المنقولات والمعقولات
الذباب الحركي.. و"الناموس" السلفي!
"عن أحمد بن عمرو بن المقدام الرازي، قال: وقع الذباب على المنصور فذبَّه عنه، فعاد فذبَّه حتى أضجره، فدخل جعفر بن محمد عليه (الصادق، بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه وعن آبائه) فقال له المنصور: يا أبا عبد الله، لِمَ خَلَقَ اللَّهُ الذُّبَابَ. قال: لِيُذِلَّ بِهِ الْجَبَابِرَةَ!". [حلية الأولياء 1/482؛ وقد روي الخبر أيضا عن مُقاتل بن سليمان، لكنه بكلام الطَّالِبِيِّين أشبه!].
لو قيل لي التمس مقالا ظالما، غشوما، مجحفا، شاطحا، ناطحا، لا ينظر إلى شيء مما عند الناس إلا بعين خزراء ساخطة، كالذي كنتَ تحدّث عنه آنفا؛ لما وجدتُ خيرا من هذا المقال: "الذُّباب الحركي" الذي كتبه الدُّكتور حَمَد العثمان، ونقله أحد إخواننا أعضاء المنتدى (جمال البليدي).
لمن لا يعرف الدكتور حمد بن إبراهيم العثمان، فإنه أستاذ بكلية الشريعة بجامعة الكويت، وهو من تلاميذ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، وقد كنتُ قرأت له بحثا حديثيا مستوفيا في تخريج آية الرجم المنسوخة، واطلعتُ على ملخَّص لبحثه: "كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم".. كما قرأتُ ثناء الشيخ الفاضل: أبي تيمية إبراهيم الميلي (وحسبُك به علما، وفضلا، وحكمة) عليه وعلى كتابه: "أصول الجدل والمناظرة في الكتاب والسنة" (في ملتقى أهل الحديث).. هذا ما كنتُ أعرف عن الشيخ حمد العثمان.. لكن، لم يكن يخطر ببالي أنه يكتب في الجرائد، بهذا الأسلوب!!
وسبحان المتفرد بصفات الكمال، وسبحان من خلق الإنسان ضعيفا!
ومن أعظم الدلائل على ضعف الإنسان، وعجزه، ظلمه الناس، وقلَّة إنصافه من نفسه، حتى أن هذا يقع من النبلاء والفضلاء وأهل العلم.. والمقال من هذه البابة!
وصدق الإمام الذهبي: "والإنصاف عزيز"!.. وإنصاف المرء لإخوانه -وإن كانوا مخالفين- دليل كمال إيمان، وتجرد، وهضم لحق النفس.
وليس الإنصاف يعني السكوت عن الباطل، أو إقرار الظالم على ظلامته، أو المبطل على باطله؛ أبدا لا يعني الإنصاف هذا، بل إنه يعني ذكر المحاسن والمساوئ (كما تقدم في مقالة الإمام ابن سيرين)، والنقد دون التجريح، والتماس الأعذار، وحسن العرض..
لو كتب أحدنا في هذه الأيام، يصفُ "فلانا" من "آيات الله" أو "حُجَجِ الإسلام"؛ بأنه "من فضلاء الشيعة"؛ أو يصفه بالعلامة، أو "الذكي الولي"، أو يصف بعض كتبه بأنها "ممتعة، تدل على سعة علمه".. أو يتأول له مقالةً ظاهرها الكفر نطق بها، أتراه كان يَسْلم من سِنَانِ بعض إخواننا؟؟
مع أن كل ما تقدم من العبارات -إلا "فضلاء الشيعة"-، هو للإمام الذهبي -رحمه الله-؛ أحد الأمثلة الكثيرة على إنصاف أئمتنا رضي الله عنهم؛ اقرأ في السير أو اللسان، ترجمتَه للشريفين: المرتضى [أبي طالب علي بن حسين بن موسى]، والرضيّ[أبي الحسن محمد بن حسين بن موسى]؛ أو ترجمته لأبي يعلى حمزة بن محمد الهاشمي الجعفري، عالم الإمامية (وهو الذي تأول له قوله في حدوث القرآن، مع أن الإمامية معتزلة في مجمل الأصول يرون خلقَ القرآن!)..
وقبل أن تستدرك علي: "ومن أين جئت بفضلاء الشيعة هذه"؟؟ أحيلك إلى "درء تعارض العقل والنقل" لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (1/ 89) فإنك واجدها ثم، قالها الإمام في حق ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة!
