ميزان الإعتدال في نقد الدعاة والرجال* للشيخ أبو يزيد المدني *
26-01-2009, 01:13 PM
ميزان الإعتدال في نقد الدعاة والرجال* للشيخ أبو يزيد المدني *
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين, وبعد:
اعلم أخي الكريم هداك الله للحق, وجعلك من أنصاره أنّ الكلام في أهل العلم والدعاة على مقامين اثنين:
أما المقام الأوّل:
فهو مقام الامتحان بالرجال, وتصنيف الناس إلى فرق وطرائق, شعارهم في ذلك: "إما الموافقة أو المفارقة".
فتجد الواحد منهم لا ينفك عن سؤالك عن حكمك في فلان, ولا يرضى منك إلا قولاً فصلاً, إما سلباً أو إيجاباً, وعلى وفقه تصنّف.
وهذه بدعة نكراء, ونحلة عوجاء
قال الإمام البربهاري رحمه الله: "و المحنة في الإسلام بدعة".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولا ينصب لهم كلاما يوالى عليه ويعادى عليه غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصا أو كلاما يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون " (مجموع الفتاوى 20/164).
أما المقام الثاني:
فهو مقام بيان الحال, من أجل الاقتداء والاهتداء, وهذا أصل مشروع في نحلتنا وملتنا, ومسلك رشيد لأسلافنا, يشهد لذلك:
- ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين رحمه الله قوله : "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم، فيُنْظَرُ إلى أهل السنة فيُؤْخذ حديثُهم، ويُنْظَر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم".
- وقال محمد بن سيرين و مالك بن أنس و غيرهما من السلف: "هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
- وقال الإمام ابن العربي رحمه الله:" فما زال السلف يزكون بعضهم بعضا و يتوارثون التزكيات خلفا عن سلف، و كان علماؤنا لا يأخذون العلم إلا ممن زكي وأخذ الإجازة من أشياخه".
ولكن يتعيّن في هذا المقام ضوابط تصون عن الجور والحيف, منها:
1- العدل والإنصاف:
- إنّ من الحيف أن يكون المثربون على الدعاة كأمثال الذباب لا يقع إلا على الجرح والقيح, وينسى بحور الحسنات التي اختصّ بها هذا الشيخ وذاك الداعية.
وهنا يقرّر صحة قاعدة الموازنات بين الحسنات والسيئات عند تقويم الرجال والجماعات, لأنّ القول بإلغاء الموازنات مطلقاً هو قول محدث مركّب من بدعة الخوارج والمرجئة معاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر, وفجور وطاعة ومعصية, وسنة وبدعة, استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير, واستحق من المعادات والعقاب بحسب ما فيه من الشر, فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة, فيجتمع له من هذا وهذا, كاللص الفقير تقطع يده لسرقته, ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته.
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة, وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه, فلم يجعلوا الناس لا مستحقاً للثواب فقط, ولا مستحقاً للعقاب فقط, وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضل رحمته, كما استفاضت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم"(مجموع الفتاوى 28/209).
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: "عندما نريد أن نقوّم الشخص، فيجب أن نذكر المحاسن والمساوئ، لأن هذا هو الميزان العدل, وعندما نحذر من خطأ شخص فنذكر الخطأ فقط، لأن المقام مقام تحذير"("لقاء الباب المفتوح", ص153).
- وليس من العدل والإنصاف, إلزام الداعية والشخص بما لم يلتزم به, إذ القاعدة الأصولية تقول: "لازم القول ليس بقول ما لم يلتزم به صاحبه".
وهنا نسجل كثيراً من التجنّي على إخواننا الدعاة, حينما يهجم على أقوالهم, ويقدح في نياتهم, ويلزمون بما ليس لازماً من أقوالهم.
2- التثبت من الزلات والأخطاء:
إذا نسب إلى أحدٍ من الدعاة - من أهل السنّة والجماعة- شيء يُستنكر, فلا بد من التثبّت؛ وذلك بتمحيص الخبر والتحقيق من صدقه قبل المبادرة إلى الإنكار.
