هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا؟
28-09-2008, 11:29 AM
هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد فقد اختلف العلماء في حكم إخراج القيمة في زكاة الفطر بدلا عن الطعام، وهي من المسائل التي لا زالت تثير خلافا بين العلماء والباحثين، ولما كانت تمس شعيرة زكاة الفطر، ويكثر السؤال عنها كل سنة، أحببت أن أشارك إخواني بذكر شيء من أقوال أهل العلم فيها، وأدلة كل فريق، بما يناسب المقام، فأقول مستعينا بالله U:
أولا:اتفق الفقهاء على أنه يجزئ إخراج زكاة الفطر من خمسة أصناف: البر (القمح)، الشعير، التمر، الزبيب، والأقط([1])، إذا كان قوتا([2]).
وعند المالكية تخرج من الأصناف التالية: قال ابن أبي زيد القيرواني: "وتؤدى من جُلِّ عيش أهل البلد، من بر، أو شعير، أو سُلت([3])، أو تمر، أو أقط، أو دُخْنٍ([4])، أو ذرة، أو أرز"([5]).
ثانيا:اختلفوا في حكم إخراج القيمة عوضا عن الطعام على ثلاثة أقوال:
القول الأول:أنه لا يجوز إخراج القيمة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، من المالكية([6])، والشافعية([7])، والحنابلة([8]).
قال الإمام مالك: "ولا يجزئ الرجلَ أن يعطي مكان زكاة الفطر عرضا من العروض" ([9]).
وعنه أيضا: "ولا يجزئه أن يدفع في الفطرة ثمنا"([10]).
واستدل أصحاب هذا القول بجملة من الأدلة منها:
1/ قول ابن عمر رضي الله عنهما: (فرض النبي e صدقة الفطر ـ أو قال: رمضان ـ على الذكر والأنثى، والحر والمملوك، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير...)([11]).
فإذا دفعت القيمة كان عدولا عما فرضه النبي e.
ونوقش هذا الاستدلال بأن النبي eفرض هذه الأنواع تيسيرا على الناس في زمنه؛ لأنها كانت غالب أموال الناس، وكانت النقود في أيديهم قليلة، بل ذكر ابن رشد أن سبب فرض زكاة الفطر، كان مجيء الفقراء من خارج المدينة وبقاؤهم في المسجد، فإذا كان الفطر رجع سكان المدينة لما أعد لهم أهلهم من الطعام، وبقي أهل المسجد من غير طعام، ففرض رسول الله eزكاة الفطر، وأمر بجمعها في المسجد، وكان أكثر ما يؤدون من التمر؛ لأنه كان جل عيشهم([12])، وهذا يدل على أن المقصود دفع حاجة الناس، وليس الطعام مقصودا لذاته.
وأجيب عن هذا بأنه إذا سُلِّمَ بأن هذه الأصناف وإن لم يقصد بها الحصر، فهي مقدمة على غيرها، بل ما دامت القيمة لم يرد لها ذكر أبدا، فإن الطعام يبقى هو الأصل في هذه الزكاة.
2/قول أبي سعيد الخدري t: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب)([13]).
والشاهد في قوله: (كنا نخرج) أي: أن الصحابة y كانوا يخرجونها من هذه الأجناس، فلا يجوز العدول عما كانوا عليه؛ إذ لم ينقل عن واحد منهم أنه أخرج القيمة بدل الطعام.
ويناقش هذا أيضا بما سبق في مناقشة الدليل السابق.
3/قول ابن عباس رضي الله عنهما: (فرض رسول الله e طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطُعمة للمساكين)([14]).
والطعمة إنما تكون من الطعام، لا من النقود.
4/أن زكاة الفطر عبادة مفروضة من جنس معين، فلا يجزئ إخراجها من غيره، كما لا يجزئ إخراجها في غير وقتها الشرعي.
ويناقش هذا بأن الزكاة وإن كانت عبادة فهي معقولة المعنى؛ لأن المقصود بها دفع حاجة الفقراء والمساكين، وقد يكون الأصلح للفقير أن تدفع حاجته بالنقود، وتكون خيرا له من الطعام.
ومن وجه آخر فإن هذا الدليل يلزمهم كذلك، فلا يجوز أن تخرج غير الأصناف الخمسة المنصوصة في الحديث، ويلزم على هذا القول ألا يجزئ الرز وهو طعام مقتات، ويجزئ إخراج الأقط، وجمهور الناس في عصرنا لا يعرفونه، وجمهور الفقهاء القائلين بوجوب إخراج زكاة الفطر طعاما يرون إجزاء الرز ـ مثلا ـ وإن لم ينص عليه، فإذا راعوا هذا المعنى وهو المصلحة، وجوزوا إخراج غير المنصوص، فما المانع من إخراج القيمة إذا كانت أقوم بمصلحة الفقير؟! وهل ذلك إلا وقوف عند حروف النص، دون النظر في مقاصد الشرع؟!([15]).
