاً لما يرى الرافعي، وقد نشبت بينهما لذلك خصومة شديدة تجاوزت ميدانها الذي بدأت فيه، ومحورها الذي كانت تدور عليه إلى ميادين أخرى؛ جعلت كلا الأديبين الكبيرين ينسى مكانه، ويغفل أدبه ليلغو في عرض صاحبه، ويأكل لحمه من غير أن يرى ذلك مَعابة عليه، وكان البادئ الرافعي في مقالاته " على السفود " التي جمعها له في كتاب صديقه إسماعيل مظهر، وتوقفت المعركة بينهما فترة وجيزة ما لبثت أن اشتعل أوارها مرة أخرى عندما نشر العقاد ديوانه " وحي الأربعين " فكتب الرافعي نقداً لديوانه، تلقفه العقاد بالسخرية والتهكم والشتم والسباب، ولم تزل بينهما الخصومات الأدبية حتى توفي الرافعي رحمه الله.



وفاته:



توفي الرافعي في مايو سنة 1937 عن عمر يناهز 57 عاماً وكان الرافعي إذ ذاك ما يزال يعمل كاتباً ومحصلاً مالياً في محكمة طنطا، وهو العمل الذي بدأ به حياته العملية عام 1900م.

قالوا وكتبوا عنه:
صدر عن الرافعي عدة كتب ودراسات منها:
"حياة الرافعي" لمحمد سعيد العريان.
و"الجانب الإسلامي في أدب مصطفى صادق الرافعي" لعبد الستار علي السطوحي.
كما كتبت عن فكره وأدبه رسائل جامعية عديدة في جامعات مصر والسعودية وسوريا.
وقد كان للرافعي مقام كبير بين أدباء عصره، وهذه جمل من أقوالهم فيه يقول الشيخ محمد عبده: "أسأل الله أن يجعل اق من لسانك سيفًا يمحق الباطل وأن يقيمك في الأواخر مقام حسان مع الأوائل...".
وقال سعد زغلول عن كتابه "إعجاز القرآن": "بيان كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم".
أما العقاد فقال: "إنه ليتفق لذا الكاتب من أساليب البيان مثله لكاتب من كتاب العربية في صدر أيامها.".
وقال عنه أحمد زكي باشا الملقب بشيخ العروبة: " لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير، وهوجو كما للفرنسيين هوجو، وجوته كما للألمان جوته".
وقد مات الرافعي –رحمه الله- مطمئن البال لمستقبل الإسلام في قلوب الشباب حين طالب طلاب الجامعة -قبل وفاته بقليل –بمكان يخصص للصلاة ويفصل الفتيان عن الفتيات؛ فحياهم بمقالة كتبها في مجلة الرسالة ولم ينس أن يغمز فيها طه حسين.





في الختام أهدي هذا الجهد لكل من إحب أن ينهل من العلوم

والمعرفه فـ أن هذا الرجل لهو دلاله على ان المحروم في الدنيا

ليس من حرم سمعً او بصر بل من حرم العلم والمطالعه

وقد متعه الله بتلك النعمتين


تحيه أجلال لذلك العالم

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية رميته
رميته
رئيس الهيئة الاستشارية
  • تاريخ التسجيل : 28-12-2006
  • الدولة : مدينة ميلة , ولاية ميلة , الجزائر
  • العمر : 70
  • المشاركات : 5,284
  • معدل تقييم المستوى :

    25

  • رميته will become famous soon enough
الصورة الرمزية رميته
رميته
رئيس الهيئة الاستشارية
رد: من روائع الرافعي ...
05-07-2008, 02:13 PM
الرافعي رحمه الله رحمة واسعة , من أعظم الأدباء المسلمين الذين مزجوا بين الأدب والدين بطريقة عجيبة لا يقدر عليها إلا هو .
هو والبشير الإبراهيمي وغيرهما كانوا بحق من عمالقة الأدب الإسلامي .
ووحي القلم من أعظم وأحسن ما قرأتُ من الكتب الدينية والأدبية , وذلك منذ حوالي 25 سنة .
بارك الله في صاحب الموضوع .
شكرا جزيلا لك , ثم شكرا جزيلا لك أخي الكريم .
وفقنا الله وإياك لكل خير , آمين .

اللهم اغفر لأهل منتديات الشروق وارحمهم واجعلهم جميعا من أهل الجنة
التعديل الأخير تم بواسطة رميته ; 05-07-2008 الساعة 02:16 PM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية Hambraoui
Hambraoui
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-07-2008
  • الدولة : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين
  • المشاركات : 463
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • Hambraoui is on a distinguished road
الصورة الرمزية Hambraoui
Hambraoui
عضو فعال
رد: من روائع الرافعي ...
05-07-2008, 03:38 PM
نماذج من أعماله

عَرُوسٌ تُزفُّ إلى قبرِها





كان عمرُها طاقةَ أزهارٍ تُسمى أيامًا.



كان عمرُها طاقةَ أزهارٍ يَنْتَسِق فيه اليومُ بعدَ اليوم، كما تَنْبُتُ الورقةُ الناعمة في الزهرة إلى ورقة ناعمة مِثلِها.



