هل استوفت المناهج التربوية الجديدة شروط تطبيقها ؟
05-10-2016, 05:03 PM
المتأمل في الملاحظات التي جاءت في وثيقة اللجنة الوطنية للمناهج ( الإطار المرجعي لإعادة كتابة المناهج " حجج ومبررات" و.ت.و 2009) حول الصعوبات المعترضة وأثارها على انجاز المناهج وهي بمثابة نقائص(ص5-8 .ن.و) بنظر اللجنة ، سيقف متسائلا عن مصير هذه المناهج ، كيف يمكن لها أن تتحقق على أرض الواقع بهذه النقائص ؟ وإن تحققت جزئيا بواسطة ما يعطى لها من إسعافات مستعجلة لاستدراك تلك النقائص فهل سيكون ذلك دون ثمن وضحايا ؟ هذه النقائص التي تعد شروط لإنجاز هذه المناهج تندرج في عالم الأسباب والنتائج المرتبطة بها بالضرورة حضورا وغيابا من غير محاباة أو معادة لأحد.
وقد تمثلت هذه النقائص "الشروط" فيما يلي :
1 عدم التجريب الأولي لهذه المناهج قبل تعميمها للتحقق من صحتها وصلاحيتها والوقوف على مضاعفاتها للتحكم فيها.
2 عدم التكوين القبلي الكمي والنوعي للمعنيين بتنفيذها وتأطيرها
3 حجم الأفواج التربوية السائد الذي لا يتناسب مع تطبيق المقاربة بالكفاءات التي تبنتها هذه المناهج الجديدة .
4 - وضعية التعليم ما قبل التمدرس وارتباط التعليم التحضيري غير المعمم بالسنة الأولى ابتدائي
5 الأحوال القائمة والثابتة في المؤسسات التربوية المقاومة للتغيير والإصلاح
6 مدى استعداد المجتمع لقبول و تبني هذه الإصلاحات .

فبالنسبة للشرط الأول فقد ورد عنه في الوثيقة السابقة الذكر في الصفحة رقم:04-05 وهي : صعوبة القيام بتجريب المناهج قبل تعميمها (نظرا للإستعجال) قصد اختبار الفرضيات المنهجية وتجريب قابلية تطبيقها وإجراء التصحيحات الأولية عليها .
وهوفعلا أحد الشروط الجوهرية "أي التجريب " المؤكدة من قبل علماء التربية المقارنة وعلى رأسهم الأستاذين : برايند هولمز ودي بوفيه، وهي جوهرية ولازمة لنجاح تنفيذ عملية الإصلاحات التربوية "المناهج الجديدة" "أو الحل" بصفة خالصة بعد تنقيتها وتصفيتها من كل التناقضات والإشكالات التي يمكن أن تظهر أثناء تعميم تطبيقها بواسطة التجريب الأولي الضامن للتحكم فيها وضبطها ، وإلا ما عادت إصلاحات مادامت ستنتج عنها مضاعفات ومشكلات يتعذر استدراكها بالتصحيح والعلاج- إذ ما فائدة الدواء الذي يتسبب للمريض في مرض جديد. وهل يعقل إعطاء مريض دواء دون تجريب تحت مبرر الاستعجال الذي قد يقتله عوض أن يكون سببا في شفائه.

