من المسئول عن سوء التوجيه المدرسي والمهني ؟
15-11-2016, 03:01 PM
الوردي خناطلة/مدير مركز توجيه مدرسي ومهني "متقاعد"وباحث حر في مجال التربية المقارنة

من المسئول عن سوء التوجيه المدرسي والمهني ؟
ربما يتبادر إلى الأذهان من خلال السؤال المطروح أن الإجابة عليه سوف تكون إجابة بديهية أي أن هناك جهة معينة هي المسئولة عن سوء التوجيه وهي إجابة ممعنة في السطحية والسذاجة خارجة عن التحليل الموضوعي لمختلف العناصر والعوامل المشكلة للواقع للكشف عن نوعية العلاقات السائدة بينها، بغية التحكم فيها تعديلا أو تغييرا .

تثار في آخر كل سنة بعد عقد مجالس القبول والتوجيه نحو مختلف الشعب الدراسية والتكوينات المهنية ، مشكلة توجيه التلاميذ إما نحو شعب لا تتوافق مع رغباتهم وميولهم الدراسية وإما نحو شعب
لا تتلاءم مع قدراتهم الدراسية أو لكليهما معا ، وكل طرف من الأطراف المسئولة عن هذه العملية من قريب أو بعيد ينعي باللائمة على الطرف الآخر،من تلاميذ، أولياء ،أساتذة، مستشاري التوجيه والإرشاد المدرسي والمهني وممثلي التنظيم التربوي ،حيث في ظل هذه الدوامة من التراشق يصعب على غير الخبير بقضايا التربية المعقدة أن يميز ويدرك وجه الحقيقة والصواب في هذا الوضع .
ومما لا يرقى إليه الخلاف أن عملية التوجيه في الأصل ليست مجرد قرار إداري آني ظرفي بل هو فعل تربوي ناتج عن تفاعل وظيفي بين مجوعة من العوامل أو العناصر التربوية والاجتماعية ضمن مسار تربوي طويل ، والذي قد يكون ايجابيا أو سلبيا على قدر نوعيته تكون نوعية ذلك الفعل أو القرار ، فليس من الإنصاف والصواب في شيء أن تنسب مسئوليته لجهة من الجهات وحدها ،أو تترك دون تحديد نسبة مساهمتها فيه .
فما مدى تأثير كل عنصر من العناصر- المتفاعلة فيما بينها - التي سبقت الإشارة إليها في ذلك القرار من رغبات التلاميذ وميولهم الدراسية والمهنية ، واتجاهات أوليائهم وأساليب الإرشاد والتعليم ،وإمكانات الاستيعاب والتأطير في المؤسسات التربوية؟ هذه الأسئلة وغيرها لا زالت تطرح في هذا الصدد ، وفي الحقيقة والواقع ليست هناك إجابات واضحة عليها ضمن دراسات وبحوث تربوية جادة تنتمي لمخابر مختصة محلية أو أجنبية اضطلعت بتشخيص دقيق لهذا الواقع واقترحت التدابير والإجراءات الوجيهة لإصلاحه أو التخفيف من حدته.
والتحليل التالي محاولة لإثارة بعض الملاحظات حول بعض الجوانب التي تتصل بتلك العناصر التي سبقت الإشارة إليها لتبيان الخلل الذي يمكن أن يتطرق إليها فتصبح ذات أثر سلبي بدلا من أن تكون ذات أثر إيجابي تؤول إلى تفاعل وظيفي سلبي عام بين مختلف تلك العناصر يؤدي إلى أللانسجام واللاتوافق في عملية التوجيه أو ما يعبر عليه بصفة عامة بلفظ سوء التوجيه.
فعادة ما ينسب سوء التوجيه هذا إلى ميول التلاميذ ورغباتهم غير الثابتة وغير المستقرة لكن التساؤلات التي يمكن أن تطرح حول هذا العنصر إلى ماذا يعود عدم الثبات هذا في الرغبات ؟ وما هي العوامل والوسائل التي يمكن أن تجعلها أكثر استقرار وثباتا ؟ أين هو دور الإعلام المدرسي والمهني في هذا؟ وأين هو برنامج تربية الميول والاهتمامات في المنهاج التربوي الوطني .وما هي مسئولية كل طرف من الأطراف الفاعلة في التوجيه في هذا الجانب من أولياء وجهاز التوجيه وأساتذة ؟

