تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
  • ملف العضو
  • معلومات
aloui
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-05-2014
  • المشاركات : 145
  • معدل تقييم المستوى :

    6

  • aloui is on a distinguished road
aloui
عضو فعال
مقهى السي
13-02-2015, 11:09 PM
"مقهى السي"
اتخذت المستشفى مسكنا ما يقرب من عام، كنت أعالج مرضا عضالا، الشيء الذي أبعدني عن الحياة العامة، وانقطع عني كل حدث وحديث. كنت أشبه ما أكون بسجين. كان ذلك بعد ثلاث سنوات أو أربع من ثورة 5 أكتوبر8819 التي صادفت من حسن حظنا أو سوئه، اليوم العالمي للمعلم. لما خرجت من هذا السجن المفتوح، رجعت إلى أهلي وأصدقائي ومدينتي، وكطائر مهاجر، يشده الحنين إلى محطته المألوفة، ذهبت إلى "مقهى السي"، الذي يحتل موقعا استراتيجيا في ساحة المدينة ، كنا نجلس في الشرفة، نقابل البحر، ونسيطر على حركة الغادين والرائحين، وقد جعله المعلمون ناديا رغم أنف صاحبه، يتجمعون فيه كل يوم بعد خروجهم من المعامل البشرية، وكلهم أمل أن يجدوا قليلا من الانفراج النفسي، الذي يذهب عنهم كلل العمل الروتيني مع التلاميذ.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف، لم أجد أحدا من المعلمين قد حضر بعد، الوقت الذي يبدأ فيه المعلمون في التوافد هو الخامسة. أخذت كرسيا بطاولتنا المألوفة وجلست في مكاني المعتاد، إلى جانب كرسي "سي قدور"، صديق العمر، عمري العملي. طلبت قهوة معصورة وأخذت أرتشفها بتثاقل جرعة جرعة، كي أقتل الوقت الذي شعرت به بطيئا جدا، لا يريد أن يتقدم، وأنا كنت في أشد الشوق لرؤية الأصدقاء.
الساعة أوشكت على السادسة ولم يحضر أحد بعد. لا خيال لمعلم في الساحة. لا أحد إطلاقا. انتابتني في لحظة ما، موجة من الشك في تواجدي: هل أنا في مدينتي، أم في مدينة أخرى؟ وهل أنا في "مقهى السي" أم في مقهى آخر؟ وما إن انتبهت لنفسي حتى انتصبت واقفا، فناديت النادل، دفعت له ثمن المشروب وحانت مني التفاتة أن أسأله عن صديقي "سي قدور" وبقية الزملاء من المعلمين، فأحجمت أخيرا، لأنه ليس هو النادل الذي أعرفه ويعرفني. وما إن خطوت بضع خطوات، حتى أحسست بقبضة على كتفي تستوقفني، استدرت تلقائيا فألفيت أمامي معلما من جماعتنا راح ينهال علي تقبيلا، وهو يسأل عن حالي تارة، ويعود تارة أخرى، باللوم على نفسه وعلى زملائه للتقصير في واجب الزيارة. بعد انتهاء المجاملات عرضت عليه الجلوس لتناول كوب شاي احتفاء بخروجي من المستشفى، فجذبني من يدي بحدة وعصبية وقال:
- هيا من هنا! لم يعد أحد يجلس حول هذه الطاولة منذ أن حدث ما حدث!
- وماذا حدث..خيرا إن شاء الله!؟ قلت مستغربا.
- هيا من هنا الآن، لم يعد لهذا المقهى طعم، بعدما غاب الذي كان يملأه بوجوده.
انصرف بالي مباشرة إلى صديقي "سي قدور"، إذ هو الوحيد الذي ينطبق عليه هذا الوصف.انقبض صدري وسألته مرتبكا:
- وهل حدث مكروه لسي قدور؟ امتنع عن الكلام لحظة كمن وقع في حرج وهو يبحث عما يقول للهروب من السؤال ثم قال:
- لنبتعد عن هذا المكان ..لنذهب ناحية الساحل الصخري، وهنالك في صحبة الأمواج الهادئة أحكي لك القصة كاملة.
في طريقنا، ونحن نقطع الساحة في اتجاه البحر، أحسست بكتلة في صدري أشبه بكرة ثلجية، ما فتئت تتضخم مع كل خطوة أخطوها، وتعيق أنفاسي. خفت أكثر ما خفت، من الخبر المجهول، قلت في نفسي: ما معنى الحياة، إن لم نعشها بين من نحب من الأهل والأصدقاء؟ لم أستطع أن أتقبل ما تخيلته من هول ما سيخبرني به، فرحت أواسي نفسي قائلا:
" وماذا سيحدث له؟ إن أسوأ ما يمكن أن يحدث له هو الزواج، فهو الأمر الوحيد الذي لا يحب أن يسمع ذكره. عرفته أعزب وظل كذلك. كان هذا سره، وبقي سره وحده، لا يعرف عنه أحد شيئا، حتى أنا، أقرب أصدقائه. هذا السر الذي أكسبه احترام كل معارفه، بل أصبح مستودع أسرارهم، يسرون إليه ولا يسر إلى أحد.
لما جئت إلى هذه المدينة الساحلية الصغيرة بشرق الجزائر، وجدته يسكن بالمدرسة في حجرة للمهملات، كان يفضلها على المبيت في الحمامات كما يفعل غيره في ذلك الوقت، ممن لا مسكن لهم، ثم اكترى شقة متواضعة في عمارة ذات الكراء المتواضع، حيث كنا نتسامر في عطلتي الشتاء والربيع، أما في عطلة الصيف، فكان يسافر.. إلى أين.. لا أحد يعرف. كان يأخذ طوله إلى وجهة لا يعرفها سواه، إلا أن ما يظهر عليه بعد عودته في الدخول المدرسي، يفصح عن المكان الذي قضى فيه عطلته. كان يبدو أكثر نحافة مما كان، وجهه متعب، لا تكاد تتبين عينيه المختفيتين تحت أهداب كثيفة، أما سترته، التي ماتت ألوانها من زمن، فمازالت هي هي. ذات مرة سأله أحد المعلمين على سبيل المزاح فقال له:كم تحوي خزانتك من هذه السترات يا سي قدور؟ فأجابه بقوله: وحيدة لا شريك لها!
ومسحة الشقاء التي كانت تبدو على ملامحه، لا تغير شيئا من اتزانه وطبيعته الهادئة والمرحة. كان إلى ذلك "خادم القوم"، فقد استفاد كثير من المعلمين بتجربته ونصائحه وإرشاداته، فنجح من نجح وارتقى من ارتقى بينما هو..بقي كما كان، صامدا مرابطا في السنة الأولى، وفيا لها ولمدرسته التي عين فيها منذ الاستقلال.. أخطأت معه في القول ذات مرة ، كما تهيأ لي، إذ قلت له: كأنك تلميذ غبي لا ينتقل إلى الصف الأعلى...! ظننت أنه سيغضب أو على الأقل، سينفعل انفعالا ما، ولكن لا شيء حدث مما كنت أتوقع، فاعتذرت وقلت له بعد ذلك: لماذا لا تسجل في قائمة التأهيل لمنصب مدير كما فعل فلان وفلان..؟ فكان جوابه ابتسامة تعلو محياه!
مرة قال له أحدهم على سبيل التهكم: أمازلت معلما يا سي قدور؟ وكان ذلك الواحد أحد تلامذته، وواحد من الذين مسح مخاطهم بمنديله، وساعدهم على تجاوز محنهم. واليوم، بعد أن ضحكت له الدنيا، جاء ليحتقره، بلا خجل أو حياء. قلت له ساعتئذ: لا أنسى كيف رمقك بنظرة مليئة كبرياء وسخرية.. لو كنت مكانك لصفعته صفعة تعيده إلى مكانه الحقيقي! وقال بهدوئه المعتاد: من حسن الحظ، لم تكن مكاني!