هؤلاء هم سلفنا الصالح، وهذا إنصافهم.. إنهم لم يكونوا ينطلقون في ردهم على المخالف من حقد، أو غل أو بغض؛ بل كانوا ينطلقون من بيعة نبوية سلسلها السادة عن السادة سندا متصلا: "بايعتُ رسول الله على النصح لكل مسلم"! كانوا ينطلقون من "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".. وهذا هو مفتاح الإنصاف: "من أراد أن ينصف الناس، فليحب لأخيه ما يحب لنفسه" [رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق 42/517 عن الإمام علي].
آسفنيأن أقرأ للأخ محمد أيوب -تعقيبا على مقال الذباب الحركي- يصف الشيخ حمد العثمان بالجاهل؛ ولكن الأخ محمدا معذور، فهو لا يعرف الشيخ حمد، ولم يقرأ له إلا هذا المقال، ولأجل هذا حكم بهذا الحكم، من خلال هذه الجزئية.. والشيخ حمد العثمان -وليعذرني- هو من جرَّ على نفسه هذا الأذى، كما قال الأحنف بن قيس: "من أسرع في الناس بما يكرهون، قالوا فيه ما لا يعلمون"، وهو ما وقع تماما!..
هل أنصف الشيخ حمد في موضوعه؟ اللهم لا! لا والله، ما أنصف من وصف جماعة كاملة يزيد تعداد المنتسبين إليها على الملايين بالإفلاس، ومن رمى قادتها -هكذا دون فرز، ولا تفصيل- بالاستنان بعمرو بن عبيد المعتزلي في ثلبه العلماءَ، ومن جعل الحركة الإسلامية: "مستنقعا عفنا".. لا والله ما أنصف، ولا عدل، ولا أتى الناس بما يحب أن يؤتى به! (أخرج في شعب الإيمان -11136- عن عبد الله بن مسعود : "من أحب أن ينصف الناس، من نفسه فليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه").
وأنا أسأل هذا الشيخ الفاضل، هل تنكر ما للشيخ الفاضل العلامة عمر سليمان الأشقر (الإخواني) من فضل على أهل الكويت خاصة، وعلى المسلمين، في تبسيط العقائد -على ضوء الكتاب والسنة-، وهل تنكر ما للعلامة محمد سليمان الأشقر (الإخواني) من فضل على طلبة العلم في الكويت خاصة، في تعليم الأصول والفقه؟ وهل تذكر ما للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق (المجرح عندكم) من فضل على السلفية في الكويت؟
(وإذا كان الشيخ ابن باز رحمه الله قد راجع كتابه المنهجي الجامع: الصراط، وقدم له؛ ورد عليه وشنَّع ورفض الشيخ ربيع، فبأي القولين نأخذ؟؟!)؛
رحمك الله يا شمس الدين (ولا أعني به العاصمي!!)، يا أبا عبد الله، يا محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز، يا إمامنا الذهبي؛ رحمك الله، ما كان أعرفك وأخبرك بالناس يوم قلت: "والإنصاف عزيز".
حين تقرأ للشيخ حمد العثمان، يشتم الشيخين الفاضلين، العالم المفسر الدكتور أحمد نوفل، والداعية الفاضل المجاهد الشيخ وجدي غنيم؛ ويصفهم بالصفاقة والقبح (!!) تعجب.. تتساءل؟ لم هذان بالخصوص؟ ماذا نقم عليهما الشيخ العثمان؟
لكن حين تعلم، أن موقفه منهما، ليس مبنيا على أساس شرعي أو منهجي (فغيرهما من قادة الإخوان، ولاسيما في بلده أحق بهذه الشتائم)؛ بل على أساس من الشوفينية الوطنية المبالغ فيها.. يزول كل عجب!
ألم يكن أحجى، لو أن الشيخ الفاضل ترك بنيات الطريق، في مقاله ذاك، وخاض مباشرة (بدافع من الوطنية، لا تحت ستار من الدين والمنهج والدفاع عن العلماء) نحو هدفه ووجهته: "وجدي غنيم وأحمد نوفل"؟؟!
