بسم الله الرحمن الرحيم
تعقيبات على مقال: "تحليل السلفية ونقدها بداية من منبعها" (1)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأستاذ المبجل علي قسورة الإبراهيمي، أسأل الله تعالى لي ولكم التوفيق والسداد، والهداية والرشاد.
لي تعقيبات على ما اقترحتموه نقدا "للسلفية" على صفحات هذا المنتدى، أرجو أن تطلعوا عليه –مشكورين- قابلين أحسنه، متجاوزين عما سوى ذلك بالصفح والاستغفار.
حوار مفخخ..
تعمق قوم في "السلفية" وأحاطوها بفخم العبارات، وعمّوها على الناس بالإشارات، حتى أُغلق فهمها على جمهور الناس.
أما بعض ناقديها..فعوض أن ينفوا عنها خبث الـمُعمِّين، فقد أمعنوا في التعمق والإيغال..فانقلب الحوار بين هؤلاء وهؤلاء حوارا مفخخا يهابه العقلاء، يرون السلامة منه لا يعدلها شيء.
الخطب يسير..
إن الخطب يسير في فهم "مُطلق السلفية"! السلفية ما هي إلا نسبةٌ إلى السلف الصالح، أي إلى منهجهم لا إلى أنفسهم (وليحرر الفرق بين أن يكون امرؤ "سلفيا" أي تابعا لمنهج السلف وبين أن يكون "من السلف"..فلا يقال فيه حينئذ "سلفي" على الاصطلاح المتعارف!)..
ويليق بنا قبل الكلام عن إطلاق لفظ "السلفية" و"بدعيته"..أن نعود إلى لفظ "السلف الصالح" الذي نُحتت منه "السلفية"..أمعتبر إطلاقه؟ وما معناه؟ ثم هل كان للسلف الصالح مذهب ومنهج؟
"السلف الصالح"
أما لفظ السلف الصالح فهو مبثوث في كتب العقائد والتوحيد والتفسير قبل ابن تيمية بأحقاب..وأكتفي بذكر مثال واحد لذلك، قال الإمام أبو محمد بن أبي زيد القيرواني المالكي (ت 386) في مقدمة الرسالة"... والطَّاعَةُ لأئمَّة المسلمين مِن وُلاَة أمورِهم وعُلمائهم، واتِّباعُ السَّلَفِ الصَّالِح واقتفاءُ آثارِهم، والاستغفارُ لهم، وتَركُ المراءِ والجِدَالِ في الدِّين، وتَركُ ما أَحْدَثَهُ المُحْدِثُونَ"..
فنحن -إذا- متفقون –بحمد الله تعالى- على أن لفظ "السلف الصالح" معتبر موجود لم يحدثه ابن تيمية.
فما معنى "السلف الصالح"؟
لم يرد هذا اللفظ في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه سلم -حسب علمي-، ولا أدري من أول من أطلقه (وإن كنت أوقن أنه ليس ابن تيمية!)، لكن ما زال علماء الإسلام يجعلون لآيات القرآن الكريم، ولأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولمسائل الدين في كل علومه ألقابا ما وردت في كتاب ولا سنة، ولم ينكر ذلك منكر، فهذه آية الدين وآية الكلالة وآية السيف..وهذا حديث جبريل وحديث اختصام الملأ الأعلى وحديث السفينة وحديث وفد عبد القيس..وأنت ترى لفظ "الفرقة الناجية" مستنبطا من الحديث الشهير في انقسام الأمة إلى فرق كثيرة، ولفظ "الطائفة المنصورة" مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"...
ومن هذا الباب لفظ "السلف الصالح" المستنبط من حديث النبي صلى الله عليه وسلم :" خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، فأهل هذه القرون الثلاثة (القيد الأول!) من الصالحين (القيد الثاني!) هم السلف الصالح، وهم ثلاثة أجيال: جيل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، ثم جيل تلاميذ الصحابة ممن بقي على نهج الصحابة وإمامهم صلى الله عليه وسلم (التابعين)، ثم جيل تلاميذ تلاميذ الصحابة ممن بقي على نهج الجيلين السابقين (تابعي التابعين)..
لماذا هذه الأجيال بالذات؟ أليس فيمن بعدهم صالح؟ بل فيمن بعدهم صالحون إلى قيام الساعة..ولكن هذه الأجيال الثلاثة هيمن فيها الخير وقل فيها الشر نسبة لما بعدها من القرون، وقرب العهد بمنبع الإسلام، وتجمهر العلماء في حواضر معدودة محصورة، هذا كله مع التزكية النبوية في الحديث الشريف، الذي قاله من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم وكلامه شرع محكم متبع، فثبت للأهل هذه القرون الثلاثة العِصمةُ..لا عصمة أفرادهم..بل عصمةُ ما اجتمعوا عليه..
فإن قال قائل: أليس الإجماع (المستجمع لشرائطه) كله معصوم، فيقال: بلى..لكن الإجماع "المجمع عليه" تقريبا بين أهل أصول الفقه هو هذا الإجماع بالذات، ويعسر ادعاء الإجماع فيما بعد هذه الأجيال.. ةمعظم الإجماعات المنقولة عقدت في تلك الفترة المباركة..لذلك عظمت منزلة إجماع السلف=القرون الثلاثة وتأكدت أهميته في دين الله تعالى ..