وهذا التثبّت وإن كان سنّةً جاريةً في كلّ حال إلاّ أنه يتأكد في حالتين:
· الأولى: وجود قرينة تشكك في الخبر, مثل: فسق القائل, أو غرابة القول, أو كونه ناقضاً لأصل تأكّد وثبت بدليل قطعي.
ولا يخلو الكلام في الدعاة من إحدى هذه القرائن, إذ قد ثبتت عدالة العلماء والدعاة وفضلهم بشهادة الأمة لهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
· الحالة الثانية: وقوع الفتـن والشرور واضطراب الأحوال وتبلبل الأذهان, فإنّ ذلك إذا وقع في زمانٍ وجب التثبّت والتبيّن لما يستدعيه زمن الفتـن من كثرة الكذب والافتراء, والطعن في الذوات والأشخاص.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "ربما تنقل لنا الأشياء عن العالم أو عن الأمير على غير وجهها، إما لسوء القصد من الناقل؛ لأنّ بعض الناس والعياذ بالله يحبّ تشهير السوء بالعلماء وبالأمراء، فيكون سيء القصد ينقل عليهم ما لم يقولوا، وينسب إليهم ما لا يفعلوا، فلا بد إذا سمعنا عن عالم أو عن أمير ما نرى أنه أخطأ لا بد في تمام النصيحة من الاتصال به, ومناقشته, وبيان الأمر وتبينه حتى نكون على بصيرة"("شرح رياض الصالحين" 1/683).
3- التريّث وعدم المسارعة إلى الإنكار:
ينبغي للمرء إذا نقل إليه زلة لعالم أو داعية من طريق صحيح موثوق أن يتأمل هل هذا محل انتقاد أم لا؟ لأنه قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن القول منتقد، وعند التأمل يرى أنه حق، فلابد أن يتأمل حتى ينظر هل هو منتقد أو لا؟.
فمن حق العلماء والدعاة أن يُتأمل قولهم واجتهادهم و لا يهجم إلى نقده؛ فكم من قول لعالم انتقده بعض الناس, وآفة الناقد الفهم السقيم لكلامهم.
وَكَم مِن عائِبٍ قَولاً صَحيحاً************* وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ
قال سهل بن حنيف رضي الله عنه: "يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم؛ لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ز عليه لرددته"(متفق عليه).
قال ابن حجر رحمه الله -في فوائد قصة الحديبية-: " وفي الحديث أنّ التابع لا يليق به الاعتراض على المتبوع بمجرد ما يظهر في الحال؛ بل عليه التسليم لأنّ المتبوع أعرف بمآل الأمور غالباً بكثرة التجربة, ولا سيما مع من هو مؤيد بالوحي"("فتح الباري" 5/352).
3- الرفق والتلطّف, واجتناب الطعن والتجريح:
ينبغي للمرء أن يتلطّف مع العالم والداعية ويخاطبه برفق, ويبيّن له خطأه دون طعن أو تجريح.
لأنّ الفظاظة والغلظة ربما تدفع العالم إلى رد الموعظة والنصيحة.
فعن سفيان الثوري قال: "قلت لمسعر: تحب أن يخبرك رجل بعيوبك؟ قال: أما أن يجيء إنسان فيوبخني بها: فلا, وأما أن يجيء ناصح: فنعم" (رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" 14/9).
ولا يجعل المرء من الخطأ مسوغاً للمز العالم والداعية والتشهير به, لأنّ هذه الزلة مغمورة في بحر حسناته, والحكم يكون بكثرة الفضائل.
قال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام محمد بن نصر المروزي: "ولو أنّا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له قمنا عليه و بدَّعناه، وهجرناه، لما سلم معنا ابن نصير، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما، و الله هو هادي الخلق إلى الحق، هو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى و الفظاظة"("سير أعلام النبلاء" 14/34).