نعم، إن المتابع للصحافة الكويتية، يفهم ما أعني.. إن كثيرا من كتاب العمود الصحفي فيها (ليبراليهم، وإخوانيهم، وسلفيهم، وجهاديُّهم) اشتهروا بسب وشتم مخالفيهم، بأقذع الشتائم، وأفحشها.. لعلكم سمعتم عن مقال ذلك الليبرالي الخبيث في حق العلامة الشهيد الشيخ نزار ريان رحمه الله، لقد قال قولة، لم يجرؤ اليهود أنفسهم على قولها! وكذلك مقالات "محمد المليفي" ليس في أكثرها للأدب الرفيع أو الكلمة الراقية محل! وكذلك بعض مقالات الشيخ عبد الرزاق الشايجي، وكذلك بعض مقالات الشيخ حمد العثمان!! إنها طريقة ارتضاها كل ممثلي الطيف الفكري والسياسي في الكويت، واشتركوا فيها... والذي يخرج هذا المقال "الذباب الحركي" من سياقه العام، جاهل، أو متجاهل.
هذا أول ملحظ على مقال الشيخ حمد العثمان، أنه كتب بأسلوب، ارتضاه المختلفون فكريا وسياسيا في الكويت فيما بينهم؛
أما الملحظ الثاني، فهو الدافع الوطني الشوفيني للمقال؛ وأحب أن أذكر هنا، أن "سلفيي الكويت" هم أصحاب الفضل في "طرد" الشيخ وجدي غنيم من البحرين، وتشريده، ومحاربته من بلد لبلد، ومحاصرته في لقمة عيشه.. بسبب شريط مسجل (سنة 1990!) تحدّث فيه وجدي غنيم عن الغزو العراقي للكويت، وذكر فيه أن الله عاقب أهل الكويت على معاصيهم المتظاهرة بصدام، وأن انتشار الشذوذ وغيره من الموبقات بينهم أكبر سبب لهذا العقاب الرباني.. وبعيدا عن موافقة الشيخ أو معارضته في "التفصيلات"، واتهامه العامة بذنوب الخاصة، فإن أصل فكرته سليم صحيح لا غبار عليه: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ}؛ {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا}..
وكان على الشيخ حمد وغيره، أن يذكروا هذه الآيات التي احتجوا بها على الناس، يوم غضب الناس، لاحتلال أفغانستان، واحتلال العراق، ومأساة الجزائر وغيرها من الأحداث الدامية التي مرت علينا..
وهب أن الشيخ وجدي أخطأ، أتطاردونه بكلام قاله قبل 19 سنة؟؟! أتفتشون عن تسجيل لمحاضرة، لم يعد قائلها يذكر ما قال فيها، ثم توزعونه على أعضاء مجلس الشعب، وتطالبوا الدولة التي تضيفه بطرده وأهله منها؟؟! إن لم يكن هذا هو الظلم، بعينيه فما هو الظلم؟
في شعب الإيمان للإمام البيهقي (7/504): "قال الحليمي رحمه الله [يعني الإمام أبا عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني الشافعي؛ رئيس المحدثين والمتكلمين بما وراء النهر -كما وصفه الذهبي في السير- (ت: 403هـ).. وله المنهاج في شعب الإيمان، وهو الذي يكثر الحافظ أبو بكر البيهقي النقل عنه]:
ولا ينبغي لمسلم أن يتمنى بقلبه لأخيه من الشر ما يكره لنفسه، أو يكره له من الخير ما يتمناه ويحبه لنفسه، وإذا عرضت لجماعة المسلمين بليَّة فلا ينبغي لأحد منهم أن يتسبب إلى الخلاص بإيلام الآخرين والإغراء بهم، بل ينظر لهم كما ينظر لنفسه. فإن عجز، نظر لنفسه من حيث لا يضرهم؛ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: مثل المؤمنين في تراحمهم و توادهم و تواصلهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -كما أفاد الشيخ حمد العثمان في مقاله-: "ومن أعظم خبث القلوب أن يكون في قلب العبد غل لخيار عباد الله".. ولا أدري ماذا يسمي الشيخ حمد عداءه لمن سماهم "الذباب الحركي"! ولا أدري، ما يعدُّ الشيخ حسن البنا، في الأولين، والشيخين عمر ومحمد الأشقر، والشيوخ: مناع القطان، وعبد الفتاح أبو غدة، وحسن أيوب، و... القائمة طويلة؛ ولولا أن الله سخرهم لخدمة شريعته، ووقفهم للدعوة إلى الله في الكويت وغيرها من أرض الإسلام، أترى الشيخ الفاضل حمد العثمان كان يستطيع الكتابة في الجرائد اليومية الكويتية؟؟!
"الإنصاف عزيز"!!
