الشيخ القرضاوي و الظاهريون الجدد
05-06-2009, 11:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلفية وقضايا الاختلاف للشيخ يوسف القرضاوي
تعريف السلفيةنعني بالفكرالسلفي هنا: المنهج الفكري الذي يتمثل في فهم خير قرون الأمة من الصحابة ومن تبعهمبإحسان، لهداية القرآن، وهدى النبوةحيث ان . المنهج السلفي الحق كما نفهمةوهو منهج يقوم في جملته على أصول ومبادئ هي:
1 - الاحتكام للنصوص المعصومةلا لأقوال الرجال.
2 - رد المتشابهات إلى المحكمات، والظنيات إلى القطعيات.
3 - فهم الفروع والجزئيات في ضوء الأصول والكليات.
4 - الدعوة إلى الاجتهادوالتجديد، وذم الجمود والتقليد.
5 - الدعوة إلى الالتزام لا التسيب في مجالالأخلاق.
6 - الدعوة إلى التبشير لا التعسير في مجال الفقه.
7 - الدعوة إلىالتبشير لا التنفير في مجال التوجيه.
8 - الدعوة بغرس اليقين لا بالجدل في مجالالعقيدة.
9 - العناية بالروح لا بالشكل في مجال العقيدة.
10 - الدعوة إلىالاتباع في أمور الدين، والاختراع في أمور الدنيا.
ظلم السلفية من أنصارهاوقد ظلمت كلمة (السلفية) من أنصارها ـ أو من يعدهم الناس ويعدون أنفسهم أيضاأنصارها أو من كثير منهم على التحقيق ـ فقد حصروها أو كادوا في شكليات وجدليات حولمسائل في علم الكلام، أو مسائل في علم الفقه، أو أخرى في علم التصوف، وعاشوانهارهم، وباتوا ليلهم، ينصبون المنجانيق ويقذفون بالمقاليع، لمن يخالفهم في أيمسألة من هذه المسائل، أو أي جزئية من هذه الجزئيات. تدخل مكتباتهم لا تجد إلاكتب كالآتي (التحذير من فلان) ، (الرد على فلان) , (فلان في ميزان الإسلام) , (إعلام الناس بحقيقة فلان) , (الرد على من أباح كذا) , (إلقام الحجر لمن قال بكذا) ..
وهكذاحتى ظن بعض الناس أن منهج السلف هو منهج المراء والجدل، لا منهج البناءوالعمل. وأن السلفية تعني الاهتمام بالجزئيات على حساب الكليات، وبالمختلف فيه علىحساب المتفق عليه وبالشكل والصورة على حساب الجوهر والروح. من السذاجة تصورإمكان جمع الناس على آراء فرعية فقهية واحدة
وآفة بعض (الحرفيين) ـ ممن أسميهم (الظاهرية الجدد) ـ أنهم يحسبون أن باستطاعتهم حذف الخلاف في المسائل الشرعيةالاجتهادية فرعية أو أصلية، يجمع الناس على ما يرونه حقا وصوابا، ورفض ما عداه ممايعتبرونه باطلا وخطأ. ونسي هؤلاء أن الإعجاب بالرأي أحد (المهلكات) وأن بحسبالمرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، ومن ذلك أن يحقر رأيه
مدرسة الرأيالواحدوقد عرفنا في عصرنا أناساً يجهدون أنفسهم، ويجهدون الناس معهم، ظانينأنهم قادرون على أن يصبوا النّاس في قالب واحد يصنعونه هم لهم ,وأن يجتمع النّاسعلى رأي واحد، يمشون فيه وراءهم، وفق ما فهموه من النصوص الشرعية، وبذلك تنقرضالمذاهب، ويرتفع الخلاف، ويلتقي الجميع على كلمة سواء.
ونسي هؤلاء أن فهمهمللنصوص ليس أكثر من رأي يحتمل الخطأ، كما يحتمل الصواب، إذ لم تضمن العصمة لعالمفيما ذهب إليه، وإن جمع شروط الاجتهاد كلها. كل ما ضمن له هو الأجر على اجتهاده،أصاب أم أخطأ.
ولهذا لم يزد هؤلاء على أن أضافوا إلى المذاهب المدونة مذهباًجديداً!
ومن الغريب أن هؤلاء ينكرون على أتباع المذاهب تقليدهم لأئمتها، علىحين يطلبون من جماهير النّاس أن يقلدوهم ويتبعوهم.
ولا تحسبن أني أنكر عليهمدعوتهم إلى اتباع النصوص، أو اجتهادهم في فهمها، فهذا من حق كل مسلم استوفى شرائطالاجتهاد وأدواته، ولا يملك أحد أن يغلق باباً فتحه رسول الله صلى الله عليه وسلمللأمة، إنما أنكر عليهم تطاولهم على مناهج علماء الأمة، واحتقارهم للفقه الموروث،ودعاواهم العريضة في أنهم وحدهم على الحق، وما عداهم على خطأ أو ضلال، وتوهمهم أنباستطاعتهم إزالة الخلاف، وجمع النّاس قاطبة على قول واحد، هو قولهم.
قال ليواحد من طلبة العلم المخلصين من تلاميذ هذه المدرسة مدرسة "الرأي الواحد ": ولم لايلتقي الجميع على الرأي الذي معه النص؟قلت: لا بد أن يكون النص صحيحاً مسلماًبه عند الجميع، ولا بد أن يكون صريح الدلالة على المعنى المراد، ولا بد أن يسلم منمعارض مثله أو أقوى منه من نصوص الشريعة الجزئية أو قواعدها الكلية، فقد يكون النصصحيحاً عند إمام ضعيفاً عند غيره، وقد يصح عنده ولكن لا يسلم بدلالته على المراد،فقد يكون عند هذا عاماً وعند غيره خاصاً، وقد يكون عند إمام مطلقاً، وعند آخرمقيداً، وقد يراه هذا دليلاً على الوجوب أو الحرمة، ويراه ذلك دالاً على الاستحبابأو الكراهية وقد يعتبره بعضهم محكماً، ويراه غيره منسوخاً.. إلى غير ذلك منالاعتبارات التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "رفع الملام عن الأئمةالأعلام " وذكرها حكيم الإسلام ولي الله الدهلوي في كتابه "حجة الله البالغة "، وفيرسالة "الإنصاف في أسباب الاختلاف " وفصّلها العلامة الشيخ على الخفيف في كتاب "أسباب اختلاف الفقهاءأسباب الخلافإن عيب (الظاهرية الجدد) أنهميعتبرون وجود حديث نبوي، في موضوع الخلاف قد حسم النزاع، والمخالف لهم، حينئذ مخالفللحديث، ومعارض السنة.
وهم في هذا جد مخطئين، لجملة أسباب:
1 - فقد يعتمدونهم تصحيح الحديث تقليدا لبعض العلماء السابقين، أو المعاصرين من المشتغلين بالحديث،ولكن غيرهم لا يسلم لهم بذلك. وهذا أمر معروف من قديم بين كبار علماء الأمة، وفقهاءالسلف، يصحح هذا حديثا،، وغيره يضعفه، لأنه يشترط في ثبوت الحديث عنده ما لا يشترطالآخر، إما بصفة عامة، أو فيما تعم به البلوى، وينتشر بين الناس، وإما لاختلافهم فيتوثيق الرواة، وتجريحهم. فهذا يعدل روايا، وآخر يعتبره مجروحا.
2 - وقد يقويأحدهم الحديث بتعدد الطرق الضعيفة التي يروى بها، ولا يسلم غيره له بذلك.
3 - وقد يرى أحدهم الاحتجاج بالمرسل، ولا يرى آخرون ما يراه، وهكذا.. انظر إلى أحاديثمثل الأحاديث التي وردت في تحريم الذهب على النساء، فقد صححها بعض العلماء وضعفهاآخرون، والذين صححوها ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة، وبعضهم إلى أنها متأولة، وذلكلإجماع الأمة بجميع مذاهبها على إباحة التحلي بالذهب للنساء، وهو ما استقر عليه عملالأمة بالفعل طوال أربعة عشر قرنا من الزمان.
3 - وقد ينازعهم المخالفون علىافتراض صحة الحديث الذي يعتمدون عليه، بأن الحديث ليس في أمر تشريعي، بل في أمرعادي من أمور الدنيا، مثل حمل العصا في الخطبة أو الأكل باليد، أو على الأرض، ومثلقوله عليه السلام: "عليكم بالإثمد (نوع من الكحل)، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر"،فالمسلم إذا لم يعارض بهذا، وعمل بتوصية طبيب العيون المختص، لم يكن مخالفا لنص،ولا معارضا لسنة.
4 - وقد يكون الحديث في أمر تشريعي، ولكنه تشريع مما ثبتللرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصفة الإمامة والرئاسة، لا بصفة التبليغ والفتوى عنالله عز وجل كما قال ابن القيم في حديث "من قتل قتيلا فله صلبه".
5 - وقد يكونالحديث في أمر تشريعي عام دائم، ولكن الخلاف واقع، في دلالته على الحكم، كما إذااشتمل على أمر أو نهي، فهل الأمر للوجوب، أم للاستحباب أم للإرشاد؟ وهل النهيللتحريم أم للكراهة، وهل الكراهة تحريمية أم تنزيهية؟هذه الاحتمالات كلهاقائمة، وهي أقوال وآراء لعلماء الأصول في دلالة الأمر والنهي، ولكل قول منها دليلهووجهته.
وفي كل من دلالة الأمر والنهي سبعة أقوال على ما ذكر الأصوليون فيمبحثي الأمر والنهي.
أمثلة من الخلاف الفقهي بين الصحابةوقد رأيناالصحابة يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم، أوامر، ومع هذا يترخصون في تركها،لعلمهم أنها لم تكن عازمة جازمة، فإذا ثبت لهم ذلك باللفظ، أو بالقرينة، كانوا أسرعالناس إلى تنفيذها.
وفي أحد الأسفار للغزو، كانوا صائمين في رمضان، فأمرهمبالإفطار، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، متأولين أنه إنما أراد الرفق بهم، ولم يكن فيالأمر ما يدل على الإلزام الجازم، فلما اقتربوا من التلاحم مع العدو، قال لهم: "إنكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا" فكانت عزمة، فأفطروا.
ورأيناهمفي حديث "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم وأصبغوا" يرون الأمر هنا لمجردالإرشاد أو الاستحباب، فلهذا امتثل بعضهم وصبغ، وبعضهم لم يصبغ، ومنهم من صبغبالحناء، وبغيرها، ومنهم من صبغ بالسواد.
وكذلك حديث: لا تسم ابنك ولا غلامك،نافعا ولا يسارا ولا رباحا..الخ، رأيناهميسمون نافعا ويسارا، كما هو ثابت في أسماءالتابعين، مثل نافع مولى ابن عمر، وسليمان بن يسار، وعطاء بن رباح، وغيرهم.
وجوب الاطلاع على اختلاف العلماءومما يساعد على التسامح وتبادل العذرفيما اختلف فيه: الاطلاع على اختلاف العلماء، ليعرف منه تعدد المذاهب، وتنوع المآخذوالمشارب، وأن لكل منهم وجهته، وأدلته التي يستند إليها، ويعول عليها، وكلهم يغترفمن بحر الشريعة، وما أوسعه.
ومن أجل ذلك أكد علماؤنا فيما أكدوه، وجوب العلمباختلاف الفقهاء، كوجوب العلم بما أجمعوا عليه، فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة.
وفي هذا قالوا: من لم يعرف اختلاف العلماء، فليس بعالم.
من لم يعرف اختلافالفقهاء لم تشم أنفه رائحة الفقه!
النشأة على التقليد والرأي الواحد منأسباب التعصبوآفة كثير من الدخلاء على العلم أنهم لا يعرفون إلا رأيا واحدا،ووجهة واحدة أخذوا من شيخ واحد، أو انحصروا في مدرسة واحدة، ولم يتيحوا لأنفسهم أنيسمعوا رأيا آخر، أو يناقشوا وجهة نظر مخالفة، أو يحيلوا أنظارهم في أفكار المدارسالأخرى.
والعجيب في أمر هؤلاء أنهم ينهون عن التقليد، وهم في الواقع مقلدون،رفضوا تقليد الأئمة القدامى، وقلدوا بعض المعاصرين , وأي معنى للإنكار على من قلدأبا حنيفة أومالكا إذا قلدت أنت ابن تيمية أو ابن القيم؟وأنهم ينكرون المذاهبوقد جعلوا من آرائهم مذهبا خامسا، يقاتلون دونه وينكرون على من خالفه!
وأنهمينكرون علم الكلام القديم وما فيه من جدليات وتزيدات، وقد أنشئوا بأقاويلهم علمكلام جديد، لا يهتم بغرس اليقين في القلوب، بقدر ما يغرس في العقول حب الجدل فيأمور العقيدة.
إن موقف هؤلاء من الحقيقة موقف العميان من الفيل، في القصةالهندية المشهورة فهم لا يعرفون إلا ما وقعت عليه أيديهم.
ولو وسعوا آفاقهملعرفوا أن الأمر يتسع لأكثر من رأي، وأن الآراء المتعددة يمكن أن تتعايش، وإناختلفت وتعارضت. المهم هو الإنصاف وترك التعصب، والاستماع إلى الآخرين، فقد يكونونأصوب قولا، وأصح فهما.
وكم من دارس منصف رجع عن تعصبه وغلوائه، حين عرف أن فيالمسائل أقوالا عدة لعلماء معتبرين.
السلفية وقضايا الاختلاف للشيخ يوسف القرضاوي
تعريف السلفيةنعني بالفكرالسلفي هنا: المنهج الفكري الذي يتمثل في فهم خير قرون الأمة من الصحابة ومن تبعهمبإحسان، لهداية القرآن، وهدى النبوةحيث ان . المنهج السلفي الحق كما نفهمةوهو منهج يقوم في جملته على أصول ومبادئ هي:
1 - الاحتكام للنصوص المعصومةلا لأقوال الرجال.
2 - رد المتشابهات إلى المحكمات، والظنيات إلى القطعيات.
3 - فهم الفروع والجزئيات في ضوء الأصول والكليات.
4 - الدعوة إلى الاجتهادوالتجديد، وذم الجمود والتقليد.
5 - الدعوة إلى الالتزام لا التسيب في مجالالأخلاق.
6 - الدعوة إلى التبشير لا التعسير في مجال الفقه.
7 - الدعوة إلىالتبشير لا التنفير في مجال التوجيه.
8 - الدعوة بغرس اليقين لا بالجدل في مجالالعقيدة.
9 - العناية بالروح لا بالشكل في مجال العقيدة.
10 - الدعوة إلىالاتباع في أمور الدين، والاختراع في أمور الدنيا.
ظلم السلفية من أنصارهاوقد ظلمت كلمة (السلفية) من أنصارها ـ أو من يعدهم الناس ويعدون أنفسهم أيضاأنصارها أو من كثير منهم على التحقيق ـ فقد حصروها أو كادوا في شكليات وجدليات حولمسائل في علم الكلام، أو مسائل في علم الفقه، أو أخرى في علم التصوف، وعاشوانهارهم، وباتوا ليلهم، ينصبون المنجانيق ويقذفون بالمقاليع، لمن يخالفهم في أيمسألة من هذه المسائل، أو أي جزئية من هذه الجزئيات. تدخل مكتباتهم لا تجد إلاكتب كالآتي (التحذير من فلان) ، (الرد على فلان) , (فلان في ميزان الإسلام) , (إعلام الناس بحقيقة فلان) , (الرد على من أباح كذا) , (إلقام الحجر لمن قال بكذا) ..
وهكذاحتى ظن بعض الناس أن منهج السلف هو منهج المراء والجدل، لا منهج البناءوالعمل. وأن السلفية تعني الاهتمام بالجزئيات على حساب الكليات، وبالمختلف فيه علىحساب المتفق عليه وبالشكل والصورة على حساب الجوهر والروح. من السذاجة تصورإمكان جمع الناس على آراء فرعية فقهية واحدة
وآفة بعض (الحرفيين) ـ ممن أسميهم (الظاهرية الجدد) ـ أنهم يحسبون أن باستطاعتهم حذف الخلاف في المسائل الشرعيةالاجتهادية فرعية أو أصلية، يجمع الناس على ما يرونه حقا وصوابا، ورفض ما عداه ممايعتبرونه باطلا وخطأ. ونسي هؤلاء أن الإعجاب بالرأي أحد (المهلكات) وأن بحسبالمرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، ومن ذلك أن يحقر رأيه
مدرسة الرأيالواحدوقد عرفنا في عصرنا أناساً يجهدون أنفسهم، ويجهدون الناس معهم، ظانينأنهم قادرون على أن يصبوا النّاس في قالب واحد يصنعونه هم لهم ,وأن يجتمع النّاسعلى رأي واحد، يمشون فيه وراءهم، وفق ما فهموه من النصوص الشرعية، وبذلك تنقرضالمذاهب، ويرتفع الخلاف، ويلتقي الجميع على كلمة سواء.
ونسي هؤلاء أن فهمهمللنصوص ليس أكثر من رأي يحتمل الخطأ، كما يحتمل الصواب، إذ لم تضمن العصمة لعالمفيما ذهب إليه، وإن جمع شروط الاجتهاد كلها. كل ما ضمن له هو الأجر على اجتهاده،أصاب أم أخطأ.
ولهذا لم يزد هؤلاء على أن أضافوا إلى المذاهب المدونة مذهباًجديداً!
ومن الغريب أن هؤلاء ينكرون على أتباع المذاهب تقليدهم لأئمتها، علىحين يطلبون من جماهير النّاس أن يقلدوهم ويتبعوهم.
ولا تحسبن أني أنكر عليهمدعوتهم إلى اتباع النصوص، أو اجتهادهم في فهمها، فهذا من حق كل مسلم استوفى شرائطالاجتهاد وأدواته، ولا يملك أحد أن يغلق باباً فتحه رسول الله صلى الله عليه وسلمللأمة، إنما أنكر عليهم تطاولهم على مناهج علماء الأمة، واحتقارهم للفقه الموروث،ودعاواهم العريضة في أنهم وحدهم على الحق، وما عداهم على خطأ أو ضلال، وتوهمهم أنباستطاعتهم إزالة الخلاف، وجمع النّاس قاطبة على قول واحد، هو قولهم.
قال ليواحد من طلبة العلم المخلصين من تلاميذ هذه المدرسة مدرسة "الرأي الواحد ": ولم لايلتقي الجميع على الرأي الذي معه النص؟قلت: لا بد أن يكون النص صحيحاً مسلماًبه عند الجميع، ولا بد أن يكون صريح الدلالة على المعنى المراد، ولا بد أن يسلم منمعارض مثله أو أقوى منه من نصوص الشريعة الجزئية أو قواعدها الكلية، فقد يكون النصصحيحاً عند إمام ضعيفاً عند غيره، وقد يصح عنده ولكن لا يسلم بدلالته على المراد،فقد يكون عند هذا عاماً وعند غيره خاصاً، وقد يكون عند إمام مطلقاً، وعند آخرمقيداً، وقد يراه هذا دليلاً على الوجوب أو الحرمة، ويراه ذلك دالاً على الاستحبابأو الكراهية وقد يعتبره بعضهم محكماً، ويراه غيره منسوخاً.. إلى غير ذلك منالاعتبارات التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "رفع الملام عن الأئمةالأعلام " وذكرها حكيم الإسلام ولي الله الدهلوي في كتابه "حجة الله البالغة "، وفيرسالة "الإنصاف في أسباب الاختلاف " وفصّلها العلامة الشيخ على الخفيف في كتاب "أسباب اختلاف الفقهاءأسباب الخلافإن عيب (الظاهرية الجدد) أنهميعتبرون وجود حديث نبوي، في موضوع الخلاف قد حسم النزاع، والمخالف لهم، حينئذ مخالفللحديث، ومعارض السنة.
وهم في هذا جد مخطئين، لجملة أسباب:
1 - فقد يعتمدونهم تصحيح الحديث تقليدا لبعض العلماء السابقين، أو المعاصرين من المشتغلين بالحديث،ولكن غيرهم لا يسلم لهم بذلك. وهذا أمر معروف من قديم بين كبار علماء الأمة، وفقهاءالسلف، يصحح هذا حديثا،، وغيره يضعفه، لأنه يشترط في ثبوت الحديث عنده ما لا يشترطالآخر، إما بصفة عامة، أو فيما تعم به البلوى، وينتشر بين الناس، وإما لاختلافهم فيتوثيق الرواة، وتجريحهم. فهذا يعدل روايا، وآخر يعتبره مجروحا.
2 - وقد يقويأحدهم الحديث بتعدد الطرق الضعيفة التي يروى بها، ولا يسلم غيره له بذلك.
3 - وقد يرى أحدهم الاحتجاج بالمرسل، ولا يرى آخرون ما يراه، وهكذا.. انظر إلى أحاديثمثل الأحاديث التي وردت في تحريم الذهب على النساء، فقد صححها بعض العلماء وضعفهاآخرون، والذين صححوها ذهب بعضهم إلى أنها منسوخة، وبعضهم إلى أنها متأولة، وذلكلإجماع الأمة بجميع مذاهبها على إباحة التحلي بالذهب للنساء، وهو ما استقر عليه عملالأمة بالفعل طوال أربعة عشر قرنا من الزمان.
3 - وقد ينازعهم المخالفون علىافتراض صحة الحديث الذي يعتمدون عليه، بأن الحديث ليس في أمر تشريعي، بل في أمرعادي من أمور الدنيا، مثل حمل العصا في الخطبة أو الأكل باليد، أو على الأرض، ومثلقوله عليه السلام: "عليكم بالإثمد (نوع من الكحل)، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر"،فالمسلم إذا لم يعارض بهذا، وعمل بتوصية طبيب العيون المختص، لم يكن مخالفا لنص،ولا معارضا لسنة.
4 - وقد يكون الحديث في أمر تشريعي، ولكنه تشريع مما ثبتللرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصفة الإمامة والرئاسة، لا بصفة التبليغ والفتوى عنالله عز وجل كما قال ابن القيم في حديث "من قتل قتيلا فله صلبه".
5 - وقد يكونالحديث في أمر تشريعي عام دائم، ولكن الخلاف واقع، في دلالته على الحكم، كما إذااشتمل على أمر أو نهي، فهل الأمر للوجوب، أم للاستحباب أم للإرشاد؟ وهل النهيللتحريم أم للكراهة، وهل الكراهة تحريمية أم تنزيهية؟هذه الاحتمالات كلهاقائمة، وهي أقوال وآراء لعلماء الأصول في دلالة الأمر والنهي، ولكل قول منها دليلهووجهته.
وفي كل من دلالة الأمر والنهي سبعة أقوال على ما ذكر الأصوليون فيمبحثي الأمر والنهي.
أمثلة من الخلاف الفقهي بين الصحابةوقد رأيناالصحابة يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم، أوامر، ومع هذا يترخصون في تركها،لعلمهم أنها لم تكن عازمة جازمة، فإذا ثبت لهم ذلك باللفظ، أو بالقرينة، كانوا أسرعالناس إلى تنفيذها.
