المشاركة الأصلية كتبت بواسطة جمال البليدي
الحمد لله وبعد:
أخي الفاضل icer لقد طلبت منكم إعتراضا واحدا فقط نناقشه ثم ننتقل للثاني وأنت جئت بأربع إعتراضات:
الإعتراض الأول:اعترضت على السلفيين قولهم بأن الله إستوى على العرش حقيقة بذاته.
الإعتراض الثاني:أنك لقبت السلفية بقولك أنها (سلفية معاصرة).
الإعتراض الثالث:دعواك بأن إثبات العلو لله تعالى يستلزم (إثبات المكان والجهة)
الإعتراض الرابع:إحتجاك بقول الطحاوي "لا تحويه الجهات الست".
وسأرد عليها الآن لكن أرجوا منك أن تبقى في إعتراض واحد نناقشه حتى لا يتشتت الموضوع.
الإعتراض الأول:أنك اعترضت على السلفيين قولهم بأن الله إستوى على العرش حقيقة بذاته بحجة أن لفظ(بذاته لم يرد في الكتاب والسنة).
والجواب:
أولا:أن السلفيين لم يكونوا يقولو(بذاته) لأن هذا معلوم عندهم بداهة من نصوص الكتاب والسنة لكن لما ظهر من يقول(أن الله إستوى مجازا لا حقيقة ) وقال بأن علو الله علو مرتبة ومكانة.
رد عليهم السلفيون آنذاك بأن الله استوى حقيقة .
وكذلك لما ظهر من يقول القرآن مخلوق
رد عليهم الإمام أحمد بقوله القرآن كلام الله غير مخلوق.
فالبادئ أظلم.
ولفظ (بذاته) قد وردت عند السلف كما نقل الأستاذ عبد الله أحمد في مشاركته عن الإمام القرطبي فجزاه الله عنا خيرا.
بل قد نقل الإمام أبو نصر السجزي الإجماع على ذلك فقال في الإبانة((وأئمتنا كسفيان الثوري,ومالك بن أنس,وسفيان بن عيينة ,وحماد بن زيد,وحماد بن سلمة,وعبد الله بن المبارك,وفضيل بن عياض,وأحمد بن حنبل,وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي, متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش وعلمه بكل مكان )).
وسبقه المزني حيث قال في شرح(أصول السنة) :((عال على عرشه في مجده بذاته)) ثم حكى الإجماع على ذلك فقال((هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى,وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضى).
ونقل الطلمنكي الإجماع كذلك كما في كتابه الوصول إلى معرفة الأصول : (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله وهو معكم أينما كنتم ونحو ذلك من القرآن أنه علمه وأن الله تعالى فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء. وقال أهل السنة في قوله الرحمن على العرش استوى إن الإستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز)
وقد قالها عبد القادر الجيلاني ومن قبله الحارث المحاسبي
وقالها أبو المظفر السمعاني إمام الشافعية في زمانه في قصيدته التي شرح بها عقيدة أهل السنة:
عقائدهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب
ثانيا:أمامكم واحدة من اثنتين: إما أن تقولوا استوى بذاته أو تقولوا استوى بغيره.
ثالثا:هل لله الذات أم لا؟
بلاشك نعم فهل الصفات المرتبطة بالذات الإلهية أم بأمر آخر؟ .
رابعا:قال الشيخ أسامة القصاص رحمه الله "قال لي أحدهم : أعطني دليلاً على أن الله في السماء بذاته بهذا اللفظ.
فقلت له: وهل إذا أخبرتك أن أبي في البيت تقول لي بذاته أم بغير ذاته! سؤالك ليس سؤال الفاهمين بل الجاهلين للعربية لأن هذا معنى العبارات وملزوماتها. . . ثم هل يجرؤ متقول على أن يقول: (الله خالق بذاته؟). فهذه الزيادة ركيكة، ولهذا كان الإمام الذهبي يستشنعها لأنها متضمَنَة غير مطلوبة رسماً، إذ كيف لا يكون الله تعالى خالقاً بذاته؟
ثم هل من العربية أن تسأل المتكلم عن أي شيء، كأن تقول له: هل أتى أبوك بذاته؟ هل أنت هنا بذاتك؟ هل أمك ولدتك بذاتها؟ بل هل يعقل أن يقول قائل: هل الله موجود بذاته؟
قال: فالمعاني شقائق الألفاظ والعبارات"(1). انتهى رحمه الله.
وهذا الكلام صحيح ونفيس جداً، فإن الخبر عن الذات لا عن اللفظ، فإذا قيل: قَدِمَ فلان كان الخبر عن ذاته لا عن اسمه، وهذا أمر يفهمه كل عربي، ووضع العربية يقتضي هذا، فلا ينازع فيه إلا من أعمى الله قلبه.