وكان من هدي السلف رحمهم الله التأدب والتلطّف مع العالم والداعية حال تنبيهه على زلّة, أو لفت نظره إلى خطأ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -حين اضطره المقام إلى الخوض في مسألة زلات العلماء-: "نعوذ بالله سبحانه مما يفضي إلى الوقيعة في أعراض الأئمة، أو انتقاص أحد منهم، أو عدم المعرفة بمقاديرهم و فضلهم، أو محادتهم و ترك محبتهم و موالاتهم، ونرجو من الله سبحانه أن نكون ممن يحبهم و يواليهم و يعرف من حقوقهم و فضلهم ما لا يعرفه أكثر الأتباع، وأن يكون نصيبنا من ذلك أوفر نصيب و أعظم حظ، ولا حول ولا قوة إلا بالله"("مجموع الفتاوى" 6/77).
ومن هنا يتبيّن لنا خطأ الكثير من الناصحين حينما يجعلون الفظاظة والشدّة أسلوباً لمخاطبة العلماء والدعاة, وهم بذلك قد جانبوا الصواب, واعتدوا على ورثة الأنبياء الذين هم أولى الناس بالإجلال والرفق.
4- الإسرار بالنصيحة والردّ:
فإنّ الناصح ليس غرضه إشاعة عيوب من ينصح له, وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها, فمهما أمكن النصح في الستر, فلا ينبغي العدول عنه إلى المجاهرة في الملأ.
لأنّ التشهير بالعالم والداعية من أقبح القبائح, فهو يجرئ الأراذل عليه, ويسوِّغ لضعاف النفوس الاسترسال في المعاصي قدوة بهذا العالم, فوجب التنبّه إلى ذلك.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله -في وجوب الإسرار بالنصيحة-:
تَعَمَّدني بِنُصحِكَ في اِنفِرادي********** وَجَنِّبني النَصيحَةَ في الجَماعَه
فَإِنَّ النُصحَ بَينَ الناسِ نَوعٌ************ مِنَ التَوبيخِ لا أَرضى اِستِماعَه
وَإِن خالَفتَني وَعَصِيتَ قَولي*********** فَلا تَجزَع إِذا لَم تُعطَ طاعَه
والتشهير بزلاّت العلماء والدعاة وأخطائهم على رؤوس الأشهاد بغرض التنقّص منهم يعتبر تتبعاً للعورات التي نهينا عن تتبعها.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "إذا كان مرادُ الرادِّ- على العالم - بذلك: إظهارَ عيب من ردَّ عليه, وتنقصه, وتبيين جهله وقصوره في العلم ونحو ذلك؛ كان محرماً سواء كان ردُّه لذلك في وجه من ردِّ عليه, أو في غيبته, وسواء كان في حياته, أو بعد موته.
وهذا داخلٌ فيما ذمَّه الله تعالى في كتابه, وتوعَّد عليه في الهمز واللمز.
وداخلٌ أيضاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه, ولم يؤمن بقلبه؛ لا تؤذوا المسلمين, ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته, ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته»(رواه أبو داود في سننه 4/270, وصححه الألباني).
وهذا كلّه في حق العلماء المقتدى بهم في الدين؛ فأما أهل البدع والضلالة, ومن تشبه بالعلماء وليس منهم؛ فيجوز بيان جهلهم, وإظهار عيوبهم تحذيراً من الاقتداء بهم" ("الفرق بين النصيحة والتعيير" ص 25).
وكان السلف رحمهم الله على جانب عظيم من التأدّب بهذا الأدب في النصيحة.
فعن سفيان الثوري قال: "جاء طلحة إلى عبد الجبار بن وائل, وعنده قوم فسارَّه بشيء, ثم انصرف, فقال: أتدرون ما قال لي ؟ قال: رأيتك التفت أمس وأنت تصلي" (رواه أبو حاتم البستي في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" ص 197).
وقال يحي بن معين رحمه الله: "أخطأ عفان في نيف وعشرين حديثاً, ما أعلمت بها أحداً, وأعلمته سراً"("تاريخ دمشق" 65/2.
يقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله - مبيناً الطريقة المثلى في التعامل مع زلّة العالم, والداعية وموضحاً في الوقت ذاته خطأ الكثير من الوعّاظ والناصحين في تعاملهم مع زلّة العالم-.
قال رحمه الله: "إذا تبين لك حسب رأيك أن ما نُسِبَ إلى العالم وصَحَّت نسبته إليه ليس بحق، فالواجب أن تتصل بهذا العالم بأدب ووقار، وتقول: سمعت عنك كذا وكذا، وأحب أن تبين لي وجه ذلك، لأنك أعلم مني، فإذا بيّن لك هذا فلك حق المناقشة، لكن بأدب واحترام وتعظيم له بحسب مكانته, وبحسب ما يليق به.
أما ما يفعله بعض الجهلة الذين يأتون إلى العالم الذي رأى بخلاف ما يرون، يأتون إليه بعنف وشدة، وربما نفضوا أيديهم في وجه العالم، وقالوا له: ما هذا القول الذي أحدثته؟ ما هذا القول المنكر؟ وأنت لا تخاف الله، وبعد التأمل تجد العالم موافقاً للحديث وهم المخالفون له، وغالب ما يُؤْتَى هؤلاء من إعجابهم بأنفسهم، وظنهم أنهم هم أهل السنة, وأنهم هم الذين على طريق السلف، وهم أبعد ما يكون عن طريق السلف وعن السنة.
فالإنسان إذا أعجب بنفسه -نسأل الله السلامة- رأى غيره كالذَرِّ، فاحذر هذا"("شرح الأربعين النووية" لابن عثيمين, شرح حديث: "الدين النصيحة).
فأين هؤلاء من صنيع بعض الغلاة حينما ينشرون الردود والطعون على الدعاة ويألبون عليهم, ويثربون, والأدهى والأمر, أنهم في أكثر الأحيان لا يتصلون بالمنصوح له, بل شعارهم وهجيراهم الطعن والتشهير, فلا حول ولا قوة إلا بالله.
5- بيان حال الدعاة لا يكون إلا ممن اجتمع فيه العدل والعلم:
كثيراً ما يلجأ الناس عند سؤالهم عن حال الدعاة -خصوصاً من أهل السنة والجماعة- إلى الحاقدين والحاسدين من الأقران, أو من الذين يجهلون حال المسئول عنه.
وهنا تأتي البلية والطامة, لأنها شهادة, والشهادة لا تكون إلا عن عدل وعلم, لقوله تعالى: {وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}.
ويظهر لك مقدار الظلم والحيف الواقع على إخواننا الدعاة, حينما يكون المتكلم فيهم والطاعن عليه, قد جمع بين حشف وسوء كيل, فلا هو عالم بحال المتكلم فيه, ولا بقواعد الرد والنصح.
ولا هو عادل في حكمه ونصحه.
يتكلم في الداعية ويطعن عليه, وهو لم يره عياناً ولم يتلو له بياناً, ولم يسمع له مقالاً, فلعمري على أي أساس بنى حكمه وطعنه, هل تلقاه من أغرار لا يتثبتون في قول ولا نقل, أما أنها أضغاط أحلام ووسوسة شياطين.
والناظر في صنيع المحدثين ممن اشتغل بعلم الرجال, كان الواحد منهم لا يقلي الحكم على عواهنه بل يرحل لمعرفة حال الشخص, ويقطع في سبيل ذلك المفاوز.
من إجابات الشيخ أبو يزيد المدني الجزائري حفظه الله
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين, وبعد:
اعلم أخي الكريم هداك الله للحق, وجعلك من أنصاره أنّ الكلام في أهل العلم والدعاة على مقامين اثنين:
أما المقام الأوّل:
فهو مقام الامتحان بالرجال, وتصنيف الناس إلى فرق وطرائق, شعارهم في ذلك: "إما الموافقة أو المفارقة".
فتجد الواحد منهم لا ينفك عن سؤالك عن حكمك في فلان, ولا يرضى منك إلا قولاً فصلاً, إما سلباً أو إيجاباً, وعلى وفقه تصنّف.