وأحيانا أخرى ينسب سوء التوجيه إلى ضعف ملامح التلاميذ وقدراتهم ،حقيقة، ولكن من المسئول على تنمية هذه الملامح ؟ ألا يعود ذلك إلى طبيعة المنهاج التربوي وطرائق التدريس والتقويم التربوي ؟ وإلى أي مدى تعكس النتائج المدرسية تلك القدرات ؟وهل تكفي وحدها للحكم على كفاءات التلاميذ ؟ وما هي خصوصية التوجيه الذي يرتكز فقط على رغبات و نتائج التلاميذ المدرسية في توجيه التلاميذ ؟ الخ........

وفي بعض الأوقات يرد ذلك إلى نظام التحجيم ونسب التوجيه المحددة مسبقا من طرف الوزارة الوصية كل سنة والذي يعد عدم الالتزام به خروجا عن القاعدة والقانون حتى ولو أدى ذلك إلى التضحية ببعض التلاميذ لتحقيقه واحترامه ، مع العلم أن الهدف الأسمى هو مصلحة التلميذ لا العكس ،أليست تلك النسب الموضوعة هي عبارة عن معايير عامة قد تتطابق مع أجزاء من الواقع أحيانا وقد لا تتطابق مع أجزاء أخرى منه ؟ فهل كل المؤسسات التربوية متشابهة في إمكاناتها وظروفها حتى نجبرها بالالتزام بنفس المعايير؟أم أن الأمر يعود إلى سوء تفسير وتطبيق لتلك النسب والمعايير المسطرة؟الخ.......
وأوقات أخرى ينسب ذلك إلى بعض التجاوزات التي تحدث في بعض مجالس القبول والتوجيه من محاباة وتمييز بين التلاميذ ، وعدم الالتزام بمبدأ الإنصاف والعدل والاستحقاق بين جميع التلاميذ وهذا يطرح عدة تساؤلات ، أين هو دور المسئول الأول عن تسيير هذه المجالس ؟ أليست هذه التجاوزات التي تحدث هنا وهناك دليل على ضعف هذا الدور أو غيابه ؟ وأين الضمير التربوي و المهني لدى أعضاء هذه المجالس؟ الخ.....
كما ينسب سوء التوجيه هذا تارة إلى بعض المعاملات المسندة لبعض المواد الدراسية التي تتسبب في تثبيط عزائمهم للالتحاق ببعض الشعب والإقبال على أخرى مثل شعبتي آداب وفلسفة وآداب ولغات أجنبية ، وشعبة الرياضيات والعلوم التجريبية،في حين تلعب بعض المعاملات في مواد دراسية أخرى دور التضليل في الملمح الدراسي للتلميذ كمعامل مادة التكنولوجية ، كما يرجعه البعض إلى نظام التوجيه بالجامعة الذي لا زال يعطي الأفضلية للشعب العتيقة على حساب الشعب الدراسية الجديدة ؟ فمتى تتم مراجعة هذه المعاملات ونظام التوجيه في الجامعة؟
أما التوجيه نحو المهن فلا يزال لا يعرف عنه السيء من الحسن نتيجة لعدم وضوح معاييره ومقاييسه من جهة وضعف وعي المجتمع بأهميته في رقي وسعادة الفرد والمجتمع من جهة أخرى.
لا شك أن هذه الإختلالات الملاحظة في هذه الجوانب المتصلة بالعوامل الأساسية لعملية التوجيه تجعل منها عوامل سلب وتنافر لا عوامل إيجاب وانسجام تكون في وضعية تفاعل سلبي مفضي إلى سوء التوجيه تختلف درجاته "دركاته" باختلاف درجة ذلك التفاعل في كل مرة من مرات حدوثه مما يدل على أن الوضع بالغ التعقيد لا يسمح بإطلاق الأحكام الجزافية السطحية بنسبته إلى عامل أو جهة معنية وحدها مما يستلزم القيام بسبر وفحص دقيق لتحديد نسب تلك الإختلالات في تلك الجوانب من طرف فرق بحث مختصة لمعالجتها لتحقيق التناغم والانسجام بينها المفضي إلى جودة التوجيه المدرسي والمهني في نظامنا التربوي الوطني.