انظرإلى طريقة الشيخ حمد في تحامله على جماعة كبيرة من المسلمين، وفي مهاجمته لها بالجملة، وفي التشنيع عليها دون تفصيل.. واقرأ لشيخه (العلامة الإمام الشيخ محمد بن عثمين): [من حديث طويل، فرغ من سلسلة اللقاء المفتوح، حين سئل: هل تحذِّر من هذه الأحزاب؟!]:
"- لا؛ أنا أحذِّر من التحزب..
- السائل: ولكن واقع الأحزاب بنفس هذا المعنى!
- الشيخ: لا؛ لأني لو قلت: أحد الأحزاب، فقد يكون هذا الحزب على حق، فلا أحذِّر منه؛ بل أحذِّر من التحزب، وأرى أنه يجب على مَن يقال عنهم: إن هؤلاء من التبليغ، وهؤلاء من الإخوان، وهؤلاء من السَّلَفية، وهؤلاء من الإصلاح، وما أشبه ذلك؛ أرى أنه يجب أن يجتمع بعضُهم إلى بعض، وأن يتدارسوا الأمر، وأن يخرجوا بفكر واحد ورأي واحد.. أما أن يتعادَوا الآن كما هو في الساحة؛ فتجد هؤلاء يسبون هؤلاء، ويقعون في أعراضهم، فهذا يُوْهِنُ الجميع.. فالعامة إذا رأوا أنهم في عمىً؛ هذا يقول: الحق عندي، والباطل مع ذاك، وذاك يقول: الحق عندي، والباطل مع الآخر، فإنها تبقى متحيِّرة"...
واقرأ شهادة الشيخ الدكتور جعفر الشيخ إدريس، عن الشيخ ابن باز رحمه الله: "لقد عرفتُ علماء عدة من المسلمين عرباً وغير عرب، فكان مما يؤسف له أن تجد الكثير منهم ينتقد رموز المعاصرين، إلى درجة تصل به إلى احتقارهم. إلا الشيخ -رحمه الله- (ابن باز) فقد كان ينقد غيره بأدب قلَّ نظيره، لا يحتقر أحداً، ولا تجري على لسانه تلك الكلمات الشنيعة التي تسمعها اليوم هنا وهناك في حق الدعاة والعلماء؛ وكان -رحمه الله- يمدح الكثير من الدعاة أمثال المودودي والبنّا، ويحلُّ غيره من العلماء، فكان لا يذكر الشيخ الألباني إلا ويصفه بالعلامة، ويثني على زملائنا الموجودين حوله، وأذكر أنه سُئل مرة عن الشيخ المودودي وأنه يُؤَوِّل فأجاب قائلاً: إنه -أي المودودي- أخطأ، لكن هذه المسألة دقيقة، وإن الإنسان إذا اشتهر فضله ينتقد لكن لا يشنَّع عليه".
قارن بين حكمة وعلم وطريقة هذين الإمامين الجليلين، وبين كتابات الشيخ حمد العثمان، واحكم بنفسك هل كتابته من قبيل النقد أم التشنيع والاحتقار؟؟!..
هذا فرق ما بين الشيخ والتلميذ.. فهل أقِفُكَ على فرق ما بين الشيخ حمد العثمان (السلفي)، والسلف الصالح؟؟
أخرج البيهقي في شعب الإيمان (رقم: 11137): عن عبد الله بن يزيد قال: شتم رجل ابن عباس، فقال: إنك تشتمني وفيَّ ثلاثٌ:
1- إني لأسمع الحَكَمَ من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأحبه و لعله لا أقاضي إليه أبدا.
2- وإني لأسمع بالغيث يصيب البلدة من بلدان المسلمين، فأفرح به وما لي بها سائمة ولا راعية.
3- وإني لآتي على آية في كتاب الله، فوددت أن المسلمين كلهم يعلمون منها مثل ما أعلم.
ورضي الله عن ترجمان القرآن، ما كان أفقهه بقول الحق جل في علاه: {إنما المؤمنون إخوة} فكل هذه الخصال الثلاث من مصاديق هذه الآية.
وفي شعب الإيمان أيضا: (رقم: 11138): عن عتبة بن عبد الله بن مسعود قال: من ضمن لي ستا ضمنت له الجنة:
1- لا تجبنوا عن قتال عدوكم.
2- ولا تغلوا فيكم.
3- وأنصفوا الناس من أنفسكم.
4- وخذوا لمظلومكم من ظالمكم.
5- ولا تظالموا في قسمة مواريثكم.