أيام الصِّبا المرحة حتى في أحزانها وهمومها؛ إذ كان مجيئها من الزمن الذي خُصّ بشباب القلب، تبدو الأشياء في مجاري أحكامها كالمسحورة؛ فإن كانت مفرحة جاءت حاملة فَرَحَيْن، وإن كانت محزنة جاءت بنصف الحزن.



تلك الأيام التي تعمل فيها الطبيعة لشباب الجسم بقوى مختلفة: منها الشمس والهواء والحركة، ومنها الفرح والنسيان والأحلام!



وشبت العذراء وأفرغت في قالب الأنوثة الشمسي القمري، واكتسى وجهها ديباجة من الزهر الغض، وأودعتها الطبيعة سرها النسائي الذي يجعل العذراء فن جمالها لأنها فن حياة، وجعلتها تمثالاً للظرف: وما أعجب سحر الطبيعة عندما تجمل العذراء بظرف كظرف الأطفال الذين ستلدهم من بعد! وأسبغت عليها معاني الرقة والحنان وجمال النفس، وما أكرم يدَ الطبيعة عندما تَمْهُر العذراء من هذه الصفات مهرها الإنساني!



وخُطبت العذراء لزوجها، وعُقد له عليها في اليوم الثالث من شهر مارس في الساعة الخامسة بعد الظهر.



وماتت عذراء بعد ثلاث سنين، أُنزلت إلى قبرها في اليوم الثالث من شهر مارس في الساعة الخامسة بعد الظهر!



وكانت السنوات الثلاث عمر قلب يقطعه المرض، ينتظرون به العرس، وينتظر بنفسه الرَّمْس(1).



يا عجائب القدر! أذاك لحن موسيقي لأنين استمر ثلاث سنوات، فجاء آخره موزونًا بأوله في ضبط ودقة؟



أكانت تلك العذراء تحمل سرًّا عظيمًا سيغير الدنيا، فردت الدنيا عليها يوم التهنئة والابتسام والزينة، فإذا هو يوم الولولة والدموع والكفن؟



واهًا لك أيها الزمن! من الذي يفهمك وأنت مدة أقدار؟



واليوم الواحد على الدنيا هو أيام مختلفة بعدد أهل الدنيا جميعًا، وبهذا يعود لكل مخلوق سر يومه، كما أن لكل مخلوق سر روحه، وليس إليه لا هذا ولا هذا.



وفي اليوم الزمني الواحد أربعمائة مليون يوم إنساني على الأرض! ومع ذلك يُحْصِيه عقلُ الإنسان أربعًا وعشرين ساعة؛ يا لَلْغباوة..!



وكل إنسان لا يتعلق من الحياة إلا بالشعاع يُضيء المكان المظلم في قلبه، والشمس بما طلعت عليه لا تستطيع أن تنير القلب الذي لا يُضيئه إلا وجهُ محبوب.



وفي الحياة أشياء مكذوبة تُكَبِّر الدنيا وتُصَغِّر النفسَ، وفي الحياة أشياءُ حقيقية تُعَظِّم بالنفس وتصغر بالدنيا؛ وذَهَبُ الأرض كله فقر مُدْقَع حين تكون المعاملة مع القلب.



أيتها الدنيا؛ هذا تحقيرك الإلهي إذا أكبرك الإنسان!



ويا عجبًا لأهل السوء المُغْتَرِّين بحياة لا بد أن تنتهي! فماذا يرتقبون إلا أن تنتهي؟ حياة عجيبة غامضة؛ وهل أَعْجَبُ وأَغْمَضُ من أن يكون انتهاء الإنسان إلى آخرها هو أول فكرة في حقيقتها؟



فعندما تحين الدقائقُ المعدودة التي لا تَرْقُبُها الساعةُ ولكن يَرْقُبُها صدرُ المُحْتَضَر.. عند ما يكون مُلْك الملوك جميعًا كالتراب لا يَشتري شيئًا ألبتة..



ماذا يكون أيها المجرم بعدما تقترف الجناية، ويقوم عليك الدليل، وترى حولك الجند والقضاة، وتقف أمامك الشريعة والعدل؟



أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة، لا أعمارنا، ولا حظوظنا. ولا قيمة للمال، أو الجاه، أو العافية، أو هي معًا – إذا سُلب صاحبها الأمن والقرار! والآمِن في الدنيا مَن لم تكن وراءَه جريمةٌ لا تزال تجري وراءَه. والسعيدُ في الآخرة من لم تكن له جريمةٌ تطارده وهو في السماوات.



كيف يمكن أن تخدع الآلة صاحبَها وفيها (العَدَّاد) : ما تتحرك من حركة إلا أشعرته فَعَدَّها؟ وكيف يمكن أن يكذب الإنسانُ ربَّه وفيه القلب: ما يعمل من عمل إلا أشعره فعدَّه؟



* * *



ورأيت العروس قبل موتها بأيام



أفرأيتَ أنت الغِنى عندما يُدبر عن إنسان ليتركَ له الحسرة والذكرى الأليمة؟ أرأيت الحقائق الجميلة تذهب عن أهلها فلا تترك لهم إلا الأحلام بها؟ ما أتعبَ الإنسانَ حين تتحول الحياة عن جسمه إلى الإقامة في فكره!