أما بخصوص الشرط الثاني فاللجنة الوطنية للمناهج تعترف صراحة بانعدام غرس المستجدات التي تحضر مختلف العاملين في القطاع لاستقبال هذا الجديد المنهجي والبيداغوجي(ص08 ن. م) ، كما أن انشغالها وتساؤلها حول الكفاءات المهنية والبيداغوجية التي يحتاج إليها المدرس لتغيير وضعه الابستيمولوجي (ص09 ن . م ) يؤكد بوضوح انعدام التكوين القبلي وحتى المتزامن على هذه المناهج الجديدة لمختلف العاملين مما يدل على الإرتجال والرغبة الجامحة في التسرع في فرضها وتعميمها دون توفير أهم شرط من شروط تنفيذها وهو المدرس المؤهل ، والذي وضع في مسار المحاولة وتجنب الخطأ فهو إذا أصاب في التدريس بالمقاربة بالكفاءات حينا تعذر عليه التقييم بها أحيانا أخرى ( يدرس بالكفاءات ويقيم بالأهداف والمضامين)

الشرط الثالث يتعلق بحجم الأفواج التربوية الواجب مراعاته لضمان نجاح تنفيذ المقاربة الجديدة بالكفاءات بدلا من الأهداف والمضامين لتحقيق النوعية التربوية
كما وردت في الصفحة رقم :17من نفس الوثيقة المذكورة سابقا، تحت عنوان :صعوبة وضع المناهج حيز التنفيذ كالآتي :
" لا شك أن الاختيارات الاستراتيجية ( مدخل المناهج عبر المقاربة بالكفاءات )
والبيداغوجية (اختيار بيداغوجيا تعتمد على نشاط التلميذ ) تقتضي شروطا لتنفيذها،وهي لا تتلاءم مع :
_ اكتظاظ الأقسام واختلاف مستويات تلاميذها نظرا لانعدام المعالجة البيداغوجية.
...... الخ...."
وهذه الظاهرة وضع قائم في مؤسساتنا التربوية لا يخفى على أحد، يتزايد ويتعاظم شأنه سنة بعد سنة في غياب تخطيط و خطة عملية واقعية واضحة المعالم على المدى القريب والمتوسط والبعيد للتحكم فيه وفق المعايير المحددة رسميا (30 تلميذ في الفوج في الطورين المتوسط والثانوي و25 تلميذ في الفوج بالنسبة للتعليم الإبتدائي)
ولا شك أن هذا الشرط الذي تم ذكره والتأكيد عليه من قبل اللجنة الوطنية للمناهج لضمان نجاح تنفيذ المقاربة الجديدة ليس فقط شرطا متفق عليه عند علماء البيداغوجية خاصة بل يكاد يكون قاعدة عالمية معمول بها في أغلب الأنظمة التربوية المتطورة المعاصرة التي أيقنت بالشروط الموضوعية لنتائج الجهد التربوي
حيث يجب مراعاتها بشكل جدي وليس بالتوهم من قبيل التغلب عليه بالمهارة والكفاءة أو محاولة تبرير قلة تأثيره بالعرف التربوي المتوارث عبرالأجيال، فليس كل عرف هو بالضرورة عرف تربوي صحيح والحق أن الصواب والحق ما أثبتته التجربة الصحيحة والمنطق السليم ،فما أكثر العادات التي ظل الناس يمارسونها بشكل آلي غير واعي وإدراك صحيح لجوانبها النافعة والضارة ثم مع مرور الزمن جاء العلم بأبحاثه ففندها وأبطلها.فما أصعب تغيير الذهنيات والمعتقدات الخاطئة التي تقف حائلا ومانعا أمام كل محاولة إصلاح جادة،إن الخلل على مستوى شروط عملية الإصلاح أو أحدها يؤدي إلى ضعف التناغم والإنسجام أو انعدامه بين مختلف عناصر عملية الإصلاح كما أكده علماء التربية المقارنة والذي يتمظهرعلى شكل تفاعل السلبي بين مختلف العوامل المشكلة للوضع القائم فيفضي بالضرورة إلى حالة الإشكال بدلا من حالة الحل فتبرز حينئذ مختلف التناقضات والمشكلات المدرسية المعيقة للمردود التربوي النوعي على قدر درجة ذلك التفاعل السلبي، كمشكلة الإعادة المتكررة والتسرب المدرسي والغش والعنف الخ.. والتي تستنفذ وتستنزف الجهود و الإمكانات المعبر عنها في اقتصاديات التربية بمفهوم الهدر التربوي.