وهذه بدعة نكراء, ونحلة عوجاء
قال الإمام البربهاري رحمه الله: "و المحنة في الإسلام بدعة".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولا ينصب لهم كلاما يوالى عليه ويعادى عليه غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصا أو كلاما يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون " (مجموع الفتاوى 20/164).
أما المقام الثاني:
فهو مقام بيان الحال, من أجل الاقتداء والاهتداء, وهذا أصل مشروع في نحلتنا وملتنا, ومسلك رشيد لأسلافنا, يشهد لذلك:
- ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين رحمه الله قوله : "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا لنا رجالكم، فيُنْظَرُ إلى أهل السنة فيُؤْخذ حديثُهم، ويُنْظَر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم".
- وقال محمد بن سيرين و مالك بن أنس و غيرهما من السلف: "هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
- وقال الإمام ابن العربي رحمه الله:" فما زال السلف يزكون بعضهم بعضا و يتوارثون التزكيات خلفا عن سلف، و كان علماؤنا لا يأخذون العلم إلا ممن زكي وأخذ الإجازة من أشياخه".
ولكن يتعيّن في هذا المقام ضوابط تصون عن الجور والحيف, منها:
1- العدل والإنصاف:
- إنّ من الحيف أن يكون المثربون على الدعاة كأمثال الذباب لا يقع إلا على الجرح والقيح, وينسى بحور الحسنات التي اختصّ بها هذا الشيخ وذاك الداعية.
وهنا يقرّر صحة قاعدة الموازنات بين الحسنات والسيئات عند تقويم الرجال والجماعات, لأنّ القول بإلغاء الموازنات مطلقاً هو قول محدث مركّب من بدعة الخوارج والمرجئة معاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر, وفجور وطاعة ومعصية, وسنة وبدعة, استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير, واستحق من المعادات والعقاب بحسب ما فيه من الشر, فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة, فيجتمع له من هذا وهذا, كاللص الفقير تقطع يده لسرقته, ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته.
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة, وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه, فلم يجعلوا الناس لا مستحقاً للثواب فقط, ولا مستحقاً للعقاب فقط, وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضل رحمته, كما استفاضت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم"(مجموع الفتاوى 28/209).
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: "عندما نريد أن نقوّم الشخص، فيجب أن نذكر المحاسن والمساوئ، لأن هذا هو الميزان العدل, وعندما نحذر من خطأ شخص فنذكر الخطأ فقط، لأن المقام مقام تحذير"("لقاء الباب المفتوح", ص153).
- وليس من العدل والإنصاف, إلزام الداعية والشخص بما لم يلتزم به, إذ القاعدة الأصولية تقول: "لازم القول ليس بقول ما لم يلتزم به صاحبه".
وهنا نسجل كثيراً من التجنّي على إخواننا الدعاة, حينما يهجم على أقوالهم, ويقدح في نياتهم, ويلزمون بما ليس لازماً من أقوالهم.
2- التثبت من الزلات والأخطاء:
إذا نسب إلى أحدٍ من الدعاة - من أهل السنّة والجماعة- شيء يُستنكر, فلا بد من التثبّت؛ وذلك بتمحيص الخبر والتحقيق من صدقه قبل المبادرة إلى الإنكار.
وهذا التثبّت وإن كان سنّةً جاريةً في كلّ حال إلاّ أنه يتأكد في حالتين:
· الأولى: وجود قرينة تشكك في الخبر, مثل: فسق القائل, أو غرابة القول, أو كونه ناقضاً لأصل تأكّد وثبت بدليل قطعي.