وما هي الهموم والأمراض؟ هي القبر يستبطئ صاحبه أحيانًا؛ فينفض في بعض أيامه شيئًا من ترابه…!



رأيتُ العروس قبل موتها بأيام، فَيَالَلَّهِ من أسرار الموت ورهبته! فرغ جسمها كما فرغت عندها الأشياء من معانيها! وتخلى هذا الجسم عن مكانه للروح تظهر لأهلها وتقف بينهم وقِفة الوداع!



وتحول الزمن إلى فكر المريضة؛ فلم تعد تعيش في نهار وليل، بل في فكر مضيء أو فكر مظلم!



يا إلهي! ما هذا الجسم المتهدم المقبل على الآخرة؛ أهو تمثال بطل تعبيره أم تمثال بدأ تعبيره؟



لقد وثقت أنه الموت، فكان فكرها الإلهي هو الذي يتكلم؛ وكان وجهها كوجه العابد: عليه طيف الصلاة ونورها. والروح الإنسانية متى عبرت لا تعبر إلا بالوجه.



ولها ابتسامة غريبة الجمال؛ إذ هي ابتسامة آلام أيقنت أنها موشكة أن تنتهي! ابتسامة روح لها مثل فرح السجين قد رأى سَجَّانه واقفًا في يده الساعة يرقب الدقيقة والثانية ليقول له: انطلق!



* * *



ودخلتُ أعُودُها فرأت كأنني آتٍ من الدنيا…! وتنسمت مني هواء الحياة. كأنني حديقة لا شخص!



ومَن غير المريض الْمُدْنَف، يعرف أن الدنيا كلمة ليس لها معنى أبدًا إلا العافية؟ مَن غير المريض المُشفي على الموت، يعيش بقلوب الناس الذين حوله لا بقلبه؟



تلك حالة لا تنفع فيها الشمس ولا الهواء ولا الطبيعة الجميلة، ويقوم مقام جميعها للمريض أهلها وأحباؤه!



وكان ذووها من رهبة القدر الداني كأنهم أسرى حرب أُجلسوا تحت جدار يريد أن ينقض! وكانت قلوبهم من فزعها تنبض نبضًا مثل ضربات المعاول.



وباقتراب الحبيب المحتضر من المجهول، يصبح من يحبه في مجهول آخر، فتختلط عليه الحياة بالموت، ويعود في مثل حيرة المجنون حين يمسك بيده الظل المتحرك ليمنعه أن يذهب! وتعروه في ساعة واحدة كآبة عمر كامل، تهيئ له جلال الحس الذي يشهد به جلال الموت!



* * *



وحانت ساعة ما لا يفهم، ساعة كل شيء، وهي ساعة اللاشيء في العقل الإنساني! فالتفتت العروس لأبيها تقول: "لا تحزن يا أبي…" ولأمها تقول: "لا تحزني يا أمي…!"



وتبسمت للدموع كأنما تحاول أن تكلمها هي أيضًا؛ تقول لها: "لا تبكي…!" وأشفقت على أحيائها وهي تموت، فاستجمعت روحها ليبقى وجهها حيًّا من أجلهم بضع دقائق! وقالت: "سأغادركم مبتسمة فعيشوا مبتسمين، سأترك تذكارًا بينكم تذكار عروس!…".



ثم ذكرت الله وذكرتهم به، وقالت: "أشهد أن لا إله إلا الله" وكررتها عشرًا! وتملأت روحها بالكلمة التي فيها نور السماوات والأرض، ونطقت من حقيقة قلبها بالاسم الأعظم الذي يجعل النفس منيرة تتلألأ حتى وهي في أحزانها.



ثم استقبلت خالق الرحمة في الآباء والأمهات! وفي مثل إشارة وداع من مسافر انبعث به القطار، ألقت إليهم تحية من ابتسامتها وأسلمت الروح!



يالَعجائب القدر! مَشينًا في جنازة العروس التي تُزف إلى قبرها طاهرة كالطفلة ولم يبارك لها أحد! فما جاوزنا الدار إلا قليلاً حتى أبصرت على حائط في الطريق إعلانًا قديمًا بالخط الكبير الذي يصيح للأعين؛ إعلانًا قديمًا عن (رواية) هذا هو اسمها: "مبروك…!".



واخترقنا المدينة وأنا أنظر وأتقصى، فلم أرَ هذا الإعلان مرة أخرى! واخترقنا المدينة كلها، فلما انقطع العمران وأشرفنا على المقبرة، إذا آخر حائط عليه الإعلان: "مبروك…!".







أيها المسلمون!







نهضت فلسطينُ تَحُلّ العُقْدةَ التي عُقِدت لها بين السيف والمكر والذَّهَب. عُقْدة سياسية خبيثة، فيها لذلك الشعب الحر قتلٌ وتخريبٌ وفقر. عُقدة الحكم الذي يحكم بثلاثة أساليب: الوعد الكذب، والفناء البطيء ، ومطامع اليهود المتوحشة.

أيها المسلمون، ليست هذه مِحنة فلسطين، ولكنها محنة الإسلام، يريدون ألا يُثْبِتَ شخصيتَه العزيزةَ الحرة.

كل قرش يُدفع الآن لفلسطين، يذهب إلى هناك ليجاهد هو أيضًا.