توقف حبل تفكيري عندما وطئت أقدامي الشاطئ الرملي، جلسنا، أنا وذلك الصديق، على صخرة تداعبها موجة هادئة، كما نداعب طفلا صغيرا. لم أتمالك نفسي فقلت له على الفور: ما الذي حدث إذن؟
بدموع محبوسة تترقرق في مقلتيه قال:
- جزاء الجميل..خيرا تعمل شرا تلق.. ما كان يخطر ببال أحد مثل ذلك الأمر.
وجمت، أحسست بالكتلة يضيق بها صدري المعلول، أدركت أن الأمر عظيم. ثم أضاف قائلا:
- .. لم يصدق أحد منا ذلك.. كنا قبل حدوث المصيبة بالمقهى، في مكاننا المعتاد، جاء إلينا صاحب المقهى كعادته، انتصب عند رؤوسنا كالشاهد يغني أغنيته التقليدية:
- ماذا تشربون "يا المعلمين"؟
لم يرد عليه أحد، لم نعبأ بسؤاله، لأن أغلبنا في ذلك اليوم، جلب مشروبه بنفسه، دون انتظار النادل الخامل. وفي حدود الساعة السادسة، والشمس مازالت أشعتها متلألئة، وإن أخذت في الفتور، ونسمات البحر الندية بدأت تبلل الجو ببرودة موسمية، وحديثنا متصل، نخوض في كل المسائل إلا السياسة التي طلقنا الخوض فيها، بعد أن فسد الجو السياسي، إذ كنا نخاف.. من أنفسنا نخاف. ونحن كذلك، إذا بشخص يقف أمام الطاولة قبالة سي قدور، أومأ إليه برأسه ، فقام مرحبا، محتضنا إياه ولسان حاله لا ينفك عن السؤال عن حاله وأحواله، ففغرنا أفواهنا من الدهشة، فاستدار نحونا ليرفع الستار عن الغشاوة التي تلف المكان، قائلا بكل ثقة ودون تردد:
- هذا ابني!
- كدنا، للحظات، نصدق بأن ذلك الشخص القائم خلفنا بطوله وعرضه، في زي أقل ما يوصف به أنه غريب عن لباسنا التقليدي، كدنا نصدق بأنه ابنه الحقيقي من صلبه، لولا علمنا المسبق بخلو حياته من الذرية. ثم أضاف قائلا:
- .. إنه ابني الذي طالما حدثتكم عنه.. أرأيتم.. إن الكلمة الطيبة كالبذرة الطيبة، حيثما تزرعها تثمر!
قاطعت الصديق المحدث قائلا:
- أكان يعني بهذا الابن، ذلك الشقي الذي .. أهانه ؟
- هو بعينه..صار كالطود الأشم، لا تتعرف عليه من النظرة الأولى، عيناه منفرجتان، تنفثان حمما حارقة، كانت نظرته الحادة إلى وقفته الحازمة مرعبة! ثم أضاف الصديق:
- .. وبعد لحظات، عاد سي قدور إلى مكانه، بعد انصراف ذلك الشخص الغريب، وواصلنا حديثنا إلى أن افترقنا عند أذان المغرب.
في صباح اليوم التالي، سمعنا الناس يتحدثون عن جثة رجل ملقاة في قارعة الطريق، تغطي وجهه سترة لا لون لها... وقرأنا في أحدى الجرائد: " طلقة نارية في الرأس تقتل معلما.. ضحية أخرى تضاف للقائمة الطويلة.
فلتت مني ابتسامة مجنونة، تلتها تنهيدة اقتلعت جذوري، ثم رميت كلمات في الهواء : ذهب قدور، وبقي السي، غريبا جاء إلى هذه المدينة، وغريبا غادرها، كأن شيئا لم يكن، وكأنه لم يكن شيئا!
1998
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية هكذا أنا
هكذا أنا
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 20-04-2013
  • الدولة : بلد النخوة
  • المشاركات : 2,083
  • معدل تقييم المستوى :