القول الثاني:جواز إخراج القيمة مطلقا، وهذا مذهب الحنفية ([16])، وهو ظاهر صنيع الإمام البخاري في صحيحه، فقد أجاز أخذ القيمة في زكاة المال([17])، قال ابن حجر: " قال ابن رشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية، مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل"([18])، وروي هذا القول عن الحسن وعمر بن عبد العزيز([19])، وهو قول لابن القاسم صاحب الإمام مالك([20])، ورواية مخرجة عن الإمام أحمد([21])، وأخذت به عدة هيئات علمية، كدار الإفتاء المصرية، وبيت الزكاة الكويتي، واختاره كثير من المعاصرين كالشيخ مصطفى الزرقا([22])، والشيخ يوسف القرضاوي([23])، وهو المعمول به في كثير من البلدان.
واستدلوا بجملة من الأدلة منها:
1/ ما روي عن النبي e أنه قال: (أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم)([24])، والإغناء بالقيمة والنقود أقرب لدفع الحاجة من الطعام، وخاصة في هذا العصر.
ونوقش هذا بأن الحديث ضعيف لا يثبت، فلا حجة فيه.
2/ ما رواه البخاري تعليقا عن طاووس قال: قال معاذ t لأهل اليمن: (ائتوني بعرض ثياب خميص، أو لبيس في الصدقة، مكان الشعير والذرة، أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي e بالمدينة)([25]).
والشاهد فيه أن معاذا t أجاز أخذ القيمة في الزكاة.
وأجيب عن هذا بأن هذا لأثر لا يصح، فطاووس لم يسمع من معاذ t، وعلى فرض صحته فهو في الجزية وليس في الزكاة؛ لأن معاذا t أُمر بدفع الزكاة في فقراء أهل اليمن، ولم يكن يرسلها للمدينة([26]).
وأجيب عن هذا بأن إيراد البخاري له بصيغة الجزم يقتضي قوته عنده، وقد قواه بما ذكره من الأحاديث المسندة تحت هذا الباب.
وقولهم بأن ذلك كان في الجزية، مردود بقوله: (في الصدقة).
3/ أن المقصود دفع حاجة الفقراء، ولا يختلف ذلك وإن تنوعت الأموال، مادام القدر والقيمة واحدة([27]).
وأجيب عن هذا بأنه وإن كان المقصود دفع حاجة المحتاجين والفقراء، إلا أن الطعام مقصود في حد ذاته، بدليل أنه لم يرد حرف عن النبي eبجواز دفعها بالقيمة، وعلى ذلك سار الصحابة y.
4/ أن زكاة الأموال، وهي أعظم عبادة مالية وأحد أركان الإسلام، يصح إخراج القيمة فيها بالإجماع، ولا يشترط إخراج الزكاة من عين المال([28]).
القول الثالث:جواز إخراج القيمة عند الضرورة، وبه قال إسحاق وأبو ثور([29]).
والمقصود بالضرورة هنا المصلحة والحاجة، كما حقق ذلك الدكتور محمد عبد الغفار شريف في بحثه في زكاة الفطر([30])، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، قال رحمه الله تعالى: "وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك، فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبى حنيفة يجوز، وأحمد رحمه الله قد منع القمة في مواضع وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النص، ومنهم من جعلها على روايتين.
والأظهر في هذا أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه..." ([31]).
ولم أقف على دليل خاص لهذا القول، وإنما هو جمع بين أدلة الفريقين السابقين.
وهذا القول الأخير هو أقرب الأقوال للصواب ـ والله أعلم ـ لأن فيه جمعا بين الأدلة، وفيه إعمال للنصوص ولمقاصد الشرع، كما أن فيه تيسيرا ورفعا للحرج والمشقة عن المكلفين، لا سيما في بلاد الغرب، حيث الناس لا يقتاتون في الغالب هذه الأطعمة، أو لا يجدون من يأخذها صدقة منهم، ففي هذا القول فسحة لهم وتيسير عليهم، فإذا لم يجد المزكي من يأخذ منه الطعام، فيجوز له أن يخرج قيمته، وأما إذا وجد من يأخذه فلا يعدل عنه.