أولئك إخواننا المجاهدون، ومعنى ذلك أن أخلاقنا هي حُلفاؤهم في هذا الجهاد.

أولئك إخواننا المنكوبون، ومعنى ذلك أنهم في نكبتهم امتحانٌ لضمائرنا نحن المسلمين جميعًا.

أولئك إخواننا المُضطهدون، ومعنى ذلك أن السياسة التي أذلتهم تسألنا نحن: هل عندنا إقرار للذل؟

ماذا تكون نكبة الأخ إلا أن تكون اسمًا آخر لمروءة سائر إخوانه أو مذلتهم؟

أيها المسلمون، كل قرش يُدفع لفلسطين، يذهب إلى هناك ليفرضَ على السياسةِ احترامَ الشعورِ الإسلامي.

ابْتَلَوْهُمْ باليهود يحملون في دمائهم حقيقتين ثابتتين: مِن ذُلّ الماضي وتشريد الحاضر، ويحملون في قلوبهم نِقْمتين طاغيتين: إحداهما من ذَهَبِهم، والأُخرى من رذائلهم.

ويُخبئون في أدمغتهم فكرتين خبيثتين: أن يكون العربُ أقلية، ثم أن يكونوا بعد ذلك خدمَ اليهود.

في أنفسهم الحقد، وفي خيالهم الجنون، وفي عقولهم المكر، وفي أيديهم الذَّهَبُ الذي أصبح لئيمًا؛ لأنه في أيديهم.

أيها المسلمون، كل قرش يُدفع لفلسطين، يذهب إلى هناك ليتكلم كلمة تَردّ إلى هؤلاء العقل.

ابْتَلَوْهُم باليهود يمرون مرور الدنانير بالربا الفاحش في أيدي الفقراء.

كل مائة يهودي ـ على مذهب القوم ـ يجب أن تكون في سنة واحدة مائةً وسبعين.. حساب خبيث يبدأ بشيء من العقل، ولا ينتهي أبدًا وفيه شيءٌ من العقل.

والسياسة وراءَ اليهود، واليهود وراءَ خيالهم الديني، وخيالهم الديني هو طَرْد الحقيقة المسلمة.

أيها المسلمون، كل قرش يُدفع لفلسطين، يذهب إلى هناك ليُثْبِتَ الحقيقةَ التي يُريدون طردها.

يقول اليهود: إنهم شعب مُضطهد في جميع بلاد العالم.

ويَزعمون: أن من حقهم أن يعيشوا أحرارًا في فلسطين، كأنها ليست من جميع بلاد العالم..

وقد صنعوا للإنجليز أسطولاً عظيمًا لا يَسبح في البحار، ولكن في الخزائن..

وأراد الإنجليز أن يطمئنوا في فلسطين إلى شعب لم يتعود قَطّ أن يقول: أنا.

ولكن لماذا كَنَسَتْكُمْ كلُّ أمة من أرضها بمِكنسة أيها اليهود؟

أجهلتم الإسلام؟ الإسلام قوة كتلك التي تُوجد الأنيابَ والمخالبَ في كل أسد.

قوة تُخرج سلاحها بنفسها؛ لأن مخلوقها عزيز لم يوجد ليُؤْكَل، ولم يُخلق ليُذل.

قوة تجعل الصوت نفسه حين يزمجر، كأنه يعلن الأسديةَ العزيزة إلى الجهات الأربع.

قوة وراءها قلب مشتعل كالبركان، تتحول فيه كل قطرة دم إلى شرارة دم. ولئن كانت الحوافر تهيئ مخلوقاتهم ليركبها الراكب، إن المخالب والأنياب تهيئ مخلوقاتها لمعنى آخر.

لو سئلت ما الإسلام في معناه الاجتماعي؟ لسألتكَ كم عددُ المسلمين؟

فإن قيل: ثلاثمائة مليون ( هذا أيام الرافعي). قلت: فالإسلام هو الفكرة التي يجب أن يكون لها ثلاثمائة مليون قوة.

أيجوع إخوانكم أيها المسلمون وتشبعون؟ إن هذا الشبع ذنب يُعاقِب اللهُ عليه.

والغِنَى اليومَ في الأغنياء الممسكين عن إخوانهم، هو وصفُ الأغنياء باللؤم لا بالغنى.

كل ما يَبذله المسلمون لفلسطين، يدل دلالات كثيرة، أقلها سياسة المقاومة.

كان أسلافكم أيها المسلمون، يفتحون الممالك، فافتحوا انتم أيديكم..

كانوا يَرمون بأنفسهم في سبيل الله غير مكترثين، فارموا أنتم في سبيل الحق بالدنانير والدراهم.

لماذا كانت القبلة في الإسلام إلا لتعتادَ الوجوهُ كلها أن تتحول إلى الجهة الواحدة؟

لماذا ارتفعت المآذن إلا ليعتادَ المسلمون رَفْعَ الصوتِ في الحق؟

أيها المسلمون، كونوا هناك. كونوا هناك مع إخوانكم بمعنًى من المعاني.

لو صام العالم الإسلامي كله يومًا واحدًا وبذل نفقات هذا اليوم الواحد لفلسطين،لأغناهم.