    9

  • هكذا أنا is on a distinguished road
الصورة الرمزية هكذا أنا
هكذا أنا
شروقي
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية هكذا أنا
هكذا أنا
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 20-04-2013
  • الدولة : بلد النخوة
  • المشاركات : 2,083
  • معدل تقييم المستوى :

    9

  • هكذا أنا is on a distinguished road
الصورة الرمزية هكذا أنا
هكذا أنا
شروقي
رد: مقهى السي
16-02-2015, 02:17 PM
الموضوع مثبت لمدة شهر حتى يلقى حقه من المتفاعل
✴✴✴✴ أحيانا تصبح الوحدة أكثر جمالا ✴✴✴✴

التعديل الأخير تم بواسطة هكذا أنا ; 20-02-2015 الساعة 11:21 AM
  • ملف العضو
  • معلومات
aloui
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-05-2014
  • المشاركات : 145
  • معدل تقييم المستوى :

    6

  • aloui is on a distinguished road
aloui
عضو فعال
رد: مقهى السي
19-02-2015, 10:28 PM
شكرا على اهتمامكم بالنص أخي المشرف
تحياتي لكم ولكل متصفحي المنتدى
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية warda22
warda22
مشرفة قسم الاسرة و المجتمع
  • تاريخ التسجيل : 05-09-2012
  • الدولة : الجزائر
  • المشاركات : 11,953

  • وسام مسابقة الخاطرة اللغز 

  • معدل تقييم المستوى :

    10

  • warda22 has a spectacular aura aboutwarda22 has a spectacular aura about
الصورة الرمزية warda22
warda22
مشرفة قسم الاسرة و المجتمع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية هكذا أنا
هكذا أنا
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 20-04-2013
  • الدولة : بلد النخوة
  • المشاركات : 2,083
  • معدل تقييم المستوى :

    9

  • هكذا أنا is on a distinguished road
الصورة الرمزية هكذا أنا
هكذا أنا
شروقي
رد: مقهى السي
20-02-2015, 11:23 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة aloui مشاهدة المشاركة
شكرا على اهتمامكم بالنص أخي المشرف
تحياتي لكم ولكل متصفحي المنتدى
ﻻ شكر على واجب
و نحن دوما في الخدمة
✴✴✴✴ أحيانا تصبح الوحدة أكثر جمالا ✴✴✴✴

  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية دمعة حزين
دمعة حزين
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 21-06-2012
  • المشاركات : 7,934

  • وسام الأشغال اليدوية وسام خاطرة الشهر 

  • معدل تقييم المستوى :

    15

  • دمعة حزين will become famous soon enough
الصورة الرمزية دمعة حزين
دمعة حزين
شروقي
رد: مقهى السي
20-02-2015, 11:37 AM
وليس لي في حضرة الصدق إلاَّ أن أحني قامتي احتراما !
وكفى .


رااائع و أكثر

لك فائق احترامي ومحبتي في الله ...








مررت من هنـــــآآ
  • ملف العضو
  • معلومات
aloui
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 03-05-2014
  • المشاركات : 145
  • معدل تقييم المستوى :

    6

  • aloui is on a distinguished road
aloui
عضو فعال
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية warda22
warda22
مشرفة قسم الاسرة و المجتمع
  • تاريخ التسجيل : 05-09-2012
  • الدولة : الجزائر
  • المشاركات : 11,953

  • وسام مسابقة الخاطرة اللغز 

  • معدل تقييم المستوى :

    10

  • warda22 has a spectacular aura aboutwarda22 has a spectacular aura about
الصورة الرمزية warda22
warda22
مشرفة قسم الاسرة و المجتمع
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية بـــروال آمـــال
بـــروال آمـــال
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 02-02-2012
  • الدولة : باتنة/الجزائر
  • العمر : 24
  • المشاركات : 671
  • معدل تقييم المستوى :

    8

  • بـــروال آمـــال is on a distinguished road
الصورة الرمزية بـــروال آمـــال
بـــروال آمـــال
عضو متميز
رد: مقهى السي
26-03-2015, 12:15 PM
ياااالله لقد غرقت فيها فعلا
إنني حساسة جدا حين أقرأ عن تلك الفترة و عن قصص السي قدور و القائمة الطويلة ، لقد قرأتُ كل حرف و كل فراغ بين كلماتك سيدي الفاضل
بوركتَ و بوركَ في قلمك المبدع
تقبل تحياتي المتواضعة


مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم


الساعة الآن 05:39 AM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى