هذا بيانٌ بسيطٌ لحال أدعياء العلم و من تبعهم من الرويبضة - هداهم الله - و نحنُ نسوق مسألة واحدة فهي بمثابة الشجرة التي تخفي الغابة ...
قال سيّد قطب عند تفسيره لـ : "سورة الفلق" كما تجده في "الظلال" :
وقد وردت روايات ـ بعضها صحيح ولكنه غير متواتر ـ أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم ـ في المدينة قيل أياماً ، وقيل أشهراً.. حتى كان يُخَيَّلُ إليه أنه يأتي النساء وهو لا يأتيهن في رواية، وحتى كان يُخَيَّلُ إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله في رواية، وأن السورتين نزلتا رقية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما استحضر السحر المقصود ـ كما أخبر في رؤياه ـ وقرأ السورتين انحلت العقد ، وذهب عنه السوء.
ولكن هذه الروايات تخالف أصل العصمة النبوية في الفعل والتبليغ ، و لا تستقيم مع الإعتقاد بأن كل فعل من أفعاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكل قول من أقواله سنة وشريعة، كما أنها تصطدم بنفي القرآن عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه مسحور، وتكذيب المشركين فيما كانوا يدّعونه من هذا الإفك. و من ثم تستبَعد هذه الروايات.. و أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة { سيّد قطب حدّد الباب الذي لا يُحتجّ فيه بأحاديث الآحاد و هو أصل العقيدة و ليس إلاّ }. و المرجع هو القرآن. و التواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد - { سيّد قطب يُقرّر أنّ أحاديث التواتر يؤخذُ بها في أصول العقيدة } - . وهذه الروايات ليست من المتواتر. فضلاً على أن نزول هاتين السورتين في مكة هو الراجح. مما يوهن أساس الروايات الأخرى. انتهى بحروفه (ما بين -{ }- من زيادة الفقير)
خلاصة كلام سيّد قطب - رحمه الله - فيما يخصّ حجيّة حديث الواحد و حديث التواتر في تقرير أصول الإعتقاد :
1- الحديث الواحد ليس بحجة في تقرير أصول العقيدة
2- الحديث المتواتر حجة في تقرير أصول العقيدة
هذا ما قرّرهُ سيّد قطب.
فماذا قال المُتمجهدة الجدد و أذنابهم هنا - هداهم الله - و هم أتبع لهؤلاء من ظلّهم ؟!
قال المدعوا "البليدي جمال" - نوّر الله بصيرته - ناقلاً عن شيخه ( حامل لواء الجرح و ... الجرح الغير مُفسّر ! ) ؛ حيثُ لم يسعفه الوقت عند النسخ و اللّصق كالآلة المُبرمجة على تقصي الحقائق أو حتى مُحاولة فهم كلام سيّد قُطب الواضح ! ؛ قال - و الكلام لشيخه عبر الشبكة الإلكترونية المدعوا "المدخلي !" - :
اقتباس:
(وقد وردت روايات، بعضها صحيح ولكنه غير متواتر، وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة، والمرجع هو القرآن، والتواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد).
فأنت تراه يعترف بصحة بعض الروايات في الموضوع المذكور، ولكنه لا يأخذ بها؛ لأن التواتر عنده شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد.
|
هُنا يُقرّر المدعوا "المدخلي" أنّ سيّد قُطب يشترط التواتر للأخذ بالحديث في أصول العقيدة و هو ما ثَمّ استخلاصه من كلام سيّد قُطب كما تقدّم أعلاه.
و العجيب الغريب أنّ المدعوا "المدخلي" تناقض في نفس المحل كالّتي نقضت غزلها من بعدِ قوّةٍ أنكاثاً و ادّعى على سيّد قُطب - ظلمًا و زوراً ! - بأنّه "لا يقبل أحاديث التواتر" هكذا بإطلاق ! ، حيثُ عنون الفصل الرابع عشر في كتابه الذي ينقل منه المدعوا "البليدي جمال" و أمثاله - هداهم الله - بقوله : " الفصل الرابع عشر : سيّد لا يقبل أخبار الآحاد الصحيحة في العقيدة بل لا يقبل الأحاديث المتواترة " !!!
مع أنّ كلام سيّد الذي نقله المدعوا "المدخلي" في نفس الفصل يُكذّبُ ادّعاءهُ عليه و يشهد ببطلان ما رماه به !
فهل هذا خلق أهل العلم ؛ بل هل هذا خلق المسلم البسيط ؟!!!
صدق الله العظيم القائل [ سورة النساء : 112 ] : وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا
ثمّ قال المدعوا "المدخلي" كما ينقل عنه المدعوا "البليدي جمال" :
اقتباس:
لكن؛ هذا الشرط ما دليله؟ ومن قاله؟
|
و كأنّ المدعوا "المدخلي" - علامة العصر حامل لواء الجرح ثمّ ...الجرح ! - لا يعلمُ أنّ حديث الواحد يُفيد الظن و لا يُفيد العلم ؛ هو مذهب جمهور علماء الإسلام و على رأسهم سيّدنا الإمام مالك إمام دار الهجرة.
