عصرنة المدرسة الجزائرية بين الشعار والواقع
31-10-2016, 05:26 PM
كلما قامت معارضة لمحاولات إصلاح النظام التربوي الوطني كما يسمونه ، إلا وسارع القائمون بها والمؤيدون لهم برفع شعار عصرتة المدرسة في وجه أولئك المعارصين لهم لتبرير وجاهة تلك المحاولات وإضفاء هالة كبيرة عليها لدى عامة الناس ،دون أن يكلفوا أنفسهم عناء لتوضيح مفاهيمهم ومقاصدهم المختبئة وراء هذا الشعار البراق ، فإذا كانت العصرنة التي أطلقوها في تصوراتهم وتخيلاتهم لا تتجاوز مجرد المعاني الشكلية واللفظية للمفهوم ( تحصيل اللغات العصرية وتقنيات الإعلام والإتصال ) فهي لا تشبه سوى سلوك ارتداء البرنيطة وربطة العنق فوق رأس فارغ ونفسية منهزمة تعاني من التبعية الحضارية ، أما إذا كانوا حقيقة مدركين لما يقولون من معاني صحيحة لهذا المفهوم كما جاءت على لسان أهلها أساطين الفكر والعمل التربوي المعاصرين أمثال سلانقرو وفرايني ودوكرولي وفروبل وجون ديوي (1960)، فما أبعد ما يدركون ويتصورون وما يعملون ويطبقون وشتان بين الحلم والواقع !

منذ أكثر من خمسين 50 سنة خلت شغلت عصرنة المدرسة بال العديد من المربين و العلماء و الباحثين في الحقل التربوي (C.FReinet et R.Salengros 1960)نظرا لما آلت إليه أحوال المدرسة في النصف الأول من هذا القرن من تأخر عن مواكبة التطورات التي حصلت في مختلف ميادين الحياة نتيجة استمرارها في المحافظة على نفس الممارسات البيداغوجية من مفاهيم تربوية وتقنيات عمل وأدوات وطرائق طغى عليها الطابع الحشوي التلقيني scolastique الذي بني كله على التصور العلموي scientisme الذي رسخ الإعتقاد بأن الطرائق العلمية التي نجحت في مجال الصناعة صالحة للتطبيق في المجالات الحيوية الأخرى بنفس الفعالية ، تماما مثل وصل عجلات مسننة لمحرك لملاحظة انتقال الحركة وتحولها ، أو وصع نماذج قطع لطائرة على ورق من قبل الرسامين الصناعيين لينجزها العمال بنفس القياسات والمواصفات لتجمع فيما بعد وتكون عربة(طائرة)، ووفق هذا التصور التقيليدي العلموي الذي لا زال سيدا ، يجلس الطفل مربع اليدين ، جاعلا الفراغ في ذهنه وعلى المعلم أن يركب فيه القطع المصبوطة جيدا من طرف ميكانيزم الحشوي scolastique ، اثنان واثنان يكونان أربعة ، ب و أ يكونان ب أ ، ملخصات ، تعريفات ونظريات .

لقد وصلت المدرسة فعلا إلى تركيب ميكانيزمات كما يجب أن تشتغل منهجيا ة ولكن بصفة حرة خارج الحياة ، فالطفل يحصل على المفاهيم ، ولكن ما هي إلا حشوية scolastique ، أي أنها يمكن أن تكون صحيحة وعقلانية في الوسط المدرسي ولكن ليست بالصرورة في معترك الحياة ، فهو يفكر مثلما لقن وعلم دون تجاهل لمعطيات أو حيثيات ولكن يجد نفسه صالا عند تدخل تعقيدات الحياة التي ليست دائما عقلانية وعلمية ، فيعالج المشكلات التي تواجهه ولكن لا يستغرب في النتائج قط إن جاءت غير عادية !
../.. يتبع