ولا يخلو الكلام في الدعاة من إحدى هذه القرائن, إذ قد ثبتت عدالة العلماء والدعاة وفضلهم بشهادة الأمة لهم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
· الحالة الثانية: وقوع الفتـن والشرور واضطراب الأحوال وتبلبل الأذهان, فإنّ ذلك إذا وقع في زمانٍ وجب التثبّت والتبيّن لما يستدعيه زمن الفتـن من كثرة الكذب والافتراء, والطعن في الذوات والأشخاص.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "ربما تنقل لنا الأشياء عن العالم أو عن الأمير على غير وجهها، إما لسوء القصد من الناقل؛ لأنّ بعض الناس والعياذ بالله يحبّ تشهير السوء بالعلماء وبالأمراء، فيكون سيء القصد ينقل عليهم ما لم يقولوا، وينسب إليهم ما لا يفعلوا، فلا بد إذا سمعنا عن عالم أو عن أمير ما نرى أنه أخطأ لا بد في تمام النصيحة من الاتصال به, ومناقشته, وبيان الأمر وتبينه حتى نكون على بصيرة"("شرح رياض الصالحين" 1/683).
3- التريّث وعدم المسارعة إلى الإنكار:
ينبغي للمرء إذا نقل إليه زلة لعالم أو داعية من طريق صحيح موثوق أن يتأمل هل هذا محل انتقاد أم لا؟ لأنه قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن القول منتقد، وعند التأمل يرى أنه حق، فلابد أن يتأمل حتى ينظر هل هو منتقد أو لا؟.
فمن حق العلماء والدعاة أن يُتأمل قولهم واجتهادهم و لا يهجم إلى نقده؛ فكم من قول لعالم انتقده بعض الناس, وآفة الناقد الفهم السقيم لكلامهم.
وَكَم مِن عائِبٍ قَولاً صَحيحاً************* وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ
قال سهل بن حنيف رضي الله عنه: "يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم؛ لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ز عليه لرددته"(متفق عليه).
قال ابن حجر رحمه الله -في فوائد قصة الحديبية-: " وفي الحديث أنّ التابع لا يليق به الاعتراض على المتبوع بمجرد ما يظهر في الحال؛ بل عليه التسليم لأنّ المتبوع أعرف بمآل الأمور غالباً بكثرة التجربة, ولا سيما مع من هو مؤيد بالوحي"("فتح الباري" 5/352).
3- الرفق والتلطّف, واجتناب الطعن والتجريح:
ينبغي للمرء أن يتلطّف مع العالم والداعية ويخاطبه برفق, ويبيّن له خطأه دون طعن أو تجريح.
لأنّ الفظاظة والغلظة ربما تدفع العالم إلى رد الموعظة والنصيحة.
فعن سفيان الثوري قال: "قلت لمسعر: تحب أن يخبرك رجل بعيوبك؟ قال: أما أن يجيء إنسان فيوبخني بها: فلا, وأما أن يجيء ناصح: فنعم" (رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" 14/9).
ولا يجعل المرء من الخطأ مسوغاً للمز العالم والداعية والتشهير به, لأنّ هذه الزلة مغمورة في بحر حسناته, والحكم يكون بكثرة الفضائل.
قال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام محمد بن نصر المروزي: "ولو أنّا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له قمنا عليه و بدَّعناه، وهجرناه، لما سلم معنا ابن نصير، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما، و الله هو هادي الخلق إلى الحق، هو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى و الفظاظة"("سير أعلام النبلاء" 14/34).
وكان من هدي السلف رحمهم الله التأدب والتلطّف مع العالم والداعية حال تنبيهه على زلّة, أو لفت نظره إلى خطأ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -حين اضطره المقام إلى الخوض في مسألة زلات العلماء-: "نعوذ بالله سبحانه مما يفضي إلى الوقيعة في أعراض الأئمة، أو انتقاص أحد منهم، أو عدم المعرفة بمقاديرهم و فضلهم، أو محادتهم و ترك محبتهم و موالاتهم، ونرجو من الله سبحانه أن نكون ممن يحبهم و يواليهم و يعرف من حقوقهم و فضلهم ما لا يعرفه أكثر الأتباع، وأن يكون نصيبنا من ذلك أوفر نصيب و أعظم حظ، ولا حول ولا قوة إلا بالله"("مجموع الفتاوى" 6/77).
ومن هنا يتبيّن لنا خطأ الكثير من الناصحين حينما يجعلون الفظاظة والشدّة أسلوباً لمخاطبة العلماء والدعاة, وهم بذلك قد جانبوا الصواب, واعتدوا على ورثة الأنبياء الذين هم أولى الناس بالإجلال والرفق.
4- الإسرار بالنصيحة والردّ:
فإنّ الناصح ليس غرضه إشاعة عيوب من ينصح له, وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها, فمهما أمكن النصح في الستر, فلا ينبغي العدول عنه إلى المجاهرة في الملأ.
لأنّ التشهير بالعالم والداعية من أقبح القبائح, فهو يجرئ الأراذل عليه, ويسوِّغ لضعاف النفوس الاسترسال في المعاصي قدوة بهذا العالم, فوجب التنبّه إلى ذلك.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله -في وجوب الإسرار بالنصيحة-:
تَعَمَّدني بِنُصحِكَ في اِنفِرادي********** وَجَنِّبني النَصيحَةَ في الجَماعَه
فَإِنَّ النُصحَ بَينَ الناسِ نَوعٌ************ مِنَ التَوبيخِ لا أَرضى اِستِماعَه
وَإِن خالَفتَني وَعَصِيتَ قَولي*********** فَلا تَجزَع إِذا لَم تُعطَ طاعَه
والتشهير بزلاّت العلماء والدعاة وأخطائهم على رؤوس الأشهاد بغرض التنقّص منهم يعتبر تتبعاً للعورات التي نهينا عن تتبعها.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "إذا كان مرادُ الرادِّ- على العالم - بذلك: إظهارَ عيب من ردَّ عليه, وتنقصه, وتبيين جهله وقصوره في العلم ونحو ذلك؛ كان محرماً سواء كان ردُّه لذلك في وجه من ردِّ عليه, أو في غيبته, وسواء كان في حياته, أو بعد موته.
وهذا داخلٌ فيما ذمَّه الله تعالى في كتابه, وتوعَّد عليه في الهمز واللمز.
وداخلٌ أيضاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر من آمن بلسانه, ولم يؤمن بقلبه؛ لا تؤذوا المسلمين, ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته, ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته»(رواه أبو داود في سننه 4/270, وصححه الألباني).
وهذا كلّه في حق العلماء المقتدى بهم في الدين؛ فأما أهل البدع والضلالة, ومن تشبه بالعلماء وليس منهم؛ فيجوز بيان جهلهم, وإظهار عيوبهم تحذيراً من الاقتداء بهم" ("الفرق بين النصيحة والتعيير" ص 25).
وكان السلف رحمهم الله على جانب عظيم من التأدّب بهذا الأدب في النصيحة.
فعن سفيان الثوري قال: "جاء طلحة إلى عبد الجبار بن وائل, وعنده قوم فسارَّه بشيء, ثم انصرف, فقال: أتدرون ما قال لي ؟ قال: رأيتك التفت أمس وأنت تصلي" (رواه أبو حاتم البستي في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" ص 197).
وقال يحي بن معين رحمه الله: "أخطأ عفان في نيف وعشرين حديثاً, ما أعلمت بها أحداً, وأعلمته سراً"("تاريخ دمشق" 65/2.
يقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله - مبيناً الطريقة المثلى في التعامل مع زلّة العالم, والداعية وموضحاً في الوقت ذاته خطأ الكثير من الوعّاظ والناصحين في تعاملهم مع زلّة العالم-.
قال رحمه الله: "إذا تبين لك حسب رأيك أن ما نُسِبَ إلى العالم وصَحَّت نسبته إليه ليس بحق، فالواجب أن تتصل بهذا العالم بأدب ووقار، وتقول: سمعت عنك كذا وكذا، وأحب أن تبين لي وجه ذلك، لأنك أعلم مني، فإذا بيّن لك هذا فلك حق المناقشة، لكن بأدب واحترام وتعظيم له بحسب مكانته, وبحسب ما يليق به.