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة ** و إن كنت تدري فالمصيبة أعظم !
ثم قال المدعوا "المدخلي" :
اقتباس:
إنهم فرق الضلال من الجهمية والمعتزلة والخوارج الذين جاراهم سيد وخالف جماهير العلماء من السلف والخلف، حيث ذهبوا إلى أن خبر الآحاد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له وعملاً بموجبه؛ أفاد العلم، وعلى هذا المذهب الصحيح أهل الحديث قاطبة، وأحاديث الصحيحين من هذا النوع، وعليه من الأئمة المشهورين.
|
فالمدعوا "المدخلي" يكذب على جمهور أهل العلم و يدّعي بأنّ قول سيّد قطب في أنّ أصول العقيدة مدارها على الحديث التواتر و لا يُحتجُّ فيها بأحديث الآحاد ؛ أقول يدّعي "المدخلي" بأنّ قول سيّد قطب هذا ما هو إلاّ قول " فرق الضلال من الجهمية والمعتزلة والخوارج الذين جاراهم سيد وخالف جماهير العلماء من السلف والخلف " على حدّ كذبه و اتهامه.
فهل هذا صحيح ؟!
فهانحن نذكر كوكبة صغيرة من أقوال جهابذة الحديث ممّن انتحل سيّد قطب مذهبهم في هذه المسألة ؛ و ممّن زعم المُتمجهدة الجدد - هداهم الله - كذبًا بأنّه مذهب المُبتدعة و أهل الضلال :
1- قال الإمام البخاري في كتاب الآحاد من صحيحه : باب مَا جَاءَ فِي إِجَازَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ الصَّدُوقِ فِي الْأَذَانِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْفَرَائِضِ وَالْأَحْكَامِ.اهـ
لم يزد عليه الإعتقادات فدلّ على أنّ أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في الإعتقادات.
نقل ذالك الحافظ في الفتح عن الحافظ الكرماني و أقرّه و لم يتعقّبه ؛ قال كما جاء في [ فتح الباري شرح صحيح البخاري ] :
وقوله " والفرائض " بعد قوله " في الأذان والصلاة والصوم " من عطف العام على الخاص ، وأفرد الثلاثة بالذكر للإهتمام بها . قال الكرماني : ليعلم إنما هو في العمليات لا في الإعتقاديات.اهــ
2- قال الإمام النووي في [ المنهاج شرح صحيح مسلم بن حجّاج ] :
و أما خبر الواحد فهو ما لم يوجد فيه شروط المتواتر سواء كان الراوي له واحدا أو أكثر واختلف في حكمه ، والذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول ، أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يلزم العمل بها و يفيد الظن ولا يفيد الشرع يلزم العمل بها و يفيد الظن ولا يفيد العلم .اهـ
3- قال الإمام عبد القاهر البغدادي في كتابه [ الفرق بين الفِرَقْ ] :
وأما أخبار الآحاد فمتى صحّ إسنادُهَا وكانت متونها غير مستحيلة في العقل كانت موجِبَة للعمل بها دون العلم - { يعني أنّ أحاديث الآحاد متى صحّت ، فإنّه يجب الأخذ بها في " العمل" : كالتعبّدات و غيرها و لكنها ليست موجبة " للعلم" : أي العقيدة } - ، وكانت بمنزلة شهادة العُدول عند الحاكم في أنه يلزم الحكم بها في الظاهر وإن لم يعلم صدقهم في الشهادة.
و بهذا النوع من الخبر أثبت الفقهاء أكثر فروع الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الحلال والحرام، وضللوا من اسقط وجوب العمل بأخبار الآحاد في الجملة من الرافضة والخوارج وسائر أهل الأهواء .
وأمّا الخبر المستفيض المتوسط بين التواتر والآحاد فإنه يشارك التواتر في إيجابه للعمل والعمل ويفارقه من حيث إن العلم الواقع عنه يكون علمًا مكتسبًا نظريًّا والعلم الواقع عن التواتر يكون ضروريًّا غير مُكتَسَبْ.اهـ (ما بين -{ }- من زيادة الفقير)
4- قال الإمام ابن عبد البر المالكي رحمه الله في [ التمهيد ] :
اختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد هل يوجب العلم والعمل جميعا أم يوجب العمل دون العلم ؟
و الذي عليه أكثر أهل العلم منهم أنه يوجب العمل دون العلم ، وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر ، ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به على الله وقطع العذر بمجيئه قطعا ولا خلاف فيه.