الشرط الرابع وضعية التعليم ما قبل التمدرس وارتباط التعليم التحضيري غير المعمم بالسنة الأولى ابتدائي ويتمثل في عدم التجانس في التعلمات الأساسية الأولية عند تلاميذ السنة الأولى ابتدائي الذين يتشكلون من فئتين فئة استفادت من التعليم التحضيري وفئة أخرى لم يتسن لها ذلك بسبب محدودية هذا الأخير الذي لا يزال يشهد تأخرا ملحوظا في تعميمه وفي استيعاب كل التلاميذ الذين تسمح لهم سنهم من الاستفادة منه ، مما ينشأ عنه فارقا في مستوى التلاميذ في التعلمات الأساسية في نهاية هذه السنة ، وهو ما يطرح إشكالا عويصا على مستوى إعداد منهاج هذه السنة مع أي الفئتين يجب تكييفه ؟ ولا شك أن ترجيح أي الاختيارين على الآخر سيكون فيه اجحاف بالنسبة لفئة من الفئتين وهو ظلم ، أما التفكير في منهاج توفيقي يناسب الفئتين ، فحتى وإن أمكن ذلك فإنه سيثقل كاهل المعلم الذي يصبح مطالبا بالتعامل مع مستويين مما ينعكس على آدائه وأداء تلاميذه بالسلب ، وفي هذا الصدد لم تقدم اللجنة الوطنية للمناهج حلا واضحا لهذه المعضلة واكتفت بالدعوة إلى ضرورة إيجاد حلول بيداغوجية تجعل مستوى التلاميذ متجانسا قبل دخول السنة الثانية ... وهو ما يفيد ضمنيا مطالبة معلم السنة الأولى بتكييف طريقته مع مستويين من التلاميذ في قسمه ، فهل حقا أعد كما ينبغي لهذا الدور ؟
الشرط الخامس : الأحوال القائمة والثابتة في المؤسسات التربوية المقاومة للتغيير والإصلاح
الوضع القائم في المؤسسات التربوية المتميز بالثبات المقاوم لعملية التغيير والإصلاح فقد جاء في (الصفحة رقم : 17 من نفس الوثيقة) المذكورة أعلاه تحت عنوان :توصيات تتعلق بعملية التنفيذ : في مجال تسيير المؤسسات التربوية ما نصه :
المؤسسة التربوية هي الخلية الأساسية لتنفيذ الإصلاحات والتطبيق السليم للمناهج ،غير أن التسيير البيداغوجي ليس من الاهتمامات الرئيسة لفرق التأطير ورغم وجود آليات التشاور وفضاءات العمل الجماعي إلا أن استغلالها ما يزال ضعيفا ، وأن المدرسة لم تنظم كفضاء للتكوين كما كان من المفروض أن تكون........
وهذه الإشكالية هي ما لاحظه علماء التربية المقارنة(برايند هولمز 1985) في دراساتهم للنظم التربوية والتي تكمن في تزامن المتغير وهو ما يجب أن تكون عليه الأوضاع والأحوال للمنظومة التربوية مع اللامتغير وهي الأحوال الثابتة للمؤسسات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية فالتقاء الصورة المثلى التي يريد الإصلاح تحقيقها في زمن واحد مع الثوابت يحدث التناقض والإشكال،وحتى يتحقق التطابق بينهما ،أنه لا بد من دراسة عميقة دقيقة لمختلف العوامل لتحديد تأثيرها ومدى تأثرها ضمن العملية الإجرائية الإصلاحية بواسطة التنبؤ باستخدام قانون الاحتمالات ،فالحل إذن أو الإصلاح وتنفيذ المناهج يقتضي تحقيق التطابق بين المتغير واللامتغير في المستقبل بإزالة كل التناقضات التي تتعارض معه (الإصلاح"الحل") أي أن الإصلاح يتمثل في حالة التطابق الخالية من التناقضات......