لو صام المسلمون كلُّهم يومًا واحدًا لإعانة فلسطين، لقالَ اليهودُ اليومَ ما قاله آباؤهم من قبل: "إن فيها قومًا جبارين…"

أيها المسلمون، هذا مَوْطِنٌ يزيد فيه معنى المال المبذول فيكون شيئًا سماويًّا.

كل قرش يبذله المسلمُ لفلسطين، يتكلم يومَ الحساب يقول: يا رب، أنا إيمانُ فلان!





ربنا إياك ندعو





ربّنا إياكَ ندعـو ربّـنا آتنـا النصرَ الذي وعدتنـا



إننا نبغي رضاك إنـنـا ما ارتضينا غير ما ترضى لنا



أنفساً طاهرةً طهرَ الحرمْ تملأ التاريخَ مجـداً وكـرمْ



وافيات بالعهود والذممْ راقـيات للمعالي والهـممْ



العلا إن العلا واجبات المسلمِ



خيرُ عالمٍ خلا كان فينا ينتمي



للعلا فإنـنا أمـة التـقدمِ



للعلا وها أنا بحـياتي و دمي



يا شبابَ العـالم المحـمدي ينقص الكونَ شبابٌ مـهتدي



فأروه دينـكم ليـقتـدي دينَ عقـلٍ وضـمـير ويـدِ



يا شباب العـزمات المبرمـةْ عرفوا الكـون العلا و المكرمةْ



عرفوا الكون الهدى و المرحمةْ عرفوا الكـون النفوس المسلمةْ



إننا الطـهر الأماجـيد الألى نزلت فينا السـما مذ أنـزِلَ



ذلـك القرآنَ أخلاقاً علـى كوكب الأرض محـمد العـلا



ليس كالمسلم في الخلق أحـدْ ليس خلقَ اليوم بل خلق الأبـدْ



إنما الإسلام في الصحرا امتهدْ ليجـيء كـل مسـلم أسـدْ



في ضميري دائماً صوت النبي آمـراً: جاهـدْ وكابدْ و اتعبِ



صائحاً: غالبْ وطالبْ وادأبِ صـارخا ً: كنْ أبدأ حـراً أبي



كن سواءً ما اختفى وما علنْ كـن قوياً بالضمير و البـدنْ



كن عزيزاً بالعشير والوطـنْ كن عظيماً في الشعوب الزمـنْ



ربِّ بالإسلام قـد هديـتـني رب من نـورك قـد آتيـتَني



فعـليّ العـهدُ مـا أحـييتني أحـرسُ الكـنزَ الذي وهبتني



أو أموتَ دونه مـوت البـطلْ ثابتاً أحـيا بقلب مـن جبل



نيّراً أحيـا بروح من شُـغلْ جاهداً أحـيا بجسـم من عملْ


واقدم لكم روابط تحميل لبعض كت بالرافعي وانصحكم بقرائتها وبعد ذالك أعطوني آراءكم فيها



1- وحي القلم الجزء 01
http://www.4shared.com/file/38996288..._____.html?s=1
2- وحي القلم الجزء 02
http://www.4shared.com/file/39020790..._____.html?s=1

3- وحي القلم الجزء 03
http://www.4shared.com/file/39001105..._____.html?s=1


وهذا
تاريخ آداب العرب الجزء الأول
http://www.4shared.com/file/39027247..._____.html?s=1
تاريخ آداب العرب الجزء الثاني
http://www.4shared.com/file/39032671..._____.html?s=1

تاريخ آداب العرب الجزء الثالث
http://www.4shared.com/file/39004463..._____.html?s=1

وهذا كتاب آخر للرافعي وهو : رسائل الرافعي
http://www.4shared.com/file/38992643.../____.html?s=1
أَلَيسَ الصُّبحُ بِقَرِيبٍ

تَحسَبُهُم جَمِيعًا وَقُلُوبُهُم شَتَّى
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: من روائع الرافعي ...
14-08-2008, 01:17 PM
عَرُوسٌ تُزفُّ إلى قبرِها

صادق الرافعي (منقول)