6- ولا تحملوا ذنوبكم على ربكم.. فإذا فعلتم ذلك دخلتم الجنة
فهلا تركنا الغلو في شيوخنا؟ وأنصفنا من أنفسنا؟؟ وأخذنا من ظالمنا لمظلومنا؟؟ وأي ظلم أشد على النفس، من الصد والإعراض، والطعن في الأعراض؟!
هذا بالطبع غيض من فيض.. وما أحب أن أكون "نقالا" يكثر النسخ واللصق... لكنه الدين، والورع، والتقى، وكريم الأخلاق، يرثه الخلف عن السلف، فيفوزون، أو يُضِيعونه فيَضِيعون!
وقد كانتْ قلة الإنصاف، وظلم الناس تقع لبعض سلفنا الصالحين، رحمهم الله، وهذا طبيعي، لأنهم بشر، يخطئون ويصيبون، ولأن الحسد وغيره من أدواء النفس، كانت تعرض على قلوبهم كما تعرض الآن على قلوبنا.. لكن كان الأئمة، ينتصفون من الظالم للمظلوم، ويعدلون كفة القبان قبل فوات الأوان؛ وكثير منكم يذكر ما كان بين الإمام مالك رضي الله عنه، وابن إسحاق، أو بين محمد بن يحيى الذهلي والبخاري؛ فهل تعلمون ما قال الحافظ السليماني في الإمام الطبري؟ قال الذهبي: "أقذع أحمد بن علي السليماني الحافظ، فقال: كان يضع للروافض.. كذا قال السليماني وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندعي عصمته من الخطأ، ولا يحل لنا أن نوذيه بالباطل والهوى، فإن كلام العلماء بعضهم في بعض ينبغي أن يتأنى فيه، ولاسيما في مثل إمام كبير"..
الإنصاف عزيز أيها الكرام! ولكن إخواننا -هداهم الله- ساقوا مقالة الشيخ حمد العثمان الظالمة الجائرة، وصاروا يضربون لها الأمثال، ويحتجون لها، ويدافعون عنها.. حتى خاضوا في معنى الحركي، و"نقل" لنا الأخ جمال البليدي متفضلا تعريفا سامطا لا معنى له (غير الشتم، والسب، وقلة الإنصاف) للحركي، كتبه الشيخ عبد المالك رمضاني.. كأنه القول الفصل! ونسي أخونا "جمال" أن عبد المالك هو الخصم والحكم! وأن له موقفا معاديا للحركة الإسلامية كلها..
وقد فهمتُ على ضوء من مقالة الشيخ حمد العثمان، وتعريف الشيخ عبد المالك رمضاني؛ أن "ناموس" السلفيين (الناموس هو القانون أو الشريعة): هو تصيد "ذباب الحركيين"! وأن الحركيين مدانون، مجروحون بأعيانهم لمجرد انتمائهم للحركة الإسلامية.. فالحركة الإسلامية هي "أصل التهمة".
كل من انتسب إلى "الحَرَكة" (بفتحتين!!) مجروح مدان!
(هنا فقرة ضاعتْ بسبب انقطاع مفاجئ للتيار الكهربائي.. فأنا أحاول استجماع أفكاري لكتابتها من جديد!!)
ثم إن الشيخ حمد العثمان، ابتكر تقسيما جديدا، فجعل من الحركيين "ذُبَابا"!
اقتباس:
|
"الذباب الحركي معروف، له جناح ولا يطير، وكلما طار وقع، وهذا إما لفساد نيتهم أو نقص علمهم، أو الاثنين معا."
|
لاحظ! حتى الذباب لم يسلم من الطعن في النية!! وما الذي لا يعجب الشيخ الفاضل في الذباب، وقد تقدمت مقالة الإمام الصادق عليه رضوان الله: "خلقه الله، ليذل به الجبابرة"! فالشيخ حمد، من حيث لم يكن يدري، ولا يقصد، مدح "الحركيين" بأنهم خلقوا ليذل الله بهم الجبابرة، (لأنهم ذباب!) وهذا من أصح الصحيح، وأصدق الصدق.. فمن هذا الوجه وحده، صدق تشبيه الشيخ حمد العثمان!