و قال قوم كثير من أهل الأثر وبعض أهل النظر : إنه يوجب العلم الظاهر والعمل جميعا ، منهم الحسين الكرابيسي وغيره ، وذكر ابن خويز منداد - { ابن خويز منداد ينقل شواذ عن سيّدنا الإمام مالك كما ذكر الحافظ ابن حجر و القاضي عياض و غيرهم ؛ لدا فنقولاته عنه لا يُعتدّ بها كما هو مُقرّر عند أقطاب المذهب } - أن هذا القول يخرج على مذهب مالك . قال أبو عمر : الذي نقول به إنه يوجب العمل دون العلم كشهادة الشاهدين والأربعة سواء ، وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر.اهـ (ما بين -{ }- من زيادة الفقير)
5- قال الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله في كتابه [ الفقيه والمتفقه ] :
و إذا روى الثقة المأمون خبر متصل الإسناد رُدَّ بأمور :
أحدها : أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه ، لأن الشرع إنما يرد بمجوزات العقول وأما بخلاف العقول فلا.
و الثاني : أن يخالف نص الكتاب أو السنة المتواترة فيعلم أنه لا اصل له أو منسوخ.
و الثالث : أن يخالف الإجماع فيستدل على انه منسوخ، أو لا اصل له لإنه لا يجوز ان يكون صحيحا غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه .
و الرابع : أن ينفرد الواحد برواية ما يجب على كافة الخلق علمه فيدل ذلك على أنه لا اصل له لأنه لا يجوز أن يكون له اصل و ينفرد هو بعلمه من بين الخلق العظيم. - { و عليه فأصول الإعتقاد التي يجبُ على كآفة الأمة اعتقادها لا تؤخد من الآحاد } -
و الخامس : أن ينفرد برواية ما جرت العادة بأن ينقله أهل التواتر فلا يقبل لأنه لا يجوز أن ينفرد في مثل هذا بالرواية.اهـ (ما بين -{ }- من زيادة الفقير)
فهل هؤلاء كلّهم و غيرهم كثير ؛ هم من " فرق الضلال من الجهمية والمعتزلة والخوارج الذين جاراهم سيّد وخالف جماهير العلماء من السلف والخلف" ؟!!!
هذا بُهتانٌ عظيم
ولكن المدعوا "البليدي جمال" فاق شيخه في الإفتراء فراح يزيد في نغمة الطّنبور و غرّهُ بجهله الغرور ؛ فمطّط الإتّهام و ادّعى أنّ سيّداً لا يقبلُ الحديث الواحد حتى في العمل ! ؛ فقال هداه الله :
اقتباس:
|
هناك فرق بين خبر الأحاد من حيث العلم أم الظن و بين خبر الأحاد من حيث العمل فأما الأول فهو مسألة خلافية و أما الثاني فلا خلاف على أن العمل بخبر الاحاد واجب و لم يخالف في هذا إلا سيد قطب و أهل البدع من المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج وغيرهم،
|
مع أنّه مرّ معنا أنّ سيّد قطب تكلّم عن درجة الحديث - متواتر أو آحاد - في الإحتجاج به في باب أصول العقيدة و هو ما يُعرف بـ "العلميات" و لم يتطرّق لباب التعبّدات و هو ما يُعرف بـ : "العمليات" .
فهل ادّعى سيّد قطب أنّ أحاديث الآحاد لا تفيدُ العمل كما يكذب عليه المدعوا "البليدي جمال" ؛ أم أنه قرّر ما قرّره جمهور أهل العلم من أنّ أحاديث الآحاد لا تفيدُ العلم فقط.
فلمَ تكذبْ على الرجل أيّها المدعوا "البليدي جمال" ؟!!!
خلاصة فعل المُتمجهدة و أذنابهم - هداهم الله - في هذا الإتهام الباطل :
أوّلاً : المدعوا "المدخلي" يكذب في تحرير التهمة التي يُريدُ إلباسها سيّداً ؛ فينقلُ عن سيّد قطب ما يُفيدُ بأنّه يقبل أحاديث التواتر في أصول العقيدة و مع ذالك يُعنوَنُ الفصل الذي ألقى فيه بضاعته المُزجاة بعكس ذالك !
ثانيًا : مذهب سيّد قطب في حجيّة خبر الواحد في أصول العقيدة هو مذهب جمهور علماء الإسلام ؛ و مع ذالك فقد ادّعى المدعوا "المدخلي" - زوراً - بأنّه مذهب الفرق الضالة ؛ و هو في هذا بين أمرين :إمّا الجهل و إمّا الكذب ؛ و أحلاهُما مُر !
ثالثاً : المدعوا "البليدي جمال" الذي لا يُحسنُ صياغة جملة مُفيدة باللغة العربية كما هو واضح ؛ زاد افتراءً آخر و ادّعى بأنّ سيّداً لا يقبلُ أحاديث الآحاد حتى في العمل و ليس في العلم فقط ؛ و هو كذب محض. و ليس هو الأوّل !
فما هذا الإفتراء القبيح و الكذب الصريح ؟!!!
صدقت العرب حين قالت : العَصَا من العُصَيَّة ، ولا تلدُ الحيَّةَ إلا حَيَّةٌ !
نسألُ الله لكم الهداية يا من تنهشون صفاء الإسلام و تظنّون أنّكم تدفعون الذباب عن وجهه