------------------------------------------------

كان عمرُها طاقةَ أزهارٍ تُسمى أيامًا.
كان عمرُها طاقةَ أزهارٍ يَنْتَسِق فيه اليومُ بعدَ اليوم، كما تَنْبُتُ الورقةُ الناعمة في الزهرة إلى ورقة ناعمة مِثلِها.
أيام الصِّبا المرحة حتى في أحزانها وهمومها؛ إذ كان مجيئها من الزمن الذي خُصّ بشباب القلب، تبدو الأشياء في مجاري أحكامها كالمسحورة؛ فإن كانت مفرحة جاءت حاملة فَرَحَيْن، وإن كانت محزنة جاءت بنصف الحزن.
تلك الأيام التي تعمل فيها الطبيعة لشباب الجسم بقوى مختلفة: منها الشمس والهواء والحركة، ومنها الفرح والنسيان والأحلام!
وشبت العذراء وأفرغت في قالب الأنوثة الشمسي القمري، واكتسى وجهها ديباجة من الزهر الغض، وأودعتها الطبيعة سرها النسائي الذي يجعل العذراء فن جمالها لأنها فن حياة، وجعلتها تمثالاً للظرف: وما أعجب سحر الطبيعة عندما تجمل العذراء بظرف كظرف الأطفال الذين ستلدهم من بعد! وأسبغت عليها معاني الرقة والحنان وجمال النفس، وما أكرم يدَ الطبيعة عندما تَمْهُر العذراء من هذه الصفات مهرها الإنساني!
وخُطبت العذراء لزوجها، وعُقد له عليها في اليوم الثالث من شهر مارس في الساعة الخامسة بعد الظهر.
وماتت عذراء بعد ثلاث سنين، أُنزلت إلى قبرها في اليوم الثالث من شهر مارس في الساعة الخامسة بعد الظهر!
وكانت السنوات الثلاث عمر قلب يقطعه المرض، ينتظرون به العرس، وينتظر بنفسه الرَّمْس(1).
يا عجائب القدر! أذاك لحن موسيقي لأنين استمر ثلاث سنوات، فجاء آخره موزونًا بأوله في ضبط ودقة؟
أكانت تلك العذراء تحمل سرًّا عظيمًا سيغير الدنيا، فردت الدنيا عليها يوم التهنئة والابتسام والزينة، فإذا هو يوم الولولة والدموع والكفن؟
واهًا لك أيها الزمن! من الذي يفهمك وأنت مدة أقدار؟
واليوم الواحد على الدنيا هو أيام مختلفة بعدد أهل الدنيا جميعًا، وبهذا يعود لكل مخلوق سر يومه، كما أن لكل مخلوق سر روحه، وليس إليه لا هذا ولا هذا.

وفي اليوم الزمني الواحد أربعمائة مليون يوم إنساني على الأرض! ومع ذلك يُحْصِيه عقلُ الإنسان أربعًا وعشرين ساعة؛ يا لَلْغباوة..!

وكل إنسان لا يتعلق من الحياة إلا بالشعاع يُضيء المكان المظلم في قلبه، والشمس بما طلعت عليه لا تستطيع أن تنير القلب الذي لا يُضيئه إلا وجهُ محبوب.
وفي الحياة أشياء مكذوبة تُكَبِّر الدنيا وتُصَغِّر النفسَ، وفي الحياة أشياءُ حقيقية تُعَظِّم بالنفس وتصغر بالدنيا؛ وذَهَبُ الأرض كله فقر مُدْقَع حين تكون المعاملة مع القلب.
أيتها الدنيا؛ هذا تحقيرك الإلهي إذا أكبرك الإنسان!

ويا عجبًا لأهل السوء المُغْتَرِّين بحياة لا بد أن تنتهي! فماذا يرتقبون إلا أن تنتهي؟ حياة عجيبة غامضة؛ وهل أَعْجَبُ وأَغْمَضُ من أن يكون انتهاء الإنسان إلى آخرها هو أول فكرة في حقيقتها؟
فعندما تحين الدقائقُ المعدودة التي لا تَرْقُبُها الساعةُ ولكن يَرْقُبُها صدرُ المُحْتَضَر.. عند ما يكون مُلْك الملوك جميعًا كالتراب لا يَشتري شيئًا ألبتة..

ماذا يكون أيها المجرم بعدما تقترف الجناية، ويقوم عليك الدليل، وترى حولك الجند والقضاة، وتقف أمامك الشريعة والعدل؟

أعمالنا في الحياة هي وحدها الحياة، لا أعمارنا، ولا حظوظنا. ولا قيمة للمال، أو الجاه، أو العافية، أو هي معًا – إذا سُلب صاحبها الأمن والقرار! والآمِن في الدنيا مَن لم تكن وراءَه جريمةٌ لا تزال تجري وراءَه. والسعيدُ في الآخرة من لم تكن له جريمةٌ تطارده وهو في السماوات.

كيف يمكن أن تخدع الآلة صاحبَها وفيها (العَدَّاد) : ما تتحرك من حركة إلا أشعرته فَعَدَّها؟ وكيف يمكن أن يكذب الإنسانُ ربَّه وفيه القلب: ما يعمل من عمل إلا أشعره فعدَّه؟

* * *
ورأيت العروس قبل موتها بأيام
أفرأيتَ أنت الغِنى عندما يُدبر عن إنسان ليتركَ له الحسرة والذكرى الأليمة؟ أرأيت الحقائق الجميلة تذهب عن أهلها فلا تترك لهم إلا الأحلام بها؟ ما أتعبَ الإنسانَ حين تتحول الحياة عن جسمه إلى الإقامة في فكره!
وما هي الهموم والأمراض؟ هي القبر يستبطئ صاحبه أحيانًا؛ فينفض في بعض أيامه شيئًا من ترابه…!

رأيتُ العروس قبل موتها بأيام، فَيَالَلَّهِ من أسرار الموت ورهبته! فرغ جسمها كما فرغت عندها الأشياء من معانيها! وتخلى هذا الجسم عن مكانه للروح تظهر لأهلها وتقف بينهم وقِفة الوداع!
وتحول الزمن إلى فكر المريضة؛ فلم تعد تعيش في نهار وليل، بل في فكر مضيء أو فكر مظلم!
يا إلهي! ما هذا الجسم المتهدم المقبل على الآخرة؛ أهو تمثال بطل تعبيره أم تمثال بدأ تعبيره؟
لقد وثقت أنه الموت، فكان فكرها الإلهي هو الذي يتكلم؛ وكان وجهها كوجه العابد: عليه طيف الصلاة ونورها. والروح الإنسانية متى عبرت لا تعبر إلا بالوجه.

ولها ابتسامة غريبة الجمال؛ إذ هي ابتسامة آلام أيقنت أنها موشكة أن تنتهي! ابتسامة روح لها مثل فرح السجين قد رأى سَجَّانه واقفًا في يده الساعة يرقب الدقيقة والثانية ليقول له: انطلق!

* * *
ودخلتُ أعُودُها فرأت كأنني آتٍ من الدنيا…! وتنسمت مني هواء الحياة. كأنني حديقة لا شخص!

ومَن غير المريض الْمُدْنَف، يعرف أن الدنيا كلمة ليس لها معنى أبدًا إلا العافية؟ مَن غير المريض المُشفي على الموت، يعيش بقلوب الناس الذين حوله لا بقلبه؟
تلك حالة لا تنفع فيها الشمس ولا الهواء ولا الطبيعة الجميلة، ويقوم مقام جميعها للمريض أهلها وأحباؤه!

وكان ذووها من رهبة القدر الداني كأنهم أسرى حرب أُجلسوا تحت جدار يريد أن ينقض! وكانت قلوبهم من فزعها تنبض نبضًا مثل ضربات المعاول.
وباقتراب الحبيب المحتضر من المجهول، يصبح من يحبه في مجهول آخر، فتختلط عليه الحياة بالموت، ويعود في مثل حيرة المجنون حين يمسك بيده الظل المتحرك ليمنعه أن يذهب! وتعروه في ساعة واحدة كآبة عمر كامل، تهيئ له جلال الحس الذي يشهد به جلال الموت!

* * *
وحانت ساعة ما لا يفهم، ساعة كل شيء، وهي ساعة اللاشيء في العقل الإنساني! فالتفتت العروس لأبيها تقول: "لا تحزن يا أبي"…" ولأمها تقول: "لا تحزني يا أمي…!""
وتبسمت للدموع كأنما تحاول أن تكلمها هي أيضًا؛ تقول لها: "لا تبكي"…!" وأشفقت على أحيائها وهي تموت، فاستجمعت روحها ليبقى وجهها حيًّا من أجلهم بضع دقائق! وقالت: "سأغادركم مبتسمة فعيشوا مبتسمين، سأترك تذكارًا بينكم تذكار عروس!…"."
ثم ذكرت الله وذكرتهم به، وقالت: "أشهد أن لا إله إلا الله" وكررتها عشرًا! وتملأت روحها بالكلمة التي فيها نور السماوات والأرض، ونطقت من حقيقة قلبها بالاسم الأعظم الذي يجعل النفس منيرة تتلألأ حتى وهي في أحزانها.

ثم استقبلت خالق الرحمة في الآباء والأمهات! وفي مثل إشارة وداع من مسافر انبعث به القطار، ألقت إليهم تحية من ابتسامتها وأسلمت الروح!

يالَعجائب القدر! مَشينًا في جنازة العروس التي تُزف إلى قبرها طاهرة كالطفلة ولم يبارك لها أحد! فما جاوزنا الدار إلا قليلاً حتى أبصرت على حائط في الطريق إعلانًا قديمًا بالخط الكبير الذي يصيح للأعين؛ إعلانًا قديمًا عن (رواية) هذا هو اسمها: "مبروك"…!"."

واخترقنا المدينة وأنا أنظر وأتقصى، فلم أرَ هذا الإعلان مرة أخرى! واخترقنا المدينة كلها، فلما انقطع العمران وأشرفنا على المقبرة، إذا آخر حائط عليه الإعلان: "مبروك"…!"."
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية إخلاص
إخلاص
مشرفة سابقة
  • تاريخ التسجيل : 05-07-2007
  • الدولة : بلجيكا
  • المشاركات : 33,077
  • معدل تقييم المستوى :

    55

  • إخلاص is a jewel in the roughإخلاص is a jewel in the roughإخلاص is a jewel in the roughإخلاص is a jewel in the rough
الصورة الرمزية إخلاص
إخلاص
مشرفة سابقة
رد: من روائع الرافعي ...
16-08-2008, 07:20 PM
أوراق متناثرة حوت أجمل العبارات و أرقّها لكاتبنا الكبير الرّافعي

لكنّني أعارض جملته الموالية

امرأةٍ كالتي جعلت آدم يفر حتى من الجنة ومن الملائكة

فما فرّ سيّدنا آدم من الجنّة و لا فرّ من الملائكة

بل نزل إلى الأرض بأمر من ربّه

قد يكون لها معنى آخر لكن أظنّ لا يحوز قولها

بوركت أخي العاصمي على جمال طرحك
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية رياض...
رياض...
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 07-11-2007
  • الدولة : في زاوية المقهى
  • العمر : 42
  • المشاركات : 472
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • رياض... is on a distinguished road
الصورة الرمزية رياض...
رياض...
عضو فعال
رد: من روائع الرافعي ...
16-08-2008, 07:30 PM
شكرا لك اخي

فالرافعي يعمد مدرسة في الادب العربي

على كل اديب ان يمر عليها

تحياي
.