كما أن القصد من هذه الكلمات هو التنبيه على أن على المؤمن، وطالب العلم خاصة، ألا يشتد في رد ما يخالف قناعاته، وما يتعقده صوابا، بل عليه أن يلزم الاعتدال في الأخذ بقول أو رده، فإن بعض الناس تجده إذا انتصر لقول استطال على غيره، ورمى قوله بالبطلان والفساد، مع أنه من مسائل الخلاف التي الأمر فيها يسير، والمجتهدون فيها محمودون، وهم بين الأجر والأجرين دائرون، وقد يظهر له بعد مدة أن قول غيره أصوب، فيصعب عليه الانتقال إليه، مع أنه صار يعتقد أنه أصوب وأرجح، فتمنعه شدته الأولى عن الرجوع للحق، مع ما قد يقع في نفوس أتباعه من القلق، فكيف يرجع الشيخ لقول كان بالأمس يصفه بالبطلان والفساد، وأنه عار عن الدليل؟!
وما أحسن ما نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله من قوله: قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب، ومن أعجب ما رأيت من أمثلة رجوع العالم عن قول انتصر له من قبل، ما حكاه الأمير الصنعاني عن نفسه في مسألة طلاق الحائض؛ حيث قال: "وقد كنا نفتي بعدم الوقوع، وكتبنا فيه رسالة، وتوقفنا مدة، ثم رأينا وقوعه"([32]).
وإنما ذكرت هذا لئلا يتسرع الإنسان في إبطال زكاة من يخرجها نقودا، مادام معتمدا على قول طائفة من العلماء، وهو قول له حظ من النظر، والله أعلم.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه/ خيرالدين مبارك عوير([33])
([1]) اللبن المجفف.مختار الصحاح (ص20)، ويسمى في بعض المناطق عندنا الكليلة.
([2]) انظر: الإجماع عند أئمة أهل السنة الأربعة (ص70).
([3])ضرب من الشعير ليس له قشر.مختار الصحاح (ص326).
([4]) جنس من الذرة، ولكن حبه أصغر.انظر: الزاهر (152).
([5]) الرسالة (ص172).
([6]) انظر: المدونة (1/293)، الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/417).
([7]) انظر: المجموع شرح المهذب (6/112)، مغني المحتاج (1/407).
([8]) انظر: المغني (4/295)، كشاف القناع (2/320).
([9]) المدونة (1/293).
([10]) النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني (2/303).
([11]) أخرجه البخاري (1511) ومسلم (984).
([12]) انظر: المقدمات الممهدات (ص253).
([13]) أخرجه البخاري (1506) ومسلم (985).
([14]) أخرجه أبو داود (1609) وابن ماجة (1827)، والدارقطني (2/138) وقال: (ليس فيهم مجروح)، وصححه الحاكم على شرط البخاري (1/409) ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في الإرواء.وانظر: نصب الراية (2/411)، والمحرر لابن عبد الهادي (577).
([15]) انظر: فتاوى الزرقا (152_153).
([16]) انظر: المبسوط (3/107)، بدائع الصنائع (2/203).
([17]) الجامع الصحيح (2/116) باب العرض في الزكاة.
([18]) فتح الباري (3/312).
([19]) انظر: المغني (4/295).
([20]) انظر: النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني (2/303)، والتاج والإكليل على هامش مواهب الجليل (2/366).
([21]) انظر: الإنصاف للمرداوي (3/182).
([22]) كما في فتاويه (ص145).
([23]) كما على موقع إسلام أون لاين.
([24]) أخرجه الدارقطني (2/152)، والبيهقي (4/175)، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وضعفه الدارقطني، وقال ابن حجر في بلوغ المرام (628): إسناده ضعيف.
([25]) الجامع الصحيح كتاب الزكاة/باب العرض في الزكاة (2/116). العرض: كل ما سوى الدراهم والدنانير.الخميص: نوع من الثياب.لبيس: ملبوس.
([26]) انظر: المغني (4/297)، الفتح (3/312).
([27]) انظر: المغني (4/296).
([28]) انظر: فتاوى الزرقا (ص150).
([29]) انظر: المجموع للنووي (6/112).
([30]) انظر: الندوة السادسة لأبحاث الزكاة، والتي يشرف عليها بيت التمويل الكويتي، فراجع موقعهم على الإنترنت ففيه أبحاث رائقة:http://info.zakathouse.org.kw/nadawat/NADWA6PAGES/ABD_GHAFAAR.HTM
([31]) مجموع الفتاوى (25/82).
([32]) سبل السلام (3/268).
([33]) كان الانتهاء منه عصر الجمعة 26/9/1429هـ
من مواضيعي
0 آخر بيان للشيخ يوسف القرضاوي عن الشيعة
0 منية العاملين القبول من رب العالمين
0 صيام الست من شوال
0 صيام الست من شوال
0 هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا؟
0 وقفات مع فقه الصيام
0 منية العاملين القبول من رب العالمين
0 صيام الست من شوال
0 صيام الست من شوال
0 هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدا؟
0 وقفات مع فقه الصيام