وفي أحد الأسفار للغزو، كانوا صائمين في رمضان، فأمرهمبالإفطار، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، متأولين أنه إنما أراد الرفق بهم، ولم يكن فيالأمر ما يدل على الإلزام الجازم، فلما اقتربوا من التلاحم مع العدو، قال لهم: "إنكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا" فكانت عزمة، فأفطروا.
ورأيناهمفي حديث "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم وأصبغوا" يرون الأمر هنا لمجردالإرشاد أو الاستحباب، فلهذا امتثل بعضهم وصبغ، وبعضهم لم يصبغ، ومنهم من صبغبالحناء، وبغيرها، ومنهم من صبغ بالسواد.
وكذلك حديث: لا تسم ابنك ولا غلامك،نافعا ولا يسارا ولا رباحا..الخ، رأيناهميسمون نافعا ويسارا، كما هو ثابت في أسماءالتابعين، مثل نافع مولى ابن عمر، وسليمان بن يسار، وعطاء بن رباح، وغيرهم.
وجوب الاطلاع على اختلاف العلماءومما يساعد على التسامح وتبادل العذرفيما اختلف فيه: الاطلاع على اختلاف العلماء، ليعرف منه تعدد المذاهب، وتنوع المآخذوالمشارب، وأن لكل منهم وجهته، وأدلته التي يستند إليها، ويعول عليها، وكلهم يغترفمن بحر الشريعة، وما أوسعه.
ومن أجل ذلك أكد علماؤنا فيما أكدوه، وجوب العلمباختلاف الفقهاء، كوجوب العلم بما أجمعوا عليه، فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة.
وفي هذا قالوا: من لم يعرف اختلاف العلماء، فليس بعالم.
من لم يعرف اختلافالفقهاء لم تشم أنفه رائحة الفقه!
النشأة على التقليد والرأي الواحد منأسباب التعصبوآفة كثير من الدخلاء على العلم أنهم لا يعرفون إلا رأيا واحدا،ووجهة واحدة أخذوا من شيخ واحد، أو انحصروا في مدرسة واحدة، ولم يتيحوا لأنفسهم أنيسمعوا رأيا آخر، أو يناقشوا وجهة نظر مخالفة، أو يحيلوا أنظارهم في أفكار المدارسالأخرى.
والعجيب في أمر هؤلاء أنهم ينهون عن التقليد، وهم في الواقع مقلدون،رفضوا تقليد الأئمة القدامى، وقلدوا بعض المعاصرين , وأي معنى للإنكار على من قلدأبا حنيفة أومالكا إذا قلدت أنت ابن تيمية أو ابن القيم؟وأنهم ينكرون المذاهبوقد جعلوا من آرائهم مذهبا خامسا، يقاتلون دونه وينكرون على من خالفه!
وأنهمينكرون علم الكلام القديم وما فيه من جدليات وتزيدات، وقد أنشئوا بأقاويلهم علمكلام جديد، لا يهتم بغرس اليقين في القلوب، بقدر ما يغرس في العقول حب الجدل فيأمور العقيدة.
إن موقف هؤلاء من الحقيقة موقف العميان من الفيل، في القصةالهندية المشهورة فهم لا يعرفون إلا ما وقعت عليه أيديهم.
ولو وسعوا آفاقهملعرفوا أن الأمر يتسع لأكثر من رأي، وأن الآراء المتعددة يمكن أن تتعايش، وإناختلفت وتعارضت. المهم هو الإنصاف وترك التعصب، والاستماع إلى الآخرين، فقد يكونونأصوب قولا، وأصح فهما.
وكم من دارس منصف رجع عن تعصبه وغلوائه، حين عرف أن فيالمسائل أقوالا عدة لعلماء معتبرين.
( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيئ قدير )
من مواضيعي
0 استفسار
0 استفسار
0 هل الريحة حرام
0 ارجو المساعدة
0 بين المذهب و التمذهب
0 حركة الاخوان المسلمين بين الدين و السياسة
0 استفسار
0 هل الريحة حرام
0 ارجو المساعدة
0 بين المذهب و التمذهب
0 حركة الاخوان المسلمين بين الدين و السياسة