سلام على الأحباب مادام ودهم









و إن زال ود أحـبـتي فـســـلام


.
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: من روائع الرافعي ...
18-08-2008, 07:40 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إخلاص مشاهدة المشاركة
أوراق متناثرة حوت أجمل العبارات و أرقّها لكاتبنا الكبير الرّافعي


لكنّني أعارض جملته الموالية

امرأةٍ كالتي جعلت آدم يفر حتى من الجنة ومن الملائكة


فما فرّ سيّدنا آدم من الجنّة و لا فرّ من الملائكة

بل نزل إلى الأرض بأمر من ربّه

قد يكون لها معنى آخر لكن أظنّ لا يحوز قولها


بوركت أخي العاصمي على جمال طرحك
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
احسنت بملاحظتك القيمة اختي الكريمة ولست ادري كيف غاب عني التنبيه على مثل هذا الخطاء الجسيم واستغفر الله من نقله دون تعقيب .... بورك فيك ... وجزيت الجنة
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: من روائع الرافعي ...
18-08-2008, 07:53 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رياض... مشاهدة المشاركة
شكرا لك اخي

فالرافعي يعمد مدرسة في الادب العربي

على كل اديب ان يمر عليها

تحياي
مرور عطر وكلمات بليغة لا يوفيها حقها الا ما قاله العلامة الاديب محمود شاكر في ذكرى الرافعي :
جزعي عليك يمسك لساني ان يقول ويرسل دمعي ليتكلم والاحزان تجد الدمع الذي تذوب فيه لتهون وتضاءل ولكن احزاني عليك تجد الدمع الذي تروى منه وتنتشر
ليس في قلبي مكان لم يرف عليه حبي لك وهواي فيك فليس في القلب مكان لم يحرقه حزني فيك وجزعي عليك هذه دموعي تترجم عن احزان قلبي ولكنها دموع لا تحسن تتكلم ... (ص5 /المقالات)
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

التعديل الأخير تم بواسطة algeroi ; 20-08-2008 الساعة 01:47 PM
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 17-10-2007
  • المشاركات : 4,860
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • algeroi has a spectacular aura aboutalgeroi has a spectacular aura about
الصورة الرمزية algeroi
algeroi
شروقي
رد: من روائع الرافعي ...
14-01-2009, 10:41 AM
في محنة فلسطين أيها المسلمون
صادق الرافعي

قوة تخرج سلاحها بنفسها، لأن مخلوقها عزيز لم يوجد ليؤكل، ولم يخلق ليذل.
قوة تجعل الصوت نفسه حين يزمجر، كأنه يعلن الأسدية العزيزة إلى الجهات الأربع.
قوة وراءها قلب مشتعل كالبركان، تتحول فيه كل قطرة دم إلى شرارة دم ولئن كانت الحوافر تهيئ مخلوقاتها ليركبها الراكب، إن المخالب والأنياب تهيئ مخلوقاتها لمعنى آخر.
لو سئلت ما الإسلام في معناه الاجتماعي؟ لسألت: كم عدد المسلمين؟
فإن قيل: ثلاثمائة مليون. قلت: فالإسلام هو الفكرة التي يجب أن يكون لها ثلاثمائة مليون قوة.
أيجوع إخوانكم أيها المسلمون وتشبعون؟ إن هذا الشبع ذنب يعاقب الله عليه.
والغني اليوم في الأغنياء الممسكين عن إخوانهم، وهو وصف الأغنياء باللؤم لا بالغنى.
كل ما يبذله المسلمون لفلسطين، يدل دلالات كثيرة، أقلها سياسة المقاومة.
كان أسلافكم أيها المسلمون يفتحون الممالك. فافتحوا أنتم أيديكم...
كانوا يرمون بأنفسهم في سبيل الله غير مكترثين، فارموا أنتم في سبيل الحق بالدنانير والدراهم.
لماذا كانت القبلة في الإسلام إلا لتعتاد الوجوه كلها أن تتحول إلى الجهة الواحدة؟
لماذا ارتفعت المآذن إلا ليعتاد المسلمون رفع الصوت في الحق؟
أيها المسلمون! كونوا هناك. كونوا هناك مع إخوانكم بمعنى من المعاني.
لو صام العالم الإسلامي كله يوما واحدًا وبذل نفقات هذا اليوم الواحد لفلسطين لأغناها.
لو صام المسلمون كلهم يوما واحدًا لإعانة فلسطين، لقال النبي مفاخرًا الأنبياء: هذه أمتي!
لو صام المسلمون جميعا يومًا واحد لفلسطين، لقال اليهود اليوم ما قاله آباؤهم من قبل: إن فيها قومًا جبارين...
أيها المسلمون! هذا موطن يزيد فيه معنى المال المبذول فيكون شيئا سماويًا.
كل قرش يبذله المسلم لفلسطين، يتكلم يوم الحساب يقول: يا رب، أنا إيمان فلان!
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]

أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا

وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا

أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا


موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج

الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة

الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة

موضوع مغلق
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 


المواضيع المتشابهه
الموضوع
من روائع الامام الشافعي..
اكبر كتبة كتب ولن تجدها ابدا كل متريد حصري عندى
مقتطفات من كتاب حديث القمر لمصطفى صادق الرافعي
الساعة الآن 06:12 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى