رد: صفحة مجموعة القراءة : "العاصمة 1"
22-12-2012, 03:48 PM
يحتوي الكتاب المعنون بـ "الطباشير" لكاتبته فضيلة ملهاق على مجموعة قصصية تضم العناوين التالية:
الطباشير، الطبشور، الاستخلاف، عومار قاتلاتو، استفاقة على يوم في "العين المخفية"، الوظيفة، بنت بوقندوز، عابد التمثال، وكل شيء ممكن.
أود في البداية أن أهنئ أختي تقــ الله ــوى على اختيارها الموفق للكتاب...راقني كثيرا أسلوب الكاتبة، واستمتعت جدا بقراءة أول قصة في مجموعتها هاته،... بأسلوب جذاب وثراء ملحوظ من حيث اللغة والثقافة ترسم لنا الكاتبة صورا إبداعية في غاية الجمال للتعبير عن جزء من الصراعات الداخلية التي تعيشها داخل حديقتها السرية المسيجة بأناها، ولعل فهم الأفكار التي تطرحها والاستمتاع بالصور البلاغية التي ترسمها يحتاج منا قراءة متأنية وتأمل المعاني بعد انتهاء كل جزء أو فقرة...ما أود إضافته كذلك أن الكاتبة تحافظ على عنصر المفاجأة إلى غاية نهاية القصة مما يضيف عنصر التشويق لطريقتها المميزة في السرد...أرجو أن يستمتع الجميع بقراءة هذه المجموعة القصصية.
أقترح عليكم فيما يلي بعض الفقرات التي وردت في أول قصة من الكتاب، لأنها جذبتني كثيرا وددت أن أشارككم بها وأعدكم بأني لن أحرق من خلالها عنصر المفاجأة الموجود بالقصة:
تقول الكاتبة في إحدى الفقرات: "أعجبني سردها للأسطورة وتعقيبها عليها"
(وعلى ذكر الفصول، ترصدتني صورة تلك العجوز التي طبقت لأجلها نظرية الاستعارة في مظاهر الطبيعة، فما روي عنها على لسان الجدات، أيام كان لحركة لسانهم قداسة الموقد الذي تجتمع حوله الروابط العائلية فيمنحها ما تمنحه النار للصلصال، ما لا تزال تتناقله الألسنة حتى في هذه الأيام التي أصبح يصعب فيها على نار القوانين جمع العائلة إذا ما استفحل داء تشتتها...حكاية بطلها شهر يناير، أبو الثلوج وأشد الأشهر بردا، والذي كانت الطبيعة بعده تفضي بالحكم ،تداولا، إلى أخيه شهر "فبراير" ثم "آذار" الذي يبث في شرايينها نفسا دافئا تعود معه أوجه أخرى للحياة. وبذلك، فبمجرد أن انزاحت كدمات الصقيع عن المروج انتشرت عليها أغنام تلك المرأة العجوز التي تملكتها غبطة الصحو وراحت تعبر عن فرحتها بحنو الشمس قائلة: "ولى استبدادك البارد وقيودك المجوعة يا يناير، انتهت أيام التقشف واستنفاد المدخرات، ها قد جاء عهد أخيك اللطيف الحنون". سمعها يناير الذي كان لا يزال يلملم أطراف برنسه بتثاقل المسؤول المقال من منصبه بعد طول شغل له واستعظم فكرة تفضيل أخيه عليه، لم يرق له أن تتنكر للحظات استمتاعها بحلاوة سهراته وتلذذها بالنوم في صباحاته العسلية.. لم يستسغ الوصف الذي أطلقته على عهدته الطبيعية، فزمجر غاضبا زاحفا إلى أخيه قائلا: "يا أخي يا آذار أعرني ليلة ونهار لأجل العجوز فم العار". فمنحه شهر آذار تضامنا سبعة أيام وسبع ليال استنفد فيها البرد مدخرات العجوز من الأكل والحطب وماتت معاقبة بالجوع والبرد. وهكذا بقيت سنة في الكون أن يرد شهر آذار في بعض أيامه باردا برودة تفوق أحيانا برودة أيام يناير.
هي أسطورة من الأساطير المتداولة في ذاكرتنا الشعبية بما تنسجه من المعاني والعبر عن استعارة الفصول، واستعارة العمر، واستعارة الأحلام.. لكنها في باطنها تعري مساحة من مساحات الطبع الإنساني المكبوت في ذهنية –حتى في خيالها الطليق المتحرر- تفترض تواطؤ شهرين شديدين من أشهر السنة على تغيير ناموس الطبيعة لأجل معاقبة عجوز ضعيفة لم تقو على ادخار ما يسد أيام الضنك والحاجة وليس لأجل الرد على شخص قادر على تحدي بعض قساوتها.. وأن العقاب لم يكن سوى لأنها راحت تمارس حقها في التعبير عن فرحتها بالفصل الذي تعيشه ليس إلا)
تقول الكاتبة في فقرة أخرى:
(..وحين تذبح المحبة بوردة نصلها سكينة وتخنق الثقة بيد من أجارته وتحترق المروج بنار من أينعت لأجله.. أيكون ذاك هو القدر؟ ما أكثر فروع التيه عندما تستباح مقدسات الإنسانية بتمائم تتحد فيها سذاجة المستغفلين "بفتح الفاء" بغايات المستغفلين "بكسر الفاء": إنه المكتوب.. عبارة توقف سريان تشريعات المسؤولية والعقاب. فأي مجتمع ذاك الذي يطمر الحق باسم القدر
مجتمع يصنع الظروف اختيارا وينعت النتائج قدرا.