أما ما يفعله بعض الجهلة الذين يأتون إلى العالم الذي رأى بخلاف ما يرون، يأتون إليه بعنف وشدة، وربما نفضوا أيديهم في وجه العالم، وقالوا له: ما هذا القول الذي أحدثته؟ ما هذا القول المنكر؟ وأنت لا تخاف الله، وبعد التأمل تجد العالم موافقاً للحديث وهم المخالفون له، وغالب ما يُؤْتَى هؤلاء من إعجابهم بأنفسهم، وظنهم أنهم هم أهل السنة, وأنهم هم الذين على طريق السلف، وهم أبعد ما يكون عن طريق السلف وعن السنة.
فالإنسان إذا أعجب بنفسه -نسأل الله السلامة- رأى غيره كالذَرِّ، فاحذر هذا"("شرح الأربعين النووية" لابن عثيمين, شرح حديث: "الدين النصيحة).
فأين هؤلاء من صنيع بعض الغلاة حينما ينشرون الردود والطعون على الدعاة ويألبون عليهم, ويثربون, والأدهى والأمر, أنهم في أكثر الأحيان لا يتصلون بالمنصوح له, بل شعارهم وهجيراهم الطعن والتشهير, فلا حول ولا قوة إلا بالله.
5- بيان حال الدعاة لا يكون إلا ممن اجتمع فيه العدل والعلم:
كثيراً ما يلجأ الناس عند سؤالهم عن حال الدعاة -خصوصاً من أهل السنة والجماعة- إلى الحاقدين والحاسدين من الأقران, أو من الذين يجهلون حال المسئول عنه.
وهنا تأتي البلية والطامة, لأنها شهادة, والشهادة لا تكون إلا عن عدل وعلم, لقوله تعالى: {وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}.
ويظهر لك مقدار الظلم والحيف الواقع على إخواننا الدعاة, حينما يكون المتكلم فيهم والطاعن عليه, قد جمع بين حشف وسوء كيل, فلا هو عالم بحال المتكلم فيه, ولا بقواعد الرد والنصح.
ولا هو عادل في حكمه ونصحه.
يتكلم في الداعية ويطعن عليه, وهو لم يره عياناً ولم يتلو له بياناً, ولم يسمع له مقالاً, فلعمري على أي أساس بنى حكمه وطعنه, هل تلقاه من أغرار لا يتثبتون في قول ولا نقل, أما أنها أضغاط أحلام ووسوسة شياطين.
والناظر في صنيع المحدثين ممن اشتغل بعلم الرجال, كان الواحد منهم لا يقلي الحكم على عواهنه بل يرحل لمعرفة حال الشخص, ويقطع في سبيل ذلك المفاوز.
من إجابات الشيخ أبو يزيد المدني الجزائري حفظه الله
أخوكم في الخدمة
من مواضيعي
0 المنهاج في وجوب نصرة أهل السنة في دمّاج.للشّيخ سليم بن صفية الجزائري ,حفظه الله,
0 تغيير مؤقت على منتديات تبسة الإسلامية
0 بيان وإستنكار على ما نشرته جريدة الشروق لكلام أحمد عيساوي حول القروض الربوية
0 بيان وإستنكار على ما نشرته جريدة الشروق لكلام أحمد عيساوي حول القروض الربوية
0 المظاهرات والمسيرات من وسائل الإفساد لا الإصلاح . للشيخ سليم بن صفية الجزائري -
0 بشرى بصدور كتاب جديد لشيخ جزائري
0 تغيير مؤقت على منتديات تبسة الإسلامية
0 بيان وإستنكار على ما نشرته جريدة الشروق لكلام أحمد عيساوي حول القروض الربوية
0 بيان وإستنكار على ما نشرته جريدة الشروق لكلام أحمد عيساوي حول القروض الربوية
0 المظاهرات والمسيرات من وسائل الإفساد لا الإصلاح . للشيخ سليم بن صفية الجزائري -
0 بشرى بصدور كتاب جديد لشيخ جزائري