الإعتراض الثاني:أنك لقبت السلفية بقولك أنها (سلفية معاصرة) وهذا باطل وهراء بين .
لأن السلفية لغة معناها ما سلف فكيف تقول أنت(معاصرة) هذا مخالف للغة.
ومعناها إصطلاحا(إتباع نهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين) فكيف تقول أنت(معاصرة) هل السلف الصالح من الصحابة والتابعين يعيشون الآن في عصرنا؟؟!!
والحقيقة أنكم تريدون أنتقسموا السلفية التي هزت عروش أهل الأهواء فسمتموها زمنيا فقلتم(سلفية قديمة) وسلفية(معاصرة) وقسمتموها حسب المكان فقلتم(سلفية السعودية) وسلفية(مصر) وسلفية(الجزائر) وقسمتموها حسب الإختصاصات فقلتم(سلفية جهادية) وسلفية(علمية) ,وكل هذه التقسيمات باطلة عقلا وشرعا ولغة (إن هي إلا أسماء سميتموها) والله الموعد.
الإعتراض الثالث:دعواك بأن إثبات العلو لله تعالى يستلزم (إثبات المكان والجهة) وهذا لأنك تتصور في ذهنك تشبيه الخالق بالمخلوق.
بل نقول :إن كنتم تقصدون بالمكان أن الله محصور في مكان من الأمكنة فهذا ننفيه ونعوذ بالله من قوله.
وإن كنتم تقصدون أن الله فوق عرشه بائن من خلقه كما أخبر في كتابه فهذا حق نقول به ولا نسميه مكان كما سميتموه أنتم.
وكذلك الجهة
قال ابن القيم: وكذلك قولهم ننزهه عن الجهة؛ إن أردتم أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره إحاطة الظرف بالمظروف فنعم هو أعظم من ذلك وأكبر وأعلى. ولكن لا يلزم من كونه فوق العرش هذا المعنى. وإن أردتم بالجهة أمراً يوجب مباينة الخالق للمخلوق, وعلوه على خلقه, واستواءه على عرشه فنفيكم لهذا المعنى الباطل, وتسميته جهة اصطلاح منكم توصلتم به إلى نفي ما دل عليه العقل والنقل والفطرة, وسميتم ما فوق العالم جهة, وقلتم منزه عن الجهات, وسميتم العرش حيزاً, و قلتم ليس بمتحيز, وسميتم الصفات أعراضاً, وقلتم الرب منزه عن قيام الأعراض به))(2)
الإعتراض الرابع:
إحتجاك بقول الطحاوي "لا تحويه الجهات الست" وهي كلمة تحتاج إلى استفصال، وليس من الإنصاف المسارعة إليها فإن الله أثبت لنفسه جهة العلو، ولا يجوز التمسك بقول مخلوق بما يؤدي إلى نفي ودفع كلام الخالق الذي هو أعلم بنفسه وبما يليق به من مخلوقه.
ومع تعظيمنا للطحاوي فإن الله أعظم. ونفيه متروك معارَض بإثبات الله لنفسه جهة العلو إذ قال {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ}.
ولا يلزم التسليم بكل كلمة قالها الطحاوي.
* قال الشيخ عبد القادر الجيلاني "وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء (الذات) على العرش لا على معنى القعود والمماسة ولا على العلوِّ والرِّفعة كما قالت الأشعرية، بل إنه في السماء على العرش كما قال {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(3).
وروى البخاري عن سعيد بن عامر أنه قال "الجهمية شرٌّ من اليهود ومن النصارى، قد اجتمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان على أن الله تبارك وتعالى على العرش، وهؤلاء قالوا: ليس على العرش شيء"(4).
وقال حماد بن زيد وأبو بكر بن عياش "إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء" وقال عباد بن العوام "كلمت بشر المريسي وأصحابه، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا ليس في السماء شيء"(5).
--------
(1)إثبات علو الله على خلقه 1/50 .
(2) "مختصر الصواعق" (1/181).
(3) الغنية لطالبي طريق الحق 56 ونقل الحافظ ابن رجب كلامه هذا في طبقات الحنابلة 3/296.
(4) رواه البخاري في خلق أفعال العباد 11.
(5) رواه البخاري في خلق أفعال العباد 9 السنة للخلال 5/91 رقم 1695 و5/113 رقم 1753 و5/123 رقم 1776 و1781 ورواه عبد الله بن أحمد في السنة 1/117 رقم (14) وانظر سير أعلام النبلاء 6/24 ومختصر العلو ص 246.
|