من هنا نفهم جيدا إلحاح اللجنة الوطنية للمناهج على ضرورة" تجديد طريقة التسيير البيداغوجي ببعث الحيوية في آليات هذا النوع من التسيير الموجودة وإعطائها مكانة في مشروع المؤسسة الذي يمكن أن يكون وسيلة فعالة للتجديد ولذلك فإنه من الضروري استعادة مكانته من خلال إعادة النشاطات العلمية والثقافية والرياضية فيما يعتبر امتداد للمناهج...(ًص18)"
ضف إل ذلك ما لاحظته اللجنة "من نقص في مجال الإعلام حول مضامين الإصلاح مما تولد عنه نوع من الخوف من التجديد خلق نوع من المقاومة التي تصاحب مثل هذا الموقف ،ولذلك كان الإصلاح والمناهج الجديدة يفتقر إلى التبني الواعي المسئول.....(ص19) "
الشرط السادس يتعلق بمدى استعداد المجتمع لقبول و تبني هذه الإصلاحات التربوية :
المتميز بالثبات المقاوم لعملية التغيير والإصلاح فقد جاء في الصفحة رقم : 17 من نفس الوثيقة المذكورة أعلاه تحت عنوان :توصيات تتعلق بعملية التنفيذ : في مجال تسيير المؤسسات التربوية ما نصه :
المؤسسة التربوية هي الخلية الأساسية لتنفيذ الإصلاحات والتطبيق السليم للمناهج ،غير أن التسيير البيداغوجي ليس من الاهتمامات الرئيسة لفرق التأطير ورغم وجود آليات التشاور وفضاءات العمل الجماعي إلا أن استغلالها ما يزال ضعيفا ، وأن المدرسة لم تنظم كفضاء للتكوين كما كان من المفروض أن تكون........
وهذه الإشكالية هي ما لاحظه علماء التربية المقارنة في دراساتهم للنظم التربوية والتي تكمن في تزامن المتغير وهو ما يجب أن تكون عليه الأوضاع والأحوال للمنظومة التربوية مع اللامتغير وهي الأحوال الثابتة للمؤسسات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية فالتقاء الصورة المثلى التي يريد الإصلاح تحقيقها في زمن واحد مع الثوابت يحدث التناقض والإشكال،وحتى يتحقق التطابق بينهما ،أنه لا بد من دراسة عميقة دقيقة لمختلف العوامل لتحديد تأثيرها ومدى تأثرها ضمن العملية الإجرائية الإصلاحية بواسطة التنبؤ باستخدام قانون الاحتمالات ،فالحل إذن أو الإصلاح وتنفيذ المناهج يقتضي تحقيق التطابق بين المتغير واللامتغير في المستقبل بإزالة كل التناقضات التي تتعارض معه (الإصلاح"الحل") أي أن الإصلاح يتمثل في حالة التطابق الخالية من التناقضات......
من هنا نفهم جيدا إلحاح اللجنة الوطنية للمناهج على ضرورة" تجديد طريقة التسيير البيداغوجي ببعث الحيوية في آليات هذا النوع من التسيير الموجودة وإعطائها مكانة في مشروع المؤسسة الذي يمكن أن يكون وسيلة فعالة للتجديد ولذلك فإنه من الضروري استعادة مكانته من خلال إعادة النشاطات العلمية والثقافية والرياضية فيما يعتبر امتداد للمناهج...(ًص18)"
ضف إل ذلك ما لاحظته اللجنة "من نقص في مجال الإعلام حول مضامين الإصلاح مما تولد عنه نوع من الخوف من التجديد خلق نوع من المقاومة التي تصاحب مثل هذا الموقف ،ولذلك كان الإصلاح والمناهج الجديدة يفتقر إلى التبني الواعي المسئول.....(ص19) "

هذه هي شروط تنفيذ المناهج التربوية الجديدة الغائبة كما أوردتها اللجنة الوطنية للمناهج في وثائق عملها، وهي متطابقة تماما مع نظرة علماء التربية المقارنة لعملية الإصلاح التربوي المعقدة التي يترتب على الخطأ في إحدى مراحلها من المشكلات والتناقضات ما لا يحصى ذكره تتعدى آثارها إلى باقي المراحل الأخرى مما يصعب تداركه بالمعالجة والحل الأمر الذي يستلزم عدم الارتجال في هذه العملية بإسنادها إلى أهلها منذ البداية (علماء وخبراء المجتمع من كل التخصصات).
إن هذه النقائص السابقة الذكر لا تعني أن هذه المناهج خالية مما هو صحيح و إيجابي من المفاهيم والمعارف والمنهجيات كما أنها لا تحجب جهود اللجنة الوطنية للمناهج في هذه العملية والتي تميزت بالجدية والشجاعة والصراحة والكفاءة مما يجعلها قيمة إضافية للخبرة التربوية الوطنية ، فكل التقدير والشكر لكافة أعضائها على ما بذلوه وتفانوا فيه من جهد نبيل وواعي.

الوردي خناطلة / مفتش سابق