من أعجب ما قرأت للسلفيين المعاصرين وعلى رأسهم سلفية
الجزائر احتجاجهم بمدح ابن باديس لإبن عبد الوهاب لكي
يبينوا للناس أنّ دعوتهم ودعوة ابن باديس واحدة وهي
متمثلة في الدعوة السلفية المعاصرة وماسبقها من دعوات
أعلام السلفية عبر التاريخ. فيقف من لا إطلاع له على ذلك
المدح فينشرح صدره للسلفية المعاصرة كما انشرح صدره من
قبل لحب ابن باديس ودعوته. فيعادي بإسم السلفية المعاصرة
الطوائف الإسلامية وهوفي ذلك متمسّح بإبن باديس .
ومن الطوائف والفرق التي يعاديها الفرقة الأشعرية وأنا عن
نفسي لا أحب التقليد في العقيدة ولا أنصح غيري وخاصة من
يخوض أن تكون بدايته تقليد أعمى وإنما أنصح بالتّثبت في
الإتباع.
المهم أنّ فهم الثلاثية_ أشاعرة _ابن باديس _سلفية _يشّكل
حاجزا لمن يعرف الحقّ بالرجال فيكون انتماءه العقائدي تابع
لمن أحب سواء كان هذا الإنتماء مرضي أو لا ,,,,
ولنبدأ في النقاش
قال الشيخ صاحب كتاب عقيدة العلامة ابن باديس
اقتباس:
|
الاشاعرة لا يثبتون للعبد اختيارا الا اختيارا مجازيا لا تأثير له يسمونه كسبا
|
قام الشيخ محمد [ بن ]عبد الوهاب بدعوة دينية ، فتبعه عليها قوم فلقبوا بـ : " الوهابيين " . لم يدع إلى مذهب مستقل في الفقه ؛ فإن أتباع النجديين كانوا قلبه ولا زالوا إلى الآن بعده حنبليين ؛ يدرسون الفقه في كتب الحنابلة ، ولم يدع إلى مذهب مستقل في العقائد ؛ فإن أتباعه كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن سنيين سلفيين ؛ أهل إثبات وتنزيه ، يؤمنون بالقدر ويثبتون الكسب والاختيار ، ويصدقون بالرؤية ، ويثبتون الشفاعة ، ويرضون عن جميع السلف ، ولا يكفرون بالكبيرة ، ويثبتون الكرامة .
مقارنة بسيطة بين كلام حاج عيسى الجزائري وبين كلام الإمام ابن باديس تُخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين.
ولكن أهل البلاغة يفرقون بين المباني والمعاني ومنهم من لا يبذل جهدا لتحصيل هذا اللبن فكان مني له مايلي:
الشيخ ابن باديس رحمه الله مدح الشيخ محمد ابن عبد الوهاب وأتباعه بالتمسك بأصول العقيدة لا بفروع الفقه فلم يقل إعفاء اللحى ولا إسبال في الثوب ...., وفي نفس المقال يتبع مدحه قائلا :
إنّ الغاية التي رمى إليها ابن عبد الوهاب وأتباعه هي التي لا زال يسعى إليها الأئمة المجددون والعلماء المصلحون في جميع الأزمان فلها ألف أبوبكر بن العربي العواصم من القواصم وسراج المريدين وألّّف الشيخ إبن الحاج المدخل وألّف الشاطبي الإعتصام وغيرهم من الأئمة.ج5 ص33 اثار ابن باديس
فإبن باديس رحمه الله قد جعل دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله كغيرها من الدعوات الإصلاحية وضرب المثال بثلاثه من الأئمة :
أبوبكر بن العربي المالكي وهو أشعري
أبو اسحاق الشاطبي وهو أشعري وربما صوفي
فيظهر لكل صاحب عقل أنّ هؤلاء الأئمة سنيين سلفيين عند الإمام ابن باديس.
فإن اعترض علينا من عطّل عقله واتبع هواه وقال هذا الإستنباط فيه تكلُف. قلنا له قال الإمام ابن باديس في تفسيره:
أما ابن العربي فهو حكيم أسلامي وفقيه قرأني وعالم سني_ حقيقي _لا يبني أنظاره إلا على أصول الإسلام ودلائل الكتاب والسنة ص 213
فيخضع للحق بعد هذا البيان من وفقه الله _ وإن كنت أتهمه في عقله_ وتبقى طائفة لا همّ لي بها غير أن تمام النصح لها.. ولإفادة القارئ الكريم ولحاجة في نفسي يتحقق من خلالها غرضي يتحتم عليّ أن أزيد الأمر وضوحا.
- قال ابن باديس واصفا كتاب العواصم الذي حقّقه وطبعه ونشره لتعميم الفائدة:
واندرج في أثناء ذلك كله تحقيقات علمية تاريخية ومباحث حديثية وتعبيرية ولغوية ونصائح علمية وارشادات تذكيرية كلها في إفادة وإيجاز حتى لا تخلو صفحة من صفحات الكتاب مما تشد عليه يد الضنين.
ج 6 ص 32 سنة 1928
- من نصائح ابن العربي الأشعري السني الحقيقي عندالإمام إبن باديس في كتابه العواصم:
وعلى كل حال فالذي أراه لكم على الإطلاق أن تقتصروا على كتب علمائنا الأشعرية وعلى العبارات الإسلامية والأدلة القرأنية وأنتم في غنى عن ذلك كله وخذوا منى في ذلك نصيحة مشحونة بنكت من الأدلة ....... ص80 وحسب كتابه العواصم هذا أن يكون موردا معينا لطلاب العقائد الإسلامية الحقة بأدلتها القاطعة وأصول الإسلام الخالية مما أحدثه المُحدثون من خراف وتدجيل وأن يكون أنموذجا راقيا في التحقيق في البحث والتعمق في النظر و الإستقلال في الفكر والرجوع الى الدليل والإعتقاد بأنظار الأئمة الكبار وأن يكون صفحة تاريخ صادق لما كانت عليه الحالة الفكرية للمسلمين بالشرق والغرب فس عصر المؤلف وهوالقرن الخامس الهجري وكفى بهذا باعثا لنا على طبعه ونشره وتعميم فائدته.
- يتساءل القارئ الكريم عن علاقة هذا النقل بمسألة اثبات الكسب.
فأقول وبالله التوفيق أنّ ابن باديس رحمه الله قال بعد حوالي عشر سنيين1351 من مدحه لإبن عبد الوهاب مايلي
ولا والله ما كنت أملك يومئذ كتابا واحدا لإبن عبد الوهاب و لا أعرف من ترجمة حياته إلا القليل ووالله ما اشتريت كتابا من كتبه الى اليوم ج 5 ص 103
- وقد نقلنا مدحه له ولأتباعه بإثبات الكسب ومدحه لإبن العربي المالكي وكتابه العواصم وهو الذي حققه وطبعه ونشره.
وكذلك مدحه لإبن الحاج وكتابه المدخل
فنجد في العواصم قول ابن عربي و.....تبين أنّ العبد مكتسب غير فاعل....ص88
ونجد ابن الحاج يقول
فَيَمْشِي عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تُؤَثِّرُ بِذَوَاتِهَا ، وَلَا بِخَاصِّيَّةٍ فِيهَا بَلْ بِمَحْضِ اعْتِقَادِهِ بِأَنَّهُ لَا فَاعِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ فِي شَيْءٍ فَالدَّوَاءُ لَا يَنْفَعُ بِنَفْسِهِ بَلْ الشِّفَاءُ وَغَيْرُهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَخْلُقُهُ عِنْدَهُ إنْ شَاءَ وَيَمْنَعُهُ إنْ شَاءَ وَيُمْرِضُ بِهِ إنْ شَاءَ وَمِثْلُهُ الْخُبْزُ لَا يُشْبِعُ بِنَفْسِهِ وَالْمَاءُ لَا يَرْوِي وَالنَّارُ لَا تُحْرِقُ وَالسِّكِّينُ لَا تَقْطَعُ فَلَوْ شَاءَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَا يُشْبِعَ بِالْخُبْزِ لَفَعَلَ ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ لَا يَرْوِيَ بِالْمَاءِ لَفَعَلَ .
- بل نجد ابن باديس يقول في تحقيقه لكتاب العواصم أنّ ابن العربي يرُد على ظاهرية العقائد وظاهرية العقائد عند ابن العربي الأشعري هم الذين يقولون بالهرولة والضحك والصورة وووو و.........
- النتيجة أنّ ابن العربي ليس سلفا لإبن عبد الوهاب وأتباعه ومنهم السلفية المعاصرة فهويرد عليهم ويصف عقيدتهم بما لا يرضونه وهم يعتبرون بعض في كتابه العواصم بدعة وضلالة ويكفي أنه أشعري.
- ولهذا لماّ أخذ محب الدين الخطيب السلفي رحمه الله كتاب العواصم الذي طبعه ابن باديس حذف منه مباحث منها الرد على ظاهرية العقائد وهومتوفر على الشبكة وقد أتاني جمال البليدي برابط له لمّا ناقشته وقال لي إنّه كتاب تاريخ !!!....
ويُنظر مقدمة التحقيق للدكتور عمار طالبي فقد نشر النسخة الكاملة وأشار الى عمل محب الدين الخطيب رحمه الله.
- بل أزيد الأمر وضوحا بنقل مايلي:
قال أبوالعباس أحمد الهاشمي الأشعري أحد أعضاء جمعية العلماء المسلمين;
من جملة الكتب المقررة في التعليم الرسمي كتاب الجوهرة للمرحوم ابراهيم اللقاني .
إن إنقسام الأمة في القديم إزاء هذه المسألة إلى أهل السنة ومعتزلة وأصطباغ كتاب الجوهرة وما في معناه بصبغة السنة من جهة أخرى كاد يسدان كل طريق في جهة طلاب الحقيقة ...
- وفي تتمة للمقال الأول قال:
نبهت في المقال السابق على أنّ القصد الوحيد من الكتابة في هذا الموضوع هوتحرير معنى أية (والله خلقكم وما تعملون) التي اعتمدها صاحب الجوهرة ومن يرى رأيه في تقرير ما قرروا في مسألة كسب الإنسان لأفعاله
تنبيه :الشيخ أبو العباس الهاشمي يقصد بقوله طلاب الحقيقة تبيين تفسير قوله تعالى (والله خلقكم وما تعملون)
- هل ما تعملون تعود على الأوثان
- أو هي عامة في كل ما يعمل الإنسان
- فهويدرس الأية من حيث اللغة لا من حيث الرد على الأشاعرة في العقيدة فلا يُتوهم غير ذلك
فتبين أنّ علماء الجمعية يقولون وفي مجلة البصائر أنّ مسألة الكسب تندرج ضمن عقيدة أهل السنة الأشاعرة .وجوهرة التوحيد أحد المتون الممثلة لهذه العقيدة:
وعندنا للعبد كسب كُلفا**** ولم يكن مؤثرا فلتعرفا
- فيخرج المسترشد بنتيجة وهي أنّ ابن باديس مدح ابن عبد الوهاب ببدعة أشعرية في نظر السلفيين ولكن السلفيين ينشرون هذا المدح والحمدلله على نعمة العقل.
ويتساءل القارئ الكريم عن هذا الخلط بين الأشعرية والسلفية عند الإمام ابن باديس .
فأقول الإحتمال الأقوى عندي أنّ ابن باديس ينقل عن محمد رشيد رضا رحمه الله صاحب المنار وهذا الأخير متأثر بالغزالي الذي يمثل الأشعرية وابن تيمية الذي يمثل السلفية ومحمد رشيد رضا يمدح ابن عبد الوهاب.
وعلى كل حال هو احتمال ومدح ابن باديس لأتاتورك ليس ببعيد وهنا نحتاج للأهل البلاغة للتفريق بين المعاني والمباني.
اقتباس:
|
أما عن سؤالك فلا محل له من الإعراب وقد جاءك الردالـنـوم الذي أغاظك أما التعصب فهو وصفك الذي لا تكاد تفارقه وليس لك أن ترمي به غيرك وأنت لم تأت بشئ !! فأين عرضك ونقدك وأين دليلك وردك ؟!!
|
قال الطبيب والمنجم كليهما ** لاتبعث الأموات قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر**وان صح قولي فالهلاك عليكما
- يُتبع بالجزء الثاني من مناقشة الفرع الأول وهو عبارة عن مناقشة لما قرره حاج عيسى الجزائري