ثم ما هذه الاستعارة العرجاء؟؟ ذباب.. لا يطير، وكلما طار وقع.. ومع هذا هو "ذباب" و"حركي" أيضا؟؟! ماذا بقي له من "زَفِّ" الذباب، و"الحركة"، إذا كان لا يطير، وكلما طار وقع.. لينسب إليهما معاً؟؟! مشكل!.. و"الأشكل" منه أن الشيخ حمد العثمان أحب بعدها أن يكمل دائرة تشبيهاته، فقال:
اقتباس:
|
"والذباب الحركي أنواع إلا أن أشده قبحا وصفاقة من لا يقع على شيء.. ويطلق العنان للسانه في سب وثلب خيار الأمة"!!
|
يا سلام! ذباب لا يقع على شيء... ومع هذا هو أشد الذباب صفاقة وقبحا؟؟ لعل الشيخ لم يُبْتَلَ (وهو المنعَّم بالحياة المكيفة!.. اللهم لا حسد!) بذلك الذباب الصيفي، الصفيق، الوقح.. السامط الذي "يلصق" بالإنسان، وهو نائم أو يقظان، يقع على وجهه، ويدخل إلى أذنه، وأنفه، وفمه!.. لعله لم يسمع به حتى، ما ألطف ذبابا يسلم الناس منه (إلا الجبابرة!)، فلا يقع على شيء!! ليتَ ذبابنا كله من "الذباب الحركي"!!..
ثم أحب أن يقفل دائرة الاستعارة والتشبيه.. فجعل للذباب لسانا، يطلقه في سب وثلب خيار الأمة! ما أجملها من استعارة.. وما أعجبه من أسلوب!
هذه ملاحظات خفيفات.. (عالماشي) على "الذباب الحركي".. ليتَ أحدا يوصلها إلى الشيخ حمد العثمان... مع التحية!
(إلى هنا جمعت شتات الفقرة الضائعة.. لعلي أكون قد تذكرت كل ما كان فيها.. فأحسنت صوغه!)
سمعتُ أحدهم في إحدى السنوات يقول: يعني هم حركة، ونحن ماذا؟؟ سكون؟.. قلتُ في نفسي (لأن كلامه كان مسجلا في شريط، من كنتُ أستمع إليه!): "ولم الإنكار، إن من يتحرك لنصرة الشريعة، والدعوة إلى الله، وهداية الناس، ورد الشبهات والدفاع عن هذا الدين وأهله، يتحرك في رضوان من الله، وتوفيق، ومن لا يحسن غير اتهام النيات، والنقد الظالم.. ليته كان ساكنا ساكتا!".
وهكذاصار استعمال هذه العبارة "الحركة الإسلامية" تهمةً عند هؤلاء!
مع أن أول من استعمل هذا المصطلح (كما استقريْتُ، ولعلي أكون مخطئا) هو الكاتب الإسلامي (السلفي) الكبير: محب الدين الخطيب رحمه الله: "إن الفتح أنشئت لمماشاة الحركة الإسلامية، وتسجيل أطوارها، ولسد الحاجة إلى حادٍ يترنم بحقائق الإسلام، مستهدفاً تثقيف النشء الإسلامي وصبغه بصبغة إسلامية أصيلة، يظهر أثرها في عقائد الشباب وأخلاقهم وتصرفاتهم؛ وحماية الميراث التاريخي الذي وصلت أمانته إلى هذا الجيل من الأجيال الإسلامية التي تقدمته" (العدد الأول من عام 1353هـ).
ومع أن كثيرا من العلماء المعاصرين من المحسوبين على "السلفية" لم يجدوا غضاضة من استعمال هذا المصطلح.. وابحث في أرشيف مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عن "الحركة الإسلامية" تجد الشيخ أبا بكر الجزائري، والشيخ عطية سالم، والشيخ الصباغ قد وظفوه في مقالاتهم من دون عقدة! فمن أهدى، ومن أعلم، ومن أحكم؟؟!
واعذروني أني أستشهد للمسلمات بكلام الرجال، فإني أحاجج أقواما بطريقتهم ومنهجهم.. وإلا فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ولم يستثن الإمام مالك رضي الله عنه بهذه الـ"إلا" غير صاحب القبر!).
واعذرونيأني أطلت "النقل" هذه المرة.. ولكنه التأصيل الذي يحبه إخواننا، فلا أحب أن يصدروا عن هذا المقال إلا بما يرضيهم.
ولي عودة إلى الحديث عن المبتدعة.. وتفضيل شاربي الخمر، ومعاقري الكبائر عليهم! ثم ننتقل –بإذن الله- إلى "قسما"، وما لم يسل من حبر عليها!!
(يتبع)
التعديل الأخير تم بواسطة اليعقوبي ; 09-04-2009 الساعة 04:51 PM