...هل المكتوب هو مبرر أخطائنا أم أنه إخفاقنا في تبرير أخطائنا؟)
الفقرة الموالية تحديدا لم أستطع منع نفسي من أن أشارككم بها لشدة إعجابي بما ورد فيها، حيث تقول الكاتبة:
(استغاثاته "ضمير الهاء يعود إلى ذاك المفكر الذي جعلته آلات الانسان ينحني في مدافن الفكرة وسجن الكلمة.. وقد عبرت الكاتبة عن صرخاته واستغاثاته جراء القيود المفروضة عليه في فقرة سبقت هذه الفقرة" جعلتني أتمسك أكثر بحياة كلماتي وأحترز أكثر مما قد ألحقه بنفسي من خلال ما ألحقه بها، فهببت إلى أحاديث حديقتي السرية أراجع ما يحفظ حق كلمتي بكل موضوعية وحياد، وهو غالبا ما نطمره في ما ندلي به لأننا في تنامي ذرائعنا النفعية غالبا ما لا نفصل إدلاءاتنا المحايدة، حتى لو سميت إعترافا، عن إدلاءاتنا المغرضة. وهي ميزة المجتمعات التي تسيرها العاطفة.
وما أسهل أن تحكم شعبا تسيره العاطفة
وما أصعب أن تحكم شعبا تسيره العاطفة
لأنه ما بين جدية المصير وجدوى العاطفة قد يضيع المصير وقد تضيع العاطفة.
فالعاطفة التي لا يرعاها العقل قد تكون الظلم نفسه، لأنها قد تبرئ الظالم لمجرد كونه يبدو ضعيفا وتدين المظلوم لمجرد كونه يبدو قويا.. وهي الجهل بعينه لأنها تشوه ملامح المنطق، كما أنها قد تكون الحمق نفسه لأنها تبحث عن دعم الآخرين بالتحكم فيهم فتستعبدها عشوائية التمني وفوضى الرغبة.
وأي ظلم أكثر من أن نحسد الآخرين على حياة نجهل ثمنها
وأي جهل أكثر من أن نصدر أحكاما لا ندرك وقائعها
وأي عبثية أكثر من أن نصطنع مواقفا ندرك بأننا ما خُلقنا لها
فكم هي الأرواح التي تحمل ورودا انتشت من دمها
وكم هي القلوب التي تغلفها دمعة لامعة نحسبها بسمتها
وكم هي المكاتب المؤثثة بأجساد تفسد ديكورها
كل الذي جرى في لقاء الحياة بالموت وفي جنازة ذلك المفكر، وفي كل ما ساقته الكتابة إلي أو ساقتني إليه، نبهني إلى طبيعة تلك المخلوقات التي كنت أستقبلها في المستوصف الذي أقمته في حديقتي السرية، فما كان ينسجه زواره هو ما قربني منهم وأرشدني إلى حقيقتهم: إنهم آدميون.. يعيشون بين بني البشر لكنهم يتدحرجون بين مخلفات صنائعهم.. قد ننتبه لوجودهم أو لا ننتبه لكنهم موجودون، أصواتهم ترتج على وقع طبول الحرب وتتمزق في سحايا الهدنة وتنطمر في أساسات صرح السلم.. قلوبهم تنبض بكل ما من شأنه استدراك ما أضاعه آدم ذات يوم في الجنة، تلك الطمأنينة التي دفنها قابيل مع جثة هابيل.. مختلفة هي عصورهم، متفاوتة هي معاناتهم وآلامهم لكن عطاءهم يتحد في الوصف ما داموا من فصيلة واحدة، تحاليل المشاعر الإنسانية تثبت بأنهم من فصيلة العاطين العامين، تركيبتهم الفطرية تؤهلهم للتضحية والعطاء لأجل كل الفصائل والزمر حتى ولو لم يلقوا لذلك مقابلا.. حتى ولو تحوروا إلى مجرد طباشير، مادة كلسية سميكة تساهم في بناء الذات البشرية واستنباط أسباب سعادتها لتؤول إلى حبات غبار تعلق على ممسحات الذاكرة ثم يزيلها التناسي وتندثر وتذوي في اللامبالاة.)
مع أني لا أتفق معها كليا في الأفكار التي طرحتها هنا، فبالنسبة لي هذا الصنف من البشر المستعد للتضحية والعطاء لأجل كل الفصائل والزمر لا يمكن أن يكون عطاءه من دون مقابل على الأقل بالنسبة لنا نحن المسلمون، فعندما تصدق النية ويترسخ اليقين والاخلاص في القلب لابد أن يكون الأجر والجزاء مضاعفا من رب العباد، نفس الشيء بالنسبة لنظرية الإندثار والنسيان التي يمكن أن يتعرضوا لها.. بما أنه يوجد من هو أجل وأعظم يستحيل أن يخفى عليه شيء من أمري أو أن ينسى مقدار حبة من خردل من عملي، ومع هذا فأنا لا ألومها ولا أنقدها لأن حديثها جاء على وجه العموم فهي تصف حال البشر جميعا بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم العرقية و الدينية.. ما يمكنني قوله أنها صاحبة قلم متميز يخط أفكار راقية بأسلوب رائع وجميل.. فألف شكر لك يا سيدتي على ما جادت به أناملك على صفحات هذا الكتاب، وأرجو لفريقي أقصد أعضاء مجموعة المطالعة للعاصمة1 أن يستمتعوا بقراءته.
أود فقط أن أستأذن من صاحبة الكتاب أختي تقوى الله فيما إذا كانت تسمح لي بوضع بعض التعليقات والخربشات على كتابها هذا... أرجو أن لا أكون قد وضعتك بسؤالي هذا في موقف حرج، واعلمي أنه حتى وإن كنت تمانعين من وضع التعاليق على كتابك فسأتقبل ذلك بصدر رحب وبسعادة أيضا.
تحياتي للجميع.