اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمر القبي
إليك فتوى ريحانة الجزائر و عالمها الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس.
السـؤال:
سمعتُ من بعض الأئمَّة أنَّ الحلزون حرامٌ أكله إلاَّ الحلزونَ المائي وعن غيرهم أنه يجوز أكله، فما هو الصحيح في ذلك؟ وجزاكم الله خيرًا.
الجـواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فلا أعلم خلافًا في أنَّ الحلزون البحريَّ يجوز أكله وبدون تذكيته، لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96].
بخلاف الحلزون البَرِّي فقد اختلف العلماء في جوازه، فأباحه المالكية بشرط تذكيته فيُسمِّي اللهَ عند وخزه بالشوك أو غرزه بالإبر أو بسلقه أو شَيِّه حتى يموت، ويُلحِقونه بالجراد في الحكم، أمَّا ما مات حتفَ أنفه فلا يجوز أكله(1).
ومنع أكلَه الجمهورُ، قال ابنُ حزمٍ -رحمه الله-: «لا يحلُّ أكلُ الحلزونِ البَرِّي ولا شيءٍ من الحشرات»(2).
وفي تقديري أنَّ سببَ الخلافِ يرجعُ إلى الحشرات التي لا دم لها سائلٌ كالعقرب والذباب، والبعوض والزنبور، والنمل، والنحل، والقمَّل، والبراغيث، والبق، والدود كله وسائر الحشرات طيارة وغير طيارة، فهل الأصل الجزئي فيها التحريمُ، وهو أصلٌ مستثنى خارجٌ عن الأصل الكلِّي في إباحة الحيوان واللُّحوم، لكون هذه الحيوانات مستخبثةً إلاَّ ما استثناهُ الدليلُ كالجرادِ، أم أنَّ أصلَها الجزئي لا يخرج عن الأصلِ الكلِّي في الأطعمةِ وهو الحلُّ والإباحةُ حتى يَرِدَ دليلُ المنعِ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: 93].
فمن ذهبَ إلى أنَّ الحشراتِ مستخبثةٌ حَكَمَ بتحريمها، وجعل ذلك أصلاً للحشرات مستثنى من الأصل الكلِّي المبيح للحوم، لقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: 157] واندرجَ حكمُ الحلزونِ البرِّي في الأصلِ المستثنى.
ومن ذهبَ إلى القول باستصحابِ الأصلِ الكلِّي للجواز قال: الحلزون البرِّي جائزٌ؛ لأنَّه شبيهٌ بالجراد، ولم يَرد من الشرع نصٌّ بقتله أو نهي عن قتله، وليس ممَّا يأكل الجِيَفَ ولا هو ممَّا يستخبث، ولهذا قال الباجي -رحمه الله-: «قال ابنُ حبيبٍ كان مالك وغيره يقول: من احتاج إلى أكلِ شيءٍ من الخشاش لدواء أو غيره فلا بأس به إذا ذُكِّيَ كما يذكّى الجراد كالخنفساء، والعقرب، وبنات وردان، والعقربان، والجندب، والزنبور، واليعسوب، والذر، والنمل، والسوس، والحلم، والدود، والبعوض، والذباب، وما أشبه ذلك»(3).
هذا، وترجيحُ جانبِ المنعِ أقوى عندي لكونِ الحلزونِ البرِّي من الحشراتِ التي لا تَقبلُ التذكيةَ إذ لا دمَ لها سائلٌ، وما لم يقدر فيه على الذكاةِ فلا سبيل إلى أكله لكونه ميتةً، وقد نصَّ الشرعُ على تحريم الميتة وأمرَ بتذكيةِ ما يجوز تذكيتُه ويقبلُها، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]، وقال تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3].
ومن جهةٍ أخرى فالمعلومُ أنَّ تركَ ما يجوزُ أكلُه بالذكاةِ إضاعةٌ للمال المنهي عنه شرعًا، والحشراتُ غيرُ مقوّمة بمالٍ، فلا تدخلُ في إضاعةِ المال بقتلِها، فلو كان الحلزونُ تجري فيه الذكاةُ بقتله لم يعدّ من جملتها.
أمَّا إلحاقُ الحلزونِ البَرِّي بالجرادِ فهو قياسٌ على ما خالف القياسَ؛ لأنَّ الجراد مستثنى من عموم الميتة بالنصِّ في قوله صلَّى الله عليه وآله وسَلَّم: «أُحِلَّت لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: فَأَمَّا الميْتَتَانِ: فَالحُوتُ وَالجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ»(4)، لذلك كان القياسُ فيه غيرَ معتبرٍ عملاً بقاعدة: «مَا ثَبَتَ عَلَى خِلاَفَ القِيَاسِ فَغَيْرُهُ عَلَيْهِ لاَ يُقَاسُ»، ولو سَلَّمنا عدمَ صِحَّة القاعدة في المعدول به عن سَنَنِ القياس، فإنَّ العلةَ الجامعةَ بين الحلزونِ والجرادِ لم تظهر في العلة العامَّة حتى تجريَ على سَنَنِ القياس، ولا في العلةِ الخاصَّة التي تجري على خلاف القياس، ومع ذلك يمكن حملُ مذهبِ مالكٍ في هذه المسألة على جواز أكل الحشرات للضرورة أو الحاجةِ الملحَّة بشرطها لمن لا تضرُّ به جمعًا بين القولين وخروجًا من الخلاف.
وإذا تقرَّرت مصداقية هذا الجمع التوفيقي كان للإجماعِ الذي ذكره ابن تيمية -رحمه الله- اعتبارٌ قطعيٌ في تحريم الحيوانات المستخبثة كالحيَّة والفأرة وجميع الحشرات إلاَّ ما استثناه الدليلُ، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «أكلُ الخبائثِ، وأكلُ الحيَّاتِ والعقاربِ حرامٌ بإجماعِ المسلمينَ»(5).
والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.
الجزائر في: 17 المحرم 1431ه
الموافق ل: 03 يناير 2010م
|
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
بارك الله فيك اخي القبي
لقد اطلعت على فتوى الشيخ فركوس من قبل
مسألة التحريم(الكراهة) ليست على الاطلاق يعني يجب علينا التفريق بين النوعين
فالبحري حلال الا ان البعض لا يأكله لأنه يعاف (يستقبحه) والاستقباح لا يعني دائما التحريم .
أن يُصبح شغلنا الشاغل اصطياد أخطاء العباد ...
وتحليلها وفق منطقنا الضيق وفهمنا المحدود ..
وأن نمضي كل حكايانا في الجدال العقيم والنقاش العصبي ...
"ذلك الذي ينتصر للأسماء أكثر من انتصاره للحق"
في حين قد نكون أهملنا أوجب الواجبات وأولى الفرائض ...
من اصلاحٍ وتزكيةٍ وتهذيبٍ وتأديبٍ للنفس والخُلُق معا
لَهُوَ الضياع والتِيه !