السلفية=اتباع الإجماع
وها قد خلصنا بحمد الله تعالى إلى مفهوم غاية في اليسر "للسلفية" التي خاض فيها الخائضون، ما السلفية إلا اتباع السلف الصالح..وما اتباع السلف الصالح إلا اتباع دليل الإجماع..
لكن قد يقول قائل: "مسألة الإجماع واتباعه مفروضة في مسائل الأحكام والفروع، وغالب الجدال حول "السلفية" في مسائل العقائد والأصول؟"
فيقال له:
"الإجماع حجة ملزمة في الأصول والفروع، والعقائد والأحكام والسلوك، ومن فرّق طولب بالدليل..وكما نطالب بالتسليم لإجماع السلف في الحلال والحرام ، نطالب بالتسليم لما أجمعوا عليه من فهم لدين الله تعالى ، ولا فرق..لأن فهمهم (المجمع عليه) لمسألة من مسائل الدين هو الفرقان بين الحق والباطل، والسنة والبدعة، وبيان ذلك أن:
القرآن الكريم موجود محفوظ لا يقدر زائغ على تحريف لفظه
والسنة النبوية موجودة مجموعة مخدومة يعسر على ضال تنفيق بضاعته بإنكارها..
ولكن تقدر كل فرقة على لي أعناق النصوص بما يتفق مع أهوائها فما الفيصل حينئذ؟
إنه إجماع السلف الصالح على فهم مسألة من مسائل الدين بما يعصم من تحريف معانيه، وهذا من حفظ الدين ونصوصه، فليس المحفوظ من الإسلام الألفاظ فحسب، بل الألفاظ والمعاني.
وقد يقول قائل: سلمنا لك "عصمة" اتفاقهم، فما نفعل إذا اختلفوا؟.. فيقال له: ما زلت في فلك "الإجماع" تدور! فإن أهل هذه الفترة المختارة يتفقون (على أهم مسائل الدين).. وقد يختلفون..فإذا اختلفوا رجعنا إلى باب من أبواب أصول الفقه من تفاريع الإجماع ترجمته: "هل يجوز إحداث قول جديد؟"
أي إذا انحصر الخلاف في الجيل السابق في قولين مثلا هل يجوز إحداث قول ثالث في المسألة؟ وأعدل الأقوال أنه لا يجوز إحداث قول جديد، فإن أهل الجيل المختلف..وهم في حالتنا هذه القرون الثلاثة إن اختلفوا في مسألة على أقوال فإن الحق محصور فيها لا يخرج عنها، لأن الحق لا يغيب عن جميع الأمة في عصر من العصور، وذاك هو عين دليل الإجماع، ومن أحدث في المسألة قولا آخر فكأنما طعن في هذا الأصل أصل عدم اجتماع الأمة على ضلالة..وأصل عدم غياب الحق عن مجموعها..
وقد يقول قائل: لكن كيف نجمد على أقوال السلف وقد حدثت في الدنيا حدوث وأقضية لا يحصيها حاص؟.فيقال له: منهج السلف الصالح ليس نصوصا تتنزل على مسائل بعينها فحسب، بل هو قواعد في الاجتهاد مردها إلى الفهم الصحيح للدين الذي جمع الله عليه الأمة في خير قرونها، وهي قواعد عامة مطردة معصومة صالحة لكل زمان ومكان..ولا يعقل ذلك إلا من اطلع عليها وعاناها وتفقه فيها.
لكن..هل كان للسلف الصالح منهج ومذهب؟
قد يقول قائل: "نسلم لك ما قلت إن كان للسلف (القرون الثلاثة) منهج متبع، ومذهب مطرد في الدين قائم على أصوله سائر على قواعده" فيقال له: هل يليق بمؤمن أن يعتقد غير ذلك؟ لا مرية أنه قد كان لأهل القرون الثلاثة المفضلة بدءا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر تابع تابعي منهج في فهم الدين وقواعد عامة مشتركة في ذلك، هذا الفهم جمعه لنا كتب السنن من جوامع ومسانيد ومصنفات، التي لم تحفظ لنا الحديث النبوي فقط بل حفظت آثار الصحابة والتابعين وتابعيهم، إلى أن قيض الله تعالى من استقرأها ممن جاء بعدهم ورتبها وبوبها، فجاءت كتب العقائد والتوحيد (وكثير منها مسند!) وفق فهومهم النقية، وجاءت كتب أصول الفقه وفق قواعدهم السليمة، وجاءت كتب السلوك وفق أذواقهم النقية..هذا كله قبل يجتاح التأليف طاعون "الكلام"! وما زال في كل عصر من يضع للمسلمين كتبا في العلوم على وفق فهم السلف الصالح، وإن خفيت تلك المؤلفات على الكثير لأسباب تاريخية ومذهبية قد يشار إلى بعضها لاحقا –إن يسر الله تبارك وتعالى-
التعديل الأخير تم بواسطة سميع الحق ; 13-08-2014 الساعة 01:58 PM
سبب آخر: تصحيحات